قول ابن المسيب لا ربا في الحيوان
قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ، عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ ، لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا . 29412 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ ، وَلَا يدْرى هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا ؟ فَلِذَلِكَ ، كُرِهَ ذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا . 29413 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ، وَغَيْرِ الْغَائِبِ أَيْضًا عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : 29414 - ( أَحَدُهَا ) : قَوْلُ مَالِكٍ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، فَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ ، وَلَا خِيَارَ لِلرُّؤْيَةِ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي .
29415 - ( وَالثَّانِي ) : أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَعَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ جَائِزٌ ، وَلِلْمُبْتَاعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، فَإِذَا رَآهُ وَرَضِيَهُ تَمَّتِ الصَّفْقَةُ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ . 29416 - هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّ . 29417 - ( وَالثَّالِثُ ) : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَلَا عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعُ عَيْنٍ مَرْئِيَّةٍ ، أَوْ صِفَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ .
29418 - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ بَيْعِ الْغَرَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 29419 - وَأَمَّا النَّقْدُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَ الَّذِي لَهُ كَرِهَهُ ، لِأَنَّ مَا كَرِهَهُ مَالِكٌ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ . 29420 - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ فِي بَابِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ، وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ .
29421 - وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ مِثْلَ الْبَرِيدِ أَوِ الْبَرِيدَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ . 29422 - وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ الْيَوْمَ ، وَالْيَوْمَيْنِ كَانَ حَيَوَانًا ، أَوْ طَعَامًا . 29423 - قَالَ أَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِهِ .
29424 - وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَجُزِ النَّقْدُ فِيهِ كَانَ الْمَبِيعُ ضَارًّا ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ . 29425 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِي الدُّورِ ، وَالْعَقَارِ كُلِّهِ ، لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ . 29426 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُ ، فَلَمْ يَرَ النَّقْدَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ .
29427 - وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ النَّقْدَ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِذَا كَانَ عَلَى الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ . 29428 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ النَّقْدَ فِي الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ التَّغْيِيرُ مَا لَا يُسْرِعُ إِلَى غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، فَكَانَ عِنْدَهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إِذَا نَقَدَ فِيهِ يَدْخُلُهُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْأَغْلَبِ ، السُّرْعَةُ تُغَيِّرُهُ ، وَلَيْسَ الْعَقَارُ كَذَلِكَ . 29429 - وَعِلَّةُ أَشْهَبَ فِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ مَا جَعَلَهُ مَالِكٌ عِلَّةً فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يُوجَدْ عَلَى الصِّفَةِ ، فَيَكُونُ الْبَائِعُ قَدِ انْتَفَعَ بِالثَّمَنِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ .
29430 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا ، فَإِنَّهُ أَرَادَ السَّلَمَ الْمَعْرُوفَ عَلَى شُرُوطِهِ .