قول مَالِكٌ فِي آيَةِ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
قَالَ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي ، فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُثُهُ ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ : إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ . وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ ، صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ ، فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِي ، أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ ، وَمَا أُذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ . قَالَ : فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ ، وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إِنْ شَاءُوا ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ ، وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ ، فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ ، فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلَ ، ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ : فُلَانٌ ، لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ، ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ .
قَالَ : وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ ، ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ ، فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ ، يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ . 33457 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : 33458 - ( أَحَدُهَا ) : قَوْلُ مَالِكٍ : إِنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلْمَرِيضِ فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُخَافُ دُخُولُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْعِ رِفْدٍ ، وَإِحْسَانٍ ، وَقَطْعِ نَفَقَةٍ وَمَعْرُوفٍ ، وَنَحْوِ هَذَا إِنِ امْتَنَعُوا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُمْ إِذْنُهُمْ ، وَكَانَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَذِنُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَإِنِ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي صِحَّتِهِ ، فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ . 33459 - ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) : إِنْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ ، وَيَلْزَمُهُمْ إِذْنُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا فِي مُوَطَّئِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ مِنْ مَذْهَبِهِ .
33460 - ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) : إِنَّ إِذْنَهُمْ ، وَإِجَازَتَهُمْ لِوَصِيَّتِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ سَوَاءٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ يَجِبُ لَهُمُ الْمِيرَاثُ ، وَيَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ; لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ مِنْ مَرَضِهِ ، وَقَدْ لَا يَمُوتُ ، وَقَدْ يَمُوتُ ذَلِكَ الْوَارِثُ الْمُسْتَأْذَنُ قَبْلَهُ ، فَلَا يَكُونُ وَارِثًا ، وَيَرِثُهُ غَيْرُهُ ، وَمَنْ أَجَازَ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ ، فَلَيْسَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لَهُ . 33461 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . 33462 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ .
33463 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .