1654 1655 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيَّ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطْرِيقِ مَكَّةَ ، فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ : إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ يُحِبُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَضَعَهُ فِي يَدَيْهِ ، فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا لَشَرَابٌ طَيِّبٌ ، فَشَرِبَ مِنْهُ . ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ ، نَادَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَلَا فِي حَرَمِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَأَنْتَ الْقَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْصَرَفَ . 38713 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْخَبَرَ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ . 38714 - وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ، وَقَدْ تَابَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . 38715 - وَأَمَّا النَّبِيذُ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ طَيِّبٌ ، فَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ مَا يُفَسِّرُ الطَّيِّبَ وَغَيْرَ الطَّيِّبِ ، وَكُلُّ شَرَابٍ حُلْوٍ لَا يُسْكِرُ الْكَثِيرُ مِنْهُ فَهُوَ الطَّيِّبُ ، وَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ الْخَبِيثُ لَا الطَّيِّبُ . 38716 - وَأَمَّا مُنَاوَلَةُ عُمَرَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فَضْلَةَ شَرَابِهِ ، فَهِيَ السُّنَّةُ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) . 38717 - وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ : أَنْتَ الْقَائِلُ : لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ ، وَأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا فِي تَقْرِيرِهِ وَتَوْبِيخِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ الْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيلِ عُمَرَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ . 38718 - وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، وَفِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنُّوا مِنْ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِنْ ذَلِكَ : أَنْتَ الْقَائِلُ : لَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ : أَنْتَ الْقَائِلُ : لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَخَافَ مِنْهُ عُمَرُ أَنْ يَمْدَحَ مَكَّةَ وَيُزَيِّنَهَا لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا ، فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَيْهَا ، وَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ مِنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ دُرَّتَهُ وَسَطْوَتَهُ ، فَفَزِعَ إِلَى الْفَضْلِ الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ عُمَرُ ، وَجَادَلَهُ عَمَّا أَرَادَ مِنْهُ فَقَالَ : هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ ، وَفِيهَا بَيْتُهُ يَعْنِي وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْمَدِينَةُ ، وَأَقَرَّ لَهُ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) وَأَمْنِهِ ، وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَوْلَهُ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يُنْكِرْهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : لَمْ أَسْأَلْكَ عَنِ التَّفْضِيلِ ، وَلَا الْفَضَائِلِ ، وَسَكَتَ لِمَا سَمِعَ مِنْهُ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مَا لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ مَعَهُ إِلَى ذَلِكَ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ : مِنْ رُطَبِهَا وَتَمْرِهَا ، وَحَرْثِهَا ، وَدُرُوبُ الْعَيْشِ فِيهَا أَغْزَرُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهِ لِلْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ لِأَنَّ الْخَيْرَ أَكْثَرُ فِي الْبِلَادِ الْكِبَارِ وَحَيْثُ الْأَئِمَّةُ وَالسُّلْطَانُ ، فَكَيْفَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 388719 - فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَى خَبَرِ عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيِّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . 38720 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ خَيْرٌ لَيْسَ بِمَعْنَى أَفْضَلَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُقَيْلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ أَحَدُ الْفُصَحَاءِ ، لَمَّا أَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ عَطَاءً جَزْلًا قَالَ لَهُ : مَنْ خَيْرٌ لَكَ ، أَنَا أَوْ أَخُوكَ ؟ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَخِي ، وَأَخِي خَيْرٌ لِنَفْسِهِ مِنْكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَخَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَلَكِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ خَيْرًا لَهُ فِي دُنْيَاهُ . 38721 - وَقَدْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : كَانَ أَسْوَدَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ ، يَعْنِي الْخُلَفَاءَ قَالَ : وَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْهُ . 38722 - وَالدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى عُمَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ الْمَكِّيُّ ، بِمَكَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ ، إِلَّا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا فَضْلُهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ . 38723 - وَأَمَّا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ فِي أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ ، وَمِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ ، وَكَانَ يَقُولُ : مِمَّا خَصَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ الْمَدِينَةَ مِنَ الْخَيْرِ ، أَنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالشُّهَدَاءِ ، وَعَلَى أَنْقَابِهَا مَلَائِكَةٌ ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ، وَلَا الدَّجَّالُ ، وَهِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةُ ، وَبِهَا كَانَ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ ، وَبِهَا أَخْيَارُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَارَهَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ ، فَجَعَلَ بِهَا قَبْرَهُ ، وَبِهَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ . 38724 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ لِعُمَرَ : فِيهَا حَرَمُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ وَأَمْنُهُ ، وَفِيهَا بَيْتُهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : هِيَ حَرَمُ إِبْرَاهِيمَ ، وَتَرْكُ عُمَرَ إِنْكَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ .
المصدر: الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-45/h/411021
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة