في الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أنه يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ
وَسُئِلَ مَالِكٌ ، عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ . أَيَأْكُلُ مِنْهَا ، وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ ، أَوِ الزَّرْعِ ، أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ ، حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ ، مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا . وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ ، وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي ، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ .
مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخَذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ ، بِدُونِ اضْطِرَارٍ . 22325 - قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 22326 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَرَأَى لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، إِلَّا مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، كَأَنَّهُ رَأَى الْمَيْتَةَ أُطْلِقَ أَكْلُهَا لِلْمُضْطَرِّ ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ يَعْنِي أَمْوَالُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ أَعَمُّ وَأَشَدُّ .
22327 - وَهَذَا يُخَالِفُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْمُوَاسَاةَ فِي الْعُسْرَةِ ، وَتَرْمِيقَ الْمُهْجَةِ مِنَ الْجَائِعِ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ ، فَكِلَاهُمَا حَلَالٌ فِي الْحَالِ . 22328 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : أَصَابَتْنِي سَنَةٌ ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَعَرَكْتُ سُنْبُلًا ، فَأَكَلْتُ ، وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي فَجَاءَ صَاحِبُهُ ، فَضَرَبَنِي ، وَأَخَذَ ثَوْبِي ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا ، وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا أَوْ قَالَ : سَاغِبًا ، وَأَمَرَهُ ، فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي ، وَأَعْطَانِي وَسْقًا ، أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ . 22329 - رَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ ، وَلَمْ يَلْقَ أَبُو بِشْرٍ صَاحِبًا غَيْرَ هَذَا الرَّجُلِ .
22330 - وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : فَلْيَحْتَلِبْ ، فَلْيَشْرَبْ ، وَلَا يَحْمِلْ . 22331 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّمْرِ ، وَالزَّرْعِ ، وَالْغَنَمِ ، أَنَّهُ يُقْطَعُ إِذَا عُدَّ سَارِقًا ، فَهَذَا لَا يَكُونُ فِي زَرْعٍ قَائِمٍ ، وَلَا ثَمَرٍ فِي شَجَرٍ وَلَا غَنَمٍ فِي سَرْحِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْقَطْعُ فِي الزَّرْعِ إِذَا صَارَ فِي الْأَنْدَرِ ، وَصَارَ التمْرُ فِي الْجَرِيسِ ، وَالْغَنَمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرَاحِ ، وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحِرْزِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ . 22332 - وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِيَارٌ ، وَاسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ عَلَى السَّائِلِ .
22333 - وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَحَلَالٌ لِلْمُضْطَرِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا دَامَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ بِإِجْمَاعٍ . 22334 - وَكَذَلِكَ أَكْلُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ ، أَوْ إِطْعَامُ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَهُ حَلَالٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَرَفَ حَالَهُ تِلْكَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَمُوتُ ، وَعِنْدَهُ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ قِيَامُهُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَرْضًا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ ، فَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ سَقَطَ ذَلِكَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنِ اضْطُرَّ أَنْ يَكُفَّ عَمَّا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ، فَيَمُوتُ . 22335 - وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ : إِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، وَلَمْ يَأْكُلْهَا ، وَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ ، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَى غَيْرِهِ فِيهِ .
22336 - وَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 22337 - إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ ، وَقِيمَةٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ هَلْ عَلَيْهِ ثَمَنُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ : 22338 - فَقَالَ قَوْمٌ : يَضْمَنُ مَا أَحْيَا بِهِ نَفْسَهُ . 22339 - وَقَالَ الْأَكْثَرُ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ .
22340 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ ، فَيَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ ، أَوْ يَجِدُهُ سَاقِطًا ، قَالَ : لَا يَأْكُلُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِهِ تَطِيبُ بِذَلِكَ ، أَوْ يَكُونُ مُحْتَاجًا ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 22341 - وَفِي التَّمْهِيدِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصِيبُونَ مِنَ الثِّمَارِ فِي أَسْفَارِهِمْ - يَعْنِي بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا . 22342 - وَعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَا يَأْكُلُ ، وَلَا يُفْسِدُ ، وَلَا يَحْمِلُ ، وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ فِي بَابِ الْغَنَمِ ، مِنَ الْجَامِعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .