قول عُثْمَان بن عَفَّانٍ فيمَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ
قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا ; أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا ، ذَهَبًا أَوْ وَرِقًّا ، ثُمَّ هَلَكَ ، وَهُوَ يَلِيهِ ، إِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا ، أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ . 33678 - إِلَى هُنَا انْتَهَتْ رِوَايَةُ يَحْيَى . 33679 - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَغَيْرِهِ : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَتِ النِّحْلَةُ عَبْدًا ، أَوْ وَلِيدَةً ، أَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا مَعْرُوفًا ، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَأَعْلَنَ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، وَهُوَ يَلِي ابْنَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِابْنِهِ .
33680 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - أَهْلِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ وَسَائِرِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ - أَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مَا كَانَ فِي حِجْرِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بَالِغًا كُلَّ مَا يَهَبُ لَهُ ، وَيُعْطِيِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُرُوضِ كُلِّهَا ، وَالْعَقَارِ ، وَكُلِّ مَا عَدَا الْعَيْنِ ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْطِيهِ غَيْرُهُ ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ الْإِشْهَادُ ، وَالْإِعْلَانُ ، وَإِذَا أَشْهَدَ فَقَدْ أَعْلَنَ ، وَإِذَا فَشَا الْإِشْهَادُ وَظَهَرَ . 33681 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : إِنَّ مَا يَسْكُنُ الْأَبُ لَا تَصِحُّ فِيهِ عَطِيَّةٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ سَنَةً وَنَحْوَهَا ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا ، وَسُكْنَاهُ لَهَا مَا لَمْ يَمُتِ الْأَبُ فِيهَا ، أَوْ يَبْلُغِ الصَّغِيرُ رُشْدَهُ ، فَلَا يَقْبِضُهَا ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ سَاكِنًا فِيهَا ، أَوْ بَلَغَ الِابْنُ رُشْدًا ، فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْأَبُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِيَازَتُهُ لَهُ تِلْكَ السَّنَةَ ، وَجَعَلُوا الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ جَوَازُهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْعَافِيَةِ فِيهَا ، فَإِنْ سَلِمَتْ فِي الْعَافِيَةِ مِنَ الرَّهْنِ ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ لَحِقَهَا رَهْنُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ . 33682 - وَكَذَلِكَ الْمَلْبُوسُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَبِسَ الْأَبُ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي وَهَبَهَا لِلصَّغِيرِ مِنْ وَلَدِهِ بَطَلَتْ فِيهِ هِبَتُهُ ، وَمَا عَدَا الْمَلْبُوسِ وَالْمَسْكُونِ فَيَكْفِي فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى وَصْفِنَا .
33683 - وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّ الْأَبَ إِذَا أَشْهَدَ ، وَأَعْلَنَ الشَّهَادَةَ بِمَا يُعْطِيهِ لِابْنِهِ فِي صِحَّتِهِ ، فَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ لِلِابْنِ مَا كَانَ صَغِيرًا . 33684 - وَحِيَازَةُ الْأَبِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَحِيَازَتِهِ لَهُ مَا يُعْطِيهِ غَيْرُهُ لِابْنِهِ النَّاظِرِ لَهُ ، وَلَا يَرْهَنُ عَطِيَّتَهُ لَهُ فِي صِحَّتِهِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا ، وَلَا سُكْنَاهُ ، وَلَا لِبَاسَهُ ، كَمَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا سَكَنَ بَعْدَ السَّنَةِ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ رُجُوعًا فِيمَا أَعْطَى ، كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا بَعْدَ السَّنَةِ ، وَمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ عُثْمَانَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 33685 - وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ; فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ .
33686 - وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا فِي ظَرْفٍ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ أَوْ خَاتَمِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلِابْنِ كَمَا لَوْ جَعَلَهَا لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ . 33687 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَأَشْهَبَ . 33688 - وَبِهِ كَانَ أَبُو عُمَرَ - أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ - شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ يُفْتِي .
33689 - وَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْأَبُ عَنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ - يَحُوزُهَا لِلِابْنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ خَاتَمُهُ عَلَيْهَا . 33690 - وَبِهَذَا كَانَ يَقْضِي الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ يَبْقَى بْنِ زَرْبٍ . 33691 - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ التَّبَاعُدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ .
33692 - وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ مِنَ الْغَنَمِ ، وَغَيْرِهَا يَهَبُهَا الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ : 33693 - فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ . 33694 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ . 33695 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحُوزُ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ إِلَّا مَا يَهَبُهُ مَبْرُوزًا مَقْسُومًا .
33696 - قَالَ : وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ ، وَأَصْبَغُ . 33697 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونَ ، وَهُوَ الْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ . 33698 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ غَيْرُ أَبِيهِ ، وَمَنْ يَقُومُ لَهُ فِي الْحِيَازَةِ مَقَامَ أَبِيهِ فِيمَا يُعْطِيهِ : 33699 - فَرَوَى يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحُوزُ مَا يُعْطَى ابْنُهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ وَصِيَّةً ، قَالَ : وَلَا يَحُوزُ لِلطِّفْلِ إِلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ إِنْكَاحُهُ ، وَالْمُبَارَاةُ عَلَيْهِ ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لَهُ .
33700 - قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ : تَحُوزُ الْأُمُّ لِوَلَدِهَا مَا تَهَبُ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْجَدَّةُ ، وَالْأَجْدَادُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَ عَلَيْهِ . 33701 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا تَحُوزُ الْأُمُّ مَا يُوهَبُ لِوَلَدِهَا . 33702 - وَقَالَ أَشْهَبُ : تَحُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِهِبَةٍ ، يَمْضِي مَعَهُمْ إِلَى الْكِتَابِ ، وَلَا يَحُوزُ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْوَصِيُّ عِنْدَهُمْ يَحُوزُ مَا يُوهَبُ لِلْيَتِيمِ فِي حِجْرِهِ .
33703 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالْجِدُّ عِنْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِيمَا يَهَبُهُ لِلْأَطْفَالِ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ ، يَحُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْقَبْضِ لِأَنْفُسِهِمْ . 33704 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ فِيمَا تَهَبُ لِابْنِهَا الْيَتِيمِ فِي حِجْرِهَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا مَعْلُومًا إِذَا أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ جَازَ ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ تَقْبِضُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْئًا يَصِحُّ قَبْضُهُ ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ لِلْيَتِيمِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّينَ مَا أَعْطَى الْيَتِيمَ . 33705 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا عَنْهُمْ قَالَ : وَلِلْأَبِ أَنْ يَقْبِضَ مَا يَهَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ مِمَّا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْآبَاءِ إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ وَقَبْضُهُ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ إِشْهَادُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، وَإِعْلَانُهُ بِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّنَ ، وَعَلَى أَهْلِهِ الطَّيِّبِينَ ، وَسَلَّمْ تَسْلِيمًا .