حديث ابن عمر إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : هَذَا مِقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 11820 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 11821 - وَهُوَ مَعْنًى مَفْهُومٌ عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ لِـ حَتَى يَبْعَثُكَ اللَّهُ .
11822 - وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 11823 - وَهَذَا أَثْبَتُ وَأَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى قَوْلٍ . 11824 - وَقَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
11825 - وَهَذَا أَيْضًا بَيِّنٌ ، يُرِيدُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ وَإِلَيْهِ تَصِيرُ . 11826 - وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ ، لِأَنَّ مَعْنَى مِقْعَدُهُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : مُسْتَقَرُّهُ وَمَا يَسِيرُ إِلَيْهِ مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ . 11827 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ كَمَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ لَمْ يَزِدْ .
11828 - وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَرِيبًا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ فِيمَا وَصَفْنَا . 11829 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَيْ : إِلَى اللَّهِ ، فَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11830 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ كَمَا يَقُولُ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ ، أَهْلُ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ .
11831 - وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ الْبَقَرَةِ 35 . 11832 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الْأَعْرَافِ 27 . 11833 - وَقَالَ : إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى طه 117 .
11834 - وَقَالَ لِإِبْلِيسَ : فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الْحِجْرِ 34 . 11835 - وَقَالَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) فِي آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا غَافِرَ 46 . 11836 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا .
الْحَدِيثَ . 11837 - وَقَوْلُهُ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . 11838 - وَقَوْلُهُ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَأَخَذْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا .
11839 - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ، وَخَلَقَ النَّارَ فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ . 11840 - وَالْآثَارُ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . 11841 - وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ .
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ : فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ ، وَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 11842 - وَفِيهِ بَيَانُ وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) .
11843 - وَفِيهِ قَالَ : فَتُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ ، وَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : دِينِي الْإِسْلَامُ ، وَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ : نَبِيِّي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : صَدَقَ عَبْدِي ، فَافْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ . قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا وَرَوْحِهَا وَيُفْتَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ . الْحَدِيثَ .
11844 - وَفِيهِ فِي الْكَافِرِ أَنَّهُ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ . 11845 - وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11846 - وَالْأَحَادِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا .
11847 - وَأَمَّا قَوْلُهُ إِن أَحَدَكُمْ فَإِنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى أَصْحَابِهِ وَإِلَى الْمُنَافِقِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَعَلَى الْمُنَافِقِ مِقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ . 11848 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقْرَارُ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَهُ وَالْإِقْرَارُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ . 11849 - وَكَذَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفَنِيَّةِ الْقُبُورِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ أَحْسَنُ مَجِيئًا وَأَثْبَتُ نَقْلًا مِنْ غَيْرِهَا .
11850 - وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَفَنِيَّةِ قُبُورِهَا لَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِيمُ وَلَا تُفَارِقُ أَفَنِيَّةَ الْقُبُورِ بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ . 11851 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْأَرْوَاحُ عَلَى الْقُبُورِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ دَفْنِ الْمَيِّتِ لَا تُفَارِقُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .