بلاغ مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَنْشَأَتْ بِحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ
وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إِذَا أَنْشَأَتْ بِحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ . 10023 - هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْرِفُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَمَنْ ذَكَرَهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا . 10024 - وَابْنُ أَبِي يَحْيَى مَطْعُونٌ عَلَيْهِ مَتْرُوكٌ .
10025 - وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . 10026 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ . 10027 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا : بَحْرِيَّةً ( بِالنَّصْبِ ) .
10028 - كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا ظَهَرَتِ السَّحَابُ بَحَرِيَّةً مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ . 10029 - وَمَعْنَى نَشَأَتْ : ظَهَرَتْ وَارْتَفَعَتْ . يُقَالُ : أَنْشَأَ فُلَانٌ يَقُولُ كَذَا .
إِذَا ابْتَدَأَ قَوْلَهُ وَأَظْهَرَهُ بَعْدَ سُكُوتٍ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : أَنْشَأَ فُلَانٌ حَائِطَ نَخْلٍ . 10030 - وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ﴾) أَيِ : السُّفُنُ الظَّاهِرَةُ فِي الْبَحْرِ كَالْجِبَالِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأَرْضِ .
10031 - وَقَدْ قِيلَ : أَنْشَأَتْ تُمْطِرُ : أَيِ ابْتَدَأَتْ . 10032 - وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّاعِرِ : أَنْشَأَ يَقُولُ . 10033 - وَإِنَّمَا سَمَّى السَّحَابَةَ بَحَرِيَّةً لِظُهُورِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ .
10034 - يَقُولُ : ( إِذَا طَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِنْ نَاحِيَةٍ الْبَحْرِ ) وَنَاحِيَةُ الْبَحْرِ بِالْمَدِينَةِ : الْغَرْبُ ( ثُمَّ تَشَاءَمَتْ ) أَيْ أَخَذَتْ نَحْوَ الشَّامِ ، وَالشَّامُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ . 10035 - يَقُولُ : إِذَا مَالَتِ السَّحَابَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى الشَّمَالِ - وَهُوَ عِنْدَنَا الْبَحْرِيَّةُ - وَلَا تَمِيلُ كَذَلِكَ إِلَّا بِالرِّيحِ النَّكْبَاءِ الَّتِي بَيْنَ الْغَرْبِ وَالْجَنُوبِ هِيَ الْقِبْلَةُ فَإِنَّهَا يَكُونُ مَاؤُهَا غَدَقًا ، يَعْنِي : غَزِيرًا مَعِينًا ; لِأَنَّ الْجَنُوبَ تَسُوقُهَا وَتَسْتَدِرُّهَا وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ . 10036 - قَالَ الْكُمَيْتُ : مَرَتْهُ الْجَنُوبُ فَلَمَّا اكْفَهَرْ رَحَلَّتْ عَزَالِيَهُ الشَّمْأَلُ .
10037 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَتِلْكَ عَيْنٌ فَالْعَيْنُ مَطَرُ أَيَّامٍ لَا يَقْلَعُ . 10038 - كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالْخَبَرِ . 10039 - قَالُوا : وَالْعَيْنُ أَيْضًا نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ .
10040 - وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مُطِرْنَا بِالْعَيْنِ ، وَمِنَ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ السَّحَابُ نَاشِئًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ . 10041 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْعَيْنَ مَاءٌ عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ . 10042 - وَغُدَيْقَةٌ : تَصْغِيرُ غَدَقَةٍ ، وَالْغَدَقَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ .
10043 - قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : مَاءً غَدَقًا 10044 - قَالَ كَثِيرٌ : وَتَغْدِقُ أَعْدَادٌ بِهِ وَمَشَارِبُ . 10045 - يَقُولُ : يَكْثُرُ الْمَطَرُ عَلَيْهِ . 10046 - وَأَعْدَادٌ : جَمْعُ عِدٍّ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْغَزِيرُ .
وَقَدْ يَكُونُ التَّصْغِيرُ هُنَا أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَيِّفٌ مُلِئَ عِلْمًا . 10047 - وَقِيلَ : إِنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ لِصِغَرِ قَدِّ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَطَافَةِ جِسْمِهِ . 10048 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا خَرَجَ عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْهُودَةِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ ; لِأَنَّهُ يُعْلَمُ نُزُولُ الْغَيْثِ حَقِيقَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ ظُهُورِ السَّحَابِ .
10049 - وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْخَمْسَ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ . 10050 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ السَّحَابَةَ تَحْمِلُ الْمَاءَ مِنَ الْبَحْرِ . 10051 - وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذَا بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ : شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَشِيجُ .
50 10052 وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : بِمَاءِ الْبَحْرِ : لِلتَّبْعِيضِ . 10053 - وَالَّذِي قَدَّمْتُ لَكَ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَالُ فَلَا يُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ وَلَا يُنْشِئُ السَّحَابَ وَلَا يُرْسِلُ الرِّيَاحَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .