حديث ابن عمر في بعث النبي سرية فغنموا إبلا كثيرة
( 6 ) بَابُ جَامِعِ النَّفْلِ فِي الْغَزْوِ 943 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَعَثَ سَرِيَّةَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ . فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً ، فَكَانَ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا . وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا .
19534 - هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَلَى الشَّكِّ : أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَسَائِرُ رُوَاةِ نَافِعٍ : أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَشُعَيْبُ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، يَرْوُونَهُ : اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، بِغَيْرِ شَكٍّ . 19535 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 19536 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ رِوَايَةَ الْوَلِيدِ ، وَذَكَرْنَا أَصْحَابَ نَافِعٍ فِي أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ ، مُسْتَقْصَاةً بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي وَالْوُجُوهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
19537 - وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا حَاشَا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَ تُنْفَلِ الْبَعِيرَ الزَّائِدَ عَلَى السُّهْمَانِ إِلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّفْلُ مِنَ الْخُمُسِ كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَفُقَهَاءُ الْحِجَازِ . 19538 - وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ النَّفْلَ مِنَ الْقِسْمَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَةَ بَعْدُ . 19539 - وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَا بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
19540 - وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ الْمَذْكُورُونَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ السَّرِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَأَنَّ سُهْمَانَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ هِيَ السُّهْمَانُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ، حَاشَا شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ ، فَإِنَّهُ انْفَرَدَ عَنْ نَافِعٍ بِأَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَيْشًا قِبَلَ نَجْدٍ ، فَانْبَعَثَ مِنْهُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ ، فَجَعَلَ السَّرِيَّةَ خَارِجَةً مِنَ الْعَسْكَرِ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ : الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، فَانْبَعَثَ مِنْهُمْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ . 19541 - وَقَالَ شُعَيْبٌ أَيْضًا : إِنَّ سُهْمَانَ ذَلِكَ الْجَيْشِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنَفَلَ أَهْلُ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً بَعِيرًا بَعِيرًا . 19542 - وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ السَّرِيَّةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِيمَا غَنِمُوا ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَالْمَعْنَى فِي السُّنَّةِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ إِلَّا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي نَافِعٍ كَعُبَيْدِ اللَّهِ وَأَيُّوبَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ .
19543 - وَفِي رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْلَ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنَ الْخُمُسِ . 19544 - وَفِي رَاوِيَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ ذَلِكَ : كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ . 19545 - وَابْنُ إِسْحَاقَ لَيْسَ كَهَؤُلَاءِ فِي نَافِعٍ .
19545 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّفْلُ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : 19546 - ( أَحَدُهَا ) : أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ تَفْضِيلَ بَعْضِ الْجَيْشِ بِشَيْءٍ يَرَاهُ مِنْ غِنَائِهِ وَبَأْسِهِ وَبَلَائِهِ ، أَوْ لِمَكْرُوهٍ ، تَحَمَّلَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ ، فَيُنْفِلُهُ مِنَ الْخُمُسِ لَا مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، بَلْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سِهَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَجْعَلُ لَهُ سَلَبَ قَتِيلِهِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي سَلَبِ الْقَتِيلِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 19547 - ( وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ) : أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا دَفَعَ سَرِيَّةً مِنَ الْعَسْكَرِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُنْفِلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ ، فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ، ثُمَّ يُعْطِي السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبُعًا أَوْ ثُلُثًا ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْلَهُ ، وَيُقَسُّمُ الْبَاقِي بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ عَلَى السَّوَاءِ : لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ . 19548 - ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) : أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى الْقِتَالِ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَيُنْفِلُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَوْ جَمِيعَهُمْ مَا عَسَى أَنْ يَصِيرَ بِأَيْدِيهِمْ وَيَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ : الرُّبُعَ ، أَوِ الثُّلُثَ قَبْلَ الْقَسْمِ ، تَحْرِيضًا مِنْهُ عَلَى الْقِتَالِ .
19549 - وَهَذَا الْوَجْهُ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ وَلَا يَرَاهُ ، وَكَانَ يَقُولُ : قِتَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلدُّنْيَا وَكَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجِيزُهُ . 19550 - وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُهُ . 19551 - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، : لَعَلِّي أَنْ أَبْعَثَكَ فِي جَيْشٍ ، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ ، وَيُغْنِمَكَ ، وَيُرَغِّبَ إِلَيْكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً .
19552 - وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ نَفَلَ السَّرِيَّةَ كُلَّ مَا غَنِمَتْ جَازَ . 19553 - وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ . 19554 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ : قَالَ : سَأَلْتُ مَكْحُولًا وَعَطَاءً عَنِ الْإِمَامِ يُنْفِلُ قَوْمًا مَا أَصَابُوا ؟ قَالَ : ذَلِكَ لَهُمْ .
19555 - قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْمَنْصُورِ ، قَالَ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْإِمَامِ يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ ، فَتَغْنَمُ ، قَالَ : إِنْ شَاءَ نَفَلَهُمْ إِيَّاهُ كُلَّهُ ، وَإِنْ شَاءَ خَمَّسَهُ . 19556 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أَنَّ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ ، وَلَمْ يَرَ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ 19557 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أن لا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، وَلَا نَفْلَ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ . 19558 - وَالنَّفْلُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ .
19559 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَقُلْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بَعْدَ أَنْ بَرِدَ الْقِتَالُ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ عَلَى أَنَّ لَهُ كَذَا ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ يَرُدُّ قَوِيُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ضَعِيفِهِمْ . 19560 - وَإِنَّمَا جَعَلَ مَالِكٌ النَّفْلَ مِنَ الْخُمُسِ ، لَا مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ مَرْدُودٌ قِسْمَتُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، وَأَهْلُهُ غَيْرُ معنيين ، وَلَمْ يَرَ النَّفْلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا مُعَيَّنُونَ ، وَهُمُ الْمُخْوِفُونَ ، وَهُمُ الْمُوجِفُونَ . 19561 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ قَبْلَ إِحْرَازِهِ الْغَنِيمَةَ أَوْ بَعْدَهَا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ .
19562 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَيْسَ فِي النَّفْلِ حَدٌّ . 19563 - وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الشَّامِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ فِي الْبَدَاءَةِ وَالرَّجْعَةِ . 19564 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ بِهَذَا مَشْهُورٌ عَنِ الشَّامِيِّينَ .
19565 - وَمِنْ أَحْسَنِ طُرُقِهِ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ : سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ ، وَحِينَ قَفَلَ الثُّلُثَ . 19566 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي عُمَيْشٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ الْقَاسِمُ : النَّفْلُ مَا لَمْ يَلْتَقِ الزَّحْفَانِ ، فَإِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ فَإِنَّمَا هِيَ الْغَنِيمَةُ . 19567 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَفَلَ نِصْفَ السُّدُسِ .
19568 - قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ الْإِمَامُ . 19569 - قَالَ : وَأَكْثَرُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَنْفَالٌ . 19570 - قَالَ : وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أُعْطُوا فِي سُهْمَانِهِمْ مَا يَجِبُ لَهُمْ مِمَّا أَصَابُوا ، ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ، وَالنَّفْلُ هُوَ شَيْءٌ زِيدُوهُ غَيْرَ الَّذِي كَانَ لَهُمْ .
19571 - وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفْلَ مِنَ الْخُمُسِ كَمَا قَالَ . 19572 - وَالَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 19573 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي هَذَا الْبَابِ : أَنْ يَكُونَ النَّفْلُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا أَنَّ فِي حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ خُمُسِ اَلْخُمُسِ ، وَذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ تِلْكَ السَّرِيَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَشْرَةً مِثَالًا .
19574 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا عَرَفْتَ مَا لِلْعَشْرَةِ عَلِمْتَ مَا لِلْمِائَةِ وَلِلْأَلْفِ ، فَمِثَالُ ذَلِكَ : أَنْ تَكُونَ السَّرِيَّةُ عَشْرَةً أَصَابُوا فِي غَنِيمَتِهِمْ مِائَةً وَخَمْسِينَ بَعِيرًا ، خَرَجَ مِنْهَا خُمُسُهَا بِثَلَاثِينَ ، وَصَارَ لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرِينَ ، قُسِّمَتْ عَلَى عَشْرَةٍ ، وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ، ثُمَّ أُعْطِيَ الْقَوْمُ مِنَ الْخُمُسِ بَعِيرًا بَعِيرًا . 19575 - فَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ النَّفْلَ مِنْ جُمْلَةِ الْخُمُسِ ؛ لا من خمس الخمس لأن خُمُسَ الثَّلَاثِينَ لَا يَكُونُ فِيهِ عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ . 19576 - وَقَدْ يَحْتَجُّ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثِيَابٌ وَخُرْثِيُّ مَتَاعٍ غَيْرَ الْإِبِلِ ، فَأَعْطَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْبَعِيرُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ .
19577 - وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : هَذَا النَّفْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ الْإِسْهَامِ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخُمُسِ . 19578 - وَقَالَ غَيْرُهُ : النَّفْلُ الَّذِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ نَفْلُ السَّرَايَا ، كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَنْفُلُ فِي الْبَدَاءَةِ : الثلث ، وفي الرجعة : الربع . 19579 - وقال أبو ثور : وذكر نفل النبي صلى الله عليه وسلم في الْبَدَاءَةِ وَالرُّجُوعِ .
19580 - وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْلَ قَبْلَ الْخُمُسِ . 19581 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : جَائِزٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفُلَ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ . 19582 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ .
19583 - وَقَالَ النَّخَعِيُّ : كَانَ الْإِمَامُ يُنْفِلُ السَّرِيَّةَ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ ، يُضَرِّيهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ . 19584 - وَقَالَ مَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا نَفْلَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 19585 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي أَمِيرٍ أَغَارَ فَقَالَ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ .
كَمَا قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ : مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا ، وَمَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَلَهُ كَذَا ، يُحَرِّضُهُمْ . 19586 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ فِي قَوْمِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ الْكُوفَةَ وَلَكَ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ أَوْ شَيْءٍ . 19587 - وَلَمَّا أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِسَيْفِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَعْطَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ .
19588 - وَقَالَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الشَّامِ مِنْهُمْ ؛ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، وَعُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ ، وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ وَمَكْحُولٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْخُمُسُ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيمَةِ ، وَالنَّفْلُ مِنْ بَعْدِ الْخُمُسِ ، ثُمَّ الْغَنِيمَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ . 19589 - وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ . 19590 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ : وَالنَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى أن لا نَفْلَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ حَتَّى يُخَمِّسَ .
19591 - وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا تَكُونُ الْأَنْفَالُ إِلَّا فِي الْخُمُسِ . 19592 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ الشَّامِيِّينَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي الْبَدَاءَةِ وَنَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي الرَّجْعَةِ .