مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِإِنْسَانٍ : إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُونَ الْخُطْبَةَ ، يُبَدُّونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ : قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ ، يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ . 9303 - فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ مُتَّصِلَةٍ حِسَانٍ مُتَوَاتِرَةٍ . 9304 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : مَدْحُ زَمَانِهِ ; لِكَثْرَةِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَقِلَّةِ الْقُرَّاءِ ، وَزَمَانُهُ هَذَا هُوَ الْقَرْنُ الْمَمْدُوحُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
9305وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْقُرَّاءِلِلْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَذَمِّهِ لِذَلِكَ
9306وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَغَيْرِهِ .
9307وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَدْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْ لَا خَيْرَفِيهِ ، وَالْعِيَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَالْبُرْهَانِ .
9308وَفِيهِ : دَلِيلٌ أَنَّ تَضْيِيعَ حُرُوفِ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ مَدَحَ الزَّمَانَالَّذِي تُضَيَّعُ فِيهِ حُرُوفُهُ ، وَذَمَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ .
9309وَفِيهِ : أَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ مَذْمُومٌ ، وَأَنَّ كَثْرَةَ السَّائِلِينَ وَقِلَّةَ الْمُعْطِينَ لَايَكُونُ إِلَّا فِي زَمَنٍ مَذْمُومٍ ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ مَدَحَ قِلَّةَ السُّؤَالِ وَكَثْرَةَ الْعَطَاءِ .
9310وَفِيهِ : أَنَّ طُولَ الصَّلَاةِمَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ .
9311وَأَمَّا مَنْ أَمَّ جَمَاعَةً فَقَدْ أَوْضَحْنَا السُّنَّةَ فِي إِمَامَةِ الْجَمَاعَةِفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
9312وَإِذَا كَانَ مَنْ أَتَى الصَّلَاةَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فِيهَا مَحْمُودًا عَلَيْهَا ، فَبِضِدِّ ذَلِكَ ذَمَّ مَنْ لَمْيُتِمَّهَا وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا عَلَى كَمَالِهَا مَذْمُومٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ .
9313وَأَمَّا قَصْرُ الْخُطْبَةِ فَسُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيَفْعَلُهُ .
9314وَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَصْرِ الْخُطْبَةِ وَكَانَ يَخْطُبُ بِكَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ قَلِيلَاتٍ ، وَقَدْ كَرِهَ التَّشَدُّقَ وَالتَّفَيْهُقَ .
9315وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ مِنَ الْمَوَاعِظِ مَا يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا ; لِطُولِهِ وَيَسْتَحِبُّونَ مِنْ ذَلِكَ مَاوَقَفَ عَلَيْهِ السَّامِعُ الْمَوْعُوظُ فَاعْتَبَرَهُ بَعْدَ حِفْظِهِ لَهُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْقِلَّةِ .
9316وَابْنُ مَسْعُودٍ هَذَا هُوَ الْقَائِلُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ ; مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا .
9317وَأَمَّا تَبْدِأَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى الْهَوَى فَهُوَ النُّورُ وَالْهُدَى ، وَآفَةُالْعَقْلِ الْهَوَى ، فَمَنْ عَلَا عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهُ فَقَدْ نَجَا .