في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ
وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ . 10762 - فَقَدْ أَسْنَدْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 10763 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فَالِقُ الإِصْبَاحِ فَمَعْنَاهُ فَالِقُ الصُّبْحِ عَنِ النَّهَارِ كَمَا يُفْلَقُ الْحَبُّ عَنِ النَّوَى عَنِ النَّبَاتِ ، وَالْفَلْقُ فَلْقُ الصُّبْحِ .
10764 - وَقَوْلُهُ جَاعِلَ اللَّيْلَ سَكَنًا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يُونُسَ 67 . 10765 - وَقَوْلُهُ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا فَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ يَجْرِيَانِ فِيهِ إِلَى غَايَتِهِ . 10766 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَكَمَثَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الْأَنْبِيَاءِ 33 ، وَمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ الرَّحْمَنِ 1 ، قَالَ : كَحُسْبَانِ الرَّحَا .
10767 - وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ : عَلَيْهِمَا حِسَابٌ وَآجَالٌ كَآجَالِ النَّاسِ ، فَإِذَا جَاءَ أَجْلُهُمَا هَلَكَا . 10768 - وَقَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : حُسْبَانٌ بِمَعْنَى حِسَابٍ ، أَيْ جَعَلَهُمَا يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ . 10769 - قَالُوا : وَقَدْ يَكُونُ حُسْبَانُ جَمْعُ حِسَابٍ ، مِثْلَ شِهَابٍ وَشُهْبَانَ .
10770 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ فَمَعْنَاهُ دُيُونُ النَّاسِ ، وَيَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ . 10771 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . 10772 - وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ .
10773 - وَهَذَا الْأَظْهَرُ فِيهِ مِنْ دَيْنِ بَنِي آدَمَ . 10774 - وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ . 10775 - وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ وَالذِّلَّةِ .
10776 - وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ : إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى . 10777 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ مَعَ قَوْلِهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ وَلَا تَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا فَإِنَّ هَذَا الْفَقْرَ هُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَعَهُ الْقُوَّةُ وَالْكَفَافُ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ مَعَهُ فِي النَّفْسِ غِنًى ، لِأَنَّ الْغِنَى عِنْدَهُ غِنَى النَّفْسِ . 10778 - ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرْضِ ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ .
10779 - وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) غَنِيًّا وَعَدَّدَهُ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَّدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ ، فَقَالَ : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴾ الضُّحَى 8 ، وَلَمْ يَكُنْ غِنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ إِيجَادِ قُوتِ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ، وَكَانَ الْغِنَى كُلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةً بِرَبِّهِ وَسُكُونًا إِلَى أَنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ يَأْتِيهِ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ . 10780 - وَكَذَلِكَ قَالَ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، لَا يَكْثُرُ هَمُّكَ مَا يُقَدَّرُ يَكُنْ وَمَا يُقَدَّرُ يَأْتِيكَ . 10781 - وَقَالَ : إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي فَقَالَ : لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا ؛ فَاتَّقَوْا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرَّمَ .
10782 - فَغِنَى النَّفْسِ يُعِينُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ ، وَغِنَى الْمُؤْمِنِ الْكِفَايَةُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِمْ إِلَّا الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ لَهُمْ . 10783 - وَقَالَ : مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى . 10784 - وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : إِذَا كَانَ مَا يَكْفِيكَ لَا يُغْنِيكَ ، فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يُغْنِيكَ .
10785 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ فَقْرٍ مُسْرِفٍ وَغِنًى مُطْغٍ . 10786 - وَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ طَرَفَانِ وَغَايَتَانِ مَذْمُومَتَانِ . 10787 - وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ .
10788 - وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَتَّسِعُ جِدًّا ، وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي ظَوَاهِرَ أَكْثَرُهَا تَعَارُضٌ ، وَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ تَتَقَارَبُ مَعَانِيهَا . 10789 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى بِالْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَبِمَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي تَفْضِيلِ الْغِنَى وَحَمْدِ الْفَقْرِ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعَلَمِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ . 10790 - وَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَاكِيًا عَنْ موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ الْقَصَصِ 24 ، تَفْضِيلُ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ ، لِأَنَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ يَفْتَقِرُونَ إِلَى رَحْمَتِهِ ، وَلَا غِنًى لَهُمْ عَنْ رِزْقِهِ ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْكِفَايَةَ فَقَدْ تَمَّتْ لَهُ مِنْهُ الْعِنَايَةُ ، وَمَنْ أَتَاهُ اللَّهُ مِنْ رِزْقِهِ سِعَةً فَوَاجِبٌ شُكْرُهُ عَلَيْهِ وَحَمْدُهُ ، كَمَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَى مَنِ امْتُحِنَ بِالْقِلَّةِ وَالْفَقْرِ ، لِأَنَّ الْفَرَائِضَ وَحُقُوقَ الْمَالِ وَنَوَافِلَ الْخَيْرِ تَتَوَجَّهُ إِلَى ذِي الْغِنَى ، وَمُؤْنَةُ ذَلِكَ سَاقِطَةٌ عَنِ الْفَقِيرِ ، وَالْقِيَامُ بِهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ وَالرِّضَا بِهِ ثَوَابٌ جَسِيمٌ .
10791 - قَالَ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ الزُّمُرِ 10 . 10792 - وَقَدْ قَالَ الْحُكَمَاءُ : خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا . 10793 - فَالزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ عَلَى الْقُوتِ وَالْكِفَايَةِ ذَمِيمَةٌ وَلَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهَا ، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الْكَفَافِ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهَا فِتْنَتَهَا أَيْضًا وَلَا سِيَّمَا صَاحِبُ الْعَيَّالِ .
10794 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ فَقَالَ : جَهْدُ الْبَلَاءِ : كَثْرَةُ الْعِيَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ . 10795 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعِظَامِ عَلَى عَبْدِهِ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَنِعَمُ اللَّهِ وَاجِبٌ اسْتَدَامَتُهَا بِالشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ . 10796 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُعَارِضُ هَذَا ظَاهِرُهُ ، وَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ : إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ .
10797 - وَهَذَا مِنَ الْعَزَاءِ وَالْحَضِّ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ . 10798 - وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ : لَأَنْ أُعَافَى وَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى وَأَصْبِرَ . 10799 - وَفِي الِاقْتِنَاعِ بِالصَّبْرِ قُوَّةٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْهَا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ وَمَا لَا يُحْصَى لِمَنْ زَيَّنَهُ اللَّهُ بِالتَّقْوَى ، وَفِي السَّمْعِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنَعُّمِ بِسَمَاعِ الذِّكْرِ وَسَمَاعِ مَا يُسِّرُ .
10800 - وَقَوْلُهُ : وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ فَإِنَّهُ يُرْوَى وَقَوِّنِي فِي سَبِيلِكَ ، وَيُرْوَى وَقُوَّتِي وَهُوَ الْأَكْثَرُ عِنْدَ الرُّوَاةِ ، وَمَعْنَاهُ الْقُوَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَتِكَ وَالشُّكْرُ لِنِعْمَتِكَ . 10801 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَالْغِنَى عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَافِيَةِ لِأَنَّهَا اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ .
10802 - وَالدُّعَاءُ رَأْسُ الْعِبَادَةِ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُسْأَلَ مِنْ فَضْلِهِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ النِّسَاءِ 32 .