بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ
قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِيهَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ ، وَلَا يُعْتَقَ فِيهَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُدَبَّرٌ ، وَلَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَلَا مُعْتَقٌ إِلَى سِنِينَ ، وَلَا أَعْمَى ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ ، تَطَوُّعًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً فَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرِّقَابُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهَا إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْعَمَ فِيهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا يُطْعَمَ فِيهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ .
34024 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي جُمْلَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، فَقَدْ أَوْضَحَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ فِي موطئه ، وَهِيَ جُمْلَةٌ خُولِفَ فِي بَعْضِهَا ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَكْثَرِهَا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَقْوَالَهُمْ جُمْلَةً عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 34025 - قَالَ مَالِكٌ : يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ إِذَا كَانَ خَفِيفَ الْعَرَجِ ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا لَمْ يُجْزِئْ ، وَلَا يُجْزِئُ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ ، وَلَا الرِّجْلَيْنِ ، وَيُجْزِئُ أَقْطَعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْأَعْوَرُ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَجْدَعُ ، وَلَا الْمَجْنُونُ ، وَلَا الْأَصَمُّ ، وَلَا الْأَخْرَسُ . 34026 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَلَّا يُجْزِئَ الْأَبْرَصُ ; لِأَنَّ الْأَصَمَّ أَيْسَرُ شَأْنًا مِنْهُ .
34027 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا يُجْزِئُ الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ . 34028 - وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ : إِنَّهُ يُجْزِئُ مِنْ رَأْيِهِ . 34029 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ ، كَمَا يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ .
34030 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ . 34031 - وَقَالَ أَشْهَبُ : يُجْزِئُ الْأَصَمُّ . 34032 - وَقَالَ مَالِكٌ : يُجْزِئُ الْمُوسِرَ عِتْقُ نِصْفِ الْعَبْدِ إِذَا قُوِّمَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَعُتِقَ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمُعْسِرُ .
34033 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . 34034 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، لَا فِي الظِّهَارِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ . 34035 - قَالَ : وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ كَمَا شَرَطَ الْعَدْلَ فِي الشَّهَادَةِ فِي مَوْضِعٍ ، وَأَطْلَقَ الشُّهُودَ ، فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ مَا أَطْلَقَ فِي مَعْنَى مَا شَرَطَ .
34036 - قَالَ : وَيَجُوزُ الْمُدَبَّرُ ، وَلَا يَجُوزُ الْمُكَاتَبُ أَدَّى مِنْ نُجُومِهِ شَيْئًا ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ ; لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ ، وَلَا تُجْزِئُ أُمُّ الْوَلَدِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا يَبِيعُهَا . 34037 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : هُوَ لَا يُجِيزُ بَيْعَهَا ، وَلَهُ بِذَلِكَ كِتَابٌ . 34038 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْعَبْدُ الْمَرْهُونُ وَالْجَانِي إِذَا أَعْتَقَهُ ، وَافْتَكَّهُ مِنَ الرَّهْنِ ، وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِنَايَةِ أَجْزَأَ .
34039 - قَالَ : وَالْغَائِبُ إِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَيَاتِهِ فِي حِينِ عِتْقِهِ يُجْزِئُ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ . 34040 - وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ . 34041 - وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ ، وَهُوَ مُوسِرٌ أَجْزَأَهُ .
34042 - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، فَاشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ ، فَأَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ . 34043 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ . 34044 - قَالَ : فَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا ذُكِرَ لِي عَنْهُ إِلَّا وَهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ مِنَ الرِّقَابِ مَا يُجْزِئُ ، وَمِنْهَا مَا لَا يُجْزِئُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعِتْقِهَا بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ، فَلَمْ أَجِدْ فِي مَعْنَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا أَقُولُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
34045 - وَجِمَاعُهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا يُتَّخَذُ لَهُ الرَّقِيقُ الْعَمَلُ ، وَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ تَامًّا حَتَّى يَكُونَ يَدُ الْمَمْلُوكِ بَاطِشَتَيْنِ ، وَرِجْلَاهُ مَاشِيَتَيْنِ ، وَلَهُ بَصَرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ يَعْقِلُ ، فَإِنْ كَانَ أَبْكَمَ ، أَوْ أَصَمَّ ، أَوْ ضَعِيفَ الْبَطْشِ أَجْزَأَ ، وَيُجْزِئُ الْمَجْنُونُ الَّذِي يُفِيقُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْيَانِ ، وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ ، وَالْعَرَجُ الْخَفِيفُ ، وَشَلَلُ الْحَيْضِ ، وَكُلُّ عَيْبٍ لَا يَضُرُّهُ فِي الْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْأَشَلُّ الرِّجْلِ ، وَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ ، وَالْخَصِيُّ ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ مَرَضُ زَمَانَةٍ . 34046 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ مُدَبَّرٌ ، وَلَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَيُجْزِئُ الْمُكَاتَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى مِنْ كِتَابِهِ شَيْئًا اسْتِحْسَانًا ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى شَيْئًا لَمْ يُجْزِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَعْمَى ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الرِّجْلَيْنِ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْوَاحِدَةُ مَقْطُوعَةً ، أَوْ رِجْلُهُ ، أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ كَانَ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مَقْطُوعُ الْإِبْهَامَيْنِ ، وَلَا مَقْطُوعُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فِي كُلِّ كَفٍّ سِوَى الْإِبْهَامَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَجْزَأَ ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ . 34047 - وَيُجْزِئُ عِنْدَهُمُ الْكَافِرُ فِي الظِّهَارِ ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ .
34048 - وَمَنْ أَعْتَقَ فِي رَقَبَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 34049 - وَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ إِذَا كَانَ مُوسِرًا ، وَلَا يُجْزِئُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا . 34050 - وَالْأَشَلُّ عِنْدَهُمْ كَالْأَقْطَعِ ، يُجْزِئُ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَعْتُوهُ ، وَلَا الْأَخْرَسُ ، وَيُجْزِئُ الْمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ ، وَالْخَصِيُّ .
34051 - وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ . 34052 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ والْأَعْرَجُ إِلَّا أَنْ لَا يَمْشِيَ . 34053 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ شَيْءٌ فِيهِ عَيْبٌ ، وَلَا يُجْزِئُ الَّذِي يُجَنُّ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ صَحِيحًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ ، وَلَا الْأَجْدَعُ ، وَلَا الْأَعْوَرُ ، وَلَا الْأَشَلُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ .
34054 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْخَفِيفَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ يُجْزِئُ نَحْوَ الْحَوَلِ ، وَنُقْصَانِ الضِّرْسِ ، وَالظُّفْرِ ، وَأَثَرِ كَيِّ النَّارِ ، وَالْجُرْحِ الَّذِي قَدْ بَرِئَ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُرَدُّ بِهِ الْعَيْبُ إِذَا نَقَصَ مِنَ الثَّمَنِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُعْتَبَرُ فِي الرِّقَابِ السَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ . 34055 - وَالْقِيَاسُ لَهَا أَيْضًا عَلَى الضَّحَايَا بِأَلَا يَسْتَقِيمَ مِنْ أَجْلِ السِّنِّ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا . 34056 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يُطْعَمُ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَّا مَسَاكِينُ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .