حديث ابن عباس الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا
( 2 ) بَابُ اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا 1065 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا . وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا . وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا .
23104 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ رَفِيعٌ صَحِيحٌ ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، أَثْبَاتٌ ، أَشْرَافٌ . 23105 - فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ . 23106 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْجُلَّةِ ، مِنْهُمْ : شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، يَطُولُ ذِكْرُهُمْ .
23107 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ . 23108 - وَاخْتَلَفَ رُوَاتُهُ فِي لَفْظِهِ : فَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ فِيهِ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا . 23109 - وَقَالَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا .
23110 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنَ الْآثَارِ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 23111 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ : ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ . 23112 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا .
وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : صَمْتُهَا إِقْرَارُهَا . 23113 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ فِيهِ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ، جَاءَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ . 23114 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ : 23115 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : الْأَيِّمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الَّتِي آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ ، وَهِيَ الثَّيِّبُ .
23116 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ : فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ مِنْهُنَّ أَيِّمُ 23117 - يَقُولُ : لَيْسَ مِنْهُنَّ مَنْ قُتِلَ زَوْجُهَا . 23118 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتِ ابْنَتُهُ حَفْصَةُ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ . الْحَدِيثَ .
23119 - وَبِحَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : آمَتْ حَفْصَةُ مِنْ زَوْجِهَا ، وآمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ ، الْحَدِيثَ . 23120 - قَالُوا : فَالْأَيِّمُ هُنَا : الثَّيِّبُ . 23121 - وَإِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا : أَيِّمًا ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الِاتِّسَاعِ .
23122 - وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ : عَدَمُ الزَّوْجِ بَعْدَ أَنْ كَانَ . 23123 - قَالُوا : وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى : الْأَيِّمُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُجْمَلٌ . 23124 - وَالْمَصِيرُ إِلَى الرِّوَايَةِ الْمُفَسِّرَةِ أَشْهَرُ فِي الْحُجَّةِ .
23125 - وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَسَعِيدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثَّيِّبُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا . 23126 - قَالُوا : وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الثَّيِّبُ . 23127 - كَمَا رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ ، فَذَكَرَ الْبِكْرَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْأَيِّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الثَّيِّبُ .
23128 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْأَيِّمُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا مِنَ النِّسَاءِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، وَلَكَانَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَكَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ رَدَّ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، فِي أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، وَرَدًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ يُخَاطِبُ الْأَوْلِيَاءَ بِذَلِكَ . 23129 - وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّهَا حَقًّا ، لَكِنَّهَا أَحَقُّ مِنْهُ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْوَلِيِّ عَلَى الْبِكْرِ فَوْقَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُنْكِحُ الثَّيِّبَ إِلَّا بِأَمْرِهَا ، وَيُنْكِحُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ أَمْرِهَا . وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْذَانُهَا وَاسْتِئْمَارُهَا .
23130 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْوَلِيَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْأَبُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُنْكِحُ الثَّيِّبَ مِنْ بَنَاتِهِ إِلَّا بِأَمْرِهَا ، وَلَهُ أَنْ يُنْكِحَ الْبِكْرَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ أَمْرِهَا . 23131 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا : الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . 23132 - وَاحْتَجُّوا بِضُرُوبٍ مِنَ الْحُجَجِ مَعْنَاهَا مَا وَصَفْنَا .
23133 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا دَلَائِلُ ، وَمَعَانٍ ، وَفَوَائِدُ : 23134 - ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ الْأَيِّمَ إِذَا كَانَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا ، فَغَيْرُ الْأَيِّمِ وَلِيُّهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا ، وَلَوْ كَانَتَا جَمِيعًا أَحَقَّ بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ وَلِيِّهِمَا ، لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ الْأَيِّمِ مَعْنًى . 23135 - وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الدَّلَائِلِ ، قَوْلُ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ . 23136 - وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُشْتَرِي ( إِذَا ) بِيعَتْ قَبْلَ أَنْ تُؤَبَّرَ .
23137 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّتِي يُخَالِفُهَا وَلَيُّهَا أَحَقُّ بِهَا . 23138 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَتُسْتَأْمَرُ الْبِكْرُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي أَمْرَيْنِ : 23139 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ الصَّمْتُ ، وَالَّتِي تُخَالِفُهَا الْكَلَامُ . 23140 - ( وَالْآخَرُ ) : أَنَّ أَمْرَهُمَا فِي وِلَايَةِ أَنْفُسِهِمَا مُخْتَلِفٌ ، فَوِلَايَةُ الثَّيِّبِ أَنَّهَا أَحَقُّ مِنَ الْوَلِيِّ .
23141 - قَالَ : وَالْوَلِيُّ هَاهُنَا : الْأَبُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، دُونَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ . 23142 - أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرَ الْأَبِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ ، وَلَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ الْكَبِيرَةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَذَلِكَ لِلْأَبِ فِي بَنَاتِهِ الْأَبْكَارِ ، بَوَالِغَ أَوْ غَيْرِ بَوَالِغَ . 23143 - وَهُوَ الْمُطْلَقُ الْكَامِلُ الْوِلَايَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْوَلَاةَ إِلَّا بِهِ ، وَقَدْ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا ، وَهُوَ يَنْفَرِدُ بِهَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ لَهُ اسْمُ الْوَلِيِّ مُطْلَقًا .
23144 - وَذَكَرَ حَدِيثَ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ نِكَاحَهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا إِذْ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا . 23145 - قَالَ : وَأَمَّا الِاسْتِئْمَارُ لِلْبِكْرِ ، فَعَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ ، وَرَجَاءِ الْمُوَافَقَةِ ، وَخَوْفِ مُوَافَقَةِ الْكَرَاهَةِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ 23146 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ رَدُّ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ لِيَفتَدِيَ بِهِ . 23147 - وَفِي هَذَا الْمَعْنَى آثَارٌ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ .
23148 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَحَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَكَانَ هَذَا الْبَابُ أَوْلَى بِهِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 23149 - وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَيِّمُ : كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا ؛ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ ، وَإِنْ تَتَأَيَّمِي وَإِنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ أَيْ تَبْقِينَ بِلَا زَوْجٍ . 23150 - وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّمَّاخِ : يُقِرُّ بِعَيْنِي أَنْ أُنَبَّأَ أَنَّهَا وَإِنْ لَمْ أَنَلْهَا أَيِّمٌ لَمْ تَزَوَّجْ 23151 - وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ : لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحِ إِنْ لَمْ يُغِيرُوا غَارَةً شَعْوَاءَ تَحْجُرُ كُلَّ نَائِحِ 23152 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ .
23153 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ : مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا ؛ ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا . 23154 - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : الْأَيِّمُ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا ؛ بَالِغًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا . 23155 - قَالَ : وَلَمْ يَدْخُلِ الْأَبُ فِي جُمْلَةِ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي وَلَدِهِ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَا يُشْبِهُونَهُ ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ أَحْكَامُهُ .
23156 - قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَيِّمَ كُلُّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ الآية يَعْنِي كُلَّ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا . 23157 - قَالَ : وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ مَعْنَيَانِ : 23158 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ الْأَيَامَى كُلَّهُنَّ أَحَقُّ بِأَنْفُسِهِنَّ مِنْ أَوْلِيَائِهِنَّ ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْأَبِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ . 23159 - ( وَالْمَعْنَى الْآخَرُ ) : تَعْلِيمُ النَّاسِ كَيْفَ يَسْتَأْذِنُونَ الْبِكْرَ ، وَأَنَّ إِذْنَهَا صُمَاتُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِي أَنْ تُجِيبَ بِلِسَانِهَا .
23160 - قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ إِذَا بَلَغَتْ ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ لَهَا فِي نَفْسِهَا خِيَارٌ إِذَا بَلَغَتْ . 23161 - وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ ، لِدُخُولِهَا فِي جُمْلَةِ الْأَيَامَى ، وَلَوْ كَانَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَبْلُغَ وَتُسْتَأْذَنَ . 23162 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ تَأَمَّلَ الْمَعْنَيَيْنِ ، وَاحْتِجَاجِ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الْقَوِيُّ فِيهِمَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .