حديث عبد الرحمن بن عوف سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ ، فَقَالَ : مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . 13357 - وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ .
وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ ، والصَّحِيحُ عَنْ مالك مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 13358 - وَفِي حَدِيثِ جَعْفَرٍ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَبْرَ الْعَالِمَ قَدْ يَجْهَلُ مَا يَجِدُ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ . 13359 - وَفِيهِ انْقِيَادُ الْعَالِمِ إِلَى الْعِلْمِ حَيْثُ كَانَ .
13360 - وَفِيهِ إِيجَابُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ . 13361 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : سُنُّوَا فِيهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ الْخَارِجِ مَخْرَجَ الْعُمُومِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُصُوصُ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْجِزْيَةِ ، لَا فِي نِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، وَلَا فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ . 13362 - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَبْحِ الْمَجُوسِ لِشَاةِ الْمُسْلِمِ إِذَا أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِذَبْحِهَا بَأْسًا ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ .
13362 - وَالْمَعْنَى عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ : أَنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ صَغَارٌ لَهُمْ وَذِلَّةٌ لِكُفْرِهِمْ ، وَقَدْ سَاوَوْا أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْكُفْرِ بَلْ هُمْ أَشَدُّ كُفْرًا فَوَجَبَ أَنْ يَجْرُوا مَجْرَاهُمْ فِي الذُّلِّ وَالصَّغَارِ ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنَ الْكِتَابِيِّينَ رِفْقًا بِهِمْ ؛ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ تَقْوِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَذُلًّا لِلْكَافِرِينَ . 13363 - وَلَيْسَ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُمَةٌ بِالْكِتَابِيِّينَ لِمَوْضِعِ كِتَابِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمُ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ . 13364 - هَذِهِ جُمْلَةٌ اعْتَلَّ بِهَا أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمَجُوسِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ ، وَمِنْ مَجُوسِ هَجَرَ .
وَفَعَلَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . 13365 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ أَمْ لَا ؟ 13366 - فَقَالَ مَالِكٌ : تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ 13367 - قَالَ : وَتُقْبَلُ مِنَ الْمَجُوسِ بِالسُّنَّةِ . 13368 - وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَبِي ثَوْرِ ، وَأَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وُهْبٍ .
13369 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنَّ الْفَرَازِنَةَ وَمَنْ لَا دِينَ لَهُ مِنْ أَجْنَاسِ التُّرْكِ وَالْهِنْدِ ، وَعَبَدَةِ النِّيرَانِ ، وَالْأَوْثَانِ ، وَكُلِّ جَاحِدٍ ومُكَذِّبٍ بِدِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا ، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، فَإِنْ بَذَلُوا الجِزْيَةً قُبِلَتْ مِنْهُمْ ، وَكَانُوا كَالْمَجُوسِ فِي تَحْرِيمِ مَنَاكِحِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ وَسَائِرِ أُمُورِهِمْ . 13370 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كُلُّ عَجَمِيٍّ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إِنْ بَذَلَهَا وَلَا تُقْبَلُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ كِتَابِهِمْ . 13371 - وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى الْجِزْيَةَ : الْقِيَاسُ عَلَى الْمَجُوسِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَاهُمْ فِي أَنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ .
13372 - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ . 13373 - وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ .
13374 - وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا أُنْـزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ 13375 - قَالُوا : فَلَا أَهْلَ كِتَابٍ إِلَّا أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . 13376 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ فَبَدَّلُوهُ .
13377 - وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ فِيهِ ضَعْفٌ يَدُورُ عَلَى أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ عِنْدَهُمْ . وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو زَرْعَةَ الرَّازِيُّ عَنْهُ ، فَقَالَ : صَدُوقٌ مُدَلِّسٌ وَقَالَ مَرَّةً : لَيِّنُ الْحَدِيثِ فِيهِ ضَعْفٌ ، قِيلَ : هُوَ صَدُوقٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَانَ لَا يَكْذِبُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي التَّمْهِيدِ .
13378 - وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ كِتَابٍ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُعْلَمُ كِتَابُهُمْ عِلْمَ ظُهُورٍ وَاسْتِفَاضَةٍ ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَعِلْمُ كِتَابِهِمْ عَلَى خُصُوصٍ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى كُتُبًا وَصُحُفًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ مِنْهَا زَبُورُ دَاوُدَ ، وَصُحُفُ إِبْرَاهِيمَ . 13379 - وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَجُوسَ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ . 13380 - وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّصِلَةٌ وَمُرْسَلَةٌ .
13381 - مِنَ الْمُتَّصِلَةِ حَدِيثُ شِهَابٍ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْهُ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عمرو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ . ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 13382 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ مَجُوسٌ مَا رَوَاهُ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ; فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قُبِلَ مِنْهُ ، وَمَنْ أَبَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ لَهُمُ امْرَأَةٌ .
13383 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ مُسْنَدَةً وَمُرْسَلَةً . 13384 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ . فَرَوَى :