في طلاق ابن عمر امرأته وهي حائض وقول النبي للفاروق مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ 1176 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ .
وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 26601 - هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ بِهِ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . 26602 - كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
26603 - وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَدٌ عَنْ نَافِعٍ . 26604 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ نَافِعٌ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ . 26605 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ فِيهِ : حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ : قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ .
26606 - وَكَذَلِكَ رَوَى عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ . 26607 - وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُرْهُ ، فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ لَمْ يَقُولُوا : ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ . 26608 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
26609 - وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ الْحَامِلِ ، فَقَالَ فِيهِ : إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، أَوْ حَامِلًا . 26610 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 26611 - وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ طَلَاقَ الْحَامِلِ إِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا طَلَاقُ سُنَّةٍ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، وَأَنَّ الْحَمْلَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلطَّلَاقِ .
26612 - قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : حَمْلُهَا كُلُّهُ وَقْتٌ لِطَلَاقِهَا . 26613 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . 26614 - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مُرْهُ ، فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا ، أَوْ حَامِلًا .
26615 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ نَافِعٌ : فُقَهَاءُ الْحِجَازِيِّينَ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فَقَالُوا فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا : إِنَّهُ يُرَاجِعُهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ . 26616 - وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالُوا : يُرَاجِعُهَا ، فَإِنْ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ . 26617 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ - صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ - فَقَالُوا : إِنَّمَا أُمِرَ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ بِالْمُرَاجَعَةِ ; لِأَنَّ طَلَاقَهُ ذَلِكَ أَخْطَأَ فِيهِ السُّنَّةَ ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُخْرِجَهَا مِنْ أَسْبَابِ الطَّلَاقِ الْخَطَأِ ، ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا إِنْ شَاءَ طَلَاقًا صَوَابًا .
26618 - وَلَمْ يَرَوْا لِلْحَيْضَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنًى ، وَصَارُوا إِلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 26619 - وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِمَا رَوَاهُ نَافِعٌ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي أَنَّهَا تَطْهُرُ ، ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ : مِنْهُمْ : أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ ، فَقَالُوا : الطُّهْرُ الثَّانِي وَالْحَيْضَةُ الثَّانِيَةُ وُجُوهٌ وَمَعَانٍ حِسَانٌ مِنْهَا : 26620 - أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ لِئَلَّا تَطُولَ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ أُمِرَ بِمُرَاجَعَتِهَا ، لِيُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى سُنَّتِهِ ، وَلَا يُطَوِّلَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَلَوْ أُتِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى ، فَأَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاةَ الْحَائِضِ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ لَمْ تَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا . 26621 - وَفِيهِ : أَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ تَطْهُرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ تَبْنِ .
26622 - وَقِيلَ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي : جُعِلَ لِلْإِصْلَاحِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَجِعِ ، أَنْ لَا يَرْجِعَ رَجْعَةَ ضِرَارٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا 26623 - قَالُوا : فَالطُّهْرُ الْأَوَّلُ فِيهِ الْإِصْلَاحُ بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا . 26624 - وَقِيلَ : إِنَّ مُرَاجَعَتَهُ لَهَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا إِلَّا بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِي مِنَ النِّكَاحِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ مَوْضِعًا لِلْوَطْءِ الَّذِي تَسْتَعِينُ بِهِ الْمُرَاجَعَةُ ، فَإِذَا مَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُبُلٌ إِلَى طَلَاقِهَا فِي طُهْرٍ قَدْ مَسَّهَا فِيهِ ; لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ; وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ كَانَ مُطَلِّقًا لِغَيْرِ الْعِدَّةِ ، فَقِيلَ لَهُ : دَعْهَا ، حَتَّى تَحِيضَ أُخْرَى ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ تُطَلِّقَ ، وَإِنْ شِئْتَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّ . 26625 - وَقَدْ جَاءَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
26626 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ آخِرًا ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا . 26627 - وَقِيلَ : إِنَّهُ لَوْ أُتِيحَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيُطَلِّقَهَا ، فَاشْتَبَهَ النِّكَاحَ إِلَى أَجَلٍ ، وَنِكَاحَ الْمُتْعَةِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَطَأَ . 26628 - وَقِيلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ مُرَادُ مَعْنَى تَوْجِيهَاتِهِمْ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
26629 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ أَوْقَعَهُ ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهُ لَمْ يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، تَغَيُّظُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ عُمَرَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ . 26630 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 26631 - وَاخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُطْلِّقَ فِي الْحَيْضِ بِالرَّجْعَةِ : 26332 - فَقَالَ قَوْمٌ : عُوقِبَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَمْ يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ ، فَعُوقِبَ بِإِمْسَاكِ مَنْ لَمْ يُرِدْ إِمْسَاكَهُ حَتَّى يُطَلِّقَ كَمَا أُمِرَ لِلْعِدَّةِ .
26632 م - وقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ قَطْعًا لِلضَّرَرِ فِي التَّطْوِيلِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ، فَقَدْ طَلَّقَهَا فِي وَقْتٍ لَا تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ قُرْئِهَا الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ ; فَتَطُولُ عِدَّتُهَا ; فَنَهَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْهَا ، وَأَمَرَ أَلَّا يُطَلِّقَهَا إِلَّا عِنْدَ اسْتِقْبَالِ عِدَّتِهَا . 26633 - وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْرَأُ : فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ . 26634 - وَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِمُرَاجَعَةِ امْرَأَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا حَائِضًا دَلِيلٌ يُبَيِّنُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ وَاقِعٌ لَازِمٌ ; لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الطَّلَاقِ ، وَلُزُومِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ وَاقِعًا لَازِمًا مَا قَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ لَا يُقَالُ لَهُ رَاجِعْ ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ امْرَأَتُهُ فِي عِصْمَتِهِ لَمْ يُفَارِقْهَا : رَاجِعْهَا ، بَلْ كَانَ يُقَالُ لَهُ : طَلَاقُكَ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، وَامْرَأَتُكَ بَعْدَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ ، وَنَحْوُ هَذَا .
26635 - أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ يَعْنِي : فِي الْعِدَّةِ . وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فِي الزَّوْجَاتِ غَيْرِ الْمُطَلَّقَاتِ . 26636 - وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فِي الْحَيْضِ مَكْرُوهًا ، بِدْعَةً ، غَيْرَ سُنَّةٍ .
26637 - وَلَا يُخَالِفُ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، وَالْجَهْلِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ غَيْرَ وَاقِعٍ ، وَلَا لَازِمٍ . 26638 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ . 26639 - وَهَذَا شُذُوذٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِمَا رُوِيَ ; وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ الَّذِي عُرِضَتْ لَهُ الْقَضِيَّةُ احْتَسَبَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ وَأَفْتَى بِذَلِكَ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِقِصَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ .
26640 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي - وَهِيَ حَائِضٌ - فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ إِذَا طَهُرَتْ . فَقَالَ لَهُ أُنْسٌ : أَفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ ; قَالَ : نَعَمْ . 26641 - وَحَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَسِّرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ سَالْمُ بْنُ جُنَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - .
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : مَا فَعَلَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةُ ؟ فَقَالَ : اعْتَدَّ بِهَا . 26642 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ : قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى نَافِعٍ لِيَسْأَلَهُ : هَلْ حَبَسَ التَّطْلِيقَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . 26643 - وَرَوَى أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَسَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي غَلَّابٍ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : فَسَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ : قُلْتُ لِرَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ الْخَبَرَ ، وَفِيهِ : فَقُلْتُ : فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ ، فَقَالَ : فَمَهْ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ ، فَاسْتَحْمَقَ .
26644 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ مَنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ ، وَاسْتَحْمَقَ ، أَيْ : وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ تَعَاجَزَ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يُقِمْهُ أَوِ اسْتَحْمَقَ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، أَكَانَ يُعْذَرُ فِيهِ ؟ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ شَذَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا . 26645 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي الْحَيْضِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 26646 - وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ غَيْرَ جَائِزٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ، ثَلَاثًا كَانَتْ أَوْ وَاحِدَةً .
26647 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَخَلَفُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَا : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى ، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 26648 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ : إِذَا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ ، وَهِيَ حَائِضٌ مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَذَا ، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، وَعَصَيْتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ . 26649 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - كَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ زَوَالُ عِصْمَةٍ فِيهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَكَيْفَمَا أَوْقَعَهُ عَلَى سُنَّتِهِ ، أَوْ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِهِ وَقَعَ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ سُنَّتِهِ أَثِمَ ، وَلَزِمَهُ مَا أَوْقَعَ مِنْهُ .
26650 - وَمُحَالٌ أَنْ يَلْزَمَ الْمُطِيعَ الْمُتَّبِعَ لِلسُّنَّةِ طَلَاقُهُ ، ولَا يَلْزَمُ الْعَاصِيَ الْمُخَالِفَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْمُطِيعَ لَمْ يَكُنِ الْعَاصِي لَكَانَ الْعَاصِي أَحْسَنَ حَالًا ، وَأَحَقَّ مِنَ الْمُطِيعِ . 26651 - وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَازِمٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يَقُولُ : عَصَى رَبَّهُ ، وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ . 26652 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ حَائِضًا ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا إِنْ أَبَى ذَلِكَ ؟ 26653 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا إِذَا طَلَّقَهَا ، وَفِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي دَمِ النِّفَاسِ ، حَمَلُوا الْأَمْرَ ، وَذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَقَاسُوا النِّفَاسَ عَلَى الْحَيْضِ .
26654 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ . 26655 - وَقَالَ دَاوُدُ : كُلُّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَاحِدَةً ، أَوِ اثْنَتَيْنِ أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا . 26656 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إِذَا انْقَضَتْ عَدَّتُهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمُرَاجَعَتِهَا نَدْبٌ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 26657 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : يُجْبَرُ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا ، وَفِي الطُّهْرِ بَعْدَهَا ، وَفِي الْحَيْضَةِ بَعْدَ الطُّهْرِ ، وَفِي الطُّهْرِ بَعْدَهَا ، مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، إِلَّا أَشْهَبَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْحَيْضَةِ الْأُولَى مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْهَا ، فَإِذَا صَارَتْ فِي حَالٍ يَجُوزُ لَهُ طَلَاقُهَا فِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا . 26658 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ يَمَسُّهَا فِيهِ ، فَإِذَا حَاضَتْ بَعْدَهُ ، ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إِنْ شَاءَ .
26659 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَجْعَتِهَا ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ وَيُؤْمَرُ إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا . 26660 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ : الْأَطْهَارُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي طُهْرٍ تَعْتَدُّ بِهِ ، وَمَوْضِعٌ يَحْتَسِبُ بِهِ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَيَسْتَقْبِلُهَا مِنْ حِينِئِذٍ . 26661 - وَكَانَ هَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
26662 - وَقَدْ قُرِئَتْ : لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ، أَيْ لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ . 26663 - وَنَهَى عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقْبِلُ الْعِدَّةَ فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ : الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ ، لَا يُجْزِئُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنَ الثَّلَاثِ حِيَضٍ عِنْدَهُ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ حَيْضَةً بَعْدَ طُهْرٍ . 26664 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالْمُرَاجَعَةِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تَكْرَارِهِ .
26665 - وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ، وَالْخَلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْأَقْرَاءِ الَّتِي عَنَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 26666 - فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ : الْأَطْهَارُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْحِيَضُ . 26667 - وَقَالَ آخَرُونَ ، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مَعْنَاهُ : الْأَطْهَارُ ، وَالطُّهْرُ : مَا بَيْنَ الْحَيْضَةِ وَالْحَيْضَةِ . 26668 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْقُرْءَ يَكُونُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ حَيْضَةً ، وَيَكُونُ طُهْرًا .
26669 - وَلَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . 26670 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ : الطُّهْرُ . 26671 - وَيَدُلُّ مِنَ السُّنَّةِ أَيْضًا أَنَّهُ الْحَيْضُ ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ : اتْرُكِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَتْرُكُهَا إِلَّا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا .
26672 - وَقَدْ أَوْرَدْنَا مِنْ شَوَاهِدِ أَشْعَارِ الْعَرَبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا مَا فِيهِ بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ فِي التَّمْهِيدِ . 26673 - وَذَكَرْنَا - أَيْضًا - قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ الْوَقْتُ ، وَشَاهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ أَيْضًا . 26674 - وَاجْتَلَبْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُنَاكَ فِي الْأَقْرَاءِ ، وَمَا لَوَّحْنَا بِهِ هَاهُنَا كَافٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
26675 - فَمِنْ شَاهِدِ الشِّعْرِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ قَوْلُ الْأَعْشَى : وَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةٍ مَالًا وَفِي الْحَمْدِ رِفْعَةٌ لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا 26676 - يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْ نِسَاءَهُ فِي أَقْرَائِهِنَّ ، يَعْنِي أَطْهَارِهِنَّ . 26677 - وَمِنْ شَاهِدِ هَذَا الشِّعْرِ فِي أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضُ ، قَوْلُ الْآخَرِ : يَا رُبَّ ذِي ظَعْنٍ عَلَى فَارِضٍ لَهُ قُرْءٌ كَقُرْءِ الْحَائِضِ 26678 - وَقَدْ رُوِيَ : يَا رُبَّ ذِي ضَبِّ . 26679 - وَالضَّبُّ الْعَدَاوَةُ ، وَالظَّعْنُ مِثْلُهُ .
26680 - يَقُولُ : إِنَّ عَدَاوَتَهُ تَهِيجُ حِينًا بَعْدَ حِينٍ . كَمَا يَهِيجُ الْحَيْضُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ . 26681 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ وَقْتُ الْحَيْضِ ، وَوَقْتُ الطُّهْرِ ، اسْتَشْهَدَ بَقَوْلِ الْهُذَلِيِّ : كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ 26682 - يَعْنِي لِوَقْتِهَا .
26683 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ حَسَّانَ النَّحْوِيُّ : قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ يَقُولُ : الْعَرَبُ تُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا . وَتُسَمِّي الْحَيْضَ قُرْءًا ، وَتُسَمِّي الْحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ جَمِيعًا قُرْءًا . 26684 - وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَصْلُ الْقُرْءِ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : أَقَرَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ لِوَقْتِهَا .
26685 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْءَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ الْقُرْءَ مَهْمُوزٌ ، وَهَذَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ . 26686 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْأَقْرَاءِ ، فَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ :