حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

أحاديث نهي النبي عَنِ الْمُزَابَنَةِ والمحاقلة

وَفَسَّرَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَقَالَ فِي مُوَطَّئِهِ : وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ النَّوَى أَوِ الْقَضْبِ أَوِ الْعُصْفُرِ أَوِ الْكُرْسُفِ أَوِ الْكَتَّانِ أَوِ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السِّلَعِ . لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولَ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ : كِلْ سِلْعَتَك هَذِهِ . أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ عُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُعَدُّ .

فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا ، لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ لَكَ ، حَتَّى أُوَفِّيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي ، أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا ، وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ ، وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمّي مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ ، أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ ، فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ . 28580 - وَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى آخِرِهِ مَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ . 28581 - قِيلَ : لَا يَخْرُجُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَا مِنْ أَصْلِهِ ، فَلَمْ أَرَ وَجْهًا لِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَسْطُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ .

28582 - وَيَشْهَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ مَأْخُوذٌ لَفْظِهَا مِنَ الزَّبَنِ ، وَهُوَ الْمُقَامَرَةُ ، وَالدَّفْعُ ، وَالْمُغَالَبَةُ ، وَفِي مَعْنَى الْقِمَارِ ، وَالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : إِنَّ الْقَمَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِمَارِ لِزِيَادَتِهِ ، وَنُقْصَانِهِ . 28583 - فَالْمُزَابَنَةُ وَالْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ شَيْءٌ مُتَدَاخِلُ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ . 28584 - تَقُولُ الْعَرَبُ : حَرْبٌ زَبُونٌ ، أَيْ ذَاتُ دَفْعٍ وَقِمَارٍ ، وَمُغَالَبَةٍ .

28585 - قَالَ أَبُو الْغَوْلِ الطُّهَوِيُّ : فَوَارِسُ لَا يَمْلِكُونَ الْمَنَايَا إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ 28586 - وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ لَقِيطٍ الْإِيَادِيُّ : عَبْلُ الذِّرَاعِ أَبْيَازًا مُزَابَنَةً فِي الْحَرْبِ يَخْتَتِلُ الرِّئَالُ وَالسَّقَيَا 28587 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ ، فَأَخْبَرَ سَعِيدٌ أَنَّ ذَلِكَ مَيْسِرٌ . 28588 - وَالْمَيْسِرُ الْقِمَارُ . 28589 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : جِمَاعُ الْمُزَابَنَةِ أَنْ يُنْظَرَ كُلُّ مَا عُقِدَ بَيْعُهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ رِبًا ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ يُعْرَفُ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ بِشَيْءٍ جُزَافًا ، وَلَا جُزَافًا بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ ، فَإِمَّا أَنَّ يَقُولَ لَكَ : أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا ، فَمَا زَادَ فَلِي ، وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ تَمَامُهَا ، فَهَذَا مِنَ الْقِمَارِ ، وَالْمُخَاطَرَةِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ .

28590 - وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : الْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ، فَفَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ : بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا . وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . 28591 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ .

28592 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بِتَمْرٍ كَيْلًا ، إِنْ كَانَتْ نَخْلًا ، أَوْ بِزَبِيبٍ إِنْ كَانَتْ كَرْمًا ، أَوْ حِنْطَةً إِنْ كَانَتْ زَرْعًا . 28593 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : الْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِمِائَةِ فِرْقٍ تَمْرًا . 28594 - فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ فَسَّرُوا الْمُزَابَنَةَ بِمَا تَرَاهُ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ عَلِمْتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

28595 - وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مُزَابَنَةٌ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ ، أَوْ مَجْهُولٌ بِمَعْلُومٍ ، لَا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّفَاضُلُ . 28596 - وَلَوْ كَانَ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . 28597 - وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الرُّطَبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث