حديث أبي هريرة جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ
قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَقْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْقِلُوهُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِيمَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنَ الدِّيَاتِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ مِنَ الرِّجَالِ . 37814 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي عَقْلِ الْمَوَالِي تُلْزَمُهُ الْعَاقِلَةُ إِنَّ شَاؤُوا ، وَإِنْ أَبَوْا كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ أَوْ مُقْطَعِينَ ، وَقَدْ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ دِيوَانٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 37815 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْوَلَاءُ نَسَبٌ ثَابِتٌ .
37816 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَوَاقِلِ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ مَا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 37817 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : الدِّيَةُ عَلَى الْعَوَاقِلِ ، عَلَى الْغَنِيِّ قَدْرُهُ وَمَنْ دُونَهُ قَدْرُهُ ، حَتَّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ دِرْهَم مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَكْثَرَ . 37818 - وَحُكِيَ عَنْهُ ، أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ .
37819 - وَقالَ الثَّوْرِيُّ : تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؛ أَوَّلُهَا الْعَامُ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ وَتَكُونُ عنده الْأُعْطِيَةُ عَلَى الرِّجَالِ . 37820 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعَقْلُ عَلَى ذَوِي الْأَنْسَابِ دُونَ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَالْخُلَفَاءِ ، عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مَنْ بَنِي أَبِيهِ ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّهِ ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّ أَبِيهِ ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنِ الْبَعْضِ ، حَمَلَ عَنْهُمُ الْمَوَالِي الْمُعْتِقُونَ ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ بَعْضٍ وَلَهُمْ عَوَاقِلُ عَقَلَتْهُمْ عَوَاقِلُهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذُو نَسَبٍ ، وَلَا مَوْلَى أَعْلَى مِنَ الْمَوْلَى ، حَمَلَ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ ، وَيَحْمِلُ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ نِصْفَ دِينَارٍ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ رُبُعَ دِينَارٍ ، لَا يُزَادُ عَلَى هَذَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ . 37821 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، مِنْ يَوْمِ يُقْضَى بِهَا ، وَالْعَاقِلَةُ أَهْلُ دِيوَانِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أُعْطِيَاتِهِمْ ، حَتَّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنَ الدِّيَةِ مِنْهُمْ ، كُلُّهَا أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، ضَمَّ إِلَيْهَا أَقْرَبَ الْقَبَائِلِ إِلَيْهِمْ فِي النَّسَبِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانَ ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ ، فُرِضَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، مِنْ يَوْمِ يَقْضِي بِهَا الْقَاضِي ، فَيُؤْخَذُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ ، وَيُضَمُّ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ فِي النَّسَبِ ، حَتَّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنَ الدِّيَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةً .
37822 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَعْقِلُ عَنِ الْحَلِيفِ خلَفَاؤُهُ ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ قَوْمُهُ . 37823 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَيْسَ أَهْلُ الدِّيوَانِ أَوْلَى بِهَا مِنْ سَائِرِ الْعَاقِلَةِ . 37824 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، لَا تَكُونُ إِلَّا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَلَا تَكُونُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا .
37825 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا عَلَى الْبَالِغِينَ مِنَ الرِّجَالِ . 37826 - وَأَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْخَبَرِ ، أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا يَتَعَاقَلُونَ بِالنَّظْرَةِ ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى جَعَلَ عُمَرُ الدِّيوَانَ . 37827 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ ، وَالْقَوْلِ بِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ دِيوَانٌ ، وَأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيوَانَ ، وَجَمَعَ بِهِ النَّاسَ ، وَجَعَلَ أَهْلَ كُلِّ جُنْدٍ يَدًا ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ .
37828 - وَحَدَّ الْكُوفِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُ الْوَاحِدُ مِنَ الْعَاقِلَةِ مِنَ الدِّيَةِ ، مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهُمَا . 37829 - وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى حَسَبِ طَاقَةِ الْعَاقِلَةِ وَغِنَاهَا وَفَقْرِهَا ، يَحْمِلُ الْوَاحِدُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُضَرُّ بِهِ ، وَمَا يَسْهُلُ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى مِائَةٍ وَأَزْيَدَ ، إِذَا سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . 37830 - وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَهُمُ الْعَصَبَةُ دُونَ أَهْلِ الدِّيوَانِ .
37831 - وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنْ يَعْقِلَ عَنْ مَوَالِي صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ ابْنِهَا الزُّبَيْرِ ، وَقَضَى بِمِيرَاثِهِمْ لِلزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَضَى عَلَى سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمٍ ، إِذْ قَتَلَ مُسْلِمًا ، فَظَنَّهُ كَافِرًا ، بِالدِّيَةِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى قَوْمِهِ . 37832 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ فِي مَنْ يُقَدِّمُ الدِّيَةَ من الْعَاقِلَة مِنَ الْعَصَبَةِ . 37833 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، عَلَى مَنَازِلِهِمْ فِي التَّعصيبِ ، حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْأَقْصَى ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ .
37834 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ . وَقَالَ : لَا يَتَوَلَّى مَوْلًى قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 37835 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ .
37836 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ . 37837 - وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ الْحَلِيفَ يَعْقِلُ عَنْ حَلِيفِهِ ، فَاحْتَجَّ لَهُ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . 37838 - وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُشْرِكِ الَّذِي رَبَطَهُ فِي سَوَارِي الْمَسْجِدِ : أَحْبِسُكَ بِجَزِيرَةِ حُلَفَائِكَ .
37839 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرًا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، وَذَكَرْنَا مَسَائِلَ مِنْهُ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُ مَالِكٍ ، فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ .