حديث لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَفِي هَذَا الْبَابِ : مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا ، وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ ، فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ ، فَقَالَ : بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِئْسَ مَا قُلْتَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا ، مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَعْنِي الْمَدِينَةَ .
20226 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَحْفَظُ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَدًا ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ مَحْفُوظٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَفَضَائِلُ الْجِهَادِ كَثِيرَةٌ . 20227 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشَارِكُ أَصْحَابَهُ بِنَفْسِهِ فِي جَنَازَتِهِمْ ، وَحَفْرِ قُبُورِهِمْ ، وَمُشَاهَدَةِ ذَلِكَ مَعَهُمْ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي حُضُورِ الْجَنَائِزِ وَمُشَاهَدَةِ الدَّفْنِ فِي الْقَبْرِ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ وَرِقَّةِ الْقُلُوبِ لِيُتَأَسَّى بِهِ ، وَتَكُونَ سُنَّةً بَعْدَهُ . 20228 - وَفِيهِ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ قَوْلًا أَنَّهُ يُظْهِرُ قَوْلَهُ ، فَيُحْمَدُ عَلَى الْمَحْمُودِ مِنْهُ ، وَيُلَامُ عَلَى ضِدِّهِ ، حَتَّى يَعْلَمَ مُرَادَهُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى مَا أَرَادَ مِمَّا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ دُونَ ظَاهِرِهِ .
20229 - وَفِيهِ : أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ ، أَوْ مِنْ أَفْضَلِ الْفَضَائِلِ إِذَا كَانَ عَلَى سُنَّتِهِ ، وَمَا يَنْبَغِي فِيهِ . 20230 - وَرَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْحَجِّ ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ ، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ . 20231 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَأَتَمَتَّعُ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ فِي إِثْرِ حَجَّةٍ .
20232 - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : غَزْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ . 20233 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ لِمَنْ أَدَّى مِنَ الْحَجِّ فَرْضَهُ . 20234 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا ، فَإِنَّهُ خَرَجَ قَوْلُهُ عَلَى الْبُقْعَةِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ الْقَبْرُ الْمَحْفُورُ ، وَأَظُنُّهَا بِالْبَقِيعِ ، وَلَمْ يُرِدِ الْبَقِيعَ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الْمَدِينَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَيْهِ ، أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ فِيهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ مُهَاجَرِهِ الَّذِي افْتُرِضَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ فِيهِ مَعَ الَّذِينَ أَوَوْهُ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ وَطَنِهِ ، وَنَصَرُوهُ حَتَّى ظَهَرَ دِينُهُ ، وَكَانَ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ حِينَ بَايَعَهُمْ أَنَّهُ إِذَا هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ، يُقِيمُ أَبَدًا مَعَهُمْ ، فَيَكُونُ مَحْيَاهُ مَحْيَاهُمْ ، وَمَمَاتُهُ مَمَاتَهُمْ ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ ، وَكَانَ مِنْ دعائه أَنْ يُحَبِّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ الْمَدِينَةَ كَحُبِّهِمْ لِمَكَّةَ ، أَوْ أَشَدَّ ، وَكَانَ يَكْرَهُ لِأَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَمُوتُوا فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرُوا مِنْهَا ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ .
20235 - وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ هَذَا الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَكَانَتْ عَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يُؤَكِّدُهُ وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا .