المؤلف: محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري
عدد الأحاديث: 1٬952
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خُطْبَةُ الشَّارِحِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْلَعَ شُمُوسَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي سَمَاءِ السَّعَادَةِ ، وَأَشْرَقَ أَقْمَارَ صَنِيعِهِمْ فِي أَرْقِعَةِ مَرْفُوعَاتِ السِّيَادَةِ ، وَوَصَلَ حَبْلَ انْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ فَأَدْرَجَهُمْ مَعَ الصِّدِّيقِينَ وَأَثَابَهُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً ، وَأَرْسَلَ فِينَا رَءُوفًا رَحِيمًا بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الْمُنْقَادَةِ ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى تَوَاتُرِ آلَائِهِ رَاجِيًا الزِّيَادَةَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ الْمُرْسَلُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَوَطَّأَ الدِّينَ الْمَتِينَ فَاقْتَبَسْنَا الْهُدَى مِنْ كَوَاكِبِ أَنْوَارِهِ الْوَقَّادَةِ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ نُجُومِ الْهُدَى الْفَائِزِينَ بِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ الْحَسَنِ فَسَلْسَلَ عَلَيْهِمْ إِسْعَادُهُ ، فَوَقَفُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَصْرِ شَرِيعَتِهِ وَمَهَّدُوا إِرْشَادَهُ ، صَلَاةً وَسَلَامًا أَرْجُو بِهِمَا فِي الدَّارَيْنِ قُرْبَهُ وَإِمْدَادَهُ . أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْعَاجِزَ الضَّعِيفَ الْفَانِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ يُوسُفَ الزَّرْقَانِيَّ لَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ الْمُوَطَّأِ بِالسَّاحَاتِ الْأَزْهَرِيَّةِ ، وَكَانَ الِابْتِدَاءُ فِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى لِسَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ مِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، بَعْدَمَا هُجِرَ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ ، حَتَّى كَادَ لَا يُعْرَفُ مَا هُوَ ، كَتَبْتُ عَلَيْهِ مَا أَتَاحَهُ لَهُ ذُو الْمِنَّةِ وَالْفَضْلِ ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ وَلَا لِأَقَلَّ مِنْهُ بِأَهْلٍ ؛ لِأَنَّ شُرُوحَهُ وَإِنْ كَثُرَتْ عَزَّتْ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهَا فِي بِلَادِنَا إِلَّا مَا قَلَّ وَجَعَلْتُهُ وَسَطًا لَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ ، وَأَتَيْتُ فِي ضَبْطِهِ بِمَا يَشْفِي - لِلْقَوَاصِرِ مِثْلِي - الْغَلِيلَ ، غَيْرَ مُبَالٍ بِتَكْرَارِهِ كَبَعْضِ التَّرَاجِمِ لِمَا عُلِمَ مِنْ غَالِبِ حَالِنَا مِنَ النِّسْيَانِ ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَبِيعُهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ بَلْ هِيَ كَثِيرَةٌ لَا سِيَّمَا لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ ، لَكِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَاسِدٍ يَدْفَعُ بِالصَّدْرِ ، فَهَذَا لِلَّهِ لَا لِزَيْدٍ وَلَا لِعَمْرٍو ، وَاللَّهُ أَسْأَلُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ بِحَبِيبِهِ الْكَرِيمِ ، أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَيُسَهِّلَ بِالتَّمَامِ ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ وُصْلَةً إِلَى خَيْرِ الْأَنَامِ ، وَأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِي فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْقِيَامِ ، وَيُمَتِّعَنِي بِرُؤْيَتِهِ وَرُؤْيَةِ حَبِيبِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ . وَحَيْثُ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الْحَافِظِ فَمُرَادِي خِتَامُ الْحُفَّاظِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ . وَاللَّهُ حَسْبِي وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَكُلَّ أَمْرِي لَهُ أَسْلَمْتُ وَفَوَّضْتُ .
3 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ فِي الذَّكَاةِ 1047 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ ، وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا 3 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الذَّبِيحَةِ فِي الذَّكَاةِ 1060 1047 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ ، اسْمُهُ يَزِيدُ بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ، وَيُقَالُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( مَوْلَى عَقِيلِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ) وَيُقَالُ مَوْلَى أُخْتِهِ أُمِّ هَانِئٍ ( أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ قَالَ : كَانَتْ عِنَاقٌ كَرِيمَةٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَذْبَحَهَا ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَرَدَّتْ فَذَبَحْتُهَا فَرَكَضَتْ بِرِجْلِهَا ( فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا ) أَيْ : رِجْلُهَا ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا ) أَيْ : إِبَاحَةٌ لِأَنَّهَا مُذَكَّاةٌ ( ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَقَالَ : إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ ) فَلَا يُفِيدُ ذَبْحُهَا ( وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ : أَكْلِهَا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَافَقَ زَيْدًا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ ) سَقَطَتْ مِنْ عُلُوٍّ ( فَتَكَسَّرَتْ ) وَفِي نُسْخَةٍ فَكُسِرَتْ بِلَا تَاءٍ قَبْلَ الْكَافِ ( فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا ) فَذَبَحَهَا ( فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ ) هَلْ تُؤْكَلُ أَمْ لَا ؟ ( فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا ) أَيْ : دَمُهَا ( يَجْرِي ) أَيْ : يَسِيلُ سُمِّيَ الدَّمُ نَفَسًا لِأَنَّ النَّفَسَ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِجُمْلَةِ الْحَيَوَانِ قَوَامُهَا بِالدَّمِ ( وَهِيَ تَطْرِفُ ) تُحَرِّكُ بَصَرَهَا ، يُقَالُ : طَرَفَ الْبَصَرُ كَضَرَبَ تَحَرَّكَ ، وَطَرَفُ الْعَيْنِ : نَظَرُهَا ( فَلْيَأْكُلْهَا ) لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى الْحَيَاةِ فَعَمِلَ فِيهَا الذَّبْحُ .
1049 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ؛ إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعَرُهُ . 1062 1049 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ) بِقَافٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ أُسَامَةَ ( اللَّيْثِيِّ ) الْمَدَنِيِّ الْأَعْرَجِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ ) إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا ( فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا كَانَ تَمَّ خَلْقُهُ ) الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَوْ نَاقِصُ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ( وَنَبَتَ شَعْرُهُ ) أَيْ : شَعْرُ جَسَدِهِ لَا شَعْرُ عَيْنَيْهِ وَحَاجِبَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ .
4 - بَاب ذَكَاةِ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ 1048 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا نُحِرَتْ النَّاقَةُ ، فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعَرُهُ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ذُبِحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ . 4 - بَابُ ذَكَاةِ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ 1061 1048 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا نُحِرَتِ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا ) أَيْ : جَنِينُهَا كَائِنَةٌ ( فِي ذَكَاتِهَا ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَذَكَاتُهَا ذَكَاةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا ( إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ ) الْمُدْرَكُ بِالْحَاسَّةِ ( فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ذُبِحَ ) نَدْبًا كَمَا يُفِيدُه السِّيَاقُ ( حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مَنْ جَوْفِهِ ) فَذَبْحُهُ إِنَّمَا هُوَ لِإِنْقَائِهِ مِنَ الدَّمِ لَا لِتَوَقُّفِ الْحِلِّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا جَاءَ بِمَعْنَاهُ مَرْفُوعًا ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : ذَكَاةُ الْجَنِينِ إِذَا أَشْعَرَ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَلَكِنَّهُ يُذْبَحُ حَتَّى يَنْصَابَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ وَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ لَكِنْ فِيهِ مُبَارَكُ بْنُ مُجَاهِدٍ ضَعِيفٌ ، وَلِتَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ لَمْ يَأْخُذْ بِهِمَا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا : ذَكَاةُ أُمِّهِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذَكَاتِهِ مُطْلَقًا ، وَلَا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا : لَا مُطْلَقًا ، وَمَالِكٌ أَلْغَى الثَّانِيَ لِضَعْفِهِ وَأَخَذَ بِالْأَوَّلِ لِاعْتِضَادِهِ بِالْمَوْقُوفِ الَّذِي رَوَاهُ فَقَيَّدَ بِهِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَجَاءَ مِنْ رِوَايَةِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ بِرَفْعِ ذَكَاةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ؛ أَيْ : ذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ ، وَرُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَجِئْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ ؛ أَيْ : وَقْتَ طُلُوعِهَا ؛ أَيْ : ذَكَاتُهُ حَاصِلَةٌ وَقْتَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ هِيَ الْمَحْفُوظَةُ ، وَالْمُرَادُ الجنين الَّذِي خَرَجَ مَيِّتًا فَيُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَنْحَرُ الْإِبِلَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ فَنُلْقِيهِ أَوْ نَأْكُلُهُ ؟ فَقَالَ : كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ فَسُؤَالُهُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّكِّ بِخِلَافِ فَيُذَكَّى لِاسْتِقْلَالِهِ بِحُكْمِ نَفْسِهِ ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنِ الْمَيِّتِ لِيُطَابِقَ السُّؤَالَ ، وَمِنْ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : الْمَعْنَى عَلَى التَّشْبِيهِ ؛ أَيْ : مِثْلَ ذَكَاتِهَا أَوْ كَذَكَاتِهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْحَيَّ ، لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ عِنْدَهُ ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ مَا فِيهِ مِنَ التَّقْدِيرِ لِمُسْتَغْنًى عَنْهُ ، وَمِنْ ثَمَّ وَافَقَ صَاحِبَاهُ مَالِكًا وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَفِيهِ حَذْفُ الْمَوْصُولِ وَبَعْضُ الصِّلَةِ وَهُوَ إِنْ وَالْفِعْلِ بَعْدَهَا ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ ، فَرِوَايَةُ النَّصْبِ إِمَّا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَمَا مَرَّ أَوْ عَلَى التَّوَسُّعِ نَحْوَ : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 155 ) ؛ أَيْ : ذَكَاتُهُ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَوْلَى لِقِلَّةِ الْإِضْمَارِ وَاتِّفَاقِهِ مَعَ رِوَايَةِ الرَّفْعِ وَإِلَّا نَقَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ .
1041 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ ، أَمَرَ غُلَامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ : قَدْ سَمَّيْتُ ، فَقَالَ لَهُ : سَمِّ اللَّهَ ، وَيْحَكَ ! قَالَ لَهُ : قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا . 1055 1041 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ ) بِالتَّحْتِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ) عَمْرِو بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( الْمَخْزُومِيَّ ) الْقُرَشِيَّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَأَبُوهُ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ ( أَمَرَ غُلَامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ : سَمِّ اللَّهَ ، فَقَالَ ) لَهُ ( الْغُلَامُ : قَدْ سَمَّيْتُ ، فَقَالَ لَهُ : سَمِّ اللَّهَ وَيْحَكَ ، قَالَ : ) ( قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ ) وَلَمْ يَسْمَعْهُ ( فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ يُسَمِّي وَلَمْ يُصَدِّقْ إِخْبَارَهُ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ التَّسْمِيَةُ لِقُرْبِهِ مِنْهُ ، وَعِلْمِ عِنَادِهِ بِقَوْلِهِ سَمَّيْتُ وَلَا يُسَمِّي ، فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ تَرَكَهَا عَمْدًا ؛ إِذْ لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ بَدَلَ سَمَّيْتُ لَاكْتَفَى بِذَلِكَ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 24 - كِتَاب الذَّبَائِحِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ 1040 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ ، وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوْا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 24 - كِتَابُ الذَّبَائِحِ 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ بِمَعْنَى مَذْبُوحَةٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الذَّاكِرِ الْقَادِرِ لَا النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ وَالْأَخْرَسِ . قَالَ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ : 121 ) وَالنَّاسِي لَا يُسَمَّى فَاسِقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِسْقِ عَقِبَهُ إِنْ كَانَ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ إِهْمَالُ التَّسْمِيَةِ فَلَا يُدْخَلُ النَّاسِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ فِسْقًا ، وَإِنْ كَانَ عَنْ نَفْسِ الذَّبِيحَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ مَصْدَرًا فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنَ الْمَصْدَرِ ، وَالذَّبِيحَةُ الْمَتْرُوكَةُ لِتَسْمِيَةٍ عَلَيْهَا نِسْيَانًا ، لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا فِسْقًا ، إِذِ الْفِعْلُ الَّذِي نُقِلَ مِنْهُ هَذَا الِاسْمُ لَيْسَ بِفِسْقٍ ، فَإِمَّا أَنْ تَقُولَ : دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَمْدِ لَا الْمَنْسِيِّ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، أَوْ نَقُولُ : فِيهَا دَلِيلٌ مِنْ حَيْثُ مَفْهُومِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِمَا هُوَ فِسْقٌ ، فَمَا لَيْسَ بِفِسْقٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الِانْتِصَافِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : ظَاهَرُ الْآيَةِ تَحْرِيمُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَخُصَّتْ حَالَةُ النِّسْيَانِ بِالْحَدِيثِ أَوْ يُجْعَلُ النَّاسِي ذَاكِرًا تَقْدِيرًا وَمَنْ أَوَّلَ الْآيَةَ بِالْمَيْتَةِ أَوْ مِمَّا ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ . 1054 1040 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ ) وَفِي نُسْخَةٍ : حَدَّثَنِي هِشَامٌ ( ابْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَتَابَعَهُ الْحَمَّادَانِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ حَفْصٍ الْمَدَنِيِّ ، وَفِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانَ الْأَحْمَرِ ، وَفِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ الطُّفَاوِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، السِّتَّةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَإِرْسَالُهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ يَعْنِي لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْوَاصِلِ إِذَا زَادَ عَدَدُ مَنْ وَصَلَ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ وَاحَتَفَّ بِقَرِينَةٍ تُقَوِّي الْوَصْلَ كَمَا هُنَا ؛ إِذْ عُرْوَةُ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِحِفْظِ مَنْ وَصَلَهُ عَنْ هِشَامٍ دُونَ مَنْ أَرْسَلَهُ ، وَالْأَوْلَى أَنَّ هِشَامًا حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُرْسَلًا وَمَوْصُولًا ( فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ ) بِضَمِّ اللَّامِ جَمْعُ لَحْمٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُحُومٍ وَلِحَامٍ ، بِكَسْرِ اللَّامِ ( وَلَا نَدْرِي ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانُوا أَيِ : السَّائِلُونَ ، حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْكُفْرِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ عَلَى الْأَكْلِ قَائِمَةٌ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ الْفَائِتَةِ عَلَى الذَّبْحِ ؛ بَلْ طَلَبَ الْإِتْيَانَ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ وَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا ، وَالَّذِي يُهِمُّكُمُ الْآنَ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ أَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَلَمْ يُعْلَمُ هَلْ سَمَّى عَلَيْهِ أَمْ لَا ، يَجُوزُ أَكْلُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ سَمَّى ، إِذْ لَا يُظَنُّ بِالْمُؤْمِنِ إِلَّا الْخَيْرُ ، وَذَبِيحَتُهُ وَصَيْدُهُ أَبَدًا مَحْمُولٌ عَلَى السَّلَامَةِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهِ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ) قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 121 ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ ، وَالْحَدِيثُ نَفْسُهُ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ نَزَلَتْ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ بَادِيَتِهَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ إِنَّمَا هِيَ لِلتَّبَرُّكِ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلذَّكَاةِ بِوَجْهٍ لِأَنَّهَا لَا تُدْرِكُ الْمَيِّتَ ، انْتَهَى .
1043 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهَا بِسَلْعٍ ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، فَكُلُوهَا . 1057 1043 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَالِابْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا رَجَّحَهُ الْحَافِظُ ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ( عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ) كَذَا وَقَعَ عَلَى الشَّكِّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَابْنُ فَتْحُونَ فِي الصَّحَابَةِ ، قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ ( أَنَّ جَارِيَةً ) لَمْ تُسَمَّ ( لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ الشَّهِيرِ ( كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ ( فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فأَدْرَكَتْهَا ) قَبْلَ الْمَوْتِ ( فَذَكَّتْهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَذَبَحَتْهَا ( بِحَجَرٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : ( فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ، فَقَالَ كَعْبٌ لِأَهْلِهِ : لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْأَلَهُ ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلَهُ ، فَأَتَاهُ أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ ( فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا فَكُلُوهَا ) أَمْرُ إِبَاحَةٍ ، وَفِيهِ ، وَجَوَازُ مَا ذَبَحَتْهُ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً طَاهِرَةً أَوْ غَيْرَ طَاهِرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ مَا ذَبَحَتْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالشَّافِعِيِّ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَهُ .
1046 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا ذُبِحَ بِهِ إِذَا بَضَعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ . 1059 1046 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ) بِفَتْحَتَيْنِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ ( لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ ) وَإِلَّا فَالْمُسْتَحَبُّ الْحَدِيدُ الْمَشْحُوذُ لِحَدِيثِ : وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ .
1044 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . [ المائدة : 51 ] 1058 1044 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرٍ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ( ابْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيَرْوِيهِ ثَوْرٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَمَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 5 ) وَهُمُ الْيَهُودُ وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ لَا يُخْتَصُّ حِلُّهَا بِالْمِلَّةِ ( وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ يُوَادِدْهُمْ وَيُوَالِيهِمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِتِلَاوَتِهَا أَنَّهُ وَإِنْ جَازَ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّخِذَهُمْ ذَبَّاحِينَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُوَالَاةً لَهُمْ .
1045 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ . 1058 1045 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : مَا فَرَى ) قَطَعَ ( الْأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لَنَا مُدًى ، فَقَالَ : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ ، وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ .
2 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الذَّكَاةِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ 1042 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً لَهُ بِأُحُدٍ ، فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ ، فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ ، فَكُلُوهَا . 2 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الذَّكَاةِ في حَالِ الضَّرُورَةِ 1056 1042 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَوَصَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ( أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مَنْ بَنِي حَارِثَةَ ) بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ ( كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا نَاقَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ ( لَهُ بِأُحُدٍ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بِالْمَدِينَةِ ( فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ ) أَيْ : أَسْبَابُهُ ( فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِعْجَامِ الظَّاءَيْنِ عُودٌ مُحَدَّدُ الطَّرَفِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَنَحَرَهَا بِوَتَدٍ ، فَقُلْتُ لِزَيْدٍ : وَتَدٌ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ مِنْ خَشَبٍ ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ خَشَبٍ . وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ فَأَخَذَ وَتَدًا فَوَجَأَهَا بِهِ حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا فَعَلَى هَذَا فَالشِّظَاظُ الْوَتَدُ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الشِّظَاظُ الْعُودُ الَّذِي يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ عُرْوَتَيِ الْغِرَارَتَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ ، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ . ( فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا ) أَمْرُ إِبَاحَةٍ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا كَأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ دُونَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ مَعَ وُرُودِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ أَقْطَعُ ، وَقَوْلِهِ : كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ الْحَافِظُ : لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ سَلَّمْنَا صَلَاحِيَتَهُمَا لِلْحُجَّةِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعًا ، فَلَعَلَّهُ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ نُطْقًا عِنْدَ وَضْعِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ اقْتِصَارًا عَلَى الْبَسْمَلَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ذِكْرُ اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ بِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ سُورَةُ الْعَلَقِ : الْآيَةُ 1 ] فَطَرِيقُ التَّأَسِّي بِهِ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا . وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا وُقُوعُ كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَكُتُبِهِ فِي الْقَضَايَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ حَمْدَلَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، قَالَ : وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْخُطَبِ دُونَ الرَّسَائِلِ وَالْوَثَائِقِ ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَفْتَتِحُ بِخُطْبَةٍ أَجْرَاهُ مَجْرَى الرَّسَائِلِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِيَنْتَفِعُوا بِمَا فِيهِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الِابْتِدَاءُ بِالتَّسْمِيَةِ أَوِ الْحَمْدِ ، فَلَوِ ابْتَدَأَ بِالْحَمْدِ لَخَالَفَ الْعَادَةَ أَوِ الْبَسْمَلَةَ لَمْ يَعُدْ مُبْتَدِيًا بِالْحَمْدَلَةِ فَاكْتَفَى بِالتَّسْمِيَةِ . وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ مُبْتَدِيًا بِالْحَمْدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَ التَّسْمِيَةِ ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الْوَاوِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ افْتَتَحُوا كِتَابَتَهُمْ فِي الْإِمَامِ الْكَبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ ثُمَّ الْحَمْدِ تِلْوَهَا ، وَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ مَنْ كَتَبَ الْمُصْحَفَ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُ رَاعَى قَوْلَهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ( سُورَةُ الْحُجُرَاتِ : الْآيَةُ 1 ) فَلَمْ يُقَدِّمْ عَلَى كَلَامِ رَسُولِهِ شَيْئًا وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ كَلَامِ نَفْسِهِ ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الْحَمْدِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَيْضًا قَدْ قَدَّمَ التَّرْجَمَةَ وَهِيَ مِنْ كَلَامِهِ ، وَكَذَا السَّنَدُ قَبْلَ الْحَدِيثِ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ وَالسَّنَدَ وَإِنْ كَانَا مُقَدَّمَيْنِ لَفْظًا لَكِنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ تَقْدِيرًا ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ أَيْ : لِأَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ لَا التَّقْدِيرِ ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُقَدَّمٌ وَإِنْ كَانَ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِخُطْبَةٍ فِيهَا حَمْدٌ وَشَهَادَةٌ فَحَذَفَهَا الرُّوَاةُ عَنْهُ ، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا مَا رَأَى تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصْنِيفِهِ خُطْبَةً ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ ، كَمَالِكٍ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَحْمَدَ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، فَيُقَالُ لَهُ فِي كُلِّ هَؤُلَاءِ : إِنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ حَذَفُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ، بَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَنِيعِهِ ، عَلَى أَنَّهُمْ حَمَدُوا لَفْظًا ، أَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْخُطَبِ دُونَ الْكُتُبِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِهَذَا قَلَّ مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ مِنْهُمْ بِخُطْبَةِ حَمْدٍ وَتَشَهُّدٍ كَمَا صَنَعَهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى افْتِتَاحِ كُتُبِ الْعِلْمِ بِالْبَسْمَلَةِ وَكَذَا مُعْظَمُ كُتُبِ الرَّسَائِلِ ، وَاخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَنْعُ ذَلِكَ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : هُوَ الْمُخْتَارُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ إِلَّا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنِ وَبَيَاضِهَا مِنَ الْقُرْبِ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ : لَمَّا نَزَلَتْ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( سُورَةُ الْفَاتِحَةِ : الْآيَةُ 1 ) هَرَبَ الْغَيْمُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَسَكَنَتِ الرِّيَاحُ وَمَاجَ الْبَحْرُ وَأَصْغَتِ الْبَهَائِمُ بِآذَانِهَا وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ وَحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بَارَكَ فِيهِ .
مُقَدِّمَةُ الشَّارِحِ عَنِ الْكِتَابِ وَمُؤَلِّفِهِ مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، يَنْتَهِي نَسَبُهُ إِلَى يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ الْأَصْبَحِيِّ ، جَدُّهُ أَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ . شَهِدَ الْمَغَازِي كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَا بَدْرًا ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي بَكْرِ بْنِ الْعُلَا الْقُشَيْرِيِّ ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ : أَبُو عَامِرٍ جَدُّ مَالِكٍ الْأَعْلَى ، كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَلْقَهُ ، سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَهُوَ تَابِعِيٌّ مُخَضْرَمٌ . قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ : لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ . وَابْنُهُ مَالِكٌ جَدُّ الْإِمَامِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَطَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَسَّانَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ لَيْلًا إِلَى قَبْرِهِ وَغَسَّلُوهُ وَدَفَنُوهُ . يَرْوِي عَنْهُ بَنُوهُ : أَنَسٌ وَبِهِ يُكَنَّى وَأَبُو سُهَيْلٍ نَافِعٌ ، وَالرَّبِيعُ . مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا : ثَلَاثٌ يَفْرَحُ لَهُنَّ الْجَسَدُ فَيَرْبُو عَلَيْهِنَّ : الطِّيبُ وَالثَّوْبُ اللَّيِّنُ وَشُرْبُ الْعَسَلِ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ وَضَعَّفَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ هَارُونَ الشَّامِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عُمَرَ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَقَالَ : هَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ يُونُسَ ، وَقَدْ أَتَى بِعَجَائِبَ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَيُونُسُ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا مَالِكٌ : فَهُوَ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ صَدْرُ الصُّدُورِ وَأَكْمَلُ الْعُقَلَاءِ وَأَعْقَلُ الْفُضَلَاءِ ، وَرِثَ حَدِيثَ الرَّسُولِ ، وَنَشَرَ فِي أُمَّتِهِ الْأَحْكَامَ وَالْفُصُولَ ، أَخَذَ عَنْ تِسْعِمِائَةِ شَيْخٍ فَأَكْثَرَ ، وَمَا أَفْتَى حَتَّى شَهِدَ لَهُ سَبْعُونَ إِمَامًا أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ ، وَجَلَسَ لِلدَّرْسِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا ، وَصَارَتْ حَلْقَتُهُ أَكْبَرَ مِنْ حَلْقَةِ مَشَايِخِهِ فِي حَيَاتِهِمْ ، وَكَانَ النَّاسُ يَزْدَحِمُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ كَازْدِحَامِهِمْ عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ ، وَلَهُ حَاجِبٌ يَأْذَنُ أَوَّلًا لِلْخَاصَّةِ فَإِذَا فَرَغُوا أَذِنَ لِلْعَامَّةِ ، وَإِذَا جَلَسَ لِلْفِقْهِ جَلَسَ كَيْفَ كَانَ ، وَإِذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلْحَدِيثِ اغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَعَمَّمَ وَقَعَدَ عَلَى مِنَصَّتِهِ بِخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ وَوَقَارٍ ، وَيُبَخِّرُ الْمَجْلِسَ بِالْعُودِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى فَرَاغِهِ تَعْظِيمًا لِلْحَدِيثِ ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِهِ لَهُ أَنَّهُ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً فَصَارَ يَصْفَرُّ وَيَتَلَوَّى حَتَّى تَمَّ الْمَجْلِسُ وَلَمْ يَقْطَعْ كَلَامَهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ انْصَرِفْ حَتَّى أَنْظُرَ ، فَقِيلَ لَهُ فَبَكَى وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ السَّائِلِ يَوْمٌ وَأَيُّ يَوْمٍ ، وَإِذَا أَكْثَرُوا سُؤَالَهُ كَفَّهُمْ وَقَالَ : حَسْبُكُمْ مَنْ أَكْثَرَ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُجِيبُ ، وَقَدْ أَدْرَكْنَاهُمْ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ فَكَأَنَّ الْمَوْتَ أَشْرَفَ عَلَيْهِ ، وَسُئِلَ عَنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي ، وَقَالَ : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَهُ لَا أَدْرِي لِيَكُونَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ طَرَحَهُ ، وَإِذَا قَالَ أَحَدٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَهُ بِالْحَبْسِ وَقَالَ : يَصِحُّ مَا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ ، وَكَانَ يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجُلُ كَمَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيِ الْأُمَرَاءِ ، وَكَانَ مُهَابًا جِدًّا إِذَا أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ ؟ وَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ وَهُوَ عَلَى فَرْشِهِ وَصَبِيٌّ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فَقَالَ : تَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ هُوَ ابْنِي ، وَإِنَّمَا يَفْزَعُ مِنْ هَيْبَتِكَ ، وَفِيهِ أَنْشَدَ : يَأْبَى الْجَوَابَ فَلَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً وَالسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ أَدَبُ الْوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى فَهُوَ الْمُطَاعُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ وَكَانَ يَقُولُ فِي فُتْيَاهُ : مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ إِلَّا كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً وَيَقُولُ : وَاللَّهِ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ كَثْرَةِ تَرَدُّدِي لِلْخَلَاءِ ، وَيُرْخِي الطَّيْلَسَانَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَا يُرَى وَلَا يَرَى . وَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ فَقَالَ : فِي عُمُرٍ يَنْقُصُ وَذُنُوبٍ تَزِيدُ . وَلَمَّا أَلَّفَ الْمُوَطَّأَ ، اتَّهَمَ نَفْسَهُ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ وَقَالَ : إِنِ ابْتَلَّ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ فَلَمْ يَبْتَلَّ مِنْهُ شَيْءٌ . ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ كَثِيرٌ : قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا مَا كَانَ أَشَدَّ انْتِقَادِ مَالِكٍ لِلرِّجَالِ ، وَكَانَ لَا يُبَلِّغُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا كَانَ صَحِيحًا ، وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَنْ ثِقَاتِ النَّاسِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ آمَنُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَلَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَحَدًا ، وَمَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنْهُ ، قَالَ : وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُّنَّةِ . وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْحَدِيثِ . وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا . سُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ : السُّنَّةُ هَاهُنَا ضِدُّ الْبِدْعَةِ ، فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَلَا يَكُونُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ فَأَتَيْنَاهُ وَمَعَنَا رَبِيعَةُ فَحَدَّثَنَا بِنَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ : انْظُرُوا كِتَابًا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ مِنْهُ ، أَرَأَيْتُمْ مَا حَدَّثْتُكُمْ أَمْسِ أَيُّ شَيْءٍ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ : هَاهُنَا مَنْ يُورِدُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثْتَ بِهِ أَمْسِ ، قَالَ : وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ : ابْنُ أَبِي عَامِرٍ ، قَالَ : هَاتِ فَحَدَّثْتُهُ بِأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْهَا ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ بَقِيَ أَحَدٌ يَحْفَظُ هَذَا غَيْرِي . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : مَالِكٌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ . زَادَ ابْنُ مَعِينٍ : كَانَ مَالِكٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَى فَضْلِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا جَاءَ الْأَثَرُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ ، وَإِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مَبْلَغَ مَالِكٍ فِي الْعِلْمِ لِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَصِيَانَتِهِ ، وَمَا أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ مَالِكٍ ، وَجَعَلْتُ مَالِكًا حُجَّةً بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ الْقَرِينَانِ لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ عِلْمُ الْحِجَازِ ، وَالْعِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةٍ : مَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : قُلْتُ لِأَبِي : مَنْ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ؟ قَالَ : مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَوْلَا مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ لَضَلَلْنَا . وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا ذَكَرَ مَالِكًا قَالَ : عَالِمُ الْعُلَمَاءِ ، وَعَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمُفْتِي الْحَرَمَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ : مَا تُرِكَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ . وَقَالَ : مَالِكٌ إِمَامٌ وَعَالِمُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِي زَمَانِهِ ، وَمَالِكٌ سِرَاجُ الْأُمَّةِ ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَّبِعُ آثَارَ مَالِكٍ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ عَلَى الثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعِلْمِ ، وَقَالَ : هُوَ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ . وَسُئِلَ عَنْ مَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَ الْحَدِيثَ وَفِي رَأْيِ مَنْ تَنْظُرُ ؟ فَقَالَ : حَدِيثُ مَالِكٍ وَرَأْيُ مَالِكٍ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثٍ : يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ؛ نَرَى أَنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : كَانُوا يَرَوْنَهُ ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : يَعْنِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ : كَانُوا التَّابِعِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ نُظَرَائِهِ أَوْ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سُفْيَانَ : كُنْتُ أَقُولُ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، حَتَّى قُلْتُ : كَانَ فِي زَمَانِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَسَالِمٌ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ أَقُولُ إِنَّهُ مَالِكٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ نَظِيرٌ بِالْمَدِينَةِ . قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : لَا يُنَازِعُنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ ؛ إِذْ لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُ هُوَ إِمَامِي ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ صَاحِبُنَا بِشَهَادَةِ السَّلَفِ لَهُ ، وَبِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ : عَالِمُ الْمَدِينَةِ وَإِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَالِكٌ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِهَا . قَالَ عِيَاضٌ : فَوَجْهُ احْتِجَاجِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : تَأْوِيلُ السَّلَفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَالِكٌ وَمَا كَانُوا لَيَقُولُونَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ . الثَّانِي : شَهَادَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَقْدِيمِهِ ، يَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْأَوْصَافُ الَّتِي فِيهِ لِغَيْرِهِ وَلَا أَطْبَقُوا عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِسِوَاهُ . الثَّالِثُ : مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ لَمْ يَضْرِبُوا أَكْبَادَ الْإِبِلِ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا إِلَى عَالِمٍ وَلَا رَحَلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ رِحْلَتَهُمْ إِلَى مَالِكٍ : فَالنَّاسُ أَكْيَسُ مِنْ أَنْ يَحْمَدُوا رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدُوا آثَارَ إِحْسَانِ وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : مَا بِتُّ لَيْلَةً إِلَّا رَأَيْتُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَالِكٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَيُّكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ؟ فَقَالُوا : هَذَا ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ : ( هَاتُوا مَالِكًا ) ، فَأُتِيَ بِكَ تَرْعَدُ فَرَائِصُكَ ، فَقَالَ : ( لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ) . وَكَنَّاكَ وَقَالَ : ( اجْلِسْ ) . فَجَلَسْتَ فَقَالَ : ( افْتَحْ حِجْرَكَ ) . فَفَتَحْتَ فَمَلَأَهُ مِسْكًا مَنْثُورًا . وَقَالَ : ( ضُمَّهُ إِلَيْكَ وَبُثَّهُ فِي أُمَّتِي ) . فَبَكَى مَالِكٌ طَوِيلًا وَقَالَ : الرُّؤْيَا تَسُرُّ وَلَا تَغُرُّ ، وَإِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَنِي اللَّهُ . وَلْنُمْسِكْ عِنَانَ الْقَلَمِ فَهَذِهِ لُمَعٌ ذَكَرْتُهَا تَبَرُّكًا وَتَذْكِرَةً لِلْقَاصِرِ مِثْلِي ، وَإِلَّا فَتَرْجَمَتُهُ تَحْتَمِلُ عِدَّةَ أَسْفَارٍ كِبَارٍ ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِالتَّصَانِيفِ الْعَدِيدَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَلَّفَ النَّاسُ فِي فَضَائِلِهِ كُتُبًا كَثِيرَةً . وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْأَشْهَرِ . وَقِيلَ : سَنَةَ تِسْعِينَ . وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ ، وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ شُرَيْكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيَّةُ . وَقِيلَ : إِنَّهَا ( طَلْحَةُ ) مَوْلَاةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَقِيلَ : سَنَتَيْنِ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : أَنْبَأَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيُّ قَالَ : كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ طَوِيلًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إِلَى الشُّقْرَةِ . وَقَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ : كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْلَاهُمْ عَيْنًا وَأَنْقَاهُمْ بَيَاضًا وَأَتَمِّهِمْ طُولًا فِي جَوْدَةِ بَدَنٍ . وَقِيلَ : كَانَ رَبْعَةً ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . مَرِضَ مَالِكٌ يَوْمَ الْأَحَدِ فَأَقَامَ مَرِيضًا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَمَاتَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ . وَقِيلَ : لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ : تُوُفِّيَ مَالِكٌ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً ، وَأَقَامَ مُفْتِيًا بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ سِتِّينَ سَنَةً . وَتَرَكَ مِنَ الْأَوْلَادِ يَحْيَى ، وَمُحَمَّدًا ، وَحَمَّادًا وَأُمَّ أَبِيهَا . قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَيَحْيَى يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ نُسْخَةً مِنَ الْمُوَطَّأِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالْيَمَنِ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَدِمَ مِصْرَ وَكَتَبَ عَنْهُ ، حَدَّثَ عَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، انْتَهَى . وَلِمُحَمَّدٍ ابْنِ الْإِمَامِ ابْنٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ سَمِعَ جَدَّهُ مَالِكًا وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، ذَكَرَهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ ، وَبَلَغَتْ تَرِكَةُ الْإِمَامِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ وَنَيِّفًا . قَالَ بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ الصَّوَّافُ : دَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا فَقُلْنَا : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ غَدًا مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ ، قَالَ : ثُمَّ مَا رُحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ . رَوَاهُ الْخَطِيبُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . وَرَأَى عُمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَيْلَةَ مَاتَ مَالِكٌ قَائِلًا يَقُولُ : لَقَدْ أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ زُعْزِعَ رُكْنُهُ غَدَاةَ ثَوَى الْهَادِي لَدَى مُلْحَدِ الْقَبْرِ إِمَامُ الْهُدَى مَا زَالَ لِلْعِلْمِ صَائِنًا عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ فِي آخِرِ الدَّهْرِ قَالَ : فَانْتَبَهْتُ وَكَتَبْتُ الْبَيْتَيْنِ فِي السِّرَاجِ وَإِذَا بِصَارِخَةٍ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . الرُّوَاةُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ : وَالرُّوَاةُ عَنْهُ فِيهِمْ كَثْرَةٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ رُوَاةٌ كَرُوَاتِهِ . وَقَدْ أَلَّفَ الْخَطِيبُ كِتَابًا فِي الرُّوَاةِ عَنْهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَلْفَ رَجُلٍ إِلَّا سَبْعَةً . وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ أَلَّفَ فِيهِمْ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ نَيِّفًا عَلَى أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ اسْمٍ ، وَعَدَّ فِي مَدَارِكِهِ نَيِّفًا عَلَى أَلْفٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشَاهِيرَ وَتَرَكْنَا كَثِيرًا ، فَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ : ابْنُ شِهَابٍ مَاتَ قَبْلَ مَالِكٍ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ يَتِيمُ عُرْوَةَ مَاتَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَاتَ قَبْلَهُ بِتِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَرَبِيعَةُ بِثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ ، وَنَافِعٌ الْقَارِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَأَبُو النَّضْرِ سَالِمٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِثَلَاثِينَ ، وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، وَخَلْقٌ . وَمِنْ أَقْرَانِهِ : السُّفْيَانَانِ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِعِشْرِينَ سَنَةً ، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِسَبْعَ عَشْرَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . قال الدَّارَقُطْنِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ اجْتَمَعَ لَهُ مَا اجْتَمَعَ لِمَالِكٍ ، رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ حَدِيثًا وَاحِدًا بَيْنَ وَفَاتَيْهِمَا نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً . الزُّهْرِيُّ شَيْخُهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَأَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ تُوُفِّيَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَرَوَيَا عَنْهُ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ فِي سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ . وَأَمَّا الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ الْمُوَطَّأَ فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ الْمَدَنِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ سَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ نِصْفَ الْمُوَطَّأِ وَقَرَأَ هُوَ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِي ، وَأَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّهْرِيُّ ، وَبَكَّارٌ ، وَمُصْعَبٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّونَ ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ ابْنَا أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَيُّوبُ بْنُ صَالِحٍ وَسَكَنَ الرَّمْلَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ ، وَمُحْرِزٌ الْمَدَنِيُّ . قَالَ عِيَاضٌ : وَأَظُنُّهُ ابْنَ هَارُونَ الْهُدَيْرِيُّ - بِضَمِّ الْهَاءِ مُصَغَّرٌ وَيَحْيَى بْنُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ذَكَرَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَغَيْرُهُ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْإِمَامِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْأَنْصَارِيُّ . ذَكَرَهُمُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ نَاصِرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ . وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ حَفِظَ الْمُوَطَّأَ بِمَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ فِي تِسْعِ لَيَالٍ . وَقِيلَ : فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مَالِكٍ فَأَخَذَهُ عَنْهُ . وَمِنْ أَهْلِ مِصْرَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ - بِضَمِّ الْبَاءِ مُصَغَّرٌ - وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ فِي الدِّيبَاجِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ الْمُوَطَّأَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَسَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ ، مُصَغَّرٌ - الْأَنْصَارِيُّ وَيُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ خَالِدٍ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَإِبْرَاهِيمُ ، وَقِيلَ : مَرْزُوقٌ كَاتِبُ مَالِكٍ ، وَأَشْهَبُ ، ذَكَرَهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ - بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَالنُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ - وَأَصْلُهُ دِمَشْقِيٌّ ، وَذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ . عَدَّهُمُ ابْنُ نَاصِرٍ أَحَدَ عَشَرَ . وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ النَّصْرِيُّ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَهْلٍ الْهَرَوِيُّ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلٍ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - الْبَلْخِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ - بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ - الْبَغْدَادِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرْدٍ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - ابْنِ نَجِيحٍ التُّجِيبِيُّ ، وَأَبُو حُذَافَةَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَمُعْجَمَةٌ فَأَلِفٌ فَفَاءٌ - أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ سَمَاعُهُ لِلْمُوَطَّأِ صَحِيحٌ وَخَلَطَ فِي غَيْرِهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شَرُوسٍ الصَّنْعَانِيُّ ، وَأَبُو قُرَّةَ السَّكْسَكِيُّ - بِضَمِّ الْقَافِ وَشَدِّ الرَّاءِ - وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَرَّانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ، وَبَرْبَرٌ - بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَ كُلِّ رَاءٍ بِلَا نَقْطٍ الْمُغَنِّي - بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُعْجَمَةٌ - نِسْبَةً إِلَى الْغِنَاءِ بَغْدَادِيٌّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْمَوْصِلِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَجُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ - بِلَفْظِ تَصْغِيرِ جَارِيَةٍ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّونَ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ الْكُوفِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى السَّبَئِيُّ الْيَمَانِيُّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ السَّائِبِ الْقُرَشِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ الْفَدَكِيُّ ، وَالْمَاضِي بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الْغَافِقِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ شِبْلٍ الْبَاهِلِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْمَغَافِرِيُّ النَّاجِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ مُضَرَ الْقَيْسِيُّ ذَكَرَهُمُ ابْنُ نَاصِرٍ ، تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ . وَمِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ : زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُلَقَّبُ شَبَطُونَ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنْ مَالِكٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ ، وَحَفْصٌ وَحَسَّانُ ابْنَا عَبْدِ السَّلَامِ ، وَالْغَازُ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٌ فَزَايٌ مَنْقُوطَةٌ - ابْنُ قَيْسٍ ، وَقُرْعُوسُ بْنُ الْعَبَّاسِ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ بِزِنَةِ فِرْدَوْسٍ ، وَزُنْبُورٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدُوسٍ ، وَعَبَّاسُ بْنُ صَالِحٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِنْدَ ، وَشَبَطُونَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الطُّلَيْطِلِيَّانِ - بِضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى - نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ . وَمِنَ الْقَيْرَوَانِ : أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، وَخَلَفُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ فَضَالَةَ . وَمِنْ تُونِسَ : عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، وَعِيسَى بْنُ شَجَرَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ . وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ : عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ ، وَعُبَيْدُ بْنُ حِبَّانَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ - الدِّمَشْقِيَّانِ ، وَعُتْبَةُ - بِالْفَوْقِيَّةِ - ابْنُ حَمَّادٍ الدِّمَشْقِيُّ إِمَامُ الْجَامِعِ ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ السَّلَمِيُّ دِمَشْقِيَّانِ أَيْضًا ، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ - بِضَمِّ الْوَاوِ وَخِفَّةِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ - الْحِمْصِيُّ ؛ ذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ نَاصِرٍ ، وَخَالِدُ بْنُ نِزَارٍ الْأَيْلِيُّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - سَبْعَةٌ . قَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِ غَالِبِهِمْ : فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَقَّقْنَا أَنَّهُمْ رَوَوْا عَنْهُ الْمُوَطَّأَ ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الرِّجَالِ ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْبَصْرِيَّ أَخَذَهُ عَنْهُ كِتَابَةً ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ مُنَاوَلَةً ، يَعْنِي وَهُوَ غَيْرُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ فَلَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا ، قَالَ : وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي فَرَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ - يَعْنِي أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ - عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الرَّشِيدَ وَبَنِيهِ الْأَمِينَ ، وَالْمَأْمُونَ ، وَالْمُؤْتَمَنَ أَخَذُوا عَنْهُ الْمُوَطَّأَ ، وَأَنَّ الْمَهْدِيَّ ، وَالْهَادِيَ سَمِعَا مِنْهُ وَرَوَيَا عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَتَبَ الْمُوَطَّأَ لِلْهَادِي ، قَالَ : وَلَا مِرْيَةَ أَنَّ رُوَاةَ الْمُوَطَّأِ أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهُمْ مَنْ بَلَغَنَا نَصًّا سَمَاعُهُ لَهُ مِنْهُ وَأَخْذُهُ لَهُ عَنْهُ أَوْ مَنِ اتَّصَلَ إِسْنَادُنَا لَهُ فِيهِ عَنْهُ . قَالَ : وَالَّذِي اشْتَهَرَ مِنْ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ مِمَّنْ رَوَيْتُهُ أَوْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ فِي رِوَايَاتِ شُيُوخِنَا أَوْ نَقَلَ مِنْهُ أَصْحَابُ اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ نَحْوُ عِشْرِينَ نُسْخَةً ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ نُسْخَةً ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْمُوَطَّأَ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَلَمْ يَقَعْ لِأَصْحَابِ اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ ، فَلِذَا لَمْ يَذْكُرُوا مِنْهُ شَيْئًا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ : رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَبَيْنَ رِوَايَاتِهِمُ اخْتِلَافٌ مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ ، وَأَكْبَرُهَا رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمِنْ أَكْبَرِهَا وَأَكْثَرِهَا زِيَادَاتٍ رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ زِيَادَةٌ عَلَى سَائِرِ الْمُوَطَّآتِ نَحْوَ مِائَةِ حَدِيثٍ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ زِيَادَةً عَلَى سَائِرِ الْمُوَطَّآتِ مِنْهَا حَدِيثُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ الْحَدِيثَ ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ عَزَا رِوَايَتَهُ إِلَى الْمُوَطَّأِ وَوَهْمُ مَنْ خَطَّأَهُ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ فَتْحِ الْبَارِي : هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ إِلَّا الْمُوَطَّأَ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ مُغْتَرًّا بِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي مُنْتَهَى الْآمَالِ : لَمْ يَهِمْ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَاتِ الشَّهِيرَةِ فَإِنَّهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَوْرَدَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ النَّوَادِرِ . وَقِيلَ : آخِرِ الْكِتَابِ بِثَلَاثِ وَرَقَاتٍ ، وَتَارِيخُ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مَكْتُوبَةٌ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ مَشْهُورَةٌ ، وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ . وَفِي الْإِرْشَادِ لِلْخَلِيلِيِّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كُنْتُ سَمِعْتُ الْمُوَطَّأَ مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَأَعَدْتُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ مَرْزُوقٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الْمُوَطَّأِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ بَعْدَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَكَذَا أَطْلَقَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ الْقَعْنَبِيَّ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَقْدِيمَهُ عِنْدَ مَنْ قَدَّمَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَمِعَ كَثِيرًا مِنَ الْمُوَطَّأِ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَثْبَتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَوْثَقُهُمْ مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، انْتَهَى . وَفِي الدِّيبَاجِ قَالَ النَّسَائِيُّ : ابْنُ الْقَاسِمِ ثِقَةٌ رَجُلٌ صَالِحٌ ، سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ وَأَصَحَّهُ عَنْ مَالِكٍ ، لَيْسَ يَخْتَلِفُ فِي كَلِمَةٍ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ أَثْبَتَ مِنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عِنْدِي مِثْلَهُ ، قِيلَ لَهُ : فَأَشْهَبُ ؟ قَالَ : وَلَا أَشْهَبُ وَلَا غَيْرُهُ ، وَهُوَ أَعْجَبُ مِنَ الْعَجَبِ ، الْفَضْلُ وَالزُّهْدُ وَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ وَحُسْنُ الْحَدِيثِ ، حَدِيثُهُ يَشْهَدُ لَهُ ، انْتَهَى . فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنِ النَّسَائِيِّ فِي أَثْبَتِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَثْبَتُ النَّاسِ فِي مَالِكٍ ، ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنَ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُهُ الْوَرَعُ مِنَ الْفُتْيَا . وَقَالَ أَصْبَغُ : ابْنُ وَهْبٍ أَعْلَمُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ إِلَّا أَنَّهُ رَوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ مُغْلَطَايْ أَنَّهُ وَالْقَعْنَبِيُّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ . وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا : ابْنُ وَهْبٍ لَمْ يَكُنْ جَيِّدَ التَّحَمُّلِ فَكَيْفَ يَنْقُلُ هَذَا الرَّجُلُ أَنَّهُ أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ؟ انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : اخْتَارَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَةَ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَالْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ التِّنِّيسِيِّ ، وَمُسْلِمٌ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ التَّمِيمِيِّ ، وَأَبُو دَاوُدَ رِوَايَةَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ رِوَايَةَ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، انْتَهَى . وَهَذَا كُلُّهُ أَغْلَبِيٌّ ، وَإِلَّا فَقَدَ رَوَى كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ مَنْ عَيَّنَهُ ، وَيَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَلَيْسَ هُوَ صَاحِبُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ فَإِنَّهُ أَنْدَلُسِيٌّ وَقَدْ يَلْتَبِسَانِ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ . وَرَوَاهُ عَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ الْحَافِظُ الْأَنْدَلُسِيُّ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْمُوَطَّأُ هُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ ، وَ اللُّبَابُ وَ الْبُخَارِيُّ الْأَصْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَلَيْهِمَا بَنَى الْجَمِيعُ كَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ . قَالَ : وَذَكَرَ ابْنُ الْهَيَّابِ أَنَّ مَالِكًا رَوَى مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ جَمَعَ مِنْهَا الْمُوَطَّأَ عَشَرَةَ آلَافٍ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَعْرِضُهَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَخْتَبِرُهَا بِالْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ . وَقَالَ إِلْكِيَا الْهَرَّاسِيُّ : مُوَطَّأُ مَالِكٍ كَانَ تِسْعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِي حَتَّى رَجَعَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ . وَفِي الْمَدَارِكِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ : أَلَّفَ مَالِكٌ الْمُوَطَّأَ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ أَوْ أَكْثَرُ ، وَمَاتَ وَهِيَ أَلْفُ حَدِيثٍ وَنَيِّفٌ ، يُخَلِّصُهَا عَامًا عَامًا بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمْثَلُ فِي الدِّينِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ : جُمْلَةُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا ، الْمُسْنَدُ مِنْهَا سِتُّمِائَةِ حَدِيثٍ ، وَالْمُرْسَلُ مِائَتَانِ وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا ، وَالْمَوْقُوفُ سِتُّمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ . وَمِنْ قَوْلِ التَّابِعِينَ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ . وَقَالَ الْغَافِقِيُّ : مُسْنَدُ الْمُوَطَّأِ سِتُّمِائَةِ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ صَاحِبِ الْأَوْزَاعِيِّ قال : عَرَضْنَا عَلَى مَالِكٍ الْمُوَطَّأَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَالَ : كِتَابٌ أَلَّفْتُهُ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا أَقَلَّ مَا تَفْقَهُونَ فِيهِ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي خُلَيْدٍ قَالَ : أَقَمْتُ عَلَى مَالِكٍ فَقَرَأْتُ الْمُوَطَّأَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ مَالِكٌ : عِلْمٌ جَمَعَهُ شَيْخٌ فِي سِتِّينَ سَنَةً أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَا فَقِهْتُمْ أَبَدًا . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَتَّانِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ : مُوَطَّأُ مَالِكٍ لِمَ سُمِّيَ الْمُوَطَّأَ ؟ فَقَالَ : شَيْءٌ صَنَعَهُ وَوَطَّأَهُ لِلنَّاسِ حَتَّى قِيلَ مُوَطَّأُ مَالِكٍ كَمَا قِيلَ جَامِعُ سُفْيَانَ . وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فِهْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَنْجِيِّ : سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ يَقُولُ : قَالَ مَالِكٌ : عَرَضْتُ كِتَابِي هَذَا عَلَى سَبْعِينَ فَقِيهًا مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ فَكُلُّهُمْ وَاطَأَنِي عَلَيْهِ فَسَمَّيْتُهُ الْمُوَطَّأَ . قَالَ ابْنُ فِهْرٍ : لَمْ يَسْبِقْ مَالِكًا أَحَدٌ إِلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ، فَإِنَّ مَنْ أَلَّفَ فِي زَمَانِهِ بَعْضُهُمْ سَمَّى بِالْجَامِعِ ، وَبَعْضُهُمْ سَمَّى بِالْمُصَنَّفِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالْمُؤَلَّفِ ، وَلَفْظَةُ الْمُوَطَّأِ بِمَعْنَى الْمُمَهَّدِ الْمُنَقَّحِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ كِتَابًا بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى الْمُوَطَّأِ - مِنْ ذِكْرِ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ - عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجَشُونَ وَعَمِلَ ذَاكَ كَلَامًا بِغَيْرِ حَدِيثٍ فَأَتَى بِهِ مَالِكٌ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ مَا عَمِلَ وَلَوْ كُنْتُ أَنَا الَّذِي عَمِلْتُ ابْتَدَأْتُ بِالْآثَارِ ثُمَّ سَدَّدْتُ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا عَزَمَ عَلَى تَصْنِيفِ الْمُوَطَّأِ فَصَنَّفَهُ فَعَمِلَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُوَطَّآتِ ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ : شَغَلْتَ نَفْسَكَ بِعَمَلِ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ شَرَكَكَ فِيهِ النَّاسُ وَعَمِلُوا أَمْثَالَهُ فَقَالَ : ائْتُونِي بِمَا عَمِلُوا فَأُتِيَ بِذَلِكَ فَنَظَرَ فِيهِ وَقَالَ : لَتَعْلَمُنَّ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، قَالَ : فَكَأَنَّمَا أُلْقِيَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ فِي الْآبَارِ وَمَا سَمِعْتُ لِشَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرٍ . وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ قَالَ لِمَالِكٍ : ضَعْ لِلنَّاسِ كِتَابًا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَهُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : ضَعْهُ فَمَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَعْلَمَ مِنْكَ ، فَوَضَعَ الْمُوَطَّأَ فَمَا فَرَغَ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ الْمَنْصُورَ قَالَ : ضَعْ هَذَا الْعِلْمَ وَدَوِّنْ كِتَابًا وَجَنِّبْ فِيهِ شَدَائِدَ ابْنِ عُمَرَ ، وَرُخَصَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَشَوَاذَّ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاقْصِدْ أَوْسَطَ الْأُمُورِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : اجْعَلْ هَذَا الْعِلْمَ عِلْمًا وَاحِدًا ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ فَأَفْتَى كُلٌّ فِي مِصْرِهِ بِمَا رَأَى ، فَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ قَوْلٌ ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَوْلٌ تَعَدَّوْا فِيهِ طَوْرَهُمْ ، فَقَالَ : أَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَلَا أَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَإِنَّمَا الْعِلْمُ عِلْمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَضَعْ لِلنَّاسِ الْعِلْمَ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يَرْضَوْنَ عِلْمَنَا ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يُضْرَبُ عَلَيْهِ عَامَّتُهُمْ بِالسَّيْفِ ، وَنَقْطَعُ عَلَيْهِ ظُهُورَهُمْ بِالسِّيَاطِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبَلَغَنِي عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي مُوَطَّئِي ؟ فَقُلْتُ لَهُ : النَّاسُ رَجُلَانِ مُحِبٌّ مُطْرٍ وَحَادٌّ مُفْتَرٍ ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ : إِنْ مَدَّ بِكَ عُمُرٌ فَسَتَرَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ . وَرَوَى الْخَطِيبُ ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ : قَالَ الرَّشِيدُ ، لِمَالِكٍ : لَمْ نَرَ فِي كِتَابِكَ ذِكْرًا لَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : لَمْ يَكُونَا بِبَلَدِي وَلَمْ أَلْقَ رِجَالَهُمَا ، فَإِنَّ صَحَّ هَذَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرًا كَثِيرًا ، وَإِلَّا فَفِي الْمُوَطَّأِ أَحَادِيثُ عَنْهُمَا . قَالَ الْغَافِقِيُّ : عِدَّةُ شُيُوخِهِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ رَجُلًا ، وَعِدَّةُ صَحَابَتِهِ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا ، وَمِنْ نِسَائِهِمْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً ، وَمِنَ التَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا سِتَّةً : أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ ، وَحُمَيْدٌ ، وَأَيُّوبُ الْبَصْرِيَّانِ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَيْلَةَ الشَّامِيُّ . وَأَخْرَجَ ابْنُ فِهْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ : مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ . وَفِي لَفْظٍ : مَا عَلَى الْأَرْضِ كِتَابٌ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْقُرْآنِ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ . وَفِي لَفْظٍ : مَا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ . وَفِي آخَرَ : مَا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَنْفَعُ مِنَ الْمُوَطَّأِ . وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمُوَطَّأِ اسْمَ الصَّحِيحِ ، وَاعْتَرَضُوا قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَإِنْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ : الصَّحِيحُ الْمُجَرَّدُ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يُجَرِّدْ فِيهِ الصَّحِيحَ بَلْ أَدْخَلَ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْبَلَاغَاتِ ، فَقَدْ قَالَ مُغْلَطَايْ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ لِوُجُودِهِ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ مِنَ التَّعَالِيقِ وَنَحْوِهَا ، لَكِنْ فَرَّقَ الْحَافِظُ بِأَنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ كَذَلِكَ هُوَ مَسْمُوعٌ لِمَالِكٍ غَالِبًا ، وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ قَدْ حُذِفَ إِسْنَادُهُ عَمَدًا لِأَغْرَاضٍ قُرِّرَتْ فِي التَّعْلِيقِ ، فَظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَرَّدَ فِيهِ الصَّحِيحَ بِخِلَافِ الْمُوَطَّأِ . وَقَالَ الْحَافِظُ مُغْلَطَايْ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ مَالِكٌ ، وَقَوْلُ الْحَافِظِ هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَغَيْرِهِمَا ، لَا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي حَدِّ الصِّحَّةِ ، تَعَقَّبَهُ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْمَرَاسِيلِ مَعَ كَوْنِهَا حُجَّةً عِنْدَهُ بِلَا شَرْطٍ وَعِنْدَ مَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ هِيَ حُجَّةٌ عِنْدِنَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا إِذَا اعْتُضِدَ ، وَمَا مِنْ مُرْسَلٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا وَلَهُ عَاضِدٌ أَوْ عَوَاضِدُ ، فَالصَّوَابُ إِطْلَاقُ أَنَّ الْمُوَطَّأَ صَحِيحٌ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ . وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِتَابًا فِي وَصْلِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ قَالَ : وَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ بَلَغَنِي ، وَمِنْ قَوْلِهِ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ مِمَّا لَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُسْنَدَةٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ إِلَّا أَرْبَعَةً لَا تُعْرَفُ : أَحَدُهَا : إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . وَالثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَهُ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . وَالثَّالِثُ : قَوْلُ مُعَاذٍ : آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ : حَسِّنْ خُلُقُكَ لِلنَّاسِ . وَالرَّابِعُ : إِذَا نَشَأَتْ بحرية ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غدَيْقَةٌ . وَالْمُوَطَّأُ مِنْ أَوَائِلِ مَا صُنِّفَ . قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي : اعْلَمْ أَنَّ آثَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ تَابِعِيهِمْ مُدَوَّنَةً فِي الْجَوَامِعِ وَلَا مُرَتَّبَةً لِأَمْرَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا : أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ قَدْ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَلِطَ بَعْضُ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ . وَالثَّانِي : سِعَةُ حِفْظِهِمْ وَسَيَلَانُ أَذْهَانِهِمْ ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَةَ ، ثُمَّ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينُ الْآثَارِ وَتَبْوِيبُ الْأَخْبَارِ لَمَّا انْتَشَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْصَارِ ، وَكَثُرَ الِابْتِدَاعُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَمُنْكِرِي الْأَقْدَارِ ، فَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَغَيْرُهُمَا ، فَصَنَّفُوا كُلَّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ ، إِلَى أَنْ قَامَ كِبَارُ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَدَوَّنُوا الْأَحْكَامَ . فَصَنَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ الْمُوَطَّأَ وَتَوَخَّى فِيهِ الْقَوِيَّ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَمَزَجَهُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ . وَصَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْبَصْرَةِ ، وَهُشَيْمٌ بِوَاسِطٍ ، وَمَعْمَرٌ بِالْيَمَنِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِالرَّيِّ ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ فَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ سَبَقَ ، ثُمَّ تَلَاهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ فِي النَّسْجِ عَلَى مِنْوَالِهِمْ إِلَى أَنْ رَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُفْرَدَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ فَصَنَّفُوا الْمَسَانِيدَ ، انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي الْقُوتِ : هَذِهِ الْكُتُبُ حَادِثَةٌ بَعْدَ سَنَةِ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَيُقَالُ أَوَّلُ مَا صُنِّفَ كِتَابُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ فِي الْآثَارِ وَحُرُوفٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ ، ثُمَّ كِتَابُ مَعْمَرٍ بِالْيَمَنِ جَمَعَ فِيهِ سُنَنًا مَنْثُورَةً مُبَوَّبَةً ، ثُمَّ الْمُوَطَّأُ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْجَامِعُ ، وَالتَّفْسِيرُ فِي أَحْرُفٍ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، وَ جَامِعُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ صَنَّفَهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَقِيلَ : إِنَّهَا صُنِّفَتْ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ ، انْتَهَى . وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْعِلْمَ ابْنُ شِهَابٍ . وَأَخْرَجَ الْهَرَوِيُّ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : لَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ وَلَا التَّابِعُونَ يَكْتُبُونَ الْأَحَادِيثَ إِنَّمَا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا لَفْظًا وَيَأْخُذُونَهَا حِفْظًا إِلَّا كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْبَاحِثُ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ ، حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ الدُّرُوسُ ، وَأَسْرَعَ فِي الْعُلَمَاءِ الْمَوْتُ ، أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَبَا بَكْرٍ الْحَزْمِيَّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ : أَنِ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ أَوْ حَدِيثِ عُمَرَ فَاكْتُبْهُ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنِ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ لِي فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ . عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ بِلَفْظِ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْمَعُوهُ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْتُبُ إِلَى الْأَمْصَارِ يُعَلِّمُهُمُ السُّنن وَالْفِقْهَ ، وَيَكْتُبُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ عَمَّا مَضَى وَأَنْ يَعْمَلُوا بِمَا عِنْدَهُمْ ، وَيَكْتُبُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يَجْمَعَ السُّنَنَ ، وَيَكْتُبَ بِهَا إِلَيْهِ ، فَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَقَدْ كَتَبَ ابْنُ حَزْمٍ كُتُبًا قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ . وَأَفَادَ فِي الْمَدَارِكِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَنَ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ اعْتِنَاءَ النَّاسِ بِالْمُوَطَّأِ ، فَعَدَّ نَحْوَ تِسْعِينَ رَجُلًا تَكَلَّمُوا عَلَيْهِ شُرُوحًا وَغَيْرَهَا مِنْ تَعَلُّقَاتِهِ ، وَقَالَ فِيهِ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا ذُكِرَتْ كُتُبُ الْعُلُومِ فَحَيْهَلَ بِكُتُبِ الْمُوَطَّأِ مِنْ تَصَانِيفِ مَالِكِ أَصَحُّ أَحَادِيثًا وَأَثْبَتُ حُجَّةً وَأَوْضَحُهَا فِي الْفِقْهِ نَهْجًا لِسَالِكِ عَلَيْهِ مَضَى الْإِجْمَاعُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى رَغْمِ خَيْشُومِ الْحَسُودِ الْمُمَاحِكِ فَعَنْهُ فَخُذْ عِلْمَ الدِّيَانَةِ خَالِصًا وَمِنْهُ اسْتَفِدْ شَرْعَ النَّبِيِّ الْمُبَارَكِ وَشُدَّ بِهِ كَفَّ الصِّيَانَةِ تَهْتَدِي فَمَنْ حَادَ عَنْهُ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ
4 - بَاب تَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ 1060 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ . 4 - بَابُ تَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَعْدُو بِهِ وَيَتَقَوَّى كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ وَفِيلٍ وَقِرْدٍ ، أَوْ لَا كَثَعْلَبٍ وَضَبُعٍ وَهِرٍّ . 1075 1060 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بِتَحْتِيَّةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وُلِد يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَسَمِعَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كَانَ عَالِمَ الشَّامِ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ( عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( الْخُشَنِيِّ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالنُّونِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي خُشَيْنٍ مِنْ قُضَاعَةَ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، قِيلَ اسْمُهُ جُرْثُومٌ أَوْ جُرْثُمَةُ أَوْ جَرْثَمٌ أَوْ جُرْهُمٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْهَاءِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ، أَوْ لَاشِرٌ بِمُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا رَاءٌ أَوْ لَاشٌ بِغَيْرِ رَاءٍ ، أَوْ لَاشِقٌ بِقَافٍ أَوْ لَاشُومَةُ أَوْ لَاشُومُ بِلَا هَاءٍ ، أَوْ نَاشِبٌ أَوْ نَاشِرٌ ، أَوْ غُرْنُوقٌ أَوْ شِقٌّ أَوْ زَيْدٌ أَوِ الْأَسْوَدُ ، وَفِي اسْمِ أَبِيهِ أَيْضًا خُلْفٌ فَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ قَيْسٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ فِي خَيْبَرَ ، وَأَرْسَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا ، وَلَهُ أَحَادِيثُ ، وَعَنْهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَمَاعَةٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ : قَالَ أَبُو ثَعْلَبَةَ : إِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَخْنُقُنِي كَمَا أَرَاكُمْ تُخْنَقُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُبِضَ وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَرَأَتِ ابْنَتُهُ فِي النَّوْمِ أَنَّ أَبَاهَا قَدْ مَاتَ فَاسْتَيْقَظَتْ فَزِعَةً فَقَالَتْ : أَيْنَ أَبِي ؟ فَقِيلَ لَهَا فِي مُصَلَّاهُ ، فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا ، فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ سَاجِدًا ، فَحَرَّكَتْهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا . سَكَنَ الشَّامَ أَوْ حِمْصَ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، وَقِيلَ : قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع حَرَامٌ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : النَّابُ السِّنُّ الَّتِي خَلْفَ الرُّبَاعِيَّةِ ، وَهَلِ الْمُرَادُ كُلُّ ذِي نَابٍ مُطْلَقًا ؟ أَوِ الْمُرَادُ نَابٌ يَعْدُو بِهِ وَيَصُولُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيَصْطَادُ وَيَعْدُو بِطَبْعِهِ غَالِبًا بِخِلَافِ غَيْرِ الْعَادِيِّ كَثَعْلَبٍ وَضَبُعٍ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ الْمَدَنِيِّينَ ، فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ لِلْجِنْسِ إِذِ الْمُرَادُ نَابٌ يَعْدُو بِهِ كَمَا عُلِمَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ نَابٌ ، وَلَمْ يَقُلْ : كُلُّ سَبُعٍ تَنْبِيهًا عَلَى الِافْتِرَاسِ وَالتَّعَدِّي وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِ النَّابِ إِذِ السِّبَاعُ كُلُّهَا ذَاتُ أَنْيَابٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلِّ الضَّبُعِ أَحَادِيثُ لَا بَأْسَ بِهَا ، وَأَمَّا الثَّعْلَبُ فَوَرَدَ فِي تَحْرِيمِهِ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ جُزْءٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ؛ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمَا جَاءَ بِهِ يَحْيَى هُنَا إِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ التَّالِي ، انْتَهَى . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : تَابَعَهُ - أَيْ : مَالِكًا - يُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْمَاجِشُونُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمُتَابَعَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الطِّبِّ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَمُتَابَعَةُ مَعْمَرٍ ، وَيُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَالْمَاجِشُونِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا تَابَعَهُ عَمْرُو بْنِ الْحَارِثِ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، الثَّلَاثَةُ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَوَاهُ أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَطْفَةِ وَالنُّهْبَةِ وَالْمُجَثَّمَةِ ، وَعَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، وَكَذَا رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَزَادَ : وَطْءِ الْحَبَالَى وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَانْفَرَدَا بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَإِنَّمَا يُحْفَظُ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ لَا أَدْرِي كَيْفَ مُخْرَجُهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ : لَمْ أَسْمَعْ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ من السباع مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ ، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَحَدَّثَنِي بِهِ أَبُو إِدْرِيسَ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ ، وَالْمُجَثَّمَةُ هِيَ الَّتِي تُصْبَرُ بِالنَّبْلِ ، انْتَهَى . بِجِيمٍ وَمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتُصْبَرُ تُرْبَطُ وَيُرْمَى إِلَيْهَا بِالنَّبْلِ حَتَّى تَمُوتَ مِنْ جَثَمَ بِالْمَكَانِ وَقَفَ بِهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا كَانَ نَهْيٌ مُحْتَمِلًا أَعْقَبَهُ الْإِمَامُ بِمَا يُفَسِّرُهُ بِالْحَدِيثِ النَّاصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ فَقَالَ .
1061 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1076 1061 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ) القرشي مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَبِيدَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنِ سُفْيَانَ ) بْنِ الْحَارِثِ ( الْحَضْرَمِيِّ ) الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ ) فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَلَى رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَهُوَ نَصٌّ فِي حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ ) الْمَعْمُولُ بِهِ ( عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ لَا يَحْرُمُ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْمُوَطَّأِ التَّحْرِيمُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ نَصًّا وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَلَفْظُ حَرَامٍ شَذَّ بِهِ يَحْيَى عَنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى لَفْظِ حَرَامٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَنْعِ الصَّادِقِ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا : لَا أُحِبُّ أَكْلَ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ وَالْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ وَلَا شَيْءَ مِنَ السِّبَاعِ ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَدَنِيِّينَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَعْدُو كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ فَيَحْرُمُ ، وَبَيْنَ مَا لَا يَعْدُو كَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ فَيُكْرَهُ ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 145 ] الْآيَةَ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تحريم غير مَا فِيهَا ، لَكِنَّ نَفْيَ الْحُرْمَةِ لَا يَقْتَضِي الْحِلَّ عَيْنًا بَلْ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ أَيْضًا فَاحْتِيطَ لِذَلِكَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَحَدِيثَ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِاتِّفَاقٍ ، وَبِأَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الرَّدِّ عَلَى شَيْءٍ خَاصٍّ وَهُوَ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 139 ] وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْحُرْمَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ أَكْلَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 3 ] وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : النَّهْيُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ ، فَإِنْ وَرَدَ عَلَى مَا فِي مِلْكِكَ فَهُوَ نَهْيُ إِرْشَادٍ كَالْأَكْلِ مِنْ رَأْسِ الصَّحْفَةِ وَبِالشِّمَالِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ، وَمَا وَرَدَ عَلَى غَيْرِ مِلْكِكَ فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَالشِّغَارِ ، وَعَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، وَعَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ، قَالَ : وَحَمْلُ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ ضَعِيفٌ لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، انْتَهَى . وَهُوَ عَلَى اخْتِيَارِهِ تَرْجِيحُ التَّحْرِيمِ .
7 - بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ؛ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا ، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدُّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي ، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ ، مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 7 - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ الْمُبَاحُ لَهُ أَكْلُهَا بِالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ ، وَحَدُّ الِاضْطِرَارِ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُشْرِفُ مَعَهَا عَلَى الْمَوْتِ فَإِنَّ الْأَكْلَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ . قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمَيِّتِ سُمِّيَّةً شَدِيدَةً ، فَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً لَأَهْلَكَتْهُ ، فَشَرَعَ لَهُ أَنْ يَجُوعَ لِيُصَيِّرَ فِي بَدَنِهِ بِالْجُوعِ سُمِّيَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ سُمِّيَّةِ الْمَيِّتِ ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا حِينَئِذٍ لَا يَتَضَرَّرُ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حَسَنٌ بَالِغٌ فِي الْحُسْنِ ( مَالِكٌ : أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الرَّجُلِ ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ ، فَالْمُرَادُ وَلَوِ امْرَأَةٌ ( يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا ، فَإِذَا وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَدَلِيلُهُ أَنَّ ، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْعَدَمِ لِلْقُوتِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُ نَصُّ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ بِنَظَرِهِ وَأَمْلَاهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَرَأَهُ عُمُرَهُ كُلَّهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ حَبِيبٍ : يَأْكُلُ مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ ضَرُورَةٌ فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ، قَالَ : وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَتِ الْمَخْمَصَةُ نَادِرَةً ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ دَائِمَةً فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الشِّبَعِ مِنْهَا ، انْتَهَى . وَاحْتَجَّ لِلْمُقَابِلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 173 ] أَيْ فَأَكَلَ غَيْرَ بَاغٍ لِلَّذَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَلَا مُتَعَدٍّ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَغْيِ الْخُرُوجُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِالتَّعَدِّي قَطْعُ الطَّرِيقِ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ ) أَيْ فِيهَا ( حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ) وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ ، وَقِيلَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ( وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَن لا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( مَعَ أَنِّي أَخَافُ ) لَوْ أَطْلَقْتُ جَوَازَ تَقْدِيمِ طَعَامِ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ ( أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ ) بِالزَّايِ ( أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ .
3 - بَاب مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ 1056 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ ، قَالَ نَافِعٌ : ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَأَ : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [ المائدة : 96 ] قَالَ نَافِعٌ : فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ . 3 - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ 1071 1056 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَ ) بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ طَرَحَ ( الْبَحْرُ ) مِنَ السَّمَكِ ( فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ ، قَالَ نَافِعٌ : ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ ) طَلَبَهُ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ( فَقَرَأَ ) قَوْلَهُ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ حَلَالًا كُنْتُمْ أَوْ مُحْرِمِينَ صَيْدُ الْبَحْرِ مَا صِيدَ بِالْحِيلَةِ حَالَ حَيَاتِهِ وَطَعَامُهُ أَيِ الْبَحْرِ ، وَهُوَ مَا قَذَفَهُ مَيِّتًا أَوْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ بِلَا عِلَاجٍ ( قَالَ نَافِعٌ : فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَقُولُ لَهُ : ( إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ) وَقَدْ قَالَ أَبُوهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : صَيْدُهُ مَا صِيدَ وَطَعَامُهُ مَا قَذَفَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَعُبَيْدُ بْنُ حُمَيْدٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الصِّدِّيقِ : الطَّافِي حَلَالٌ .
1057 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعْدٍ الْجَارِيِّ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْحِيتَانِ ، يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ ، قَالَ سَعْدٌ : ثُمَّ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ . 1072 1057 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعْدٍ الْجَارِيِّ ) بِالْجِيمِ نِسْبَةً إِلَى الْجَارِي بَلَدٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ( مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ ) مَوْتًا ( صَرَدًا ) أَيِ السَّمَكُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْبَرْدِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ( فَقَالَ : لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ ، قَالَ سَعْدٌ : ثُمَّ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ) لَا بَأْسَ بِهَا .
1059 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ قَدِمُوا فَسَأَلُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ : اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ ؟ فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا ، فَقَالَا : لَا بَأْسَ بِهِ ، فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : قَدْ قُلْتُ لَكُمْ . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِيتَانِ يَصِيدُهَا الْمَجُوسِيُّ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا أُكِلَ ذَلِكَ مَيْتًا فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَهُ . 1074 1059 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ ) بِالْجِيمِ بَلَدٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ ( قَدِمُوا ) الْمَدِينَةَ ( فَسَأَلُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ) الْأُمَوِيَّ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ( عَنْ مَا لَفَظَ الْبَحْرُ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ : اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا ) عَنْ ذَلِكَ ( ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ ؟ فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا فَقَالَا : لَا بَأْسَ بِهِ فَأَتَوْا مَرْوَانَ ) بْنَ الْحَكَمِ ( فَأَخْبَرُوهُ ) بِمَا قَالَا ( فَقَالَ ) مَرْوَانُ ( قَدْ قُلْتُ لَكُمْ ) إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنَّهُمَا يُوَافِقَانِي . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ) كَمَا تَقَدَّمَ مُسْنَدًا فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا أَكَلَ ذَلِكَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( مَيِّتًا فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَهُ ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ وَإِنْ صَادَهُ نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : رَأَيْتُ سَبْعِينَ صَحَابِيًّا يَأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ مِنَ الْبَحْرِ وَلَا يَتَلَجْلَجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
1058 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا . 1073 1058 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا ) شِدَّةً لِجَوَازِهِ .
5 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوَابِّ - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [ النحل : 8 ] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ : لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [ غافر : 79 ] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [ الحج : 34 ] فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [ الحج : 36 ] . قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْت أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ ، وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ . قَالَ مَالِكٌ : فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا . 5 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوَابِّ - ( مَالِكٌ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الْخَيْلِ ) جَمَاعَةُ الْأَفْرَاسِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ أَوْ مُفْرَدُهُ خَائِلٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيَالِهَا فِي الْمِشْيَةِ ، وَيَكْفِي فِي شَرَفِهَا أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا [ سُورَةُ الْعَادِيَاتِ : الْآيَةُ 1 ] ( وَالْبِغَالِ ) جَمْعُ كَثْرَةٍ لِبَغْلٍ ، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَبِغَالٌ وَالْأُنْثَى بَغْلَةٌ بِالْهَاءِ وَالْجَمْعُ بَغَلَاتٌ مِثْلُ سَجْدَةٍ وَسَجَدَاتٍ . ( وَالْحَمِيرِ ) جَمْعُ حِمَارٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى حُمُرٍ وَأَحْمِرَةٍ ، وَالْأُنْثَى أَتَانٌ ، وَحِمَارَةٌ بِالْهَاءِ نَادِرٌ ( أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ ) تَحْرِيمًا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ ، وَالصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلُ الْمُفَهَّمِ - مَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْخَيْلِ - ضَعِيفٌ ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى التَّحْرِيمِ ( لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ وَ ) خَلَقَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً مَفْعُولٌ لَهُ . ( وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْأَنْعَامِ ) الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فِي سُورَةِ غَافِرٍ : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ [ سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 79 ] لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ [ سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 80 ] وَأَتَى بِهَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ فِيهَا لَامَ التَّعْلِيلِ الْمُفِيدَةَ لِلْحَصْرِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ ، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ قَبْلَ آيَةِ الْخَيْلِ : وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [ سُورَةُ النَّحْلِ : الْآيَةُ 5 ] ( وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ التِّلَاوَةَ : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [ سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 28 ] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [ سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 28 ] وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [ سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 36 ] ( قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْتُ أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ ) فَجُعِلَ صِفَةً لَهُ إِيمَاءً إِلَى شِدَّةِ فَقْرِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي قَدْ تَبَاءَسَ مِنْ ضُرِّ الْفَقْرِ ( وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ ) الَّذِي يَعْتَرِيكَ وَيَتَعَرَّضُ لَكَ لِتُعْطِيَهُ وَلَا يُفْصِحُ بِالسُّؤَالِ ( قَالَ مَالِكٌ ) مُبَيِّنًا وَجْهَ اسْتِدْلَالِهِ ( فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ ) وَبَيَّنُوا وَجْهَ الدَّلِيلِ بِأُمُورٍ : أَحَدُهَا أَنَّ لَامَ التَّعْلِيلِ تُفِيدُ أَنَّ الْخَيْلَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا لَمْ تُخْلَقْ لِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ تُفِيدُ الْحَصْرَ ، فَإِبَاحَةُ أَكْلِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى فِي الْحُجِّيَّةِ مِنْ خَبَرِ الْآحَادِ وَلَوْ صَحَّ . وَثَانِيهَا : عَطْفُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاكِهَا مَعَهُمَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ ، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ الْحُكْمَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ ، زَادَتْ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ : نَحْنُ وَآلُ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ عَلَى الْمُرَجَّحِ مِنْ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ قَضِيَّةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ إِذْ هُوَ خَبَرٌ لَا عُمُومَ فِيهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ رَخَّصَ إِذِ الرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَمْنُوعِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ بِسَبَبِ الْمَخْمَصَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ بِخَيْبَرَ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْحِلِّ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، وَأَمَّا كَوْنُ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ أَذِنَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِاحْتِجَاجِنَا ، لِأَنَّ لَفْظَ أَذِنَ دُونَ أَبَاحَ أَوْ أَحَلَّ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَمَرَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلْمَخْمَصَةِ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ لِتَقَابُلِ الِاحْتِمَالَيْنِ . ثَالِثُهَا : أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ مَسَاقَ الِامْتِنَانِ ، فَلَوْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْأَكْلِ لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَعْظَمَ ، وَالْحَكِيمُ لَا يَمْتَنُّ بِأَدْنَى النِّعَمِ وَهُوَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ هُنَا ، وَيَتْرُكُ أَعْلَاهَا وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِالْأَكْلِ فِي الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ : وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ رَابِعُهَا : لَوْ أُبِيحُ أَكْلُهَا لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَةُ بِهَا فِيمَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهِ مِنَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ آيَةَ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا ، فَلَوْ فَهِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا الْمَنْعَ لَمَا أَذِنَ فِي أَكْلِهَا فِي خَيْبَرَ وَهِيَ فِي سَابِعَةِ الْهِجْرَةِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ مَحْمَلَ الْإِذْنِ فِيهِ لِلْمَخْمَصَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 119 ] فِي الْمَمْنُوعِ مِنْهُ نَصًّا ، فَإِذْنُهُ لَا يُنَافِي فَهْمَهُ مِنْهَا الْمَنْعَ ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ آيَةَ النَّحْلِ لَيْسَتْ نَصًّا فِي الْمَنْعِ ، وَحَدِيثَ أَسْمَاءَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَازِ فَيُقَدَّمُ الصَّرِيحُ عَلَى الْمُحْتَمَلِ ، فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنَ الْآيَةِ الْمَنْعُ ، وَذَلِكَ كَافٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَا عُلِمَ فِي الْأُصُولِ ، وَالْحَدِيثُ لَا صَرَاحَةَ فِيهِ عَلَى اطِّلَاعِ الْمُصْطَفَى ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِاجْتِهَادِهِمْ ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ مِنْ أُصُولِ مَالِكٍ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ اللَّامَ وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِالْخَيْلِ فِي غَيْرِهِمَا وَفِي غَيْرِ الْأَكْلِ اتِّفَاقًا كَحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ وَالِاسْتِقَاءِ وَالطَّحْنِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّكُوبَ وَالزِّينَةَ لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ مَا تُطْلَبُ لَهُ الْخَيْلُ ، فَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَى الْحَصْرِ فِيهِمَا دُونَ الْأَكْلِ الْمُمْتَنِّ بِهِ فِي غَيْرِ الْخَيْلِ فَهُوَ إِضَافِيٌّ فَلَا يُنَافِي الِانْتِفَاعَ بِهَا فِيمَا ذُكِرَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ إِضَافِيٌّ : الْإِجْمَاعُ ، وَالْحَمْلُ وَنَحْوُهُ رُكُوبٌ حُكْمًا . وَأُجِيبَ عَنِ الثَّانِي بِأَنَّ عَطْفَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ إِنَّمَا هُوَ دَلَالَةُ اقْتِرَانٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ، وَجَوَابُهُ أَنَّا لَمْ نَسْتَدِلَّ بِهَا فَقَطْ ، بَلْ مَعَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَامْتِنَانِهِ بِالْأَكْلِ مِنَ الْأَنْعَامِ دُونَهَا . وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الِامْتِنَانَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ غَالِبُ مَا كَانَ يَقَعُ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ فَخُوطِبُوا بِمَا أَلِفُوا وَعَرَفُوا ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ أَكْلَ الْخَيْلِ لِعِزَّتِهَا فِي بِلَادِهِمْ ، بِخِلَافِ الْأَنْعَامِ فَأَكْثَرُ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا كَانَ لِحَمْلِ الْأَثْقَالِ وَلِلْأَكْلِ ، فَاقْتَصَرَ فِي كُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ عَلَى الِامْتِنَانِ بِأَغْلَبِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَلَوْ حَصَرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ لَأَضَرَّ . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ ، وَسَنَدُهُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالِامْتِنَانِ غَالِبُ مَا يُقْصَدُ بِهِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي الْحَصْرِ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ بَلْ هُمَا مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الْمُمْتَنِّ بِهَا . وَأُجِيبَ عَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ مِنَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا أَنْ تَفْنَى للزوم مِثْلُهُ فِي الْأَنْعَامِ الْمُبَاحِ أَكْلُهَا وَقَدْ وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَرْقَ مَوْجُودٌ لِأَنَّ مَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالِامْتِنَانِ بِأَكْلِهِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِيهِ الِامْتِنَانُ بِأَنَّهُ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، فَاللَّازِمُ مَمْنُوعٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَيَقْرَأُ : وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ [ سُورَةُ النَّحْلِ : الْآيَةُ 5 ] الْآيَةَ ، وَيَقُولُ : هَذِهِ لِلْأَكْلِ ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَيَقُولُ : هَذِهِ لِلرُّكُوبِ ، فَهَذَا صَحَابِيٌّ مِنْ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ وَمَقَامُهُ فِي الْقُرْآنِ مَعْلُومٌ ، وَقَدْ سَبَقَ مَالِكًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ لَكِنْ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ ؛ لَكِنَّهُ يَتَقَوَّى بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى حِلِّ أَكْلِ الْخَيْلِ بِلَا كَرَاهَةٍ لِظَاهِرِ حَدِيثَيْ جَابِرٍ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا ) وَقِيلَ هُوَ السَّائِلُ ، قَالَ الشَّمَّاخُ : لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنَ الْقُنُوعِ ، أَيِ : السُّؤَالِ ، يُقَالُ مِنْهُ قَنِعَ قُنُوعًا إِذَا سَأَلَ ، وَقَنِعَ قَنَاعَةً إِذَا رَضِيَ بِمَا أُعْطِيَ ، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ وَضَعْفُ الْحَالِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، فَقَنِعَ بِزِنَةِ رَضِيَ وَمَعْنَاهُ : وَقَنَعَ بِفَتْحِ النُّونِ طَمِعَ وَسَأَلَ ، وَقَدْ تَظَرَّفَ الْقَائِلُ : الْعَبْدُ حُرٌّ إِنْ قَنِعَ وَالْحُرُّ عَبْدٌ إِنْ قَنَعْ فَاقْنَعْ وَلَا تَقْنَعْ فَمَا شَيْءٌ يَشِينُ سِوَى الطَّمَعْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 25 - كِتَاب الصَّيْدِ 1 - بَاب تَرْكِ أَكْلِ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْحَجَرُ 1050 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ : رَمَيْتُ طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ وَأَنَا بِالْجُرْفِ فَأَصَبْتُهُمَا ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ ، فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 25 - كِتَابُ الصَّيْدِ أَصْلُ الصَّيْدِ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الصَّيْدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 96 ] وَ : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 95 ] وَالْمُرَادُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَحْكَامُ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ . 1 - بَابُ تَرْكِ أَكْلِ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْحَجَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَرَاءٍ فَأَلِفٍ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ أَوْ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدٌ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ . وَفِي الْقَامُوسِ : الْمِعْرَاضُ سَهْمٌ بِلَا رِيشٍ ، دَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ يُصِيبُ بِعَرْضِهِ دُونَ حَدِّهِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : عَصًا رَأْسُهَا مُحَدَّدٌ . وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ ، كَابْنِ دُرَيْدٍ : سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قُذَذٍ رِقَاقٍ فَإِذَا رُمِيَ بِهِ اعْتَرَضَ . 1063 1050 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ : ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ( فَأَصَبْتُهُمَا ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ ) بِالتَّخْفِيفِ بِزِنَةِ رَسُولٍ ، آلَةُ النَّجَّارِ ، مُؤَنَّثَةٌ ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : لَا تُشَدَّدُ ، وَأَنْشَدَ الْأَزْهَرِيُّ : فَقُلْتُ أَعِيرَانِي الْقَدُومَ لَعَلَّنِي وَجَعَلَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ التَّشْدِيدَ مِنْ خَطَأِ الْعَامَّةِ ، لَكِنْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُطَرِّزِيُّ : الْقَدُومُ الْمِنْحَاتُ ، خَفِيفَةٌ وَالتَّشْدِيدُ لُغَةٌ ( فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا ) لِأَنَّهُ مِنَ الْمَوْقُوذَةِ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ .
1052 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ وَأَشْبَاهِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ إِذَا خَسَقَ وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَنْ يُؤْكَلَ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [ المائدة : 94 ] قَالَ : فَكُلُّ شَيْءٍ نَالَهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ أَوْ رُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ فَأَنْفَذَهُ وَبَلَغَ مَقَاتِلَهُ فَهُوَ صَيْدٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : إِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ ، لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِي قَدْ قَتَلَهُ أَوْ بَلَغَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ هُوَ قَتَلَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ بَعْدَهُ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ ؛ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِكَ ، أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ ، مَا لَمْ يَبِتْ ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ . 1063 1052 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يقْتلَ الْإِنْسِيَّةُ ) إِذَا تَوَحَّشَتْ كَبَعِيرٍ شَرَدَ وَبَقَرَةٍ ( بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ مِنَ الرَّمْيِ وَأَشْبَاهِهِ ) أَيْ لَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ عَمَلًا بِأَصْلِهِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا عَجَزَ عَنِ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ صَادَ كَالصَّيْدِ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا وَكُلُوا قَالَ مَالِكٌ : ( وَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ إِذَا خَسَقَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ أَيْ ثَبَتَ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : خَسَقَ السَّهْمُ الْهَدَفَ إِذَا ثَبَتَ فِيهِ وَتَعَلَّقَ ( وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَنْ يُؤْكَلَ ) لِإِبَاحَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ لِبُلُوغِهِ الْمَقَاتِلَ ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ أَيْ يَخْتَبِرُ ، وَهُوَ مِنْهُ تَعَالَى لِإِظْهَارِ مَا عَلِمَهُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى مَا عَلِمَ لَا لِيَعْلَمَ مَا لَا يَعْلَمُ ، وَقَلَّلَ فِي قَوْلِهِ : بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ لِيُعْلَمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْفِتَنِ الْعِظَامِ ( تَنَالُهُ ) أَيِ الصِّغَارَ مِنْهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ الْكِبَارَ مِنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، فَكَانَتِ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ تَغْشَاهُمْ وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ . ( قَالَ ) مَالِكٌ : ( /1 ) تَفْسِيرٌ لِأَنْفَذَهُ ( فَهُوَ صَيْدٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ ) بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ . ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : إِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ ) لِأَنَّ كَوْنَهُ مُعَلَّمًا شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 4 ] ( لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِي قَدْ قَتَلَهُ أَوْ بَلَغَ ) السَّهْمُ ( مَقَاتِلَ الصَّيْدِ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ قَتَلَهُ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ بَعْدَهُ ) فَيُؤْكَلُ لِتَحَقُّقِ الْإِبَاحَةِ ( وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ ) بِنَحْوِ غَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ فَلَمْ تَرَهُ ( إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِكَ ) الَّذِي أَرْسَلْتَهُ عَلَيْهِ ( أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ . زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُبَالِغًا : وَإِنْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ الْجَوَارِحُ أَوْ سَهْمُهُ وَهُوَ فِيهِ بِعَيْنِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ : جَاءَ رَجُلٌ يَصِيدُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي رَمَيْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَأَعْيَانِي ، وَوَجَدْتُ سَهْمِي فِيهِ مِنَ الْغَدِ ، وَعَرَفْتُ سَهْمِي ، فَقَالَ : اللَّيْلُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَظِيمٌ لَعَلَّهُ أَعَانَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، انْبِذْهَا عَنْكَ وَوَرَدَ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ .
1051 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ . 1063 1051 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ ) الْمُتَّخَذَةُ مِنْ طِينٍ وَتَيَبَّسَ وَيُرْمَى بِهَا . وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ : تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ : مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ .
6 - بَاب مَا جَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ 1062 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا . 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ 1078 1062 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) الْهُذَلِيِّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى فَجَوَّدَ إِسْنَادَهُ وَأَتْقَنَهُ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَقَوْمٌ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُرْسَلًا ، وَالصَّحِيحُ وَصْلُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَالزُّبَيْدِيُّ ، وَعُقَيْلٌ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّهُ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ ) بِشَدِّ الْيَاءِ وَتُخَفَّفُ ( كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا ( لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِنَ الصَّدَقَةِ ( فَقَالَ : أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ؟ ) وَفِي رِوَايَةٍ بِإِهَابِهَا وَهُوَ الْجِلْدُ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ ؟ لَكِنَّهَا شَاذَّةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيِّتَةٌ ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً أَوْ بِسُكُونِهَا مُخَفَّفَةً ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، وَبِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ رِوَايَتَانِ ، وَفِيهِ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 3 ] شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فِي كُلِّ حَالٍ فَخَصَّهُ بِالْأَكْلِ ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا عِنْدَهُمْ ، وَأَخَذَ غَيْرُهُمْ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الزُّهْرِيُّ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مُطْلَقًا دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ ، لَكِنْ صَحَّ التَّقْيِيدُ بِالدِّبَاغِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضُهُمْ قَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى الْمَأْكُولِ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ فِي الشَّاةِ ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَزِيدُ فِي التَّطْهِيرِ عَلَى الذَّكَاةِ ، وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ لَوْ ذُكِّيَ لَمْ يَطْهُرْ بِالذَّكَاةِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ ، وَأَجَابَ مَنْ عَمَّمَ بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ ، وَبِعُمُومِ الْإِذْنِ بِالِانْتِفَاعِ ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ الطَّاهِرَ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّ الدِّبَاغَ بَعْدَ الْمَوْتِ قَائِمًا مَقَامَ الْحَيَاةِ ، وَمَنَعَ قَوْمٌ الِانْتِفَاعَ مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ، دُبِغَ الْجِلْدُ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَيْمٍ - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَلَامٍ مُصَغَّرٌ - قَالَ : أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَأَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ كِتَابًا وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ ، وَبِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابًا وَلِذَا تَرَكَهُ أَحْمَدُ بَعْدَ أَنْ قَالَ إِنَّهُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ ابْنَ عُلَيْمٍ سَمِعَ الْكِتَابَ يُقْرَأُ وَسَمِعَهُ مَشَايِخُ مِنْ جُهَيْنَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا اضْطِرَابَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ ، فَإِنَّ لَفْظَ إِهَابٍ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ ، وَبَعْدَ الدِّبَاغِ يُسَمَّى أَدِيمًا وَسَخِّيَانًا . وَحَدِيثُ الْبَابِ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَيُونُسُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مُسْلِمٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ مَوْصُولًا .
1064 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ . 1080 1064 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ) بِقَافٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ ، مُصَغَّرٌ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ) بِمُثَلَّثَةٍ ، القرشي الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ( عَنْ أُمِّهِ ) تَابِعِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ لَا يُعْرَفُ اسْمُهَا ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ ) لَا قَبْلَ الدَّبْغِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ : لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِدُونِ دَعْوَى نَسْخٍ كَمَا مَرَّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1063 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهَرَ . 1079 1063 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( ابْنِ وَعْلَةَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ ، السَّبَئِيِّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ ثُمَّ يَاءٍ ، نِسْبَةً إِلَى سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ ( الْمِصْرِيِّ ) بِالْمِيمِ الصَّدُوقِ التَّابِعِيِّ الصَّغِيرِ رَوَى عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَخِفَّةِ الْهَاءِ وَيُجْمَعُ عَلَى أُهُبٍ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ الْجِلْدُ مُطْلَقًا ، قَالَ فِي الْفَائِقِ : سُمِّيَ إِهَابًا لِأَنَّهُ أُهْبَةٌ لِلْحَيِّ ، وَنَبَأً لِلْحِمَايَةِ عَلَى جَسَدِهِ كَمَا قِيلَ لَهُ مِسْكٌ لِإِمْسَاكِهِ مَا وَرَاءَهُ ، وَلِذَا قَالَ دُبِغَ بِمَا يَحْفَظُ الْجِلْدَ كَمَا تَحْفَظُهُ الْحَيَاةُ كَشَبٍّ وَقَرَظٍ ( فَقَدْ طَهَرَ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ ، طَهَارَةٌ لُغَوِيَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَيْ نَظُفَ فَيُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَاءِ وَالْيَابِسِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : طَهَرَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ حَتَّى يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ وَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ . ثَالِثُهَا يَجُوزُ أَكْلُ جِلْدِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَقَطْ ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ مُطْلَقًا . وَفِي قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِلْدِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
1055 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : كُلْ ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إِلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ : أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ ؛ إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إِرْسَالِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِي ، أَوْ مِنْ الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ ، وَهُوَ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي ، أَوْ فِي فِي الْكَلْبِ ، فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوْ الْكَلْبُ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِيَ ، فَصَادَ أَوْ قَتَلَ ؛ إِنَّهُ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَبْلِهِ فَيَقْتُلُ بِهَا ، فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِيَ عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ يُذَكَّى ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِمِ وَنَبْلِهِ يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ ، وَبِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَجُوسِيُّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 1067 1055 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكٍ ، الزُّهْرِيِّ ( أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فَقَالَ : كُلْ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ ( إِلَّا بَضْعَةٌ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ وَتُضَمُّ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ قِطْعَةٌ ( وَاحِدَةٌ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 4 ] فَإِنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ أَكْلِهِ قَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْنَا فَحَلَّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، وَعَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ : لَا يُؤْكَلُ لِنَصِّ حَدِيثِ عَدِيٍّ ؛ لَكِنْ قَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ كَمَا رَأَيْتَ . ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي ) بِزِنَةِ الْقَاضِي فَيُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمَنْقُوصِ ، وَالْجَمْعُ بُزَاةٌ كَقُضَاةٍ ، وَفِي لُغَةٍ بَازٌ بِزِنَةِ بَابٍ فَيُعْرَبُ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْوَازٍ كَأَبْوَابٍ وَبِيزَانٍ كَبِيبَانٍ ( وَالْعُقَابِ ) مِنَ الْجَوَارِحِ أُنْثَى ، وَيُسَافِدُهُ طَائِرٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَقِيلَ الثَّعْلَبُ ، قَالَ يَهْجُو : مَا أَنْتَ إِلَّا كَالْعُقَابِ فَأُمُّهُ مَعْرُوفَةٌ وَلَهُ أَبٌ مَجْهُولٌ ( وَالصَّقْرِ ) مِنَ الْجَوَارِحِ يُسَمَّى الْقُطَامِيَّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَبِهِ سُمِّيَ الشَّاعِرُ ، وَالْأُنْثَى صَقْرَةٌ بِالْهَاءِ ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ) مِنْ كُلِّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ ( أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ ) يَفْهَمُ ( كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إِرْسَالِهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 4 ] وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَخَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ عَدِيٍّ عَنِ الْكَلْبِ . ( قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ ) بِالتَّثْقِيلِ يَأْخُذُ ( الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ ) جَمْعُ مِخْلَبٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ لِلطَّائِرِ وَالسَّبُعِ كَالظُّفُرِ لِلْإِنْسَانِ ؛ لِأَنَّ الطَّائِرَ يَخْلُبُ بِمَخَالِبِهِ الْجِلْدَ أَيْ يَقْطَعُهُ ( الْبَازِي أَوْ مِنْ فِي الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ) لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ وَهُوَ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي ) أَيْ فَمِ ( الْكَلْبِ ) وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ مِنْهَا ( فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوِ الْكَلْبُ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ إِلَّا مَا عَجَزَ عَنْ تَذْكِيَتِهِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا . ( وَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ ) بِسَهْمِهِ ( فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ) لِأَنَّهُ تَرَكَ ذَبْحَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ) بِدَارِ الْهِجْرَةِ ( أَنَّ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ صِفَةٌ لِكَلْبٍ أَيِ الْمُعَوَّدِ بِالصَّيْدِ ( فَصَادَ أَوْ قَتَلَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا ) جُمْلَةٌ بَيَّنَ بِهَا مَعْنَى الضَّارِي ( فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، إِذْ حَلَالٌ بِمَعْنَى جَائِزٍ قَدْ يُجَامِعُ الْكَرَاهَةَ ( وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ ) مِنَ التَّذْكِيَةِ ، وَلِابْنِ وَضَّاحٍ : يُدْرِكْهُ مِنَ الْإِدْرَاكِ ( الْمُسْلِمُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ إِذْ مَا أَدْرَكَهُ حَيًّا وَذَكَّاهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ حِلِّهِ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ ) بِفَتْحِ الشِّينِ السِّكِّينُ الْعَرِيضُ جَمْعُهَا شِفَارٌ كَكِتَابٍ ، وَشَفَرَاتٌ كَسَجَدَاتٍ ( أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ نَبْلِهِ ) سِهَامِهِ ، مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ( فَيَقْتُلُ بِهَا ، فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِنَفْسِ الصَّائِدِ وَالذَّابِحِ لَا بِمَالِكِ الْآلَةِ ( وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِي عَلَى صَيْدِهِ فَأَخَذَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ إِلَّا أَنْ ) يُدْرَكَ حَيًّا وَ ( يُذَكَّى ) أَيْ يُذَكِّيَهُ الْمُسْلِمُ فَيَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِمِ وَنَبْلِهِ يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ ، وَبِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ ) سِكِّينِ ( الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَجُوسِيُّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْفَاعِلِ لَا الْآلَةِ .
2 - بَاب مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْمُعَلَّمَاتِ 1053 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ : كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ إِنْ قَتَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْمُعَلَّمَاتِ 1067 1053 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ) وَهُوَ الَّذِي إِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ وَإِذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ ، وَالتَّعْلِيمُ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 4 ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَالتَّكْلِيبُ التَّعْلِيمُ وَقِيلَ التَّسْلِيطُ ( كُلُّ مَا أَمْسَكَ إِنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ فَعُمُومُهُ يَشْمَلُ مَا إِذَا لَمْ يَقْتُلْ لَكِنَّهُ يُذَكّى ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ وَهِيَ مَحَلُّ وِفَاقٍ ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي حِلِّ الْأَكْلِ ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمَاعَةٍ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فَلَا يَقْدَحُ تَرْكُهَا ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى الْوُجُوبِ لِجَعْلِهَا شَرْطًا فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ عَلَى الذَّاكِرِ الْقَادِرِ فَيَجُوزُ مَتْرُوكُهَا سَهْوًا وَعَجْزًا ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ ، وَالشَّرْطِ أَقْوَى مِنَ الْوَصْفِ ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ بِشَرْطِهِ أَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ ، وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا يُرَاعَى صِفَتُهُ ، فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْفَ ، وَغَيْرُ الْمُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَفِي قَوْلِهِ إِذَا أَرْسَلْتَ اشْتِرَاطُ الْإِرْسَالِ لِلْحِلِّ .
1054 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : وَإِنْ أَكَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ . 1067 1054 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا ، قَالَ : كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ ، قَالَ : إِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ : قُلْتُ : فَإِنْ أَكَلَ ؟ قَالَ : فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَقَوَّاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْأَكْلِ صَحِبَهُ الْعَمَلُ ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَا صَحِبَهُ الْعَمَلُ أَوْلَى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : حَمَلَ شُيُوخُنَا حَدِيثَ عَدِيٍّ عَلَى مَا إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَلْبُ مَيِّتًا مِنَ الْجَرْيِ أَوِ الصَّدْمِ فَأَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ صَارَ إِلَى صِفَةٍ لَا تَعَلُّقَ لِلْإِمْسَاكِ بِهَا ، وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدِيٍّ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ انْتَهَى . وَ أَخْذَ بِسُكُونِ الْخَاءِ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الصَّيْدَ ، وَذَكَاةٌ خَبَرُ إِنَّ .
1067 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعَرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ فِضَّةً . 1084 1067 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( أَنَّهُ قَالَ ) مُرْسَلٌ وَوَصَلَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ : ( وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ فِضَّةً ) فَيُنْدَبُ ذَلِكَ ، وَبِالذَّهَبِ أَيْضًا .
1066 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعَرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً . 1083 1066 - ( مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرٍ ) الصَّادِقِ ( بْنِ مُحَمَّدٍ ) الْبَاقِرِ ( عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ( أَنَّهُ قَالَ ) مُرْسَلٌ ( وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَعْرَ حَسَنٍ ) بِأَمْرِ أَبِيهَا ، فَفِي التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ ، وَقَالَ : يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً ، قَالَ : فَوَزَنَاهُ فَكَانَ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ ( وَحُسَيْنٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ، رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَرُونِي ابْنِي مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟ قُلْنَا : حَرْبًا ، قَالَ : بَلْ هُوَ حَسَنٌ ، فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ ، فَلَمَّا وُلِدَ مُحْسِنٌ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ ، ثُمَّ قَالَ : سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ ، شَبَرٌ ، وَشُبَيْرٌ ، وَهشَبِّرٌ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَمُحَسِّنٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ مَاتَ صَغِيرًا . ( وَزَيْنَبَ ) وُلِدَتْ فِي حَيَاةِ جَدِّهَا وَكَانَتْ لَبِيبَةً جَزِلَةً عَاقِلَةً لَهَا قُوَّةُ جَنَانٍ ، وَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمِّهَا جَعْفَرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِّيًا ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ ، وَعَوْنًا ، وَعَبَّاسًا ، وَمُحَمَّدًا . ( وَأُمِّ كُلْثُومٍ ) وُلِدَتْ قَبْلَ وَفَاةِ جَدِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا وَرُقَيَّةَ وَلَمْ يُعْقِبَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ عَوْنُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثُمَّ مَاتَ فَتَزَوَّجَهَا أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، ثُمَّ مَاتَ فَتَزَوَّجَهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ ، فتزوج أختها زَيْنَبُ . ( فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً ) يُحْتَمَلُ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَمَرَهَا فِي الْحَسَنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا قَاسَتْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرِهِ لَهَا فِي الْحَسَنِ بِكْرِهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ مَا فَعَلَتْهُ فَاطِمَةُ مَعَ الْعَقِيقَةِ أَوْ دُونَهَا ، الْبَاجِيُّ : حَسَنٌ وَعَمَلُ بِرٍّ . وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا : مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى فَسَّرَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ تَبَعًا لِلْأَصْمَعِيِّ بِحَلْقِ رَأْسِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ؛ لَكِنْ فِي الطَّبَرَانِيِّ : وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ ، فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ الْأَذَى عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 26 - كِتَاب الْعَقِيقَةِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ 1065 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الْاسْمَ ، وَقَالَ : مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 26 - كِتَابُ الْعَقِيقَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَصْلُهَا كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ الشَّعَرَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ ، وَسُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُحْلَقُ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّعَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مَعَهُ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ ، وَقِيلَ : هِيَ الذَّبِيحَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَذْبَحَ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا يُعَقُّ أَيْ يُشَقُّ وَيُقْطَعُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ قَوْلَ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ إِنَّهَا الشَّعَرُ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ الذَّبْحُ نَفْسُهُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ لُغَةً يُقَالُ عَقَّ إِذَا قَطَعَ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : بِلَادٌ بِهَا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمِي وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُ الرَّمَّاحِ بْنِ مَيَّادَةَ : بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ 1082 1065 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ) أَيِ الْعِصْيَانَ وَتَرْكَ الْإِحْسَانِ ( وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الِاسْمَ ) لَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِي ضَحِيَّةً ؛ لِنَصِّهِ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفَصَاحَةِ الِاحْتِرَازُ عَنْ لَفْظٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا مَكْرُوهٌ فَيُجَاءُ بِهِ مُطْلَقًا ( وَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ ) بِضَمِّ السِّينِ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَتَطَوَّعُ بِقُرْبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى ( عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ ) وَفِي جَعْلِ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى مَحَبَّتِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ نُسُكًا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِيهِ كَرَاهَةُ مَا يَقْبُحُ مَعْنَاهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَكَانَ الْوَاجِبُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ لِذَبِيحَةِ الْمَوْلُودِ نَسِيكَةٌ وَلَا يُقَالَ عَقِيقَةٌ لَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مَالَ إِلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ بِهِ ، وَأَظُنُّهُمْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ لِمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِ الْعَقِيقَةِ ، انْتَهَى . وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ أَصْحَابِهِمُ الشَّافِعِيَّةِ : يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا نَسِيكَةً أَوْ ذَبِيحَةً ، وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا عَقِيقَةً كَمَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ تَشَبُّثًا بِحَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَا لِنَفْيِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَأَنَّهَا نُسِخَتْ بِالضَّحِيَّةِ كَمَا ادَّعَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، بَلْ آخِرُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُهَا ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّ الْأَوْلَى يُسَمَّى نَسِيكَةً لَا عَقِيقَةً ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا أَعْلَمُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
2 - بَاب الْعَمَلِ فِي الْعَقِيقَةِ 1068 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ . 2 - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْعَقِيقَةِ 1085 1068 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا ) لِأَنَّهُ كَانَ مَنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فَيَجِبُ نَشْرُهَا . ( وَكَانَ يَعُقُّ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ بَابِ نَصَرَ ( عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ) لِكُلٍّ شَاةٌ ، اتِّبَاعًا لِلْفِعْلِ النَّبَوِيِّ وَقِيَاسًا عَلَى الْأُضْحِيَةِ ، فَإِنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ .
1069 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَسْتَحِبُّ الْعَقِيقَةَ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ . 1086 1069 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ) بْنِ خَالِدٍ ( التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَسْتَحِبُّ ) وَفِي نُسْخَةٍ يَقُولُ : تُسْتَحَبُّ ( الْعَقِيقَةُ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَلَامٌ أُخْرِجَ عَلَى التَّقْلِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ : وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَكَقَوْلِهِ فِي الْأَمَةِ : ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِظُفَيْرٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ، انْتَهَى .
1071 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعُقُّ عَنْ بَنِيهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَقِيقَةِ أَنَّ مَنْ عَقَّ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، وَلَيْسَتْ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا ، وَهِيَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا ؛ فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ وَالضَّحَايَا ، لَا يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ وَلَا عَجْفَاءُ وَلَا مَكْسُورَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ ، وَلَا يُبَاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ وَلَا جِلْدُهَا ، وَيُكْسَرُ عِظَامُهَا ، وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا ، وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا . 1088 1071 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعُقُّ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( عَنْ بَنِيهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ ) عَنْ كُلٍّ وَاحِدٌ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَقِيقَةِ أَنَّ مَنْ عَقَّ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ ، الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ) قِيَاسًا عَلَى الضَّحِيَّةِ ، فَإِنَّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَعُقُّ عَنِ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : مَنْ عَمِلَ بِهِ فَمَا أَخْطَأَ ، وَلَقَدْ أَصَابَ لِمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِيَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ انْتَهَى . لَكِنَّ حُجَّةَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا عَقَّ بِهِ عَنِ الْحَسَنَيْنِ تَرَجَّحَ تَسَاوِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالْعَمَلِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْأُضْحِيَةِ . ( وَلَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ ) كَالْأُضْحِيَةِ بِحُجَّةِ أَنَّ كُلًّا إِرَاقَةُ دَمٍ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَ ذَلِكَ إِلَى مَحَبَّةِ الْأَبِ ، فَلَوْ وَجَبَتْ مَا قَالَ ذَلِكَ . ( وَلَكِنَّهَا يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا ) اتِّبَاعًا لِلْفِعْلِ النَّبَوِيِّ وَحَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ حَمْلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَدَاوُدُ : وَاجِبَةٌ . ( وَهِيَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا ) فَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ نَسْخَهَا وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، إِذْ لَوْ نُسِخَتْ مَا عَمِلَ بِهَا الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ سَمُرَةَ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، لَكِنْ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ مِنْ سَمُرَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَكَأَنَّهُ عَنَى هَذَا ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مُرْتَهَنٌ أَيْ مُحْتَبَسٌ عَنِ الشَّفَاعَةِ لِوَالِدَيْهِ إِذَا مَاتَ طِفْلًا ، أَيْ فَشَبَّهَهُ فِي عَدَمِ انْفِكَاكِهِ مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَدِ مُرْتَهِنِهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ جَيِّدٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شَفَاعَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ، وَبِأَنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ يَشْفَعُ لِغَيْرِهِ مُرْتَهَنٌ ، فَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْعَقِيقَةَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي طَعَنَهُ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ حَبْسِهِ لَهُ فِي أَسْرِهِ وَمَنْعِهِ لَهُ مِنْ سَعْيِهِ فِي مَصَالِحِ آخِرَتِهِ . ( فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ ) الْهَدَايَا ( وَالضَّحَايَا ) فَتَجُوزُ بِالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهَا عَلَى الْغَنَمِ لِوُرُودِ الشَّاةِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ، لَكِنْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : يُعَقُّ عَنْهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ( لَا يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ ) بِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْوَرَ ( وَلَا عَجْفَاءُ ) بِالْمَدِّ الضَّعِيفَةُ ( وَلَا مَكْسُورَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ ، وَلَا يُبَاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ وَلَا جِلْدِهَا ، وَيُكْسَرُ عِظَامُهَا ) جَوَازًا ؛ تَكْذِيبًا لِلْجَاهِلِيَّةِ فِي تَحَرُّجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِمْ إِيَّاهَا مِنَ الْمَفَاصِلِ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ الِاتِّبَاعِ الْبَاطِلِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَنْ يَقُولُ فَائِدَتُهُ التَّفَاؤُلُ بِسَلَامَةِ الصَّبِيِّ وَبَقَائِهِ إِذْ لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا عَمَلٍ . ( وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا ) أَيْ يُكْرَهُ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ بِدَمِهَا ، ولو فسر بِإِمَاطَةِ الشَّعْرِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا أَمَرْنَا بِهِ لِلنَّظَافَةِ بِإِجْمَاعٍ فَلِأَنْ لَا نَقْرَبَهُ بِالدَّمِ النَّجِسِ أَوْلَى . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ الصَّحَابِيِّ قَالَ : كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الرِّسَالَةِ بِقُولِهِ : وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِخَلُوقٍ بَدَلًا مِنَ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .
1070 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّهُ عُقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . 1086 1070 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ عَقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : عَقَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ .
6 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ : إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ ، ثُمَّ كَتَبَ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ . 6 6 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) الْمَدَنِيِّ كَثِيرِ الْحَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ثِقَةٍ ثَبْتٍ فَقِيهٍ ، بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مِصْرَ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ . وَقِيلَ : لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : إِذَا اخْتَلَفَ سَالِمٌ ، وَنَافِعٌ فِي ابْنِ عُمَرَ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ ؟ فَلَمْ يُفَضِّلْ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : سَالِمٌ أَجَلُّ مِنْ نَافِعٍ ، قَالَ : وَأَثْبَتُ أَصْحَابِ نَافِعٍ مَالِكٌ ، مَاتَ نَافِعٌ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . ( أَنَّ عُمَرَ ) هَذَا مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ ( بْنَ الْخَطَّابِ ) الْقُرَشِيَّ الْعَدَوِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثَانِيَ الْخُلَفَاءِ ضَجِيعَ الْمُصْطَفَى ، مَنَاقِبُهُ جَمَّةٌ ، لَقَبُهُ الْفَارُوقُ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَهَلِ الْمُلَقِّبُ لَهُ جِبْرِيلُ أَوِ الْمُصْطَفَى أَوْ أَهْلُ الْكِتَابِ ؟ رِوَايَاتٌ لَا تَتَنَافَى ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا ، وَاسْتُشْهِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . ( كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ ) بِالتَّثْقِيلِ جَمْعُ عَامِلٍ ؛ أَيْ : الْمُتَوَلِّينَ عَلَى الْبِلَادِ ( إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ) الْمَفْرُوضَةُ . ( فَمَنْ حَفِظَهَا ) قَالَ ابْنُ رَشِيقٍ : أَيْ عَلِمَ مَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ مِنْ وُضُوئِهَا وَأَوْقَاتِهَا وَمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا وَتَمَامُهَا . ( وَحَافَظَ عَلَيْهَا ) أَيْ : سَارَعَ إِلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا . ( حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا ) قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ : يُرِيدُ أَخَّرَهَا وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ تَرَكَهَا . ( فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ ) وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ مَرْفُوعَةٌ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا دِينَ لَهُ وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قِيلَ : الصَّلَاةُ ، قَالَ : أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا ؟ وَفِيهِ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ : دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ وَالْمُرَادُ بِإِضَاعَتِهَا إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا . قَالَ تَعَالَى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ( سُورَةُ مَرْيَمَ : الْآيَةُ 59 ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : تَرَكُوهَا أَوْ أَخَّرُوهَا ، انْتَهَى . وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ثَابِتٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ لِأَنَسٍ : فَالصَّلَاةُ ، قَالَ : جَعَلْتُمُ الظُّهْرَ عِنْدَ الْمَغْرِبَ أَفَتِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِتَضْيِيعِهَا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ لَا عَنْ وَقْتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ . وَرَدَ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ وَأَمِيرَهُ الْوَلِيدَ وَغَيْرَهُمَا كَانُوا يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا فَقَالَ ذَلِكَ أَنَسٌ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : ثَلَاثٌ مَنْ حَفِظَهُنَّ فَهُوَ وَلِيٌّ حَقًّا ، وَمَنْ ضَيَّعَهُنَّ فَهُوَ عَدُوٌّ حَقًّا : الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجَنَابَةُ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمُضَيِّعِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ وَيُذِلُّهُ وَيُهِينُهُ إِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْعَفْوُ ، فَإِنْ ضَيَّعَ ذَلِكَ جَاحِدًا فَهُوَ كَافِرٌ فَتَكُونُ الْعَدَاوَةُ عَلَى بَابِهَا . ( ثُمَّ كَتَبَ ) إِلَيْهِمْ ( أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ) بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَيْلُهَا إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ ، لِمَا صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ - وَهِيَ اشْتِدَادُ الْحَرِّ فِي نِصْفِ النَّهَارِ - وَهَذَا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ جَوَّزَ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ مِثْلُهُ فِي الْجُمُعَةِ . ( إِلَى أَنْ يَكُونَ ) أَيْ : يَصِيرَ ( ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ ) بِالْإِفْرَادِ ( وَالْعَصْرَ ) بِالنَّصْبِ ( وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ) لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهَا وَلَا حَرُّهَا ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ : إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى أَثَرِهَا فِي الْأَرْضِ وَالْجُدُرِ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى عَيْنِهَا ( قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ) وَالْمُرَادُ أَنْ يُوقِعُوا صَلَاتَهَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ . ( وَ ) أَنْ صَلُّوا ( الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ) مُبَادِرِينَ بِهَا لِضِيقِ وَقْتِهَا ، ( وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ ) الْحُمْرَةُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ( إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ) وَهُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الْغُرُوبِ . ( فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ) دَعَا عَلَيْهِ بِعَدَمِ الرَّاحَةِ . ( فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ) بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ . ( فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ) ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنِ النَّوْمِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ نَامَ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : كَرِهَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ النَّوْمَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً ، قَالَ الْحَافِظُ : وَمَنْ نَقَلْتُ عَنْهُ الرُّخْصَةَ قَيَّدْتُ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِمَا إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ أَوْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْرِقُ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ بِالنَّوْمِ وَهَذَا جَيِّدٌ حَيْثُ قُلْنَا عِلَّةُ النَّهْيِ خَشْيَةُ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَحَمَلَ الطَّحَاوِيُّ الرُّخْصَةَ عَلَى مَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالْكَرَاهَةَ عَلَى مَا بَعْدَ دُخُولِهِ . ( وَ ) صَلُّوا ( الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ ) أَيْ : ظَاهِرَةٌ ( مُشْتَبِكَةٌ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : اشْتَبَكَتِ النُّجُومُ ؛ أَيْ : ظَهَرَتْ وَاخْتَلَطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِكَثْرَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ، وَشَاهِدُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْمَرْفُوعِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّنَابِحِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ انْتِظَارَ الْإِظْلَامَ مُضَاهَاةَ الْيَهُودِ ، وَمَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْفَجْرَ لِمِحَاقِ النُّجُومِ مُضَاهَاةَ النَّصْرَانِيَّةِ .
8 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ ، وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ أَخَّرْتَ فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ . 8 8 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيِّ . رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَطَائِفَةٍ ، ثِقَةٍ فَقِيهٍ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالسُّفْيَانَانِ وَشُعْبَةُ وَالْحَمَّادَانِ وَخَلْقٌ وَرُبَّمَا دَلَّسَ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً . ( عَنْ أَبِيهِ ) عُرْوَةَ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ . ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ ، وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ أَخَّرْتَ فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ) أَيْ : نِصْفِهِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ : قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ . ( وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) عَنِ الصَّلَاةِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
9 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا أُخْبِرُكَ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ وَالْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشٍ يَعْنِي الْغَلَسَ . 9 9 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ أَوَّلَهُ وَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ ( ابْنِ زِيَادٍ ) بِزَايٍ أَوَّلَهُ ابْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ مَدَنِيٍّ ثِقَةٍ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ) الْمَخْزُومِيِّ ( مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ثِقَةٍ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . ( أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ) الْوَاحِدَةِ أَوِ الْجِنْسِ ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا أُخْبِرُكَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدَ الْبَرِّ : وَقَفَهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ ، وَالْمَوَاقِيتُ لَا تُؤْخَذُ بِالرَّأْيِ وَلَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، يَعْنِي فَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا ، قَالَ : وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ الْمَوَاقِيتِ مَرْفُوعًا بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ ) أَيْ : مِثْلَ ظِلِّكَ ؛ يَعْنِي : قَرِيبًا مِنْهُ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ . ( وَ ) صَلِّ ( الْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ ) أَيْ : مِثْلَيْ ظِلِّكَ بِغَيْرِ الْفَيْءِ ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالِاشْتِرَاكِ . ( وَالْمَغْرِبَ ) بِالنَّصْبِ ( إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ ) أَيْ : مَا بَيْنَ وَقْتِكَ مِنَ الْغُرُوبِ ، قِيلَ : وَلَعَلَّ أَصْلَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ - بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي - وَهُوَ وَقْتُ الْمُخْتَارِ وَإِلَّا فَوَقْتُهَا إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ ، وَالْوِتْرُ تَابِعٌ لَهَا . ( وَصَلِّ الصُّبْحَ ) أَعَادَ الْعَامِلَ اهْتِمَامًا أَوْ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالْكَلَامِ . ( بِغَبَشٍ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ؛ كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَزِيَادٌ . ( يَعْنِي الْغَلَسَ ) بِاللَّامِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ؛ وَلَعَلَّهُ تَفْسِيرُ مُرَادٍ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْغَبَشُ بِمُعْجَمَتَيْنِ قَبْلَ الْغَبَسِ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - وَبَعْدَهُ الْغَلَسُ - بِاللَّامِ - وَهِيَ كُلُّهَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَيَكُونُ الْغَبَشُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ : وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - وَهُوَ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ مُنْشِدًا عَلَيْهِ : كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا وَتَقَدَّمَ مَزِيدٌ لَهُ .
10 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ . 10 10 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٍ حُجَّةٍ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . وَقِيلَ : بَعْدَهَا ، لِمَالِكٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مِنْهَا عَشَرَةٌ ( عَنْ ) عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ لِأُمِّهِ ( أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ) بْنِ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ . وَقِيلَ : ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ . وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ ( أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدَ الْبَرِّ : هَذَا يَدْخُلُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُسْنَدِ ، وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ كِلَاهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . وَهَذَا اخْتِيَارُ الْحَاكِمِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا مُسْنَدٌ ، وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا : هُوَ مَوْقُوفٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَوْرَدَهُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كَوْنَهُ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّعَةُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُمْ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ لِعِلْمِهِمْ بِمَا أُبِيحَ لَهُمْ مِنْ سَعَةِ الْوَقْتِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ الْعَصْرَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَحَوَائِطِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اجْتَمَعُوا لَهَا فَتَتَأَخَّرُ صَلَاتُهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
4 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ . 4 4 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَثْبَتُ النَّاسِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، أَوْ بَعْدَهَا أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ . ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ ، كَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ وَأَكْثَرَتْ عَنْهَا . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هِيَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْعُلَمَاءِ بِعَائِشَةَ الْأَثْبَاتِ فِيهَا ، وَهِيَ وَالِدَةُ أَبِي الرِّجَالِ مَاتَتْ قَبْلَ الْمِائَةِ وَيُقَالُ بَعْدَهَا . ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَاللَّامُ فِي ( لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ) هِيَ الْفَارِقَةُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ ، الْكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَهَا بِمَعْنَى إِلَّا وَإِنْ نَافِيَةً . ( فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ ) حَالُ كَوْنِهِنَّ ( مُتَلَفِّعَاتٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَاهُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ بِفَاءَيْنِ ، وَرَوَاهُ كَثِيرُونَ بِفَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : التَّلَفُّعُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ . وَفِي النِّهَايَةِ : اللِّفَاعُ ثَوْبٌ يُجَلَّلُ بِهِ الْجَسَدُ كُلُّهُ ثَوْبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَتَلَفَّعَ بِالثَّوْبِ اشْتَمَلَ بِهِ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : التَّلَفُّعُ أَنْ يُلْقِيَ الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يَلْتَفَّ بِهِ لَا يَكُونُ الِالْتِفَاعُ إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِثْلُ الِاشْتِمَالِ ، وَأَمَّا التَّلَفُّفُ فَيَكُونُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَكَشْفِهِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ : كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا لَفَعَ الرَّأْسُ مَشِيبٌ وَصَلَعْ وَفِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ لِلرَّافِعِيِّ : التَّلَفُّعُ بِالثَّوْبِ الِاشْتِمَالُ بِهِ . وَقِيلَ : الِالْتِحَافُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ . ( بِمُرُوطِهِنَّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مِرْطٍ - بِكَسْرِهَا - أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ كَانَ يُؤْتَزَرُ بِهَا قَالَ : تَسَاهَمَ ثَوْبَاهَا فَفِي الدِّرْعِ دارة وَفِي الْمِرْطِ لَفَّاوَانِ رِدْفُهُمَا عَبْلُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ كَتَّانٍ عَنِ الْخَلِيلِ ، وَيُقَالُ : هُوَ الْإِزَارُ ، وَيُقَالُ دِرْعُ الْمَرْأَةِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : هُوَ الثَّوْبُ الْأَخْضَرُ . وَفِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ : الْمُرُوطُ أَكْسِيَةٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ ، وَعَنِ الْخَلِيلِ : أَكْسِيَةٌ مُعَلَّمَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : هِيَ الْإِزَارُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَا يَكُونُ الْمِرْطُ إِلَّا دِرْعًا وَهُوَ مِنْ خَزٍّ أَخْضَرَ ، وَلَا يُسَمَّى الْمِرْطَ إِلَّا الْأَخْضَرَ ، وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ . زَادَ بَعْضُهُمْ : أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً وَسَدَاهَا مِنْ شَعْرٍ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ خَفِيفٌ مُرَبَّعٌ كَانَ النِّسَاءُ يَأْتَزِرْنَ بِهِ وَيَتَلَفَّعْنَ . ( مَا يُعْرَفْنَ ) أَهُنَّ نِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ ؟ قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ لَا تُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ وَإِنْ عُرِفْنَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وَإِنْ كُنَّ مُكَشِّفَاتِ الْوُجُوهِ حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَحَذَفَ النَّوَوِيُّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ وَقَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَارِ أَيْضًا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهَا ، فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَمَعَ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لَا يَتَأَتَّى هَذَا الِاعْتِرَاضُ . وَفِي الْفَتْحِ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ ؛ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ . قُلْتُ : وَفِيهِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ . وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا : إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ ، انْتَهَى . ( مِنْ ) ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ ( الْغَلَسِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَقَايَا ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يُخَالِطُهَا ظَلَامُ الْفَجْرِ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِضَوْءِ الصَّبَاحِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ بَرْزَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ لِأَنَّ هَذَا مَعَ التَّأَمُّلِ لَهُ أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَذَاكَ فِي نِسَاءٍ مُغَطِّيَاتِ الرُّءُوسِ بَعِيدَاتٍ عَنِ الرِّجَالِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَفِيهِ نَدْبُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوَّلَ وَقْتِهَا . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ فَقَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ عَلَى تَحَقُّقِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ ، وَآخَرُونَ عَلَى اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ فَإِنَّ الصُّبْحَ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا فَأَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْفِرًا ، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْغَلَسِ ، وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ الْغَلَسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَلَمَّا سَلَّمْتُ أَقْبَلْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : هَذِهِ كَانَتْ صَلَاتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَعْنِي الْفَجْرَ يَوْمَ الْمُزْدَلِفَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ ، فَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يُشْعِرُ بِتَأْخِيرٍ يَسِيرٍ لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ جَوَازُهُ نَهَارًا بِالْأَوْلَى لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ أَكْثَرُ ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ فِتْنَةٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ مُخْتَمِرَةَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ التَّلَفُّعَ صِفَةً لِشُهُودِ الصَّلَاةِ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْصِرَافِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
11 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ . 11 11 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ) مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِهِ ، وَزَادَ أَبُو عُمَرَ فِيمَنْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ كُلُّهُمْ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ ( ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ ) قَالَ الْحَافِظُ : كَأَنَّ أَنَسًا أَرَادَ نَفْسَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي الْأَبْيَضِ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ : قُومُوا فَصَلُّوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ قَوْمَ أَنَسٍ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا إِلَّا قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَجِّلُهَا . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : بَلْ أَرَادَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ أَبْعَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارًا أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَأَهْلُهُ بِقُبَاءٍ وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ وَمَسْكَنُهُ فِي بَنِي حَارِثَةَ ، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِيَانِ قَوْمَهُمَا وَمَا صَلُّوا لِتَعْجِيلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا . ( إِلَى قُبَاءٍ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَمُوَحَّدَةٍ ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ : يُمَدُّ وَيُقْصَرُ ، وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَالْأَفْصَحُ التَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ وَالْمَدُّ ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . ( فَيَأْتِيهِمْ ) أَيْ : أَهْلَ قُبَاءٍ ( وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : إِلَى قُبَاءٍ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، بَلْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِلَى الْعَوَالِي وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ إِلَى قُبَاءٍ وَهْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ ؛ لِأَنَّ الْعَوَالِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمَسَافَةِ ، فَأَقْرَبُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ أَوْ عَشَرَةٍ ، وَمِثْلُ هَذَا هُوَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ قُبَاءٍ وَالْمَدِينَةِ . وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : إِلَى الْعَوَالِي كَمَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ : هَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ ، وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا : قُبَاءٌ . قَالَ الْحَافِظُ : وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَى قُبَاءٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، فَنِسْبَةُ الْوَهْمِ فِيهِ إِلَى مَالِكٍ مُنْتَقِدٌ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ وَهْمًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الزُّهْرِيِّ حِينَ حَدَّثَ بِهِ مَالِكًا ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : إِلَى الْعَوَالِي كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ وَتُوبِعَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ أَيْ : مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْعَوَالِي فَصَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُتَقَارِبٌ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ أَخَصُّ ؛ لِأَنَّ قُبَاءً مِنَ الْعَوَالِي وَلَيْسَتِ الْعَوَالِي كُلَّ قُبَاءٍ ، فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْقُرَى الْمُجْتَمِعَةِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ نَجْدِهَا ، قَالَ : وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمَّا رَأَى فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ إِجْمَالًا حَمَلَهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُفَسَّرَةِ وَهِيَ رِوَايَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ إِسْحَاقَ ؛ حَيْثُ قَالَ فِيهَا : ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ قُبَاءٍ ، فَبَنَى مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا حَدَّثَاهُ ، عَنْ أَنَسٍ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ فَهَذَا الْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ الْجَزْمِ بِأَنَّ مَالِكًا وَهِمَ فِيهِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ دُونِ مَالِكٍ بِرِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُوَافِقَةِ لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ مَالِكًا أَثْبَتَهُ فِي الْمُوَطَّأِ بِاللَّفْظِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ كَافَّةُ أَصْحَابِهِ ، فَرِوَايَةُ خَالِدٍ عَنْهُ شَاذَّةٌ فَكَيْفَ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ وَهْمٌ ، بَلْ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا وَهْمٌ فَهُوَ مِنْ مَالِكٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا أَوْ مِنَ الزُّهْرِيِّ حِينَ حَدَّثَهُ بِهِ ، وَالْأَوْلَى سُلُوكُ طَرِيقِ الْجَمْعِ الَّتِي أَوْضَحْنَاهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَالِكٌ أَعْلَمُ بِبَلَدِهِ وَأَمَاكِنِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَثْبَتُ فِي ابْنِ شِهَابٍ مِمَّنْ سِوَاهُ . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ ، عَنْ مَالِكٍ إِلَى الْعَوَالِي كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : إِلَى قُبَاءٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
12 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِيٍّ . 12 12 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) وَاسْمُهُ فَرُّوخٌ التَّيْمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ وَخَلْقٍ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ حَافِظٌ أَحَدُ مُفْتِي الْمَدِينَةِ ، كَانَ يُحْصَى فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعِينَ مُعْتَمًّا ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ لِلسُّنَّةِ مِنْهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : ذَهَبَتْ حَلَاوَةُ الْفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانُوا يَتَّقُونَهُ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ . ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ رَفِيعٌ عَالِمٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ وَرِعٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ . ( أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ ) أَيِ : الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ( إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِيٍّ ) قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : قِيلَ : أَرَادَ بَعْدَ تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَمُضِيِّ بَعْضِهِ وَأَنْكَرَ صَلَاتَهُ إِثْرَ الزَّوَالِ ، انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ وَالْمَطَالِعِ : الْعَشِيُّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ ، وَقِيلَ : إِلَى الصَّبَاحِ .
3 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : هَا أَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ . 3 3 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي أُسَامَةَ الْمَدَنِيِّ ، فَقِيهٌ ثِقَةٌ عَالِمٌ وَكَانَ يُرْسِلُ ، وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ : لَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَجْلِسِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَرْبَعِينَ حِبْرًا فَقِيهًا أَدْنَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِمُ التَّوَاسِي بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَمَا يُرَى مُتَمَارِيَانِ وَلَا مُتَنَازِعَانِ فِي حَدِيثٍ لَا يَنْفَعُهُمَا قَطُّ ، وَكَانَ عَالِمًا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَهُ كِتَابٌ فِيهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : ابْنَ آدَمَ اتَّقِ اللَّهَ يُحِبَّكَ النَّاسُ وَإِنْ كَرِهُوا ، مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا مَرْفُوعَةٌ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى مَيْمُونَةَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ صَاحِبُ مَوَاعِظَ وَعِبَادَةٍ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِيمَا قِيلَ . ( أَنَّهُ قَالَ ) : اتَّفَقَتْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى إِرْسَالِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ صِحَّةُ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ ؟ وَالصَّحِيحُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ مِنْ مُرْسَلَاتِ عَطَاءٍ ، وَقَدْ وَرَدَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حَارِثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ) وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ ، قِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ آخِرِ وَقْتِهَا وَكَانَ عَالِمًا بِأَوَّلِهِ إِذْ لَا بُدَّ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ حِينَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ إِلَى أَيِّ وَقْتٍ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ ؟ ( قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) حَتَّى أَرَادَ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ ، وَلَمْ يَخَفِ اخْتِرَامَ الْمَنِيَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ نَبَّأَهُ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ حَتَّى يُكْمِلَ الدِّينَ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَالْمُرَادُ : سَكَتَ عَنْ جَوَابِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالَ : صَلِّهَا مَعِيَ الْيَوْمَ وَغَدًا . ( حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ) وَكَانَ ذَلِكَ بِقَاعِ نَمِرَةَ بِالْجُحْفَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدٍ . ( ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ) أَيِ : انْكَشَفَ وَأَضَاءَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو : ثُمَّ صَلَّاهَا مِنَ الْغَدِ فَأَسْفَرَ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدٍ : فَصَّلَاهَا أَمَامَ الشَّمْسِ ؛ أَيْ : قُدَّامَهَا ، بِحَيْثُ طَلَعَتْ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْهَا ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : ثُمَّ صَلَّاهَا يَوْمًا ، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ : حَتَّى إِذَا كَانَ بِذِي طُوًى أَخَّرَهَا ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً وَاحِدَةً وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ ، انْتَهَى . ( ثُمَّ قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ . ( قَالَ : هَا أَنَذَا ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ : تُفْصَلُ هَا التَّنْبِيهِ مِنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُجَرَّدِ بِأَنَا وَأَخَوَاتِهَا كَثِيرًا كَقَوْلِكَ : هَا نَحْنُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 119 ) وَقَوْلِ السَّائِلِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ هَا أَنَذَا ( يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ ) يَعْنِي هَذَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ ، وَهَذَا مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ : الْآيَةُ 7 ) فَمِنْ مَفْهُومِهِ : مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ قِنْطَارٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ . وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ : الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ أَمْسِ وَالْيَوْمِ وَإِنَّمَا أَخْرَجُوا بِهِ حَتَّى صَلَّى مَعَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ لِأَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ أَبْلَغُ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ يَجِبُ فِيهِ فِعْلُ ذَلِكَ ، أَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنْ تَكْلِيفِ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَنْقَضِيَ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . وَفِي ذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ وَقْتِ الصُّبْحِ خَاصَّةً ، وَوَرَدَ السُّؤَالُ عَنْ كُلِّ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، فَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ ، وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ ، وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى الْفَجْرَ فَانْصَرَفَ ، فَقُلْتُ : أَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ ؟ أَوْ قَالَ : أَمْسَى وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَارِيَةَ ، وَأَبُو يَعْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَحِينَئِذٍ فَحَدِيثُ الْمُوَطَّأِ إِمَّا مُخْتَصَرٌ مِنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَوْ هُوَ قَضِيَّةٌ أُخْرَى وَقَعَ السُّؤَالُ فِيهَا عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ خَاصَّةً .
2 - قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ . 2 2 - ( قَالَ عُرْوَةُ ) مَقُولُ ابْنِ شِهَابٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ لَا مُعَلَّقٌ كَمَا زَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ عَلَى بُعْدِهِ مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ ؛ أَيْ : لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ لِهَذَا الْقَدْرِ وَحْدَهُ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بَلْ وَكَذَا أَفْرَدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ . ( وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ) بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْقَهُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا ( زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَأَفْضَلُ أَزْوَاجِهِ إِلَّا خَدِيجَةَ فَفِيهَا خِلَافٌ أَصَحُّهُ تَفْضِيلُ خَدِيجَةَ ، مَاتَتْ عَائِشَةُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ ) سُمِّيَتِ الْعَصْرَ لِأَنَّهَا تَعْصِرُ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ؛ أَيْ : يَتَبَطَّأُ بِهَا ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ الْكِسَائِيُّ : يُقَالُ جَاءَ فُلَانٌ عَصْرًا ؛ أَيْ : بَطِيئًا . ( وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ؛ أَيْ : بَيْتِهَا ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَنْعِهَا الْمَالَ ؛ أَيْ : وَوُصُولِ الْأَغْيَارِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ : فِي قَعْرِ حُجْرَتِهَا وَفِيهِ نَوْعُ الْتِفَاتٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي حُجْرَتِي عَلَى الْأَصْلِ . ( قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ) أَيْ : تَرْتَفِعَ ، قَالَ فِي الْمُوعَبِ : ظَهَرَ فُلَانٌ السَّطْحَ إِذَا عَلَاهُ ، وَمِنْهُ : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةُ 97 ) أَيْ : يَعْلُوهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الظُّهُورِ الصُّعُودُ وَمِنْهُ : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ( سُورَةُ الزُّخْرُفِ : الْآيَةُ 33 ) وَقَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ : الْمُرَادُ تَظْهَرُ عَلَى الْجُدُرِ . وَقِيلَ : تَرْتَفِعُ كُلُّهَا عَنِ الْحُجْرَةِ . وَقِيلَ : تَظْهَرُ بِمَعْنَى تَزُولُ عَنْهَا كَمَا قَالَ : وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ فَجَعَلَ الظُّهُورَ لِلْفَيْءِ . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : جَعَلَهُ لِلشَّمْسِ وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الظُّهُورِ غَيْرُ الْآخَرِ ، فَظُهُورُ الشَّمْسِ خُرُوجُهَا مِنَ الْحُجْرَةِ ، وَظُهُورُ الْفَيْءِ انْبِسَاطُهُ فِي الْحُجْرَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتِ الشَّمْسُ فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا . قَالَ : وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ وَكَذَا عُرْوَةُ الرَّاوِي عَنْهَا ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي تَأْخِيرِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ كَمَا مَرَّ ، وَشَذَّ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى التَّعْجِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحُجْرَةَ كَانَتْ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ فَلَمْ تَكُنْ تَحْتَجِبُ عَنْهَا إِلَّا بِقُرْبِ غُرُوبِهَا فَيَدُلُّ عَلَى التَّأْخِيرِ لَا عَلَى التَّعْجِيلِ ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مَعَ اتِّسَاعِ الْحُجْرَةِ ، وَقَدْ عُرِفَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ أَنَّ حُجَرَ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ مُتَّسِعَةً وَلَا يَكُونُ ضَوْءُ الشَّمْسِ بَاقِيًا فِي قَعْرِ الْحُجْرَةِ الصَّغِيرَةِ لَا وَالشَّمْسُ قَائِمَةً مُرْتَفِعَةً ، وَإِلَّا مَتَى مَالَتْ جِدًّا ارْتَفَعَ ضَوْؤُهَا عَنْ قَاعِ الْحُجْرَةِ وَلَوْ كَانَتِ الْجُدُرُ قَصِيرَةً . قَالَ النَّوَوِيُّ : كَانَتِ الْحُجْرَةُ ضَيِّقَةَ الْعَرْصَةِ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ بِحَيْثُ كَانَ طُولُ جِدَارِهَا أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ الْعَرْصَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْجِدَارِ مِثْلَهُ كَانَتِ الشَّمْسُ بَعْدُ فِي أَوَاخِرِ الْعَرْصَةِ ، انْتَهَى . وَفِيهِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِالْإِفْرَادِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : خَالَفَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَصْحَابُهُ ؛ يَعْنِي الْآخِذِينَ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَقَدَ انْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَقَالُوا : ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ ، وَلَا يَذْهَبُ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ اشْتِدَادِ الْحَرِّ ، وَلَا يَذْهَبُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، فَيَكُونُ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ ، وَحِكَايَةُ مِثْلِ هَذَا تُغْنِي عَنْ رَدِّهِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَوَاقِيتِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ فَذَكَرَهُ . وَمُسْلِمٌ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
1 - كِتَابُ وُقُوتِ الصّلاةِ 1 - بَاب وُقُوتِ الصَّلَاةِ قَالَ : 1 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ عَنْ مَالِكٍ بْن أَنَس عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ . قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ . 1 - كِتَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ 1 - بَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ بِضَمِّ الْوَاوِ وَالْقَافِ : الْمَفْرُوضَةِ وَقَدَّمَ ذَا الْبَابَ عَلَى سَائِرِ أَبْوَابِ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ ، إِذْ هِيَ عِبَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِالْأَوْقَاتِ . قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 103 ) أَيْ : فَرْضًا مُوَقَّتًا ، فَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَغَيْرُهُ ، فَلِذَا قَدَّمَ الْأَوْقَاتَ عَلَى غَيْرِهَا . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، أَوْقَاتٌ : جَمْعُ قِلَّةٍ وَهُوَ أَظْهَرُ لِكَوْنِهَا خَمْسَةً ، لَكِنْ وَجْهُ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وُقُوتٌ جَمْعُ كَثْرَةٍ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةً لَكِنْ لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ صَارَتْ كَأَنَّهَا كَثِيرَةٌ ، كَقَوْلِهِمْ : شُمُوسٌ وَأَقْمَارٌ بِاعْتِبَارِ تَرَدُّدِهِمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلِأَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ خَمْسِينَ وَثَوَابَهَا كَثَوَابِ الْخَمْسِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمْعَيْنِ قَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ تَوَسُّعًا ، أَوْ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَبْدَأِ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْغَايَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ ، أَوْ لِأَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثَةَ أَوْقَاتٍ : اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ وَقَضَاءٌ . ( قَالَ ) الرَّاوِي عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - اللَّيْثِيُّ فَقِيهُ قُرْطُبَةَ وَمُسْنِدُ الْأَنْدَلُسِ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَجَلَالَةٍ ، رَوَى عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ : 2 1 - ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ) بْنِ كَثِيرِ بْنِ وِسْلَاسَ - بِكَسْرِ الْوَاوِ وَسِينَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ ؛ الْأُولَى سَاكِنَةٌ وَبَيْنَهُمَا لَامُ أَلِفٍ وَيُزَادُ فِيهِ نُونٌ فَيُقَالُ وِسْلَاسِنُ ، وَمَعْنَاهُ بِالْبَرْبَرِيَّةِ سَيِّدُهُمْ ، كَمَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ الْوَفَيَاتِ - أَسْلَمَ وِسْلَاسُ عَلَى يَدِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ اللَّيْثِيِّ لَيْثِ بَنِي كِنَانَةَ فَقِيلَ ( اللَّيْثِيُّ ) مَوْلَاهُمُ الْقُرْطُبِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقِيهٌ ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ وَلَهُ أَوْهَامٌ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، سَمِعَ الْمُوَطَّأَ لِأَوَّلِ نَشْأَتِهِ مِنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفِ بِشَبَطُونَ ، ثُمَّ رَحَلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَى مَالِكٍ فَسَمِعَ مِنْهُ الْمُوَطَّأَ غَيْرَ أَبْوَابٍ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ شَكَّ فِيهَا فَحَدَّثَ بِهَا عَنْ زِيَادٍ ، وَكَانَ يَحْيَى عِنْدَ مَالِكٍ فَقِيلَ : هَذَا الْفِيلُ فَخَرَجُوا لِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : لِمَ لَمْ تَخْرُجْ لِنَظَرِ الْفِيلِ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِبِلَادِكَ ؟ فَقَالَ : لَمْ أَرْحَلْ لِأَنْظُرَ الْفِيلَ وَإِنَّمَا رَحَلْتُ لِأُشَاهِدَكَ وَأَتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِكَ وَهَدْيِكَ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَسَمَّاهُ عَاقِلَ الْأَنْدَلُسِ ، وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ رِيَاسَةُ الْفِقْهِ بِهَا وَانْتَشَرَ بِهِ الْمَذْهَبُ ، وَتَفَقَّهَ بِهِ مَنْ لَا يُحْصَى ، وَعُرِضَ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ فَعَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلَى الْقُضَاةِ وَقُبِلَ قَوْلُهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ ، فَلَا يُوَلَّى قَاضٍ فِي أَقْطَارِهِ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَلَا يُشِيرُ إِلَّا بِأَصْحَابِهِ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ لِبُلُوغِ أَغْرَاضِهِمْ ، وَهَذَا سَبَبُ اشْتِهَارِ الْمُوَطَّأِ بِالْمَغْرِبِ مِنْ رِوَايَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَكَانَ حَسَنَ الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ يُشْبِهُ سَمْتُهُ سَمْتَ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمَّا وَدَّعْتُ مَالِكًا سَأَلْتُهُ أَنْ يُوصِيَنِي ، فَقَالَ لِي : عَلَيْكَ بِالنَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ، قَالَ : وَقَالَ لِي اللَّيْثُ مِثْلَ ذَلِكَ . ( عَنْ مَالِكِ ) بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الْأَصْبَحِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ أَكْمَلِ الْعُقَلَاءِ وَأَعْقَلِ الْفُضَلَاءِ ، رَأْسِ الْمُتْقِنِينَ ، وَكَبِيرِ الْمُتَثَبِّتِينَ ، حَتَّى قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً ( عَنْ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِفَتْحِهَا ( ابْنِ شِهَابٍ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ ، لَقِيَ عَشَرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ : قَبْلَهَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْأُمَوِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أُمُّهُ أُمُّ عَاصِمٍ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ لِلْوَلِيدِ ، وَكَانَ مَعَ سُلَيْمَانَ كَالْوَزِيرِ ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ فَعُدَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ . ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) أَيْ : صَلَاةَ الْعَصْرِ كَمَا لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي إِمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَعُرِفَ بِهَذَا سَبَبُ تَأْخِيرِهِ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا إِذْ ذَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ لَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَلَفْظُهُ : أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ عُرْوَةَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ : أَمْسَى عُمَرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ الْمَسَاءَ لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ ، وَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ ، فَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي فِي خِلَافَتِهِ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ، وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ تَدَخُلُ ( فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ) بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الثِّقَةُ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَوْلِدُهُ فِي أَوَائِلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ( فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ) بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ الثَّقَفِيَّ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ وَوَلِيَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ ثُمَّ الْكُوفَةِ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ . ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) أَيْ : صَلَاةَ الْعَصْرِ ، فَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظٍ فَقَالَ : أَمْسَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ( وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ) وَكَانَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةَ الْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالْكُوفَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِرَاقِ ، فَالتَّعْبِيرُ بِهَا أَخَصُّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِهِ . ( فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ ) عُقْبَةُ - بِالْقَافِ - ابْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ ( الْأَنْصَارِيُّ ) الْبَدْرِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مَاتَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( فَقَالَ : مَا هَذَا ) التَّأْخِيرُ ( يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ ) كَذَا الرِّوَايَةُ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَفْصَحَ وَالْأَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِي مُخَاطَبَةِ الْحَاضِرِ أَلَسْتَ ؟ وَفِي مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ أَلَيْسَ ؟ وَتَوْجِيهُ الْأُولَى أَنَّ فِي لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ السَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْحَافِظُ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الدَّمَامِينِيُّ بِأَنَّهُ يُوهِمُ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ هَذَا التَّرْكِيبِ مَعَ إِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْغَائِبِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا تَرْكِيبَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَفْصَحِ مِنَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَقَامٍ خَاصٍّ ، فَإِنْ أُرِيدَ إِدْخَالُ لَيْسَ عَلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ تَعَيَّنَ أَلَسْتَ قَدْ عَلِمْتَ ؟ وَإِنْ أُرِيدَ إِدْخَالُهَا عَلَى ضَمِيرِ الشَّأْنِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي أُسْنِدَ فِعْلُهَا إِلَى الْمُخَاطَبِ تَعَيَّنَ أَلَيْسَ ( قَدْ عَلِمْتَ ؟ ) قَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ عِلْمُ الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ لِعِلْمِهِ بِصُحْبَةِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظٍ فَقَالَ : لَقَدْ عَلِمْتَ بِغَيْرِ أَدَاةِ اسْتِفْهَامٍ ، وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ مَعًا ( أَنَّ جِبْرِيلَ ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَفَتْحِهَا - اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ . رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جِبْرِيلُ كَقَوْلِكَ عَبْدُ اللَّهِ جِبْرٌ عَبْدٌ وَإِيلُ اللَّهُ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : لَا خِلَافَ أَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ رُؤُوسُ الْمَلَائِكَةِ وَأَشْرَافُهُمْ ، وَأَفْضَلُ الْأَرْبَعَةِ جِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ، وَفِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا تَوَقُّفٌ سَبَبُهُ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ حَدِيثُ : أَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ وَلَهُ مُعَارِضٌ فَالْأَوْلَى الْوَقْفُ عَنْ ذَلِكَ . ( نَزَلَ ) قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : نُزُولُهُ فِي صِفَةِ رَجُلٍ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَفْنَى الزَّائِدَ مِنْ خَلْقِهِ أَوْ أَزَالَهُ عَنْهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ بَعْدُ ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْإِزَالَةِ دُونَ الْفَنَاءِ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالُهَا مُوجِبًا لِمَوْتِهِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْجَسَدُ حَيًّا ، لِأَنَّ مَوْتَهُ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَا يَجِبُ عَقْلًا بَلْ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ فِي بَعْضِ خَلْقِهِ ، وَنَظِيرُهُ انْتِقَالُ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ إِلَى أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ . وَقَالَ الْبَلْقِينِيُّ : يَجُوزُ أَنَّ الْآتِيَ هُوَ جِبْرِيلُ بِشَكْلِهِ الْأَصْلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ انْضَمَّ فَصَارَ عَلَى قَدْرِ هَيْئَةِ الرَّجُلِ ، وَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ عَادَ إِلَى هَيْئَتِهِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ الْقُطْنُ إِذَا جُمِعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُنْتَفِشًا فَإِنَّهُ بِالنَّفْشِ يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ وَذَاتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّ تَمْثِيلَ الْمَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَنْ يُخَاطِبُهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ لَا يَزُولُ وَلَا يَفْنَى بَلْ يَخْفَى عَلَى الرَّائِي فَقَطْ . وَقَالَ الْقُونَوِيُّ : يُمْكِنُ أَنَّ جِسْمَهُ الْأَوَّلَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ لَهُ شَبَحًا آخَرَ ، وَرُوحُهُ مُتَصَرِّفَةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَكَانَ نُزُولُهُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَعَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ وَمَوَاقِيتَهَا وَهَيْئَتَهَا . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : وَكَانَ نَافِعٌ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ وَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ : لَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَرْعُهُ إِلَّا جِبْرِيلُ نَزَلَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْأُولَى ، فَأَمَرَ فَصِيحَ بِأَصْحَابِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا فَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى النَّبِيُّ بِالنَّاسِ طَوَّلَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ قَصَّرَ الْبَاقِيَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ نَزَلَ فِي الْعَصْرِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلُوا فِي الظُّهْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَصِيحَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَلَّى النَّبِيُّ بِالنَّاسِ طَوَّلَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَصَّرَ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ لَمَّا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ صِيحَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَاجْتَمَعُوا فَصَلَّى جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ وَصَلَّى النَّبِيُّ لِلنَّاسِ ، فَقَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَطَوَّلَ فِيهِمَا وَقَصَّرَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَى النَّاسِ ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ صِيحَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَصَلَّى جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ وَصَلَّى النَّبِيُّ لِلنَّاسِ فَقَرَأَ فِيهِمَا فَجَهَرَ وَطَوَّلَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ ، وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَ النَّبِيُّ عَلَى النَّاسِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيَانَ الْأَوْقَاتِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَهَا بِبَيَانِ جِبْرِيلَ وَبَعْدَهَا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَهُوَ صَرِيحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ : ( فَصَلَّى ) جِبْرِيلُ الظُّهْرَ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعَهُ ( ثُمَّ صَلَّى ) الْعَصْرَ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعَهُ ( ثُمَّ صَلَّى ) الْمَغْرِبَ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعَهُ ( ثُمَّ صَلَّى ) الْعِشَاءَ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعَهُ ( ثُمَّ صَلَّى ) الصُّبْحَ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعَهُ . هَكَذَا ذَكَرَهُ خَمْسَ مَرَّاتٍ . قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا إِذَا اتُّبِعَ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ أَعْطَى أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ جِبْرِيلَ ، لَكِنْ مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَنْصُوصُ فِي غَيْرِهِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : صَلَّى فَصَلَّى عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ كُلَّمَا فَعَلَ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ حَتَّى تَكَامَلَتْ صَلَاتُهُمَا انْتَهَى . وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْجَمْعِ ، وَأُجِيبَ بِمُرَاعَاةِ الْحَيْثِيَّةِ وَهِيَ التَّبْيِينُ فَكَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ يَتَرَاخَى عَنْهُ . وَقِيلَ : الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ( سُورَةُ الْقَصَصِ : الْآيَةُ 15 ) . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : نَزَلَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمُتَقَدِّمَةَ ، وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ بِقَوْلِهِ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ حِينَئِذٍ . ( ثُمَّ قَالَ ) جِبْرِيلُ : ( بِهَذَا أُمِرْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ؛ أَيْ : هَذَا الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . وَرُوِيَ بِالضَّمِّ ؛ أَيْ : هَذَا الَّذِي أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ لَكَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : نَزَلَ جِبْرِيلُ مَأْمُورًا مُكَلَّفًا بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ لَا بِأَصْلِ الصَّلَاةِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ الِائْتِمَامِ بِمَنْ يَأْتَمُّ بِغَيْرِهِ . وَأَجَابَ الْحَافِظُ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبَلِّغًا فَقَطْ كَمَا قِيلَ فِي صَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ وَصَلَاةِ النَّاسِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَرَدَّهُ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّهُ وَاضِحٌ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَمَّا هُنَا فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّاسَ اقْتَدَوْا بِجِبْرِيلَ لَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْمَعْهُودِ مَعَ مَا فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لِلْبَيَانِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِمِثْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ الْإِنْسُ ، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ . وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ ، وَتَعَقَّبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ . وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْوُجُوبُ إِلَّا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَبْلِيغِهَا فَهِيَ صَلَاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ صَلَاةَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ آخَرَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ فِي صُورَةِ الْمُؤَدَّاةِ مَثَلًا خَلْفَ الْمُؤَدَّاةِ لَا فِي صُورَةِ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ مَثَلًا . ( فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اعْلَمْ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ( مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ يَا عُرْوَةُ وَانْظُرْ مَا تَقُولُ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ : لَا يُحْمَلُ مِثْلُهُ عَلَى الِاتِّهَامِ ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ الِاحْتِيَاطُ وَالِاسْتِثْبَاتُ لِيَتَذَكَّرَ الرَّاوِي وَيَجْتَنِبَ مَا عَسَاهُ يَعْرِضُ مِنْ نِسْيَانٍ وَغَلَطٍ . ( أَوَ ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَالْوَاوُ الْعَاطِفَةُ عَلَى مُقَدَّرٍ ( إِنَّ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ ، قَالَ فِي الْمَطَالِعِ : ضَبَطْنَا إِنَّ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ مَعًا ، وَالْكَسْرُ أَوْجَهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنِ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ بِالْوَاوِ لِيَرُدَّ الْكَلَامَ عَلَى كَلَامِ عُرْوَةَ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الرَّدِّ ، وَالْفَتْحُ عَلَى تَقْدِيرِ أَوَ عَلِمْتَ أَوَ حَدَّثْتَ أَنَّ ( جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ) أَيْ : جِنْسَ وَقْتِهَا ، وَرَوَاهُ الْمُسْتَمْلِي فِي الْبُخَارِيِّ وُقُوتَ بِالْجَمْعِ . ( قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ) الْمَدَنِيُّ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ ، ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ( يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ ) عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَدْرِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا السِّيَاقُ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَقُلْ حَضَرْتُ مُرَاجَعَةَ عُرْوَةَ لِعُمَرَ ، وَعُرْوَةُ لَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنِي بَشِيرٌ لَكِنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ثُبُوتُ اللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ لَا بِالصِّيَغِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَبُو مَسْعُودٍ : شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا اصْطِلَاحًا وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ ، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ بِتَبْلِيغِ مَنْ شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ كَصَحَابِيٍّ آخَرَ ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ - أَيْ وَمُسْلِمٍ - تُزِيلُ الْإِشْكَالَ كُلَّهُ . وَلَفْظُهُ : فَقَالَ عُرْوَةُ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَذَكَرَهُ . زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَمَا زَالَ عُمَرُ يَعْتَلِمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَإِنْ قِيلَ جَهْلُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ لَا يَسَعُ أَحَدًا فَكَيْفَ جَازَ عَلَى عُمَرَ ؟ قِيلَ : لَيْسَ فِي جَهْلِهِ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعِلْمِ الْمَوَاقِيتِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ بِهَا وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَمَلًا وَاتِّفَاقًا وَأَخْذًا عَنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ أَصْلُ ذَلِكَ كَيْفَ كَانَ النُّزُولُ مِنْ جِبْرِيلَ بِهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بِمَا سَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ كَمَا سَنَّ غَيْرَ مَا شَيْءٍ وَفَرَضَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، انْتَهَى . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَصْلَهُ بِتَبْيِينِ جِبْرِيلَ بِالْفِعْلِ ، فَإِذَا اسْتَثْبَتَ فِيهِ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَا يُحْمَلُ عَمَلُ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَلَى جَوَابِ الْمُغِيرَةِ لِأَبِي مَسْعُودٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِ ، وَكَذَا سِيَاقُ ابْنِ شِهَابٍ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُرْوَةَ ، لَكِنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ عُرْوَةُ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى عُمَرَ إِذْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأَوْقَاتَ . وَأَجَابَ الْحَافِظُ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ اخْتِصَارًا وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُهَا مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ ، فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَضْعِيفِهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَكَانَ ذَلِكَ زَمَانًا يُؤَخِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، فَحَدَّثَ عُرْوَةُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَبَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ كِلَاهُمَا قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَلِّ الظُّهْرَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَلِّ الْعَصْرَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَلِّ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَلِّ الْعِشَاءَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ صَلِّ الصُّبْحَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدُ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَقَالَ : صَلِّ الظُّهْرَ فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فَقَالَ : صَلِّ الْعَصْرَ فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : صَلِّ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ : صَلِّ الْعِشَاءَ فَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ أَضَاءَ الْفَجْرُ وَأَسْفَرَ فَقَالَ : صَلِّ الصُّبْحَ فَصَلَّى ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ يَعْنِي أَمْسِ وَالْيَوْمَ قَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : أَجِبْرِيلُ أَتَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اعْلَمْ مَا تَقُولُ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي بِوَقْتِ الصَّلَاةِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ حَسَبَ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حِينَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ ، وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا الصُّفْرَةُ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلَاةِ فَيَأْتِي ذَا الْحُلَيْفَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ ، وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الْأُفُقُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى تَجْتَمِعَ النَّاسُ ، وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ قَالَ الْحَافِظُ : فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَبِي مَسْعُودٍ لِلْأَوْقَاتِ وَفِيهِ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ احْتِجَاجَ عُرْوَةَ بِهِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ أُسَامَةَ تَفَرَّدَ بِتَفْسِيرِ الْأَوْقَاتِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا تَفْسِيرًا . قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرَا تَفْسِيرًا ، انْتَهَى . وَرِوَايَةُ هِشَامٍ أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَرِوَايَةُ حَبِيبٍ أَخْرَجَهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ أُسَامَةَ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيَانَ مِنْ فِعْلِ جِبْرِيلَ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا ، لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَرَجَعَ الْحَدِيثَ إِلَى عُرْوَةَ وَوَضَّحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اخْتِصَارًا ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ وَمَنْ وَافَقَهُ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا يُوصَفُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالشُّذُوذِ ، انْتَهَى . أَيْ : فِيهَا اخْتِصَارٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا : أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الْأَوْقَاتَ . وَثَانِيهِمَا : أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمْسَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى وَصَلَّى ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا أُمِرْتُ . وَثَبَتَ أَيْضًا صَلَاتُهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَبِهَذَا رَدُّ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمَيْنِ بِوَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يُنْكِرْ عُرْوَةُ عَلَى عُمَرَ صَلَاتَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُحْتَجًّا بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَقَالَ : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ صَلَاةَ عُمَرَ كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ مَصِيرُ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مَغِيبُ الشَّمْسِ ، فَيَتَّجِهُ إِنْكَارُ عُرْوَةَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ ، أَوْ يَكُونُ عُرْوَةُ أَنْكَرَ مُخَالَفَةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَرَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ أَيْضًا . وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلًا : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ احْتِجَاجُ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي وَقَعَ الْإِنْكَارُ بِسَبَبِهَا ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَهَا يُشْعِرُ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَحَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَصْلَ بَيَانِ الْأَوْقَاتِ كَانَ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : دُخُولُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَإِنْكَارُهُمْ عَلَيْهِمْ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ ، وَاسْتِثْبَاتُ الْعَالِمَ فِيمَا يَسْتَغْرِبُهُ السَّامِعُ وَالرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ لِلسُّنَّةِ ، وَفَضِيلَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْفَاضِلِ ، وَقَبُولُ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُثْبَتِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ ، عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ بِالْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْقَطِعِ ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ أَجَابَ عَنِ اسْتِفْهَامِ عُمَرَ لَهُ لَمَّا أَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ مَنْ حَدَّثَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ فَلَعَلَّهُ بَلَغَكَ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ ، وَكَأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ لَهُ : بَلْ قَدْ سَمِعْتُهُ مِمَّنْ سَمِعَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّاحِبُ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسِلِ الثِّقَةِ لِصَنِيعِ عُرْوَةَ حِينَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ قَالَ : وَإِنَّمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ لِيُثَبِّتَهُ فِيهِ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِهِ مُرْسَلًا كَذَا قَالَ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، انْتَهَى .
5 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ الْأَعْرَجِ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 5 5 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) بِخِفَّةِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِلَفْظٍ ضِدَّ يَمِينٍ تَقَدَّمَا ( وَعَنْ بُسْرِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ رَاءٌ ( ابْنِ سَعِيدٍ ) الْمَدَنِيِّ الْعَابِدِ ثِقَةٍ حَافِظٍ مِنَ التَّابِعِينَ . ( وَعَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٍ ثَبْتٍ عَالِمٍ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . ( كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَهُ ) أَيْ : يُحَدِّثُونَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) الدَّوْسِيِّ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ حَافِظِ الصَّحَابَةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي الدُّنْيَا ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيُّهَا أَرْجَحُ ، فَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ ، وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ النَّسَّابِينَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَقِيلَ : تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ) الْإِدْرَاكُ الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْءِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادًا بِإِجْمَاعٍ فَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوَقْتَ ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى فَقَدْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ : مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَرَكْعَةً بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ . وَلِلنَّسَائِيِّ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الطَّحَاوِيِّ حَيْثُ خَصَّ الْإِدْرَاكَ بِاحْتِلَامِ الصَّبِيِّ وَطُهْرِ الْحَائِضِ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ نُصْرَةَ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بَطُلَتْ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَدَعْوَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ؛ إِذْ لَا يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ بِحَمْلِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى النَّوَافِلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا وَجْهَ لِدَعْوَى نَسْخِ حَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَعَارُضٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَلَا لِتَقْدِيمِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّطَوُّعِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَجَوَابُ الشَّيْخِ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فَقَدْ أَدْرَكَ ثَوَابَ كُلِّ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِ ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ فَلْيَأْتِ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ فِي وَقْتٍ آخَرَ بَعِيدٌ يَرُدُّهُ بَقِيَّةُ طُرُقِ الْحَدِيثِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى ( وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ تَغِيبُ ( الشَّمْسُ ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّانَ : ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ( فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ) ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي غَسَّانَ : فَلَمْ تَفُتْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ بِإِدْرَاكِهَا يَكُونُ الْكُلُّ أَدَاءً وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْوَقْتِ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ كَلَامٌ ، قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ ابْنُ الْأَثِيرِ : تَخْصِيصُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ ؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَا النَّهَارِ ، وَالْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ عُرِفَ خُرُوجُ الْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحُكْمَ وَلَا عَرَفَ الْمُصَلِّي أَنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِيهِ لَظَنَّ فَوَاتَ الصَّلَاةِ وَبُطْلَانَهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ آخِرُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ ، فَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَظَنَّ الْمُصَلِّي أَنَّ صَلَاتَهُ فَسَدَتْ بِدُخُولِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ لِيَزُولَ هَذَا الْوَهْمُ . وَقَالَ الْحَافِظُ مُغْلَطَايْ فِي رِوَايَةٍ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ وَفِي أُخْرَى : مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الرَّكْعَةَ فَلِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ الْإِدْرَاكُ ، وَمَنْ قَدَّمَ الصُّبْحَ أَوِ الْعَصْرَ قَبْلَ الرَّكْعَةِ ؛ فَلِأَنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يَدُلَّانِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ دَلَالَةً خَاصَّةً تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَوْصَافِهَا بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ فَقَدَّمَ اللَّفْظَ الْأَعَمَّ الْجَامِعَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
7 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَخِّرْ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ وَصَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ . 7 7 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ ) - بِضَمِّ السِّينِ - نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِيهِ ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ سَمِعَ مِنْ عُمَرَ ثِقَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ . ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حَضَّارٍ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - الْأَشْعَرِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ ، أَمَّرَهُ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ . وَقِيلَ : بَعْدَهَا . ( أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ ) أَيْ : مَالَتْ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْإِبْرَادِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّقْدِيمِ . ( وَ ) صَلَّى ( الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ) بِنُونٍ وَقَافٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ ( قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ ) بَيَانٌ لِنَقِيَّةٍ . ( وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَأَخِّرِ الْعِشَاءَ ) عَنِ الشَّفَقِ ( مَا لَمْ تَنَمْ ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ الْعِشَاءُ ( وَصَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ ) مُخْتَلِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِكَثْرَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا . ( وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنَ الْمُفَصَّلِ ) وَأَوَّلُهُ الْحُجُرَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ إِلَى عَبَسَ .
24 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ذَهَبَ ، فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي . 24 24 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ ) مِنَ الْإِغْمَاءِ ( فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ ) حِينَ أَفَاقَ ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ذَهَبَ ، فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي ) وُجُوبًا إِذْ مَا بِهِ السُّقُوطُ بِهِ الْإِدْرَاكُ .
22 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَلَقِيَ رَجُلًا لَمْ يَشْهَدْ الْعَصْرَ فَقَالَ عُمَرُ مَا حَبَسَكَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ عُذْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ : طَفَّفْتَ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَيُقَالُ : لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ . 22 22 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَلَقِيَ رَجُلًا لَمْ يَشْهَدْ ) لَمْ يَحْضُرِ ( الْعَصْرَ ) ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ شَرَحَ الْمُوَطَّأَ ، يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، قَالَ : وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي أَثَرٍ عَلِمْتُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَدِيدَةَ . ( فَقَالَ عُمَرُ مَا حَبَسَكَ ) مَنَعَكَ ( عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ) مَعَ الْجَمَاعَةِ ( فَذَكَرَ لَهُ الرَّجُلُ عُذْرًا ) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَهُ ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : طَفَّفْتَ ) بِفَاءَيْنِ أَيْ نَقَّصْتَ نَفْسَكَ حَظَّهَا مِنَ الْأَجْرِ لِتَأَخُّرِكَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَالتَّطْفِيفُ لُغَةً الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِدْلِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهُ . قَالَ يَحْيَى : ( قَالَ مَالِكٌ : وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ ) بِالْمَدِّ ( وَتَطْفِيفٌ ) أَيْ نَقْصٌ ، مُقَابِلُ الْوَفَاءِ .
23 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . وَقَالَ مَالِكٌ : الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَخَرَجْتَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ . 23 23 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا ) لِكَوْنِهِ صَلَّاهَا فِيهِ ( وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ) أَوَّلِهِ أَوْ أَوْسَطِهِ ( أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ ) بِالشَّكِّ فِي اللَّفْظِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى ( مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَأْيًا ، وَقَدْ وَرَدَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا ، فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا ، وَعَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا : ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا ) قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ : السَّهْوُ شُغْلٌ عَنِ الشَّيْءِ ، وَالنِّسْيَانُ غَفْلَةٌ عَنْهُ وَآفَةٌ . ( حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ ) الْمُرَادُ حَتَّى تَمَّ سَفَرُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَهْلٌ أَمْ لَا . ( أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ) . أَيْ يُتِمَّ . ( وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ) أَيْ مَقْصُورَةً ( لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ ) يَعْنِي التَّابِعِينَ ( وَأَهْلَ الْعِلْمِ ) أَتْبَاعَهُمْ ( بِبَلَدِنَا ) أَيِ الْمَدِينَةِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ : الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي ) تُرَى ( فِي ) أُفُقِ ( الْمَغْرِبِ ) ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُ الْبَيَاضُ الَّذِي يَلِيهَا ، وَرَدَ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْحُمْرَةِ لِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ وَقَدْ رَأَى ثَوْبًا أَحْمَرَ كَأَنَّهُ شَفَقٌ ، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( سُورَةُ الِانْشِقَاقِ : الْآيَةُ 16 ) : إِنَّهُ الْحُمْرَةُ . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : رَقَبْتُ الْبَيَاضَ فَوَجَدْتُهُ يَبْقَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِلَى نِصْفِهِ ، فَلَوْ رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لَزِمَ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ . ( فَإِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُ وُجُوبِهَا ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالْمُصْطَفَى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ . ( وَخَرَجْتَ ) أَيُّهَا الْمُصَلِّي ( مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ) أَيِ الْمُخْتَارِ وَإِلَّا فَوَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي امْتِدَادِ مُخْتَارِهَا لِلشَّفَقِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ ، وَقَالَ فِي أَحْكَامِهِ : إِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ .
5 - بَاب جَامِعْ الْوُقُوتِ 21 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . 5 - بَابُ جَامِعِ الْوُقُوتِ 21 21 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ ) ، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ : فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ . ( كَأَنَّمَا وُتِرَ ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي يَفُوتُهُ ؛ أَيْ : هُوَ ، فَقَوْلُهُ : ( أَهْلَهُ وَمَالَهُ ) بِالنَّصْبِ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ إِذْ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ( سُورَةُ مُحَمَّدٍ : الْآيَةُ 35 ) وَالْمَعْنَى : أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَقِيلَ : وُتِرَ بِمَعْنَى نُقِصَ ؛ فَيَرْفَعُ وَيَنْصِبُ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَ وَأَضْمَرَ نَائِبَ الْفَاعِلِ ، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى سُلِبَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ ، فَأَهْلُهُ هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ ، وَقِيلَ : بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَوْ بَعْضٍ ، وَقِيلَ النَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ وُتِرَ مِنْ حَيْثُ الْأَهْلُ نَحْوَ : غَبِنَ رَأْيَهُ وَأَلِمَ نَفْسَهُ ، وَمِنْهُ : إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 130 ) فِي وَجْهٍ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ فِي أَهْلِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : رُوِيَ بِنَصْبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعِهِمَا ، وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَمَعْنَاهُ انْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكٍ ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ نُقِصَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَسُلِبَهُمْ ، فَبَقِيَ وِتْرًا بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ ، فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ أَنَّهُ كَالَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ إِصَابَةً يَطْلُبُ بِهِمَا وِتْرًا ، وَالْوِتْرُ الْجِنَايَةُ الَّتِي تَطْلُبُ ثَأْرَهَا ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ الْمُصِيبَةِ وَغَمُّ مُقَاسَاةِ طَلَبِ الثَّأْرِ ؛ وَلِذَا قَالَ : وُتِرَ ، وَلَمْ يَقُلْ : مَاتَ أَهْلُهُ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِرْجَاعِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَقَدَهُمَا ، فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّدَمُ وَالْأَسَفُ لِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاةَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ . وَقَالَ الْحَافِظُ : حَقِيقَةُ الْوِتْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ : هُوَ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ مَجَازٌ ، لَكِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُوتُورُ هُوَ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرِكْ دَمَهُ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ ، وَقِيلَ : الْمُوتُورُ مَنْ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ وَذَلِكَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ ، فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ الْإِثْمِ وَغَمُّ فَوَاتِ الصَّلَاةِ ، كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمُوتُورِ غَمَّانِ : غَمُّ السَّلْبِ وَغَمُّ الثَّأْرِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا أُخِذَا مِنْهُ وَهُوَ يَنْظُرُهُمَا . وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدَّيْنِ الْعِرَاقِيُّ : كَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وُتِرَ هَذَا الْوِتْرَ وَهُوَ قَاعِدٌ غَيْرُ مُقَاتِلٍ عَنْهُمْ وَلَا ذَابٍّ ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْغَمِّ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَسْلَى لَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَهُوَ مُشَاهِدٌ لِتِلْكَ الْمَصَائِبِ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْهُمْ فَهُوَ أَشَدُّ لِتَحَسُّرِهِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَهْلَ وَالْمَالَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ إِنَّمَا هُوَ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَهْلِ وَالشُّغْلِ بِالْمَالِ ، فَذَكَرَ أَنَّ تَفْوِيتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ فَقْدِهِمَا ، فَلَا مَعْنَى لِتَفْوِيتِهِمَا بِالِاشْتِغَالِ بِهِمَا مَعَ أَنَّ تَفْوِيتَهُمَا كَفَوَاتِهِمَا أَصْلًا وَرَأْسًا ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفَوَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصِلِّهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَقِيلَ : بِغُرُوبِ الشَّمْسِ . وَفِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ : تَفْسِيرُهَا ذَهَابُ الْوَقْتِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمُخْتَارِ وَغَيْرِهِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْحَافِظُ : وَتَفْسِيرُ الرَّاوِي إِذَا كَانَ فَقِيهًا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَوَرَدَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : فَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسُ صُفْرَةً ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَعَلَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ . وَقَالَ مُغَلْطَايُ فِي الْعِلَلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ : إِنَّ التَّفْسِيرَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ لِمَا يَفُوتُهُ مِنْ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ اللَّيْلِيَّةِ وَالنَّهَارِيَّةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ مَنْدَهْ : الْمُوتُورُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ مَنْ وُتِرَ صَلَاةَ الْوُسْطَى فِي جَمَاعَةٍ ، وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ فَوَاتَهَا بِاصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ مَغِيبِهَا ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ اخْتِصَاصُ الْعَصْرِ ، لِأَنَّ ذَهَابَ الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَنُوقِضَ بِعَيْنِ مَا ادَّعَاهُ لِأَنَّ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ . وَيُرْوَى عَنْ سَالِمٍ أَنَّ هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا ، وَمَشَى عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فَبَوَّبَ عَلَى الْحَدِيثِ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَسَفِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الثَّوَابِ لِمَنْ صَلَّى مَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ أَسَفَ الْعَامِدِ أَشَدُّ لِاجْتِمَاعِ فَقْدِ الثَّوَابِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّمَا هُوَ الْعَامِدُ . النَّوَوِيُّ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَأُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ : مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي تَخْصِيصِ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِذَلِكَ ، فَقِيلَ : نَعَمْ ، لِزِيَادَةِ فَضْلِهَا وَأَنَّهَا الْوُسْطَى وَلِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ تَعَبِ النَّاسِ فِي مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى قَضَاءِ أَشْغَالِهِمْ وَتَسْوِيفِهِمْ بِهَا إِلَى انْقِضَاءِ وَظَائِفِهِمْ وَلِاجْتِمَاعِ الْمُتَعَاقِبِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْفَجْرَ أَيْضًا فِيهَا اجْتِمَاعُ الْمُتَعَاقِبِينَ فَلَا يَخْتَصُّ الْعَصْرُ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخُصُّ مَا شَاءَ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْفَضِيلَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَدِيثَ خَرَجَ جَوَابًا لِسَائِلٍ عَنْ مَنْ تَفُوتُهُ الْعَصْرُ ، وَأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ غَيْرِهَا لَأَجَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُ حُكْمُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ كَذَلِكَ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْعَصْرِ وَلَمْ تُحَقَّقِ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا بِالشَّكِّ وَالْوَهْمِ ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِهِ إِذَا عُرِفَتِ الْعِلَّةُ وَاشْتَرَكَا فِيهَا . قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا لَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ ، وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ الْحَدِيثَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ : مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى تَعْيِينِ الْعَصْرِ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ : لَأَنْ يُوَتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ النَّصْبِ الْمُصَدَّرِ بِهَا ، لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ : مِنَ الصَّلَوَاتِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : الْعَصْرُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَصَرَّحَ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ الْعَصْرِ بِذَلِكَ . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مِنَ الصَّلَوَاتِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هِيَ الْعَصْرُ . نَعَمْ فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فَإِنْ كَانَ رَاوِيهِ حَفِظَ وَلَمْ يَهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ الدُّنْيَا وَأَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهَا . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا يُوجَدُ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 238 ) وَلَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فِيهِ تَكْلِيفُ الْمُحَافَظَةِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
17 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَا يَقُولَانِ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ . 16 17 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ ) بْنِ الْخَطَّابِ ( وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتِ ) بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ النَّجَّارِيَّ ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ كَتَبَ الْوَحْيَ ، قَالَ مَسْرُوقٌ : كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ . وَقِيلَ : بَعْدَ الْخَمْسِينَ . ( كَانَا يَقُولَانِ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ ) أَيِ : الصَّلَاةَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ .
16 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ . 16 16 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَحَدِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) الْعَدَوِيَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وُلِدَ بَعْدَ الْبَعْثِ بِقَلِيلٍ وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ ، مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ أَوْ أَوَّلِ الَّتِي تَلِيهَا . ( كَانَ يَقُولُ : إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ ) فَلَا يَكُونُ بِإِدْرَاكِ السَّجْدَةِ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ أَخْذًا مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ وَكَانَ فِيهِ شُذُوذٌ قَدِيمٌ .
18 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ . 16 18 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَبَلَاغُهُ لَيْسَ مِنَ الضَّعِيفِ ؛ لِأَنَّهُ تُتُبِّعَ كُلُّهُ فَوُجِدَ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ . ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ ، وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ ) لِمَوْضِعِ التَّأْمِينِ وَمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، قَالَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ .
3 - بَاب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ 15 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ . 3 - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ حُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي التَّرْجَمَةِ اسْتِغْنَاءً بِذِكْرِهِ فِي حَدِيثِهَا . 15 15 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) قِيلَ : اسْمُهُ كُنْيَتُهُ . وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ . وَقِيلَ : إِسْمَاعِيلُ ( بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٍ فَقِيهٍ كَثِيرِ الْحَدِيثِ ، وُلِدَ سَنَةَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ) ، زَادَ النَّسَائِيُّ : كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ اتَّضَحَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، إِذْ ظَاهِرُهُ بِدُونِهَا مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مُدْرِكًا لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهَا ، فَإِذَنْ فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَقْتَ الصَّلَاةِ أَوْ حُكْمَ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ إِتْمَامُ بَقِيَّتِهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي لَفْظِهِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَكَذَا رَوَاهُ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ : فَقَدْ أَدْرَكَ لَمْ يَقُلِ الصَّلَاةَ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَفَضْلَهَا ، وَهَذِهِ لَفْظَةٌ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَلَا أَجَادَ فِيهَا . قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فَقِيلَ : أَدْرَكَ وَقْتَهَا . فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى . وَقِيلَ : أَدْرَكَ حُكْمَهَا فِيمَا يَفُوتُهُ مِنْ سَهْوِ الْإِمَامِ وَلُزُومِ الْإِتْمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ ، قَالَ : وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوجِبُ الْإِدْرَاكَ التَّامَّ الْوَقْتَ وَالْحُكْمَ وَالْفَضْلَ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى وَإِلَّا صَلَّى أَرْبَعًا . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، قَالَ الزَّدَرِيُّ : فَنَرَى الْجُمُعَةَ مِنَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِزِيَادَةِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إِفْرَادُ مَالِكٍ لَهُ فِي التَّبْوِيبِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَيُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَضْلَ ، انْتَهَى ، لَكِنْ هَذَا قَدْ أَعَلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالشُّذُوذِ فَقَالَ : رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَضْلَ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ . وَرَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقْتَهَا وَلَمْ يَقُلْهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا خُولِفَ فِيهِ . قَالَ مُغْلَطَايْ : وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُضَاعَفًا كَمَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ غَيْرَ مُضَاعَفٍ ؛ قَوْلَانِ ، وَإِلَى التَّضْعِيفِ ذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
14 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ . 14 14 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ يَحْيَى ) بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ ( الْمَازِنِيِّ ) بِالزَّايِ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٍ ، مَاتَ بَعْدَ الثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ ؛ اسْمٌ لِابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْأَبُ أُسَيْدٌ ؛ بِالتَّصْغِيرِ وَدَالٍ آخِرَهُ . وَقِيلَ : رَاءٌ . وَقِيلَ : بِزِيَادَةِ هَاءٍ آخِرَهُ ، فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْبُخَارِيُّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ الصَّحَابِيِّ الْبَدْرِيِّ ، وَعَنْ عُثْمَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ضُمَيْرَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُمَا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . ( أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأُمَوِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَا النُّورَيْنِ أَحَدَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ ، وَالسِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى ، اسْتُشْهِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ عِيدِ الْأَضْحَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَعُمْرُهُ ثَمَانُونَ . وَقِيلَ : أَكْثَرُ . وَقِيلَ : أَقَلُّ . ( صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ ) مِنْ يَوْمِهَا ( بِمَلَلٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَامَيْنِ بِوَزْنِ جَمَلٍ ؛ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا . وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِيلًا حَكَاهُمَا ابْنُ رَشِيقٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ لِلتَّهْجِيرِ ) أَيْ : صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ وَهِيَ انْتِصَافُ النَّهَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ . ( وَسُرْعَةِ السَّيْرِ ) فَيُدْرَكُ مَلَلٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَدَلَّ كُلٌّ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ مِنَ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَمَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي رَزِينٍ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ فَأَحْيَانًا نَجِدُ فَيْئًا وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ عِنْدَ الزَّوَالِ أَوِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا . وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ : كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ بَعْدَمَا تَزُولُ الشَّمْسُ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَكَانَ النُّعْمَانُ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ يَزِيدَ ، وَكَذَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ الصَّحَابِيَّ كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْ زِيَادٍ وَعَنْ وَلَدِهِ فِي الْكُوفَةِ . وَأَمَّا مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - : صَلَّى بِنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَقَالَ : خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ : صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى ، رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدٌ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ ، وَابْنُ سَلِمَةَ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ قَالَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، فَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي نَقْلِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا قَوْلَ أَحْمَدَ : إِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَ ، انْتَهَى . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا سَمَّاهُ عِيدًا جَازَتْ صَلَاتُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ عِيدًا أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى جَمِيعِ أَحْكَامِ الْعِيدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ يَحْرُمُ صَوْمُهُ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ اتِّفَاقًا .
2 - بَاب وَقْتِ الْجُمُعَةِ 13 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ قَالَ مَالِكٌ ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ . 2 - بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ أَيْ : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كَالظُّهْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَشَذَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَجَوَّزَ صَلَاتَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِفِعْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فَقَالَ : 13 13 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ ) وَاسْمُهُ نَافِعٌ ( بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِضَمِّهِمَا ، وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَفِي الْمَطَالِعِ : الْأَفْصَحُ كَسْرُ الطَّاءِ وَفَتْحُ الْفَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهُمَا وَكَسْرُهُمَا ، وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ فَتْحَ الطَّاءِ مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ : بِفَتْحِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ ، وَهِيَ بِسَاطٌ صَغِيرٌ ، وَقِيلَ : حَصِيرٌ مِنْ سَعَفٍ أَوْ دَوْمٍ ، عَرْضُهُ ذِرَاعٌ . وَقِيلَ : قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ ( لِعَقِيلِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) الْهَاشِمِيِّ أَخِي عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ ، وَكَانَ الْأَسَنَّ ، صَحَابِيٌّ عَالِمٌ بِالنَّسَبِ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ . وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ ) النَّبَوِيِّ ( الْغَرْبِيِّ ) صِفَةُ جِدَارٍ ( فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ ) بِالنَّاسِ فِي خِلَافَتِهِ . قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ عَكْسَ ذَلِكَ ، وَلَا يَتَّجِهُ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الطِّنْفِسَةَ كَانَتْ تُفْرَشُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُفْرَشُ لَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ عُمَرُ يَتَأَخَّرُ بَعْدَ الزَّوَالِ قَلِيلًا . وَفِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عُمَرُ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ . ( قَالَ مَالِكٌ ) وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ : ( ثُمَّ نَرْجِعُ ) بِالنُّونِ ( بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ ) ، قَالَ الْبَوْنِيُّ : بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمَدِّ ؛ وَهُوَ اشْتِدَادُ النَّهَارِ مُذَكَّرٌ ، فَأَمَّا بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ فَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثٌ ؛ أَيْ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَقِيلُونَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يَشْتَغِلُونَ بِالْغُسْلِ وَغَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ ، فَيَقِيلُونَ بَعْدَ صَلَاتِهَا الْقَائِلَةَ الَّتِي يَقِيلُونَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : أَيْ أَنَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَ مَا فَاتَهُمْ مِنَ النَّوْمِ وَقْتَ قَائِلَةِ الضَّحَاءِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمُ ، انْتَهَى . وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْقَيْلُولَةِ بِخِلَافِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ فَكَانُوا يَقِيلُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَالتَّبْكِيرُ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ أَوَّلَ وَقْتِهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَارُضِ .
31 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِذَا رَأَى الْإِنْسَانَ يُغَطِّي فَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي جَبَذَ الثَّوْبَ عَنْ فِيهِ جَبْذًا شَدِيدًا حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْ فِيهِ . 31 31 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَسَالِمٍ وَعَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَثَّقَهُ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : الْمُجَبَّرُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ : الْمُجَبَّرُ لِأَنَّهُ سَقَطَ فَتَكَسَّرَ فَجُبِّرَ . وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا : لَا يُعْرَفُ فِي الرُّوَاةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثَلَاثَةٌ فِي نَسَقٍ إِلَّا هَذَا ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْغَرِ مَاتَ وَهُوَ حَمْلٌ ، فَلَمَّا وُلِدَ سَمَّتْهُ حَفْصَةُ بِاسْمِ أَبِيهِ وَقَالَتْ : لَعَلَّ اللَّهَ يَجْبُرُهُ . وَقَالَ فِي الِاسْتِيعَابِ : كَانَ لِعُمَرَ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَكْبَرُهُمْ صَحَابِيٌّ . وَالثَّانِي يُكَنَّى أَبَا شَحْمَةَ وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ أَبُوهُ فِي الْخَمْرِ . وَالثَّالِثُ وَالِدُ الْمُجَبَّرِ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ . ( أَنَّهُ كَانَ يَرَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ ( إِذَا رَأَى الْإِنْسَانَ يُغَطِّي فَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي جَبَذَ الثَّوْبَ عَنْ فِيهِ جَبْذًا ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ ( شَدِيدًا ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي تَعْلِيمِهِ ( حَتَّى يَنْزِعَهُ عَنْ فِيهِ ) ، قَالَ الْمَجْدُ : الْجَبْذُ الْجَذْبُ وَلَيْسَ مَقْلُوبَهُ بَلْ لُغَةً صَحِيحَةً ، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ كَالِاجْتِبَاذِ ، وَالْفِعْلُ كَضَرَبَ فَفِعْلُ سَالِمٍ وَهُوَ مِنَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ تَغْطِيَةِ الْفَمِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ أَمْرًا مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ .
8 - بَاب النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِرِيحِ الثُّومِ وَتَغْطِيَةِ الْفَمِ 30 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ . 8 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِرِيحِ الثُّومِ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ مَا دَامَتْ رِيحُهَا مَوْجُودَةً ، وَوَقَعَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ قَالَ : يُمْنَعُ مِنْهُ ثَلَاثًا ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا ثَلَاثًا ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثًا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ أَيْ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ وُجُودُ الرَّائِحَةِ وَهي لَا تَبْقَى هَذِهِ الْمُدَّةُ ( وَ ) النَّهْيُ عَنْ ( تَغْطِيَةِ الْفَمِ ) فِي الصَّلَاةِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ ، وَبِهِ يَظْهَرُ مُطَابَقَةُ أَثَرِ سَالِمٍ لِلتَّرْجَمَةِ وَسَقَطَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ فَأَشْكَلَتِ الْمُطَابَقَةُ . 30 30 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ) أَرْسَلَهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمْ إِلَّا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا فَزَادَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ) يَعْنِي الثُّومَ ، وَفِيهِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ لُغَةً أَنَّ الشَّجَرَ مَا لَهُ سَاقٌ وَمَا لَا سَاقَ لَهُ فَنَجْمٌ وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( سُورَةُ الرَّحْمَنِ : الْآيَةُ 6 ) ، وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ قَالَ : مَا نَبَتَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْأَرْضِ يُخْلِفُ مَا قُطِعَ مِنْهُ فَشَجَرٌ ، وَإِلَّا فَنْجَمٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِطْلَاقُ الشَّجَرِ عَلَى الثُّومِ ، وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الشَّجَرَ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ سَاقٌ . انْتَهَى . وَقِيلَ : بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَكُلُّ نَجْمٍ شَجَرٌ وَلَا عَكْسَ كَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، فَكُلُّ نَخْلٍ شَجَرٌ وَلَا عَكْسَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَكَلَ لَفْظُ إِبَاحَةٍ . وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِنَّمَا تُعْطِي الْوُجُودَ لَا الْحُكْمَ ، أَيْ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْأَكْلُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا أَمْ لَا . وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا . ( فَلَا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا ) أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَالْجَمْعُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَرِوَايَةِ أَحْمَدَ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ، وَقِيلَ : خَاصٌّ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِأَجْلِ نُزُولِ جِبْرِيلَ فِيهِ وَلِرِوَايَةِ ( مَسْجِدَنَا ) بِالْإِفْرَادِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ لِرِوَايَةِ الْجَمْعِ ، وَالْمَلَائِكَةُ تَحْضُرُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ، وَالْعِلَّةُ التَّأَذِّي حَتَّى لِلْبَشَرِ كَمَا قَالَ : ( يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ ، زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَضَعَّفَهُ . وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ : هَلِ النَّهْيُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً أَوْ فِي الْمَسَاجِدِ ؟ قَالَ : بَلْ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ مَسْجِدَهُ الَّذِي أَعَدَّهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَكَأَنَّهُ تَشَبَّثَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الثُّومِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَمِثْلُ الثُّومِ الْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ الْفُجْلُ إِنْ ظَهَرَ رِيحُهُ فَكَالثُّومِ ، وَقَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِالْجُشَاءِ ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ النَّصُّ عَلَى الْفُجْلِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ رَاشِدٍ ضَعِيفٌ ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ مَنْ بِفَمِهِ بَخْرٌ أَوْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، وَزَادَ غَيْرُهُ : أَصْحَابُ الصَّنَائِعِ الْكَرِيهَاتِ كَالسَّمَّاكِ ، وَأَصْحَابُ الْعَاهَاتِ كَالْمَجْذُومِ وَمَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ . ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَذَلِكَ كُلُّهُ تَوَسُّعٌ غَيْرُ مُرْضٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَجْذُومَ وَغَيْرَهُ بِآكِلِ الثُّومِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ آكِلَهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا الْمَانِعَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَالْمَجْذُومُ عِلَّتُهُ سَمَاوِيَّةٌ ، قَالَ : لَكِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ . وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ رَأَى قَوْلَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ قَوْلَ النَّبِيِّ إِلَخْ ، فَظَنَّهُ لَفْظُ حَدِيثٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مِنْ تَفَقُّهِ الْبُخَارِيِّ وَتَجْوِيزِهِ لِذِكْرِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ، وَحُكْمُ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمُهُ فَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَجَدَ رِيحَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ إِلَى الْبَقِيعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
6 - بَاب النَّوْمِ عَنْ الصَّلَاةِ 25 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَادُوا فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه : 14] . 6 - بَابُ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ أَيْ مَا حُكْمُهُ ؟ هَلْ كَالْإِغْمَاءِ أَوْ لَا ، فَتَجِبُ إِذَا انْتَبَهَ . 25 25 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بْنِ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عمران بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُرْسَلَاتِهِ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقَدْ نَاهَزَ الثَمَانِينَ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَرِوَايَةُ الْإِرْسَالِ لَا تَضُرُّ فِي رِوَايَةِ مَنْ وَصَلَهُ لِأَنَّ يُونُسَ مِنِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ ، احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَوَصَلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبَانٍ الْعَطَّارِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، لَكِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ فِي مَعْمَرٍ مَنْ أَبَانٍ . وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُرْسَلًا وَمَوْصُولًا . ( حِينَ قَفَلَ ) أَيْ رَجَعَ ، وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ سَافَرَ مُبْتَدِئًا : قَفَلَ إِلَّا الْقَافِلَةُ تَفَاؤُلًا . ( مِنْ ) غَزْوَةِ ( خَيْبَرَ ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ آخِرَهُ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ . قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا : وَهُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : إِنَّمَا هُوَ مِنْ حُنَيْنٍ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ يَعْنِي حَتَّى لَا يُخَالِفَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ لِأَنَّ طَرِيقَهَا غَيْرُ طَرِيقِ خَيْبَرَ ، وَرَّدَهُ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ طَرِيقَهُمَا مِنَ الْمَدِينَةِ وَاحِدٌ فَلَا خُلْفَ ، فَلَا يُحْتَاجُ لِدَعْوَى التَّصْحِيفِ ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : مَا قَالَهُ الْأَصِيلِيُّ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ مِنْ خَيْبَرَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ فَتْحِ وَادِي الْقُرَى لِأَنَّ النَّوْمَ كَانَ حِينَ قَرُبَ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ ، وَأَبِي قَتَادَةَ : كُنَّا فِي سَفَرٍ بِالْإِبْهَامِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَقْبَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا . وَيَأْتِي مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِطَرِيقِ تَبُوكَ . قَالَ الْحَافِظُ : فَاخْتِلَافُ الْمَوَاطِنِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَوْمُهُمْ عَنِ الصُّبْحِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ ؟ فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِمُغَايَرَةِ قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَطَرِيقُ مَكَّةَ تَصْدُقُ بِهَا وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَرِوَايَةُ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ . انْتَهَى . لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ذَكَرَهَا وَقَالَ : إِنَّهَا مُرْسَلَةٌ مِنْ عَطَاءٍ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْآثَارَ الصِّحَاحَ الْمُسْنَدَةَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ . انْتَهَى . وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَدِيثَيْ عُقْبَةَ ، وَابْنِ عَمْرٍو ، أَوْ لَمْ يَصِحَّا عِنْدَهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ النَّوْمُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ؟ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( أَسْرَى ) سَارَ لَيْلًا ، يُقَالُ : سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ أَسْرَعَ ، وَفِي مُسْلِمٍ سَارَ لَيْلَةً ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ : وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الزَّادِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ انْقَطَعَ النَّاسُ وَرَاءَكَ ، فَحَبَسَ وَحَبَسَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى تَكَامَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ : هَلْ لَكُمْ أَنْ نَهْجَعَ هَجْعَةً . فَنَزَلَ وَنَزَلُوا . ( حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : حَتَّى أَدْرَكَهُ الْكَرَى وَهُوَ بِزِنَةِ عَصَا : النُّعَاسُ ، وَقِيلَ : أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو : حَتَّى إِذَا كَانَ مَعَ السَّحَرِ . ( عَرَّسَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، قَالَ الْخَلِيلُ وَالْجُمْهُورُ : التَّعْرِيسُ نُزُولُ الْمُسَافِرِ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ ، وَلَا يُسَمَّى نُزُولُ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا ، وَيُقَالُ : لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ بَلْ مُطْلَقُ نُزُولِ الْمُسَافِرِ لِلرَّاحَةِ ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا . وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ . فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا أُوقِظُكُمْ . ( وَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لِبِلَالِ ) بْنِ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنِ ، وَهُوَ ابْنُ حَمَامَةَ وَهِيَ أُمُّهُ ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ عِشْرِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً . ( اكْلَأْ ) بِالْهَمْزَةِ ، قَالَ تَعَالَى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 42 ) أَيْ يَحْفَظُكُمْ أَيِ احْفَظْ وَارْقُبْ ( لَنَا الصُّبْحَ ) بِحَيْثُ إِذَا طَلَعَ تُوقِظُنَا . وَفِي مُسْلِمٍ ( اللَّيْلَ ) أَيْ بِحَيْثُ إِذَا تَمَّ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ تُوقِظُنَا . ( وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَكَلَأَ بِلَالٌ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَصَلَّى بِلَالٌ ( مَا قُدِّرَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَا يَسَرَّهُ اللَّهُ لَهُ . ( ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ ) أَيْ مُوَاجِهُ الْجِهَةِ الَّتِي يَطْلُعُ مِنْهَا . ( فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ : وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ . ( فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ( حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : أَيْ أَصَابَهُمْ شُعَاعُهَا وَحَرُّهَا ، وَزَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا . ( فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيِ انْتَبَهَ وَقَامَ ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : فَزِعَ لِأَجْلِ عَدُوِّهِمْ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ اتَّبَعَهُمْ فَيَجِدُهُمْ بِتِلْكَ الْحَالِ مِنَ النَّوْمِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ مُنْذُ بُعِثَ ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْأَصِيلِيِّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْبَعْهُ عَدُوٌّ ، وَفِي انْصِرَافِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَلَا مِنْ حُنَيْنٍ وَلَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي ، بَلِ انْصَرَفَ مِنْ كِلْتَا الْغَزْوَتَيْنِ ظَافِرًا غَانِمًا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ ؟ قَالَ : مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى اجْتِنَابِ الدَّعْوَى وَالثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهَا ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَظَانِّ الْغَلَبَةِ وَسَلْبِ الِاخْتِيَارِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ بِلَالُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلَالُ ؟ ( فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ) قَالَ ابْنُ رَشِيقٍ : أَيْ إِنَّ اللَّهَ اسْتَوْلَى بِقُدْرَتِهِ عَلَيَّ كَمَا اسْتَوْلَى عَلَيْكَ مَعَ مَنْزِلَتِكَ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّوْمُ غَلَبَنِي كَمَا غَلَبَكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَيْ إِذَا كُنْتَ أَنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَمَعْنَاهُ قَبَضَ نَفْسِي الَّذِي قَبَضَ نَفْسَكَ فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شَيْئًا وَاحِدًا ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ هُوَ الرُّوحُ ، وَفِي الْقُرْآنِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ( سُورَةُ الزُّمَرِ : الْآيَةُ 42 ) الْآيَةَ . وَمَنْ قَالَ : النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ تَأَوَّلَ أَخَذَ بِنَفْسِي مِنَ النَّوْمِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ مِنْهُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقْتَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ الَّذِي كَلَأَ الْفَجْرَ بِلَالٌ . وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ عُمَرُ الرَّابِعُ فَكَبَّرَ حَتَّى اسْتَيْقَظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّ الْعُمَرَيْنِ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ لَمَّا نَامَ . وَفِي قِصَّةِ عِمْرَانَ أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ سَبَبَهَا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ وَفِيهِ : أَنَّ الَّذِي كَلَأَ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، فَقَالَ : انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ فَإِنِّي كَنْتُ شَاهِدَ الْقِصَّةِ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا ، لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ عِمْرَانَ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ ابْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ بِالْأُخْرَى . انْتَهَى . فَلْيُتَأَمَّلِ الْجَمْعُ بِمَاذَا مَعَ هَذَا التَّغَايُرِ فِي الَّذِي كَلَأَ وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ ، وَأَنَّ الْعُمَرَيْنِ مَعَهُ فِي قِصَّةِ عِمْرَانَ دُونَ قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَسَبَقَ اخْتِلَافٌ آخَرُ فِي مَحَلِّ النَّوْمِ ، فَالْمُتَّجِهُ مَا رَجَّحَهُ عِيَاضٌ أَنَّ النَّوْمَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَإِلَيْهِ أَوْمَى الْحَافِظُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ ، وَلِذَا قَالَ السُّيُوطِيُّ : لَا يُجْمَعُ إِلَّا بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَادُوا ) بِالْقَافِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيِ ارْتَحِلُوا ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ . وَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَعَلَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي تَعْلِيلِهِ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي التَّالِي . ( فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ ) أَثَارُوهَا لِتَقُومَ ( وَاقْتَادُوا شَيْئًا ) قَلِيلًا ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِارْتِحَالَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ . وَفِي مُسْلِمٍ : ثُمَّ تَوَضَّأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَتَوَضَّأَ النَّاسُ . ( ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى فَأَقَامَ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : فَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ بِالشَّكِّ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ قَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ . ( فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ ) ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ : فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُعِيدُهَا مِنَ الْغَدِ لِوَقْتِهَا ؟ قَالَ : نَهَانَا اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنَّا . وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ . ( ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ : أَوْ نَامَ عَنْهَا ، وَبِهِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ( فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ) وَلِأَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ فَمَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ ، وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ، وَبِهَذَا كُلِّهِ عُلِمَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ اخْتِصَارًا مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، فَزَعْمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنِّسْيَانِ مُطْلَقَ الْغَفْلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ لِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ أَصْلًا لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْعُمُومِ الَّذِي أَرَادَهُ فَاسِدٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الرِّوَايَاتِ . ( فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ وَأَخْذِهِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْتُشْكِلَ وَجْهُ أَخْذِ الْحُكْمِ مِنَ الْآيَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الذِّكْرَى إِمَّا لِذِكْرِي فِيهَا وَإِمَّا لِأُذَكِّرُكَ عَلَيْهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِهَا وَعَلَى كُلٍّ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حِينَ تَذَكُّرِهَا لَكَانَ التَّنْزِيلُ لِذِكْرِهَا ، وَأَصَحُّ مَا أُجِيبَ بِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مِنَ الرَّاوِي وَإِنَّمَا هُوَ لِلذِّكْرَى بِلَامِ التَّعْرِيفِ وَأَلِفِ الْقَصْرِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَفِيهِ وَفِي مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا لِلتَّذَكُّرِ أَيْ لِوَقْتِ التَّذَكُّرِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَذَلِكَ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ ، وَعُرِفَ أَنَّ التَّغْيِيرَ صَدَرَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُمْ لَا مِنْ مَالِكٍ وَلَا مِمَّنْ فَوْقَهُ . قَالَ فِي الصِّحَاحِ : الذِّكْرَى نَقِيضُ النِّسْيَانِ . انْتَهَى . وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ لِأَنَّا نَقُولُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ وَلَا يَلْزَمُ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ يَقَظَةً ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ بَيَانُ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنِ الْمُنِيرِ بِأَنَّ السَّهْوَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ ، فَفِي النَّوْمِ أَوْلَى أَوْ عَلَى السَّوَاءِ ، وَجُمِعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ : أَحَدُهُمَا يَنَامُ فِيهِ الْقَلْبُ فَصَادَفَ هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَالثَّانِي لَا يَنَامُ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا بَسَطَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي .
26 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . 26 26 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : ) مُرْسَلًا بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَجَاءَ مَعْنَاهُ مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ لِأَنَّ طَرِيقَ خَيْبَرَ وَطَرِيقَ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَاحِدٌ . ( وَوَكَلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ ) أَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِتَخْفِيفِ الْكَافِ يُقَالُ : وَكَلَهُ مِنْ بَابِ وَعَدَ بِكَذَا إِذَا اسْتَكَفَاهُ إِيَّاهُ وَصَرَفَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ ، وَبِتَشْدِيدِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ( سُورَةُ السَّجْدَةِ : الْآيَةُ 11 ) . ( فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا ) نَامَ وَنَامُوا قَبْلَهُ وَاسْتَمَرُّوا رَاقِدِينَ ( حَتَّى اسْتَيْقَظُوا ) انْتَبَهُوا مِنْ نَوْمِهِمْ . ( وَ ) الْحَالُ أَنَّهُ ( قَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا ) أَسَفًا عَلَى فَوَاتِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا خَوْفًا مِنْ عَدُوٍّ كَمَا زُعِمَ . ( فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَبُوا ) فَقَالَ : ارْتَحِلُوا ، وَفِي رِوَايَةٍ : اقْتَادُوا . ( حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ) وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ . قَالَ ابْنُ رَشِيقٍ : قَدْ عَلَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ، قَالَ عِيَاضٌ : هَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي تَعْلِيلِهِ ، وَقِيلَ : لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ : تَحَرُّزًا مِنَ الْعَدُوِّ ، وَقِيلَ : لِيَسْتَيْقِظَ النَّائِمُ وَيَنْشَطَ الْكَسْلَانُ ، وَقِيلَ : لِكَوْنِ الْوَقْتِ وَقْتَ كَرَاهَةٍ ، وَرُدَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ : حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ . وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : حَتَّى وَجَدُوا حَرَّ الشَّمْسِ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ : حَتَّى كَانَتِ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ : أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ : مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ فِي حَضَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَلْيَخْرُجْ عَنْهُ ، وَقِيلَ : هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ . وَقَالَ غَيْرُهُمَا : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ فِي مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ ، وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ فِي سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( سُورَةُ طه : الْآيَةُ 14 ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَدِيثَ مَدَنِيٌّ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ ؟ ( فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ) فَسَارُوا غَيْرَ بَعِيدٍ . ( ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا ) وَفِي مُسْلِمٍ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ : ثُمَّ تَوَضَّأَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَوَضَّأَ النَّاسُ . ( وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ ) يُؤَذِّنَ ( بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ ) بِالشَّكِّ ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ) الصُّبْحَ ( ثُمَّ انْصَرَفَ ) الْتَفَتَ ( إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ ) أَيْ بَعْضَ ( فَزَعِهِمْ ) أَسَفًا عَلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ . ( فَقَالَ : ) مُؤْنِسًا لَهُمْ بِأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ ، كَمَا آنَسَهُمْ قَبْلَ الِارْتِحَالِ لَمَّا شَكُوا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ فَقَالَ : لَا ضَيْرا ولَا يَضِيرُ . وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ : لَا يَسُوءُ وَلَا يَضِيرُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَرَكِبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكِبْنَا مَعَهُ فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ : مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ؟ فَقَالَ : أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ : ثُمَّ رَدَّهَا إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ عَارِيَةٌ فِي أَجْسَادِ الْعِبَادِ يَقْبِضُهَا وَيُرْسِلُهَا إِذَا شَاءَ . ( وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ ) وَقْتٍ ( غَيْرِ هَذَا ) قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : فِي كُلِّ جَسَدٍ رُوحَانِ : رُوحُ الْيَقَظَةِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ كَانَ الْإِنْسَانُ مُسْتَيْقِظًا فَإِذَا نَامَ خَرَجَتْ مِنْهُ وَرَأَتِ الرُّوحُ الْمَنَامَاتِ ، وَرُوحُ الْحَيَاةِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ حَيٌّ فَإِذَا فَارَقَتْهُ مَاتَ فَإِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ حَيِيَ ، وَهَاتَانِ الرُّوحَانِ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ لَا يَعْلَمُ مَقَرَّهُمَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَهْمًا كَجَنِينَيْنِ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَالَ : وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ فِي الْقَلْبِ ، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُودِ رُوحَيِ الْحَيَاةِ وَالْيَقَظَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ ( سُورَةُ الزُّمَرِ : الْآيَةُ 42 ) تَقْدِيرُهُ : وَيَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ أَجْسَادُهَا فِي مَنَامِهَا ، فَيُمْسِكُ الْأَنْفُسَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ عِنْدَهُ وَلَا يُرْسِلُهَا إِلَى أَجْسَادِهَا وَيُرْسِلُ الْأَنْفُسَ الْأُخْرَى وَهِيَ أَنْفُسُ الْيَقَظَةِ إِلَى أَجْسَادِهَا إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلٍ مُسَمًّى وَهُوَ أَجَلُ الْمَوْتِ ، فَحِينَئِذٍ يَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْحَيَاةِ وَأَرْوَاحَ الْيَقَظَةِ جَمِيعًا مِنَ الْأَجْسَادِ . ( فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ ) قَامَ ( إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ لَا تَنَامُوا عَنْهَا لَمْ تَنَامُوا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ فَهَكَذَا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا : مَا يَسُرُّنِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَعْنِي الرُّخْصَةَ ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ( ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ خَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِإِجْمَاعٍ وَالْمُقَدَّمِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ بِلَا دِفَاعٍ ، مَنَاقِبُهُ جَمَّةٌ ( فَقَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ) نَفْلًا بِالسَّحَرِ ( فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّيهِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِلَا هَمْزٍ وَأَصْلُهَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الْهَمْزُ ، وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ : هُوَ بِالْهَمْزِ أَيْ يُسْكِّنُهُ وَيُنَوِّمُهُ مِنْ هَدَّأْتُ الصَّبِيَّ إِذَا وَضَعْتَ يَدَكَ عَلَيْهِ لِيَنَامَ ، وَرَوَاهُ الْمُهَلَّبُ بِلَا هَمْزٍ عَلَى التَّسْهِيلِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : يَهْدِنُهُ بِالنُّونِ ، وَرُوِيَ : يُهَدْهِدُهُ مِنْ هَدْهَدَتِ الْأُمُّ وَلَدَهَا لِيَنَامَ أَيْ حَرَّكَتْهُ . ( كَمَا يُهَدَّى الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ ) بِلَالٌ ( ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ ) ، وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِبِلَالٍ وَاعْتِذَارٌ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ . ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ) لِمَا شَاهَدَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ وَهِيَ إِخْبَارُهُ بِمَا صَنَعَ الشَّيْطَانُ بِبِلَالٍ .
29 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . 29 29 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ الْقُرَشِيِّ ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ، يُكَنَّى بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَابْنِ جَعْفَرٍ ، وَلَقِيَ ابْنَ عُمَرَ ، وَأَبَا أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ وَعَنْ خَلْقٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ مِمَّنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَانَ يَغْضَبُ مِمَّنْ يُلَقِّبُهُ بِأَبِي الزِّنَادِ . وَقَالَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ : رَأَيْتُ أَبَا الزِّنَادِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَمَعَهُ مِنَ الْأَتْبَاعِ مِثْلُ مَا مَعَ السُّلْطَانِ ، فَمِنْ سَائِلٍ عَنْ فَرِيضَةٍ وَعَنِ الْحِسَابِ وَعَنِ الشِّعْرِ وَعَنِ الْحَدِيثِ وَعَنْ مُعْضِلَةٍ . وَقَالَ اللَّيْثُ : رَأَيْتُ أَبَا الزِّنَادِ وَخَلْفَهُ ثَلَاثُمِائَةِ تَابِعٍ مِنْ طَالِبِ فِقْهٍ وَعِلْمٍ وَشِعْرٍ وَصُنُوفِ الْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا . ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِنَ الْأَسَانِيدِ الْمَوْصُوفَةِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ ) قَالَ فِي الْقَبَسِ : لَيْسَ لِلْإِبْرَادِ فِي الشَّرِيعَةِ تَحْدِيدٌ إِلَّا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ قَالَ : وَذَلِكَ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ ، فَلَعَلَّ الْإِبْرَادَ كَانَ رَيْثَمَا يَكُونُ لِلْجِدَارِ ظِلٌّ يَأْوِي إِلَيْهِ الْمُجْتَازُ . انْتَهَى . وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : أَمْرُ إِرْشَادٍ ، وَقِيلَ : لِلْوُجُوبِ . حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ غَفْلَةً وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَالتَّعْجِيلُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ لَكِنْ خَصَّهُ أَيْضًا بِالْبَلَدِ الْحَارِّ ، وَقَيَّدَ الْجَمَاعَةَ بِمَا إِذَا كَانُوا يَنْتَابُونَ مَسْجِدًا مِنْ بُعْدٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ كَانَ الْمُنْتَابُونَ فِي كُنٍّ فَالْأَفْضَلُ لَهُمُ التَّعْجِيلُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا قَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْكُوفِيِّينَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الظُّهْرِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، وَقَالُوا : مَعْنَى أَبْرِدُوا صَلُّوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَخْذًا مِنْ بَرْدِ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُهُ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) فَإِنَّ التَّعْجِيلَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّأْخِيرُ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبْرِدْ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ خَبَّابٍ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا . وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مَشَقَّةً فَيَكُونُ أَفْضَلَ . وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ وَهُوَ زَوَالُ حَرِّ الرَّمْضَاءِ ، وَذَلِكَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ثُمَّ قَالَ لَنَا : أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ وَالتَّعْجِيلَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَمْرُ إِرْشَادٍ ، وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : الْإِبْرَادُ أَفْضَلُ ، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مَنْعُ التَّأْخِيرِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِ خَبَّابٍ فَلَمْ يُشْكِنَا لَمْ يُحْوِجْنَا إِلَى شَكْوَى بَلْ أَذِنَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ ، حُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةً رَوَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَمْ يُشْكِنَا وَقَالَ : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا ، وَأَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ : الْأَوَّلُ . وَالْجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَوْ مُطْلَقَةٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ خَاصٌّ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَالَ : التَّعْجِيلُ أَكْثَرُ مَشَقَّةً فَيَكُونُ أَفْضَلَ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْمشِقِّ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَخَفُّ أَفْضَلَ ، كَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ .
7 - بَاب النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْهَاجِرَةِ 27 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ . 7 - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بِالْهَاجِرَةِ وَهِيَ نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَفْهُومِ أَحَادِيثِ الْبَابِ . 27 27 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ) هَذَا مُرْسَلٌ يُقَوِّيهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّصِلَةُ الَّتِي رَوَاهَا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَقَوْلُ الْبَوْنِيِّ : قَدَّمَ الْمُرْسَلَ عَلَى الْحَدِيثِ بَعْدَهُ وَهُوَ مُسْنَدٌ لِأَنَّهُ يَرَاهُمَا سَوَاءً إِذْ لَا يَرْوى عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّاوِي إِذَا تَرَكَ ذِكْرَ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ اسْتَقَلَّ بِعِلْمِ حَالِهِ مَنْ ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ وَكَلَهُ إِلَى مَنْ نَقَلَهُ إِلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ حَكَاهُ فِي أَوَّلِ التَّمْهِيدِ . ( إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ( جَهَنَّمَ ) أَيْ مِنْ سَعَةِ انْتِشَارِهَا وَتَنَفُّسِهَا وَمِنْهُ مَكَانٌ أَفْيَحُ أَيْ مُتَّسِعٌ ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اسْتَعَارِهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَثَارَ وَهَجِ الْحَرِّ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَيْحِهَا حَقِيقَةً وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ فَاجْتَنِبُوا ضَرَرَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : كِلَا الْحَمْلَيْنِ ظَاهِرٌ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : اشْتَكَتْ إِلَخْ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَجَهَنَّمُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عِنْدَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ وَلَمْ يُصْرَفْ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا كَمَا فِي الْمُحْكَمِ . ( فَإِذَا اشْتَدَّ ) أَصْلُهُ اشْتَدَدَ بِوَزْنِ افْتَعَلَ مِنَ الشِّدَّةِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى الدَّالَيْنِ فِي الْأُخْرَى ( الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ أَخِّرُوا إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : أَبْرَدَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبَرْدِ ، وَأَظْهَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الظَّهِيرَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَكَانِ أَنْجَدَ وَأَتْهَمَ إِذَا دَخَلَ نَجْدًا وَتِهَامَةَ . ( عَنِ الصَّلَاةِ ) أَيْ بِالصَّلَاةِ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ ، وَعَنْ تَأْتِي بِمَعْنَى الْبَاءِ كَرَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ أَيْ بِهِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ ، قَالَ عِيَاضٌ : أَوْ زَائِدَةٌ أَيْ أَبْرِدُوا الصَّلَاةَ ، يُقَالُ : أَبْرَدَ الرَّجُلُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ فِي بَرْدِ النَّهَارِ وَاخْتَارَهُ فِي الْقَبَسِ ، أَوْ لِلْمُجَاوَزَةِ أَيْ تَجَاوَزُوا عَنْ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ إِلَى أَنْ تَنْكَسِرَ شِدَّةُ الْحَرِّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ تَأَخَّرُوا عَنِ الصَّلَاةِ مُبْرِدِينَ أَيْ دَاخِلِينَ فِي وَقْتِ الْإِبْرَادِ . ( وَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ) حَقِيقَةً بِلِسَانِ الْمَقَالِ ( فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا ) رَبُّهَا تَعَالَى ( بِنَفَسَيْنِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ تَثْنِيَةُ نَفَسٍ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ فِي الْجَوْفِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مِنَ الْهَوَاءِ ، فَشَبَّهَ الْخَارِجَ مِنْ حَرَارَتِهَا وَبَرْدِهَا إِلَى الدُّنْيَا بِالنَّفَسِ الْخَارِجِ مِنْ جَوْفِ الْحَيَوَانِ ، وَقِيلَ : شَكْوَاهَا مَجَازٌ بِلِسَانِ الْحَالِ ، أَوْ تَكَلَّمَ خَازِنُهَا أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَنَظَائِرُ ، وَالْأَرْجَحُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، أَنْطَقَهَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْحَيَاةِ بِجُزْءٍ مِنْهَا حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ يَخْلُقَ لَهَا كَلَامًا يَسْمَعُهُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا إِحَالَةَ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِأَمْرٍ جَائِزٍ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ الْحَقِيقَةُ ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِيهَا إِدْرَاكًا وَتَمْيِيزًا بِحَيْثُ تَكَلَّمَتْ ، وَقَالَ بِهَذَا نَحْوِهِ التُّورِبِشْتِيُّ ، وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ الْمَجَازَ فَقَالَ : شَكْوَاهَا مَجَازٌ عَنْ غَلَيَانِهَا ، وَأَكْلُ بَعْضِهَا بَعْضًا مَجَازٌ عَنِ ازْدِحَامِ أَجْزَائِهَا ، وَتَنَفُّسُهَا مَجَازٌ عَنْ خُرُوجِ مَا يَبْرُزُ مِنْهَا . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُخْتَارُ الْحَقِيقَةُ لِصَلَاحِيَةِ الْقُدْرَةِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْكَلَامِ لِلْحَالِ وَإِنْ عُهِدَتْ وَسُمِعَتْ ، لَكِنَّ الشَّكْوَى وَتَفْسِيرَهَا وَالتَّعْلِيلَ لَهُ وَالْإِذْنَ وَالْقَبُولَ وَالنَّفَسَ وَقَصْرَهُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطْ بَعِيدٌ مِنَ الْمَجَازِ خَارِجٌ عَمَّا أُلِفَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ . ( فِي كُلِّ عَامٍ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ) هُمَا بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الْبَيَانِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَحَدُهُمَا وَالنُّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي .
28 - وَحَدَّثَنَا مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ . 28 28 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَزَايٍ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ الْمَقْبُرِيِّ الْأَعْوَرِ ، ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ) بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ ابْنِ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ زَوْجِ أُمِّ سَلَمَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ ، وَأَشَارَ فِي الْإِصَابَةِ إِلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ . ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ . ( وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ) بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ثَوْبٍ الْعَامِرِيِّ عَامِرِ قُرَيْشٍ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِخِلَافِ حَدِيثِ : الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأبْرُدُوهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ بِوَصْلِ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ بَرَدَ الْمَاءُ حَرَارَةَ جَوْفِي . ( عَنِ الصَّلَاةِ ) أَيْ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا الَّتِي يَشْتَدُّ الْحَرُّ غَالِبًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى عُمُومِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ يَعُمُّ فَقَالَ بِهِ أَشْهَبُ فِي الْعَصْرِ وَأَحْمَدُ فِي الْعِشَاءِ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا فِي الصُّبْحِ لِضِيقِ وَقْتِهِمَا . ( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) تَعْلِيلٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ ، وَحِكْمَتُهُ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّهَا تَسْلُبُ الْخُشُوعَ وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا الْعَذَابُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسْجَرُ فِيهَا جَهَنَّمُ ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَظِنَّةُ وُجُودِ الرَّحْمَةِ فَفِعْلُهَا مَظِنَّةُ طَرْدِ الْعَذَابِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إِذَا جَاءَ مِنَ الشَّارِعِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ ، وَاسْتَنْبَطَ لَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ مَعْنًى مُنَاسِبًا فَقَالَ : وَقْتُ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ لَا يَنْجَعُ فِيهِ الطَّلَبُ إِلَّا مِمَّنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهَا طَلَبًا وَدُعَاءً فَنَاسَبَ الْإِقْصَارُ حِينَئِذٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ اعْتَذَرَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ لِلْأُمَمِ بِأَنَّ اللَّهَ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ سِوَى نَبِيِّنَا فَلَمْ يَعْتَذِرْ بَلْ طَلَبَ لِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : سَجْرُ جَهَنَّمَ سَبَبُ فَيْحِهَا ، وَفَيْحُهَا سَبَبُ وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ سَلْبِ الْخُشُوعِ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ سَجْرَهَا مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَالْإِبْرَادُ مُخْتَصٌّ بِشِدَّةِ الْحَرِّ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ ، فَحِكْمَةُ الْإِبْرَادِ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ ، وَحِكْمَةُ التَّرْكِ وَقْتَ سَجْرِهَا لِكَوْنِهِ فِي وَقْتِ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَاسْتِدْرَاكُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنِ الِاخْتِصَاصِ ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ نَدْبِ الْإِبْرَادِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ فَلَا اسْتِدْرَاكَ . ( وَذَكَرَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مُعَلَّقًا ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ ( أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا ) حَقِيقَةً بِلِسَانِ الْمَقَالِ كَمَا رَجَّحَهُ مِنْ فُحُولِ الرِّجَالِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَعِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَابْنُ الْمُنِيرِ ، وَالتُّورِبِشْتِيُّ ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ سِوَى مَا يَخْطُرُ لِلْوَاهِمِ مِنَ الْخَيَالِ . ( فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ ) تَثْنِيَةُ نَفَسٍ بِالْفَتْحِ ( نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ) الرِّوَايَةُ بِجَرِّ نَفَسٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِذْ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ أَيْ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَتِ النَّارُ : رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسُ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ وَزَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّهَا إِذَا تَنَفَّسَتْ فِي الصَّيْفِ قَوَّى لَهَبُ تَنَفُّسِهَا حَرَّ الشَّمْسِ ، وَإِذَا تَنَفَّسَتْ فِي الشِّتَاءِ دَفَعَ حَرُّهَا شِدَّةَ الْبَرْدِ إِلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَسَهَا فِي الشِّتَاءِ غَيْرُ الشِّتَاءِ وَنَفَسَهَا فِي الصَّيْفِ غَيْرُ الصَّيْفِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : إِنْ قِيلَ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ فِي النَّارِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ جَهَنَّمَ فِيهَا زَوَايَا فِيهَا نَارٌ وَزَوَايَا فِيهَا زَمْهَرِيرٌ وَلَيْسَتْ مَحَلًّا وَاحِدًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ . وَقَالَ مُغَلْطَايُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الَّذِي خَلَقَ الْمُلْكَ مِنْ ثَلْجٍ وَنَارٍ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِ الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ . وَأَيْضًا فَالنَّارُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ لَا تُقَاسُ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَهَنَّمَ مُطْبِقَةٌ مُحَاطٌ عَلَيْهَا بِجِسْمٍ يَكْتَنِفُهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّنْفِيسِ عَنْهَا إِعْلَامُ الْخَلْقِ بِأُنْمُوذَجٍ مِنْهَا . انْتَهَى . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ جَهَنَّمَ فِي قَرْنِ شَيْطَانٍ وَبَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَمَا تَرْتَفِعُ مِنْ قَصَبَةٍ إِلَّا فُتِحَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا كُلُّهَا . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنَفُّسَ يَقَعُ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَعَلَى أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ حَقِيقَةً . انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَهُ .
20 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ . 20 20 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ الْمَدَنِيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالْعِجْلِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ لَوْلَا أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْهُ لَتُرِكَ حَدِيثُهُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مُتَّهَمٌ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هُوَ عِنْدِي صَالِحُ الْحَدِيثِ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( قَالَ : أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ ) هُوَ عِكْرِمَةُ وَكَانَ مَالِكٌ يَكْتُمُ اسْمَهُ لِكَلَامِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِيهِ قَالَهُ فِي الِاسْتِذْكَارِ ، وَنُقِلَ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ مَالِكًا صَرَّحَ بِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ فِي الْحَجِّ وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَا رَوَى دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فَمُنْكَرٌ ، وَحَدِيثُهُ عَنْ شُيُوخِهِ مُسْتَقِيمٌ . ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ) الْحَبْرَ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ ذَا الْمَنَاقِبِ الْجَمَّةِ . ( كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ) ، وَهُوَ رُجُوعُ الظِّلِّ عَنِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَذَلِكَ مِنَ الزَّوَالِ وَمُنْتَهَاهُ الْغُرُوبُ . ( وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ ) ، وَهَذِهِ الْآيَةُ إِحْدَى الْآيَاتِ الَّتِي جَمَعَتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، فَدُلُوكُ الشَّمْسِ إِشَارَةٌ لِلظُّهْرَيْنِ ، وَغَسَقُ اللَّيْلِ الْعِشَاءَيْنِ ، وَقُرْآنُ الْفَجْرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ .
4 - بَاب مَا جَاءَ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ 19 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا . 4 - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 78 ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ : أَصْلُ التَّرْكِيبِ لِلِانْتِقَالِ وَمِنْهُ الدَّلْكُ ، فَإِنَّ الدَّالِكَ لَا تَسْتَقِرُّ يَدُهُ . وَقِيلَ : الدُّلُوكُ مِنَ الدَّلْكِ ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ لِدَفْعِ شُعَاعِهَا ، وَاللَّامُ لِلتَّأْقِيتِ ، مِثْلُهَا فِي لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ . 19 19 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ) مَوْلَاهُ ( عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا ) وَقْتَ الزَّوَالِ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي بَرْزَةَ وَعَنْ خَلْقٍ مِنَ التَّابِعِينَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عَلِيٍّ دُلُوكُهَا غُرُوبُهَا ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنْ نَافِعًا وَإِنْ وَقَفَهُ فَقَدْ رَوَاهُ سَالِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ ، وَبِأَنَّهُ يَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ .
5 - بَاب مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ شَيْئًا وَلَا مَعَ وَلَدِ الْابْنِ الذَّكَرِ شَيْئًا وَلَا مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا ، وَهُمْ يَرِثُونَ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْأَبْنَاءِ مَا لَمْ يَتْرُكْ الْمُتَوَفَّى جَدًّا أَبَا أَبٍ مَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ يَكُونُونَ فِيهِ عَصَبَةً يُبْدَأُ بِمَنْ كَانَ لَهُ أَصْلُ فَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَانَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْمُتَوَفَّى أَبًا وَلَا جَدًّا أَبَا أَبٍ وَلَا وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ؛ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فُرِضَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ ذَكَرٌ فَلَا فَرِيضَةَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَخَوَاتِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُبْدَأُ بِمَنْ شَرِكَهُمْ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَاشْتَرَكُوا فِيهَا مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ ، وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ هِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا فَكَانَ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ وَلِأُمِّهَا السُّدُسُ وَلِإِخْوَتِهَا لِأُمِّهَا الثُّلُثُ فَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَيَشْتَرِكُ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ فَيَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأُمِّهِ ، وَإِنَّمَا وَرِثُوا بِالْأُمِّ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [ النساء : 12 ] فَلِذَلِكَ شُرِّكُوا فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأُمِّهِ . 5 - بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) أَيِ الْأَشِقَّاءَ ( لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ شَيْئًا وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ الذَّكَرِ شَيْئًا وَلَا مَعَ الْأَبِ دِنْيَا ) بِكَسْرِ الدَّالِّ وَإِسْكَانِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ أَيْ قُرْبًا ، احْتِرَازًا مِنَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ ( شَيْئًا وَهُمْ يَرِثُونَ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْأَبْنَاءِ مَا لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى جَدًّا أَبَا أَبٍ مَا فَضَلَ مِنَ الْمَالِ ) مَفْعُولُ يَرِثُونَ ( يَكُونُونَ فِيهِ عَصَبَةً يُبْدَأُ بِمَنْ كَانَ لَهُ أَصْلُ فَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ ) زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرِيضَةِ ( كَانَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) أَيِ الْأَشِقَّاءِ ( يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ) لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يُسْقَطُونَ بِاسْتِغْرَاقِ ذَوِي الْفُرُوضِ السِّهَامَ ( قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى أَبًا وَلَا جَدًّا أَبَا أَبٍ وَلَا ابْنًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ فُرِضَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ ذَكَرٌ فَلَا فَرِيضَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُبْدَأُ بِمَنْ شَرِكَهُمْ ) فِي الْمِيرَاثِ ( بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ فَمَا فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ) أَيِ الْأَشِقَّاءِ ( فِيهَا شَيْءٌ ) لِاسْتِغْرَاقِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ لِلسِّهَامِ ( فَاشْتَرَكُوا مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِيهَا ) لِأَنَّ الْأُمَّ تَجْمَعُهُمْ ( وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ ) الْمُلَقَّبَةُ بِالْحِمَارِيَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( هِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأَبِيهَا وَأُمَّهَا فَكَانَ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ ) إِذْ لَا وَلَدَ يَحْجُبُهُ عَنْهُ ( وَلِأُمِّهَا السُّدُسُ وَلِإِخْوَتِهَا لِأُمِّهَا الثُّلُثُ فَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ ) لِلْأَشِقَّاءِ فَيَشْتَرِكُ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي ثُلُثِهِمْ فَيَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِخْوَةَ الشَّخْصِ ( الْمُتَوَفَّى ) وَهُوَ الْمَرْأَةُ ( لِأُمِّهِ وَإِنَّمَا وَرِثُوا بِالْأُمِّ ) فَمَا زَادَهُمُ الْأَبُ إِلَّا قُرْبًا ( وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ صِفَةٌ وَالْخَبَرُ كَلالَةً أَيْ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ أَوِ امْرَأَةٌ تُورَثُ كَلَالَةً وَلَهُ أَيْ لِلْمَوْرُوثِ كَلَالَةً أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أَيْ مِنْ أُمٍّ ، وَقَرَأَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ وَاحِدٍ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ( فَلِذَلِكَ شُرِّكُوا ) أَيِ الْأَشِقَّاءُ ( فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ ) مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ( لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى لِأُمِّهِ ) فَلِذَا اشْتَرَكُوا فِي الثُّلُثِ .
14 - بَاب مَنْ جُهِلَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ 1086 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ ، وَيَوْمَ صِفِّينَ ، وَيَوْمَ الْحَرَّةِ ، ثُمَّ كَانَ يَوْمَ قُدَيْدٍ فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدٌ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا إِلَّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مُتَوَارِثَيْنِ هَلَكَا بِغَرَقٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْتِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ؛ لَمْ يَرِثْ أَحَدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا ، وَكَانَ مِيرَاثُهُمَا لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَتِهِمَا يَرِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَثَتُهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ أَحَدٌ أَحَدًا بِالشَّكِّ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ أَحَدًا إِلَّا بِالْيَقِينِ مِنْ الْعِلْمِ وَالشُّهَدَاءِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَهْلَكُ هُوَ وَمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَبُوهُ فَيَقُولُ بَنُو الرَّجُلِ الْعَرَبِيِّ : قَدْ وَرِثَهُ أَبُونَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَرِثُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا شَهَادَةٍ إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْأَخَوَانِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَمُوتَانِ وَلِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ وَالْآخَرُ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَهُمَا أَخٌ لِأَبِيهِمَا فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَمِيرَاثُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ لِأَخِيهِ لِأَبِيهِ وَلَيْسَ لِبَنِي أَخِيهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ تَهْلَكَ الْعَمَّةُ وَابْنُ أَخِيهَا أَوْ ابْنَةُ الْأَخِ وَعَمُّهَا فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ لَمْ يَرِثْ الْعَمُّ مِنْ ابْنَةِ أَخِيهِ شَيْئًا ، وَلَا يَرِثُ ابْنُ الْأَخِ مِنْ عَمَّتِهِ شَيْئًا . 14 - بَابُ مَنْ جُهِلَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ 1109 1086 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَثْ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ ) يَوْمَ الْخَمِيسِ عَاشِرَ جُمَادَى الْأُولَى ، وَقِيلَ : خَامِسَ عَشْرَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ، أُضِيفَ إِلَى الْجَمَلِ الَّذِي رَكِبَتْهُ عَائِشَةُ فِي مَسِيرِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْمُهُ عَسْكَرٌ ، اشْتَرَاهُ لَهَا يَعْلَى بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الصَّحَابِيُّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَخَرَجَتْ مَعَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، مِنْهُمْ أَلْفٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ، تَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَلَبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمُ انْضَمُّوا إِلَى عَسْكَرِ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ رِضًى مِنْهُ لَكِنَّهُ خَشِيَ الْفِتْنَةَ لِكَثْرَتِهِمْ وَتَغَلُّبِهِمْ ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمْ فَرَاسَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ دَعْوَى مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى الْعَصْرِ قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الْجَمَلِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ وَقِيلَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا ، وَمِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ نَحْوُ أَلْفٍ ، وَقُطِعَ عَلَى خِطَامِ الْجَمَلِ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ كَفًّا مُعْظَمُهُمْ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ ، كُلَّمَا قُطِعْتُ يَدُ رَجُلٍ أَخَذَ الْخِطَامَ آخَرُ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ قَائِلُهُمْ : نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ نُنَازِعُ الْمَوْتَ إِذَا الْمَوْتُ نَزَلْ وَالْمَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ الْعَسَلْ وَكَانُوا قَدْ أَلْبَسُوهُ الْأَدْرَاعَ إِلَى أَنْ عُقِرَ ، فَانْهَزَمُوا ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِحَمْلِ الْهَوْدَجِ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى ، فَاحْتَمَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الصِّدِّيقِ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَجَهَّزَ عَلِيٌّ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَ أَخَاهَا مُحَمَّدًا مَعَهَا وَشَيَّعَهَا عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ مِيالًا وَسَرَّحَ بَنِيهِ مَعَهَا يَوْمًا . ( وَيَوْمَ صِفِّينَ ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الشَّدِيدَةِ مَوْضِعٌ قُرْبَ الرَّقَّةِ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ كَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ الْعُظْمَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ غُرَّةَ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، فَمِنْ ثَمَّ احْتَرَزَ النَّاسُ السَّفَرَ فِي صَفَرٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانِ وَامْتَنَعَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مَعَ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ بِالدُّخُولِ فِي الطَّاعَةِ فَأَبَى فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا ، فِيهِمْ تِسْعُونَ بَدْرِيًّا وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ سَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فِي خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ بِصِفِّينَ وَدَامَتِ الْحَرْبُ مِائَةَ يَوْمٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ ، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سَبْعُونَ أَلْفًا وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِشْرُونَ أَلْفًا ، وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَآلَ الْأَمْرُ فِي مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى طَلَبِ التَّحْكِيمِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْحَرُورِيَّةُ فَقَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَبَايَعَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا عَلَى الْمَوْتِ ، وَخَرَجَ بِالْعَسَاكِرِ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . ( وَيَوْمَ الْحَرَّةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ عَسْكَرِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَاجِلٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ بِسَبَبِ خَلْعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ ، وَوَلَّوْا عَلَى قُرَيْشٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ وَعَلَى الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ وَأَخْرَجُوا عَامِلَ يَزِيدَ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، فَأَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ أَمِيرُ جَيْشِ يَزِيدَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَقْتُلُونَ وَيَأْخُذُونَ النَّهْبَ ، وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى قِيلَ حَمَلَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَلْفُ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ وَافْتُضَّ فِيهَا أَلْفُ عَذْرَاءَ ، وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ سَبْعَمِائَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ ، وَمِنَ الْمَوَالِي وَغَيْرِهِمْ مِنْ نِسَاءٍ وَصِبْيَانَ وَعَبِيدٍ عَشَرَةَ آلَافٍ ، وَقِيلَ : قُتِلَ مِنَ الْقُرَّاءِ سَبْعُمِائَةٍ ، ثُمَّ أَخَذَ عُقْبَةُ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ عَلَى أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ إِنْ شَاءَ عَتَقَ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ هَذِهِ الْوَقْعَةَ لَمْ تُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًا ، ثُمَّ سَارَ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِقُدَيْدٍ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ بِعَهْدِ يَزِيدَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَنَزَلَ مَكَّةَ وَحَاصَرَهَا وَرَمَى الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ فَجَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ يَزِيدَ فَرَحَلَ بِالْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ . ( ثُمَّ كَانَ يَوْمُ قُدَيْدٍ ) بِضَمِّ الْقَافِ مُصَغَّرٌ مَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ ( فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدٌ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا إِلَّا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ) إِذْ لَا إِرْثَ بِالشَّكِّ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) الْمَدِينَةِ ( وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ مُتَوَارِثَيْنِ هَلَكَا بِغَرَقٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْتِ ) كَهَدْمٍ ( إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ لَمْ يَرْثِ أَحَدٌ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا وَكَانَ مِيرَاثُهُمَا لِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَتِهِمَا يَرِثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَرَثَتُهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ ) الْمَوْجُودِينَ بَعْدَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي ) لَا يَصِحُّ ( أَنْ يَرِثَ أَحَدٌ أَحَدًا بِالشَّكِّ وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ أَحَدًا إِلَّا بِالْيَقِينِ مِنَ الْعِلْمِ وَالشُّهَدَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَهْلِكُ هُوَ وَمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَبُوهُ فَيَقُولُ بَنُو الرَّجُلِ الْعَرَبِيِّ ) أَيِ الَّذِي أَعْتَقَ ( قَدْ وَرِثَهُ أَبُونَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَرِثُوهُ ) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَنُكْتَتُهُ وَصْفُهُ بِقَوْلِهِ ( بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا شَهَادَةٍ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ ) بَلْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ ( وَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ ) أَيْ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ . ( وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْأَخَوَانِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَمُوتَانِ وَلِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ وَالْآخِرُ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَهُمَا أَخٌ لِأَبِيهِمَا فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ الْآخَرِ فَمِيرَاثُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ لِأَخِيهِ لِأَبِيهِ وَلَيْسَ لِبَنِي أَخِيهِ وَأُمِّهِ شَيْءٌ ) لِتَقْدِيمِ الْأَخِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ ( وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ تَهْلِكَ الْعَمَّةُ وَابْنُ أَخِيهَا أَوِ ابْنَةُ الْأَخِ وَعَمُّهَا فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ لَمْ يَرِثِ الْعَمُّ مِنِ ابْنَةِ أَخِيهِ شَيْئًا ) فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ( وَلَا يَرِثُ الْأَخُ مِنْ عَمَّتِهِ شَيْئًا ) فِي الثَّانِيَةِ .
12 - بَاب مَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْعَمَّ أَخَا الْأَبِ لِلْأُمِّ وَالْخَالَ وَالْجَدَّةَ أُمَّ أَبِي الْأُمِّ وَابْنَةَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَا يَرِثُونَ بِأَرْحَامِهِمْ شَيْئًا ، قَالَ : وَإِنَّهُ لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ هِيَ أَبْعَدُ نَسَبًا مِنْ الْمُتَوَفَّى مِمَّنْ سُمِّيَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِرَحِمِهَا شَيْئًا ، وَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ شَيْئًا إِلَّا حَيْثُ سُمِّينَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا وَمِيرَاثَ الْبَنَاتِ مِنْ أَبِيهِنَّ وَمِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ ، وَوَرِثَتْ الْجَدَّةُ بِالَّذِي جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْ هِيَ نَفْسُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [ الأحزاب : 5 ] . 12 - بَابُ مَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ) تَأْكِيدٌ لِسَابِقِهِ ( وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْعَمَّ أَخَا الْأَبِ لِلْأُمِّ وَالْخَالَ ، وَالْجَدَّةَ أُمَّ أَبِي الْأُمِّ وَابْنَةَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَا يَرِثُونَ بِأَرْحَامِهِمْ شَيْئًا ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرَهُمْ ، بَلْ يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ ( وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ امْرَأَةً هِيَ أَبْعَدُ نَسَبًا مِنَ الْمُتَوَفَّى مِمَّنْ سُمِّيَ فِي هَذَا الْكِتَابِ ) يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ ( بِرَحِمِهَا شَيْئًا وَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ شَيْئًا إِلَّا حَيْثُ سُمِّينَ ) فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ ( وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا ) السُّدُسَ أَوِ الثُّلُثَ ( وَمِيرَاثَ الْبَنَاتِ مِنْ أَبِيهِنَّ ) وَمِثْلُهُنَّ بَنَاتُ الِابْنِ ( وَمِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا ) الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ ( وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ) فِي قَوْلِهِ : وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 176 ] الْآيَةَ ( وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ ) فِي آيَةِ النساء : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] الْآيَةَ . فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسُ نِسْوَةٍ الْوَارِثَاتُ بِنَصِّ الْكِتَابِ بِإِدْخَالِ بَنَاتِ الِابْنِ فِي الْبَنَاتِ حَيْثُ لَا بَنَاتَ ( وَوَرِثَتِ الْجَدَّةُ بِالَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ) أَنَّهُ أَعْطَاهَا السُّدُسَ ( وَ ) السَّابِعَةُ ( الْمَرْأَةُ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْ هِيَ نَفْسُهَا ) بِالرَّفْعِ تَأْكِيدٌ ( لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَوَالِي الْأُنْثَى الْمُعْتِقَةُ .
15 - بَاب مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا 1087 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ، وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ . 15 - بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَى الْمُلَاعَنَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ اللِّعَانُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا . 1087 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَى : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا ) بالنصب بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ وَرِثَتْهُ ( فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) السُّدُسَ أَوِ الثُّلُثَ ( وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ) السُّدُسَ لِلْوَاحِدِ وَالثُّلُثَ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ( وَتَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً ) أَيْ مُعْتَقَةً ( وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً ) أَيْ حُرَّةً أَصْلِيَّةً ( وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ ) أَيْ بَيْتِ الْمَالِ .
1088 - قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 1088 - ( قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا وَعِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ وَائِلَةَ رَفَعَهُ : تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ : عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ فِيهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَمُوَحَّدَةٍ ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَيَأْتِي فِي اللِّعَانِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ الْآتِي فِي اللِّعَانِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
11 - بَاب مِيرَاثِ وِلَايَةِ الْعَصَبَةِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا فِي وِلَايَةِ الْعَصَبَةِ أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْأَخِ لِلْأَبِ ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ ، وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ ، وَالْأُمِّ وَبَنُو ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ ، وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ ، وَالْأُمِّ وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ أَخِي أَبِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ شَيْءٍ سُئِلْتَ عَنْهُ مِنْ مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُ عَلَى نَحْوِ هَذَا انْسُبْ الْمُتَوَفَّى ، وَمَنْ يُنَازِعُ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ فَإِنْ وَجَدْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَلْقَى الْمُتَوَفَّى إِلَى أَبٍ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبٍ دُونَهُ ؛ فَاجْعَلْ مِيرَاثَهُ لِلَّذِي يَلْقَاهُ إِلَى الْأَبِ الْأَدْنَى دُونَ مَنْ يَلْقَاهُ إِلَى فَوْقِ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَجَدْتَهُمْ كُلَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا فَانْظُرْ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ فَقَطْ فَاجْعَلْ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ الْأَطْرَافِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ وَأُمٍّ وَإِنْ وَجَدْتَهُمْ مُسْتَوِينَ يَنْتَسِبُونَ مِنْ عَدَدِ الْآبَاءِ إِلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَلْقَوْا نَسَبَ الْمُتَوَفَّى جَمِيعًا وَكَانُوا كُلُّهُمْ جَمِيعًا بَنِي أَبٍ أَوْ بَنِي أَبٍ وَأُمٍّ ، فَاجْعَلْ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ سَوَاءً وَإِنْ كَانَ وَالِدُ بَعْضِهِمْ أَخَا وَالِدِ الْمُتَوَفَّى لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَبِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ فَقَطْ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لِبَنِي أَخِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنفال : 75 ] . قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَأَوْلَى مِنْ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِالْمِيرَاثِ ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 11 - بَابُ مِيرَاثِ وِلَايَةِ الْعَصَبَةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْأَخِ لِلْأَبِ ) لِأَنَّهُ يُدْلِي بِجِهَتَيْنِ ( وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْمَيِّتِ ( وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ ) لِإِدْلَائِهِمَا بِجِهَتَيْنِ مَعَ اسْتِوَاءِ الدَّرَجَةِ . ( وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ ( وَبَنُو ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) لِقُرْبِهِمْ ( وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) لِإِدْلَائِهِ بِالْجِهَتَيْنِ . ( وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ ( وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ أَخِي أَبِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ) أَيِ الشَّقِيقِ الْقُرْبِ الْأَوَّلِ ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ تَقْدِيمَ الشَّقِيقِ إِنَّمَا هُوَ مَعَ التَّسَاوِي ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي لِلْأَبِ أَقْرَبُ قُدِّمَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ حَيْثُ ( قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ شَيْءٍ سُئِلْتَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ لِلْخِطَابِ ( عَنْهُ مِنْ مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُ عَلَى نَحْوِ هَذَا ) أَيْ مِثْلُهُ ( انْسُبِ الْمُتَوَفَّى وَمَنْ يُنَازِعُ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ ، فَإِنْ وَجَدْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَلْقَى الْمُتَوَفَّى إِلَى أَبٍ لَا يَبقَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبٍ دُونَهُ فَاجْعَلْ مِيرَاثَهُ لِلَّذِي يَلْقَاهُ إِلَى الْأَبِ الْأَدْنَى دُونَ مَنْ يَلْقَاهُ إِلَى فَوْقِ ذَلِكَ ) وَأَفَادَ بِهَذَا أَيْضًا أَنَّ أَوْلَى فِي كَلَامِهِ كُلَّهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ غَيْرِهِ لَا الْمُشَارَكَةُ ( فَإِنْ وَجَدْتَهُمْ كُلَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا فَانْظُرْ أَقْعَدَهُمْ ) أَقْرَبَهُمْ ( فِي النَّسَبِ فَإِنْ كَانَ ) الْأَقْعَدُ ( ابْنَ أَبٍ فَقَطْ فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ الْأَطْرَافِ ) أَيِ الْأَبْعَدِ ( وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ وَأُمٍّ ) مُبَالَغَةٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأَبْعَدِ الشَّقِيقِ مَعَ الْأَقْرَبِ الَّذِي لِأَبٍ ( فَإِنْ وَجَدْتَهُمْ مُسْتَوِينَ يَنْتَسِبُونَ مِنَ الْآبَاءِ إِلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَلْقَوْا نَسَبَ الْمُتَوَفَّى جَمِيعًا وَكَانُوا كُلُّهُمْ جَمِيعًا بَنِي أَبٍ أَوْ بَنِي أَبٍ وَأُمٍّ ) مَعًا ( فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ سَوَاءً وَإِنْ كَانَ وَالِدُ بَعْضِهِمْ أَخَا وَالِدِ الْمُتَوَفَّى لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَبِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ فَقَطْ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لِبَنِي أَخِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ) لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْجِهَتَيْنِ ( دُونَ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ ) لِإِدْلَائِهِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ ( وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ ذَوُوا الْقُرَابَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَمِنْهُ حِكْمَةُ الْمِيرَاثِ ، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي أَنَّهُمْ أَوْلَى فِي الْإِرْثِ مِنَ التَّوَارُثِ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لَكِنَّ الْإِمَامَ اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ لَفْظِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَأَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِالْمِيرَاثِ ) فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فَيَمْنَعُهُمُ الْمِيرَاثَ ( وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي ) فَيُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 27 - كِتَاب الْفَرَائِضِ 1 - بَاب مِيرَاثِ الصُّلْبِ - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ : أَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِمْ أَوْ وَالِدَتِهِمْ ؛ أَنَّهُ إِذَا تُوُفِّيَ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ وَتَرَكَا وَلَدًا رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ فَإِنْ شَرِكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ بُدِئَ بِفَرِيضَةِ مَنْ شَرِكَهُمْ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ وَمَنْزِلَةُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ كَمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ سَوَاءٌ ذُكُورُهُمْ كَذُكُورِهِمْ وَإِنَاثُهُمْ كَإِنَاثِهِمْ ، يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ وَيَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ ، فَإِنْ اجْتَمَعَ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ وَوَلَدُ الْابْنِ وَكَانَ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الْابْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ وَكَانَتَا ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ ؛ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِبَنَاتِ الْابْنِ مَعَهُنَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَنَاتِ الْابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنْ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ أَوْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُنَّ ؛ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ فَضْلًا إِنْ فَضَلَ فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنِهِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ السُّدُسُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الْابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنْ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ فَلَا فَرِيضَةَ وَلَا سُدُسَ لَهُنَّ ، وَلَكِنْ إِنْ فَضَلَ بَعْدَ فَرَائِضِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَضْلٌ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ لِذَلِكَ الذَّكَرِ وَلِمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُمْ شَيْءٌ ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ قَالَ مَالِكٌ : الْأَطْرَفُ هُوَ الْأَبْعَدُ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 27 - كِتَابُ أَيْ مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ ، جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ أَيْ مُقَدَّرَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ ، فَغَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا ، وَالْفَرْضُ لُغَةً التَّقْدِيرُ ، وَشَرْعًا نَصِيبُ مَا قُدِّرَ لِلْوَارِثِ ، ثُمَّ قِيلَ لِلْعِلْمِ بِمَسَائِلِ الْمِيرَاثِ عِلْمُ الْفَرَائِضِ وَالْعَالَمِ بِهِ فَرَضِيٌّ ، وَفِي الْحَدِيثِ : أَفَرْضُكُمْ زَيْدٌ أَيْ أَعْلَمُكُمْ بِهَذَا النَّوْعِ . 1 - بَابُ مِيرَاثِ الصُّلْبِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ أَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِمْ أَوْ وَالِدَتِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تُوُفِّيَ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ وَتَرَكَا وَلَدًا رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) فَفَضْلُهُ وَاخْتِصَاصُهُ بِلُزُومِ مَا لَا يَلْزَمُ الْأُنْثَى مِنَ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ أَيْ لِلذِّكْرِ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ أَوْلَادِكُمْ ، فَحَذَفَ الرَّاجِعَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ كَقَوْلِهِمْ : السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ . وَبَدَأَ يَذْكُرُ مِيرَاثَ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْإِنْسَانِ بِوَلَدِهِ أَشَدُّ التَّعَلُّقَاتِ ، وَبَدَأَ بِحَظِّ الذَّكَرِ ، وَلَمْ يَقُلْ : لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ ، أَوِ الْأُنْثَى نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ لِفَضْلِهِ كَمَا ضُوعِفَ حَظُّهُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ وَهُوَ السَّبَبُ لِوُرُودِ الْآيَةِ ، فَقِيلَ : كَفَى لِلذُّكُورِ أَنْ ضُوعِفَ لَهُمْ نَصِيبُ الْإِنَاثِ فَلَا يُتَمَادَى فِي حَظِّهِمْ حَتَّى يُحْرَمُوا مَعَ إِدْلَائِهِنَّ مِنَ الْقَرَابَةِ بِمِثْلِ مَا يُدْلُونَ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ حَالُ الِاجْتِمَاعِ ، أَيْ إِذَا اجْتَمَعَ ذَكَرٌ وَأُنْثَيَانِ كَانَ لَهُ سَهْمَانِ كَمَا أَنَّ لَهُمَا سَهْمَيْنِ ، وَأَمَّا فِي حَالِ الِانْفِرَادِ فَالِابْنُ يَأْخُذُ الْمَالَ كُلَّهُ وَالْأُنْثَيَانِ يَأْخُذَانِ الثُّلُثَيْنِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ حُكْمَ الِانْفِرَادِ بِقَوْلِهِ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً خُلَّصًا بِمَعْنَى بَنَاتٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خَبَرٌ ثَانٍ لِـ كُنَّ أَوْ صِفَةٌ لِنِسَاءٍ ، أَيْ نِسَاءً زَائِدَاتٍ عَلَى اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ ، وَكَذَا الِاثْنَتَانِ لِأَنَّهُ لِلْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 176 ] فَالْبِنْتَانِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مَعَ الذَّكَرِ فمع الأنثى أَوْلَى ، وَفَوْقَ : قِيلِ صِلَةٌ ، وَقِيلَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ زِيَادَةِ النَّصِيبِ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ لَمَّا فُهِمَ اسْتِحْقَاقُ الثِّنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ جَعْلِ الثُّلُثِ لِلْوَاحِدَةِ مَعَ الذَّكَرِ . وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً مُنْفَرِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ إِذَا انْفَرَدَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مِثْلَ حَظِّهِمَا ، وَقَدْ جَعَلَ لِلْأُنْثَى النِّصْفَ إِذَا انْفَرَدَتْ فَلِلذَّكَرِ الْمُنْفَرِدِ ضِعْفُ النِّصْفِ وَهُوَ الْكُلُّ . ( فَإِنْ شَرِكَهُمْ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ الْخَفِيفَةِ الْمَكْسُورَةِ ( أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] وَكَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ ( وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ بُدِئَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ( بِفَرِيضَةِ مَنْ شَرِكَهُمْ ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ ) لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ( وَمَنْزِلَةُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ كَمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ سَوَاءٌ ذُكُورُهُمْ كَذُكُورِهِمْ وَإِنَاثُهُمْ كَإِنَاثِهِمْ ، يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ وَيَحْجُبُونَ ) مَنْ دُونَهُمْ فِي الطَّبَقَةِ ( كَمَا يَحْجُبُونَ ) أَيِ الْأَوْلَادُ مَنْ دُونَهُمْ ، وَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ : ( فَإِنِ اجْتَمَعَ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ وَوَلَدُ الِابْنِ ، وَكَانَ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ ، فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الِابْنِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوْلَى مِنَ الْوَلْيِ بِسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْقُرْبُ أَيْ لِأَقْرَبِ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ ذَكَرًا . ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ وَكَانَتِ ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِبَنَاتِ الِابْنِ مَعَهُنَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ ) في القرب مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ هُوَ ( أَطْرَفُ ) بِالطَّاءِ وَالرَّاءِ وَالْفَاءِ : أَبْعَدُ ( مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ فَضْلًا ) مَفْعُولُ يَرُدُّ ( إِنْ فَضَلَ ) كَبَنَاتٍ وَزَوْجَةٍ ( فَيَقْسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) أَيْ نَصِيبُهُمَا ( وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ) كَبَنَاتٍ وَأَبَوَيْنِ ( فَلَا شَيْءَ ) لَهُمْ لِاسْتِغْرَاقِ الْفُرُوضِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ ( وَلِابْنَةِ ابْنِهِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ مِمَّنْ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ السُّدُسُ ) تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ : سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ ، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ : قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ ، فَأُخْبِرَ أَبُو مُوسَى بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَفِي جَوَابِ أَبِي مُوسَى إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا قَالَهُ أَوَّلًا بِاجْتِهَادِهِ . ( فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ فَلَا فَرِيضَةَ وَلَا سُدُسَ وَلَكِنْ إِنْ فَضَلَ بَعْدَ فَرَائِضِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَضْلٌ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ لِذَلِكَ الذَّكَرِ وَلِمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ ) مِنَ الْمُتَوَفَّى ( وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَطْرَفُ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ) مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ ( فَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَذَلِكَ ) أَيْ دَلِيلُهُ كُلُّهُ ( أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : يُوصِيكُمْ ) يَأْمُرُكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ بِمَا ذَكَرَ ( لِلذَّكَرِ ) مِنْهُمْ ( مِثْلُ حَظِّ ) نَصِيبِ ( الْأُنْثَيَيْنِ ) إِذَا اجْتَمَعَتَا مَعَهُ فَلَهُ نِصْفُ الْمَالِ وَلَهُمَا النِّصْفُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَاحِدَةٌ فَلَهَا الثُّلُثُ وَلَهُ الثُّلُثَانِ ، وَإِذَا انْفَرَدَ حَازَ الْمَالَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ الِابْنِ فِي لَفْظِ أَوْلَادٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِرْثِهِمْ دُونَ أَوْلَادِ الْبِنْتِ . ( فَإِنْ كُنَّ ) أَيِ الْأَوْلَادُ ( نِسَاءً ) فَقَطْ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ فَلَهَا النِّصْفُ وَلَا ذِكْرَ لِلْبِنْتَيْنِ فِي الْآيَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَهُمَا النِّصْفُ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ فِي إِعْطَاءِ الْبَنَاتِ الثُّلُثَيْنِ إنْ يَكُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَهُمَا الثُّلُثَانِ فَقِيلَ بِالسُّنَّةِ وَقِيلَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْهُمْ سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ الْبَنَاتُ ، وَقِيلَ عَلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ النِّصْفَ وَلِلثِّنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كَمَا فِي آخِرِ السُّورَةِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : بَلْ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْبِنْتِ مَعَ الذَّكَرِ الثُّلُثَ فَمَعَ الْأُنْثَى آكَدُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِ وَاحْتِيجَ إِلَى ذِكْرِ مَا فَوْقَ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا كَقَوْلِهِمْ : رَاكِبُ النَّاقَةِ طَلِيحَانِ ، أَيِ النَّاقَةُ وَرَاكِبُهَا . قَالَ ابْنُ الْغرْسِ : وَفِي الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالرَّدِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْوَاحِدَةِ النِّصْفَ وَلِمَا فَوْقَ الثُّلُثَيْنِ فَلَمْ تَجُزِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَعْقِلُ شَيْئًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ : مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي ؟ فَنَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أُحُدٍ ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا ، وَلَا يُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ، فَقَالَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ : اعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا ظَاهِرٌ فِي تَقَدُّمِ نُزُولِهَا ، وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بِنْتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ أَوَّلِهَا فِي قِصَّةِ الْبِنْتَيْنِ وَآخِرِهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً فِي قِصَّةِ جَابِرٍ ، وَيَكُونُ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] أَيْ ذِكْرُ الْكَلَالَةِ الْمُتَّصِلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، انْتَهَى . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَطْرَفُ هُوَ الْأَبْعَدُ . )
1080 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ . 1103 1080 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ) نَسَبَهُ لِجَدِّهِ لِشُهْرَتِهِ ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ ) أَيْ يَرِثُهَا أَبْنَاءُ أَخِيهَا ( وَلَا تَرِثُ ) مِنْهُمْ شَيْئًا .
10 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَمَّةِ 1079 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ كَانَ قَدِيمًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ مِرْسَى ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ قَالَ : يَا يَرْفَا هَلُمَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ لِكِتَابٍ كَتَبَهُ فِي شَأْنِ الْعَمَّةِ فَنَسْأَلَ عَنْهَا وَنَسْتَخْبِرَ عَنْهَا ، فَأَتَاهُ بِهِ يَرْفَا فَدَعَا بِتَوْرٍ أَوْ قَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَمَحَا ذَلِكَ الْكِتَابَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ وَارِثَةً أَقَرَّكِ لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ أَقَرَّكِ . 10 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَمَّةِ 1102 1079 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الْأَنْصَارِيِّ النَّجَّارِيِّ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ كَانَ قَدِيمًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ مِرْسِيٍّ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ أُخْرَى ( أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ قَالَ ) لِحَاجِبِهِ وَمَوْلَاهُ ( يَا يَرْفَا ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ ، آخِرُهُ أَلِفٌ ، مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَحَجَّ مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ ( هَلُمَّ ) أَحْضِرْ ( ذَلِكَ الْكِتَابَ ، لِكِتَابٍ كَتَبَهُ فِي شَأْنِ الْعَمَّةِ ، فَنَسْأَلَ ) بالنصب فِي جَوَابِ الْأَمْرِ ( عَنْهَا وَنَسْتَخْبِرَ ) بِمُوَحَّدَةٍ مِنَ الِاسْتِخْبَارِ ( فِيهَا ) النَّاسَ ( فَأَتَى بِهِ يَرْفَا ) وَكَأَنَّهُ بَعْدَمَا أَتَاهُ تَغَيَّرَ مَا كَانَ رَآهُ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ فَصَمَّمَ عَلَى مَحْوِهِ ( فَدَعَا بِتَوْرٍ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، إِنَاءٌ يُشْبِهُ الطَّشْتَ ( أَوْ قَدَحٍ ) بِالشَّكِّ ، أَوِ الْمُرَادُ طَلَبُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُمَا ( فِيهِ مَاءٌ فَمَحَا ذَلِكَ الْكِتَابَ ) ثُمَّ قَالَ : ( لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ وَارِثَةً أَقَرَّكِ ) أَثْبَتَكِ فِي كِتَابِهِ كَمَا أَقَرَّ النِّسَاءَ الْوَارِثَاتِ فِيهِ ( لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ أَقَرَّكِ ) أَعَادَهُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : أَقَرَّكِ حَتَّى أَسْأَلَ وَأَسْتَخْبِرَ .
9 - بَاب مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ 1078 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَلَالَةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ آخِرَ سُورَةِ النِّسَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْكَلَالَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [ النساء : 12 ] فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي لَا يَرِثُ فِيهَا الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ حَتَّى لَا يَكُونَ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ، وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ النساء : 176 ] . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْإِخْوَةُ عَصَبَةً ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فَيَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ فِي الْكَلَالَةِ فَالْجَدُّ يَرِثُ مَعَ الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَرِثُ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى السُّدُسَ وَالْإِخْوَةُ لَا يَرِثُونَ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى شَيْئًا ؛ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ وَهُوَ يَأْخُذُ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى ؟ فَكَيْفَ لَا يَأْخُذُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ وَبَنُو الْأُمِّ يَأْخُذُونَ مَعَهُمْ الثُّلُثَ ؟ فَالْجَدُّ هُوَ الَّذِي حَجَبَ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ وَمَنَعَهُمْ مَكَانُهُ الْمِيرَاثَ ، فَهُوَ أَوْلَى بِالَّذِي كَانَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ سَقَطُوا مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ أَنَّ الْجَدَّ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الثُّلُثَ أَخَذَهُ بَنُو الْأُمِّ ، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَكَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ هُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الثُّلُثِ مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَكَانَ الْجَدُّ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ . 9 - بَابُ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : هِيَ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ . قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ : مَا رَأَيْتُهُمْ إِلَّا تَوَاطَؤوا عَلَى ذَلِكَ . رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أَيْ تَعَطَّفَ النَّسَبُ عَلَيْهِ ، وَزَادَ غَيْرُهُ : كَأَنَّهُ أَخَذَ طَرَفَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِمَا أَحَدٌ وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ قَالُوا : وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِكْلِيلِ كَأَنَّ الْوَرَثَةَ أَحَاطُوا بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا ابْنٌ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَّ يَكِلُّ ، يُقَالُ كَلَّتِ النَّسَبُ إِذَا تَبَاعَدَتْ وَطَالَ انْتِسَابُهَا ، وَقِيلَ : الْكَلَالَةُ مَنْ سِوَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ ، وَقِيلَ : مَنْ سِوَى الْوَالِدِ ، وَقِيلَ : هُمُ الْإِخْوَةُ ، وَقِيلَ : مِنَ الْأُمِّ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : سُمِّي الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ كَلَالَةً ، وَسُمِّيَ الْوَارِثُ كَلَالَةً ، وَسُمِّيَ الْإِرْثُ كَلَالَةً . وَعَنْ عَطَاءٍ : هِيَ الْمَالُ ، وَقِيلَ : الْفَرِيضَةُ ، وَقِيلَ : الْوَرَثَةُ وَالْمَالُ ، وَقِيلَ : بَنُو الْعَمِّ وَنَحْوُهُمْ ، وَقِيلَ : الْعَصَبَةُ وَإِنْ بَعُدُوا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئًا . 1101 1078 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) مُرْسَلٌ عِنْدَ يَحْيَى وَالْأَكْثَرِ ، وَوَصَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ( سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْكَلَالَةِ ) لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بِلَفْظِهَا مَرَّتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ ، وَاخْتَلَفَتِ الْوَرَثَةُ فَفِي أَوَّلِ النِّسَاءِ : لِإِخْوَةٍ لِلْأُمِّ ، وَفِي آخِرِهَا أَشِقَّاءُ أَوْ لِأَبٍ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - : يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ آخِرَ سُورَةِ النِّسَاءِ ) كَذَا لِيَحْيَى ، فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ وَهِيَ فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ ، وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِهَا . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عُمَرَ : مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ : يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ النِّسَاءِ ؟ . وَرَوَى الْحَاكِمُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَلَالَةُ ؟ قَالَ : أَمَا سَمِعْتَ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 176 ] وَفِيهِ فَضْلُ عُمَرَ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَنْبِطُ الْمَعَانِيَ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ بِقَوْلِهِ يَكْفِيكَ إِلَخْ ، إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لَا يَدْرِي ذَلِكَ لَلَزِمَهُ إِيضَاحُهُ لَهُ ، فَطَعَنَ بَعْضُ الْمُلْحِدَةِ عَلَى عُمَرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِمَّا بَانَ بِهِ جَهْلُهُمْ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْكَلَالَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ ) فِي الشِّتَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] ( إِلَى قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ صِفَةٌ ، وَالْخَبَرُ كَلالَةً أَوْ يُورَثُ خَبَرٌ وَ كَلَالَةً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ أَوِ امْرَأَةٌ تُورَثُ كَلَالَةً وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ كَمَا قَرَأَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ اثْنَيْنِ فصاعدا فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ يَسْتَوِي فِيهِ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ( فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي لَا يَرِثُ فِيهَا الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ حَتَّى لَا يَكُونَ ) يُوجَدَ ( وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ ) لِلْمَيِّتِ ( وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ) وَهِيَ الصَّيْفِيَّةُ ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَسْتَفْتُونَكَ أَيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ ، وَالِاسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الْفَتْوَى ، يُقَالُ اسْتَفْتَيْتُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَانِي فَتْوَى وَفُتْيَا وَهُمَا اسْمَانِ وُضِعَا مَوْضِعَ الْإِفْتَاءِ ، وَيُقَالُ أَفْتَيْتُ فُلَانًا فِي رُؤْيَا رَآهَا ، قَالَ تَعَالَى : يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ [ سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 46 ] وَمَعْنَى الْإِفْتَاءِ إِظْهَارُ الْمُشْكَلِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُفْتِيكُمْ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَصْرِيِّينَ وَلَوْ أَعْمَلَ الْأَوَّلَ لَأَضْمَرَ فِي الثَّانِي ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : الْآيَةُ 19 ] وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَلَالَةُ ؟ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا فَوَرَثَتُهُ كَلَالَةٌ إِنِ امْرُؤٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ هَلَكَ مَاتَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ رُفِعَ عَلَى الصِّفَةِ أَيْ هَلَكَ امْرُؤٌ غَيْرُ ذِي وَلَدٍ أَيِ ابْنٍ ، وَإِنْ وَقَعَ وَلَدٌ عَلَى الْأُنْثَى لِأَنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الْأُخْتَ وَلَا تُسْقِطُهَا الْبِنْتُ وَلَهُ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ لِأَبٍ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ وَالْفَاءُ جَوَابُ إِنْ وَهُوَ يَرِثُهَا جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ دَالَّةٌ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ وَلَيْسَتْ جَوَابًا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَأَبِي زَيْدٍ ، وَالضَّمِيرَانِ عَائِدَانِ عَلَى لَفْظِ ( امْرُؤٌ وَأُخْتٌ ) دُونَ مَعْنَاهُمَا فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ وَالْهَالِكُ لَا يَرِثُ ، فَالْمَعْنَى وَامْرُؤٌ آخَرُ غَيْرُ الْهَالِكِ يَرِثُ أُخْتًا لَهُ أُخْرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ذَكَرٌ فَإِنْ كَانَ فَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلِلْأَخِ مَا فَضَلَ عَنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ ، وَهَذَا فِي الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ ، فَإِنْ كَانَ لِأُمٍّ فَفَرْضُهُ السُّدُسُ كَمَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَإِنْ كَانَتَا أَيِ الْأُخْتَانِ اثْنَتَيْنِ أَيْ فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَابِرٍ ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ فَلَهُمَا أَوْ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ الْمَيِّتُ ( وَإِنْ كَانُوا ) أَيِ الْوَرَثَةُ بِالْأُخُوَّةِ إِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ فَغَلَّبَ الْمُذَكَّرَ رِجَالا وَنِسَاءً ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَلِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ حَذَفَ مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ شَرَائِعَ دِينِكُمْ أَنْ تَضِلُّوا مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ ، أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا فِي حُكْمِهَا ، كَذَا قَدَّرَ الْمُبَرِّدُ ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : لَا مَحْذُوفَةٌ بَعْدَ أَنْ ، وَالتَّقْدِيرُ لِئَلَّا تَضِلُّوا ، قَالُوا : وَحَذْفُ لَا سَائِغٌ ذَائِعٌ . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِكُنْهِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا وَبَعْدَهُ وَمِنْهُ الْمِيرَاثُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْبَرَاءِ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ النِّسَاءِ : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 176 ] أَيْ مِنَ الْفَرَائِضِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْكَلَالَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْإِخْوَةُ عَصَبَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ) ذَكَرٌ ( فَيَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ فِي الْكَلَالَةِ ، فَالْجَدُّ يَرِثُ مَعَ الْإِخْوَةِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُمْ وَذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُ أَوْلَوِيَّتِهِ ( أَنَّهُ يَرِثُ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى السُّدُسَ ) بِاتِّفَاقٍ كَالْأَبِ ( وَالْإِخْوَةُ لَا يَرِثُونَ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى شَيْئًا ) بَلْ يُسْقِطُونَهُمْ ( وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ) الْجَدُّ ( كَأَحَدِهِمْ ) أَيِ الْإِخْوَةِ ( وَهُوَ يَأْخُذُ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى فَكَيْفَ لَا يَأْخُذُ الثُّلُثَ مَعَ الْإِخْوَةِ ) الْأَشِقَّاءِ أَوْ لِأَبٍ ( وَبَنُو الْأُمِّ يَأْخُذُونَ مَعَهُمُ الثُّلُثَ ، فَالْجَدُّ هُوَ الَّذِي حَجَبَ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ وَمَنَعَهُمْ مَكَانُهُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ ، أَيْ وُجُودُهُ ( الْمِيرَاثَ ) مَفْعُولٌ ( فَهُوَ أَوْلَى ) أَيْ أَحَقُّ ( بِالَّذِي كَانَ لَهُمْ ) لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَدُّ ( لِأَنَّهُمْ سَقَطُوا مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ أَنَّ الْجَدَّ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الثُّلُثَ أَخَذَهُ بَنُو الْأُمِّ فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى إِخْوَةٍ لِلْأَبِ ) لَوْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ ( وَكَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ هُمْ أَوْلَى ) أَحَقُّ ( بِذَلِكَ الثُّلُثِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَكَانَ الْجَدُّ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ) وَلَفْظُ أَوْلَى فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ لَا يُشَارَكُونَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ .
2 - بَاب مِيرَاثِ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا قَالَ مَالِكٌ : وَمِيرَاثُ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ النِّصْفُ ، فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ؛ فَلِزَوْجِهَا الرُّبُعُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ الرُّبُعُ ، فَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، فَلِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [ النساء : 12 ] . 2 - بَابُ مِيرَاثِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا ( قَالَ مَالِكٌ : وَمِيرَاثُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ النِّصْفُ ، فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ) وَإِنْ نَزَلَ ( ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَلِزَوْجِهَا الرُّبُعُ ) وَدُخُولُ وَلَدِ الِابْنِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدٍ يَشْمَلُهُ بِنَاءً عَلَى إِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ( مِنْ بَعْدِ ) تَنْفِيذِ ( وَصِيَّةٍ تُوصِي بِهَا ) الْمَرْأَةُ ( أَوْ ) قَضَاءِ ( دَيْنٍ ) عَلَيْهَا ، وَتَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْهُ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا ( وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ) وَإِنْ نَزَلَ ( الرُّبُعُ ، فَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَلِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ أَيْ زَوْجَاتُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ مِنْكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ وَلَوْ أُنْثَى فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ أَيِ الزَّوْجَاتِ تَعَدَّدْنَ أَوْ لَا الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِنَّ وَلَوْ أُنْثَى فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَدَخَلَ وَلَدُ الِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ فِيهِمَا لِشُمُولِ اللَّفْظِ لَهُ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِتَقْدِيمِهَا فِي الذِّكْرِ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ ، وَأَجَابَ مَنْ أَخَّرَهَا بِأَنَّهَا قُدِّمَتْ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهَا ، وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهَا مَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَوِ اسْتَغْرَقَ الْمَالَ ، وَمَنْ أَجَازَهَا لِلْوَارِثِ وَالْكَافِرِ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ انْتِقَالَ التَّرِكَةِ إِلَى مِلْكِ الْوَارِثِ ، وَمَنْ قَالَ دَيْنُ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : دَيْنٍ ، كَذَا فِي الْإِكْلِيلِ فِي اسْتِنْبَاطِ التَّأْوِيلِ .
3 - بَاب مِيرَاثِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ وَلَدِهِمَا قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ، أَنَّ مِيرَاثَ الْأَبِ مِنْ ابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا ؛ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا ؛ فَإِنَّهُ يُبَدَّأُ بِمَنْ شَرَّكَ الْأَبَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ كَانَ لِلْأَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمْ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً ، وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا إِذَا تُوُفِّيَ ابْنُهَا أَوْ ابْنَتُهَا فَتَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ تَرَكَ مِنْ الْإِخْوَةِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ مِنْ أُمٍّ فَالسُّدُسُ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ وَلَا اثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا ؛ فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ ، وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ : أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ فَلِامْرَأَتِهِ الرُّبُعُ وَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَالْأُخْرَى : أَنْ تُتَوَفَّى امْرَأَةٌ وَتَتْرُكَ زَوْجَهَا وَأَبَوَيْهَا فَيَكُونُ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ وَلِأُمِّهَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ [ النساء : 11 ] فَمَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا . 3 - بَابُ مِيرَاثِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مِنْ وَلَدِهِمَا ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ( أَنَّ مِيرَاثَ الْأَبِ مِنِ ابْنِهِ وَابْنَتِهِ ) فِيهِ تَفْصِيلٌ ، وَهُوَ ( أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ) وَإِنْ سَفُلَ حَالَةَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا ( ذَكَرًا فَإِنَّهُ يَفْرِضُ لِلْأَبِ السُّدُسَ فَرِيضَةً ) وَالْبَاقِي لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوِ ابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى فَلِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً وَالْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ تَعْصِيبًا . ( وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِمَنْ شَرِكَ الْأَبَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ كَانَ لِلْأَبِ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمُ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً ) يُعَالُ لَهُ بِهَا وَذَلِكَ فِي الْمِنْبَرِيَّةِ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ فَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ ثَلَاثَةٌ وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ سِتَّةَ عَشَرَ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ أَرْبَعَةٌ فَيُعَالُ فِيهَا بِمِثْلِ ثُمُنِهَا فَتَصِيرُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ وَيُنَقَّصُ كُلُّ وَاحِدٍ تُسْعَ مَالِهِ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُنَقَّصُ عَنِ السُّدُسِ . ( وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا إِذَا تُوُفِّيَ ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا فَتَرَكَ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ تَرَكَ مِنَ الْإِخْوَةِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مِنْ أُمٍّ وَأَبٍ ) أَيْ أَشِقَّاءُ ( وَمِنْ أَبٍ ) فَقَطْ ( أَوْ مِنْ أُمٍّ ) فَقَطْ ( فَالسُّدُسُ لَهَا ) فَرِيضَةً وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ الْإِخْوَةِ فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلًا إِلَّا فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ يُقَالُ لَهُمَا الْغَرَّاوَانِ لِأَنَّ الْأُمَّ غُرَّتْ بِإِعْطَائِهَا الثُّلُثَ لَفْظًا لَا حَقِيقَةً . ( وَإِحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ أَنْ يُتَوَفَّى رَجُلٌ وَيَتْرُكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ فَلِامْرَأَتِهِ الرُّبُعُ وَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ) وَالنِّصْفُ لِلْأَبِ ( وَالْأُخْرَى ) ثَانِيَةُ الْفَرِيضَتَيْنِ ( أَنْ تُتَوَفَّى امْرَأَةٌ وَتَتْرُكَ زَوْجَهَا وَأَبَوَيْهَا فَيَكُونُ لِزَوْجِهَا النِّصْفُ وَلِأُمِّهَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ) وَالثُّلُثُ لِلْأَبِ ( وَ ) دَلِيلُ ( ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلأَبَوَيْهِ أَيِ الْمَيِّتِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ بَدَلٌ مِنْ أَبَوَيْهِ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْبَدَلِ إِفَادَةُ أَنَّهُمَا لَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ ، إِذْ لَوْ قِيلَ لِأَبَوَيْهِ السُّدُسُ لَكَانَ ظَاهِرُهُ اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ ، وَلَوْ قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ السُّدُسُ لَذَهَبَتْ فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ ، وَلَوْ قِيلَ لِأَبَوَيْهِ السُّدُسَانِ لِأَوْهَمَ قِسْمَةَ السُّدُسَيْنِ عَلَيْهِمَا عَلَى السَّوِيَّةِ وَعَلَى خِلَافِهَا مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوِ ابْنُ ابْنٍ بِالشُّمُولِ أَوِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ فَغَلَّبَ الذَّكَرَ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ مِمَّا تَرَكَ ، وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : تَأْخُذُهُ كَامِلًا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ فَيَزِيدُ مِيرَاثُهَا عَلَى الْأَبِ ، أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُلُثَ مَا بَقِيَ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ تَقُولُ بِرَأْيِكَ وَأَنَا رَجُلٌ أَقُولُ بِرَأْيِي ، لَكِنَّ رَأْيَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا لَوْ أَخَذَتِ الثُّلُثَ الْحَقِيقِيَّ فِيهِمَا لَأَدَّى إِلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْأَبَ أَقْوَى فِي الْإِرْثِ مِنَ الْأُمِّ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ ضِعْفَ حَظِّهَا إِذَا انْفَرَدَ ، فَلَوْ أَخَذَتْ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ الثُّلُثَ الْحَقِيقِيَّ فَيَنْقَلِبُ الْحُكْمُ إِلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرَيْنِ وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ فِي اجْتِمَاعِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى يُدْلِيَانِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَخُصَّ عُمُومُ الْآيَةِ بِالْقَوَاعِدِ لِأَنَّهَا مِنَ الْقَوَاطِعِ . فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ذُكُورٌ أَوْ إِنَاثٌ أَشِقَّاءُ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ ( فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْإِخْوَةَ اثْنَانِ فصاعدا ) وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَحْجُبُهَا إِلَّا ثَلَاثَةٌ ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ : إِنَّ الْأَخَوَيْنِ لَا يَرُدَّانِ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 11 ] فَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِلِسَانِ قَوْمِكَ إِخْوَةٌ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُغَيِّرَ مَا كَانَ قَبْلِي وَمَضَى فِي الْأَمْصَارِ وَتَوَارَثَ بِهِ النَّاسُ ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ أَيْضًا مَنْ قَالَ لَا يَحْجُبُهَا الْأَخَوَاتُ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِخْوَةِ خَاصٌّ بِالذُّكُورِ كَالْبِنْتَيْنِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَيْضًا .
8 - بَاب مِيرَاثِ الْجَدَّةِ 1075 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ؛ فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ، وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . 8 - بَابُ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ 1098 1075 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ) بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مَفْتُوحَاتٌ ، القرشي الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْرِفُ عُثْمَانَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَسْبُكَ بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ( عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ) الْخُزَاعِيِّ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ وَيُقَالُ أَبَا سَعِيدٍ ، وُلِدَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَقِيلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وُلِدَ وَدَعَا لَهُ . وَقِيلَ : وُلِدَ أَوَّلَ سَنَةِ الْهِجْرَةِ وَتَعَقَّبُوهُ . وَذَكَرَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ : لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَبِلَالٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَغَيْرِهِمْ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَالزَّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَعَدَّهُ أَبُو الزِّنَادِ فِي فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ ، وَقِيلَ قَبْلَهَا وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ لَمْ يُدْخِلُوا بَيْنَهُمَا أَحَدًا ، وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو أُوَيْسٍ ، انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ : الصَّوَابُ حَدِيثُ مَالِكٍ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ ) أُمُّ الْأُمِّ ( إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ) مِنْ وَلَدِ بِنْتِهَا ( فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ) عَنْ ذَلِكَ ( فَسَأَلَ النَّاسَ ) بَعْدَمَا صَلَّى الظُّهْرَ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ( فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ) بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ وَوَلِيَ إِمَارَةَ الْبَصْرَةِ ثُمَّ الْكُوفَةِ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ( حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ ) مُرِيدًا زِيَادَةَ الثلث وَالِاسْتِظْهَارِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَفُشُوِّ الْحَدِيثِ لَا عَدَمَ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ( فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ ) أَكْبَرُ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ( فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ فَأَنْفَذَهُ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ( لَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ) أُمٌّ لِأَبٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ( إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ ) مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلِيفَتِهِ ( إِلَّا لِغَيْرِكِ ) أَيْ أُمِّ الْأُمِّ ( وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ) حَتَّى أَقِيسَ ( وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا ) بِالسَّوِيَّةِ ( وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ ) أَيِ انْفَرَدَتْ ( فَهُوَ لَهَا ) وَفِيهِ أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَاضٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْضَى عُمَرُ فَبَعَثَ شُرَيْحًا إِلَى الْكُوفَةِ قَاضِيًا ، وَبَعَثَ كَعْبَ بْنَ سَوْرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ قَاضِيًا . وَقَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
1076 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَتَتْ الْجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ السُّدُسَ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَمَا إِنَّكَ تَتْرُكُ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ إِيَّاهَا يَرِثُ ؛ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا . 1099 1076 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( أَنَّهُ قَالَ : أَتَتِ الْجَدَّتَانِ ) أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ ( إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ السُّدُسَ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ) لِأَنَّهَا الَّتِي أَعْطَاهُ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخْبَرَنِي حَارِثَةُ كَمَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ ( أَمَا ) بِالْفَتْحِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ( إِنَّكَ تَتْرُكُ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ إِيَّاهَا يَرِثُ ) لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهَا وَتُعْطِي مَنْ لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَرِثْهَا لِأَنَّهُ ابْنُ بِنْتِهَا . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ أَعْطَيْتَ الَّتِي لَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ( فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا ) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرَ فَقَالَ : مَا كَانَ الْقَضَاءُ إِلَّا لِغَيْرِكَ . زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ ، ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ عُبَادَةَ أَنَّ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى لِلْجَدَّتَيْنِ مِنَ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا السُّدُسَ سَوَاءٌ ، قَالَ : وَإِسْحَاقُ عَنْ عُبَادَةَ مُرْسَلٌ أَيْ مُنْقَطِعٌ .
1077 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَ لَا يَفْرِضُ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ دِنْيَا شَيْئًا ، وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً ، وَأَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأَبِ لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ وَلَا مَعَ الْأَبِ شَيْئًا ، وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْجَدَّتَانِ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ ، وَلَيْسَ لِلْمُتَوَفَّى دُونَهُمَا أَبٌ وَلَا أُمٌّ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ أُمَّ الْأُمِّ إِنْ كَانَتْ أَقْعَدَهُمَا ؛ كَانَ لَهَا السُّدُسُ دُونَ أُمِّ الْأَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ أَقْعَدَهُمَا أَوْ كَانَتَا فِي الْقُعْدَدِ مِنْ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنْ الْجَدَّاتِ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَ الْجَدَّةَ ثُمَّ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ الثَّبَتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَرَّثَ الْجَدَّةَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا ، ثُمَّ أَتَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهَا : مَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا . قَالَ مَالِكٌ : ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا وَرَّثَ غَيْرَ جَدَّتَيْنِ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْيَوْمِ . 1100 1077 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ) أَخِي يَحْيَى ( أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ كَانَ لَا يَفْرِضُ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ ) أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ دِنْيَا شَيْئًا ) لِإِدْلَائِهَا بِهَا فَحَجَبَتْهَا ( وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً ، وَأَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأَبِ لَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ ) لِأَنَّهَا تُسْقِطُهَا ( وَلَا مَعَ الْأَبِ شَيْئًا ) لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِهِ ( وَهِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً ) إِذَا انْفَرَدَتْ ( فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَدَّتَانِ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ وَلَيْسَ لِلْمُتَوَفَّى دُونَهُمَا أَبٌ وَلَا أُمٌّ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَنَّ أُمَّ الْأُمِّ إِذَا كَانَتْ أَقْعَدُهُمَا ) أَقْرَبُهُمَا لِلْمُتَوَفَّى ( لَهَا السُّدُسُ دُونَ أُمِّ الْأَبِ ) أَيِ الْأُمِّ الَّتِي مِنْ جِهَتِهِ وَهِيَ أُمُّ أُمِّهِ ( فَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ أَقْعَدَهُمَا ) أَقْرَبَهُمَا وَالْبُعْدَى إِنَّمَا هِيَ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُمِّ أُمِّ الْأُمِّ ( أَوْ كَانَتَا فِي الْقُعْدَدِ ) بِضَمِّ الْقَافِ ( مِنَ الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنَ الْجَدَّاتِ إِلَّا لِلْجَدَّتَيْنِ ) أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِ وَإِنْ عَلَيَا فَإِحْدَاهُمَا مَنْ لَيْسَ بَيْنَهما وَبَيْنَ الْمَيِّتِ ذَكَرٌ أَصْلًا ، وَالثَّانِيَةُ مَنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ذَكَرٌ هُوَ الْأَبُ فَقَطْ ، فَأُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ أُمِّهِ وَإِنْ عَلَتْ تَرِثُهَا ، وَأَمَّا أُمُّ جَدِّهِ لِأُمِّهِ فَلَا تَرِثُ اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا أُمُّ جَدِّهِ لِأَبِيهِ فَلَا تَرِثُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ : ( لِأَنَّهُ بَلَغَنِي ) فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَسْنَدَهُ قَرِيبًا ، وَهَذَا مِمَّا يُعْطِيكَ أَنَّهُ يُطْلِقُ الْبَلَاغَ عَلَى الصَّحِيحِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ الْجَدَّةَ ثُمَّ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ ) فِي خِلَافَتِهِ ( عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ الثَّبَتُ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ وَرَّثَ الْجَدَّةَ ) أُمَّ الْأُمِّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ( فَأَنْفَذَ لَهَا ثُمَّ أَتَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ) أُمُّ الْأَبِ ( إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهَا : مَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا أَيَّتُكُمَا خَلَتِ ) انْفَرَدَتْ ( بِهِ فَهُوَ لَهَا ، قَالَ مَالِكٌ : ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا وَرَّثَ غَيْرَ جَدَّتَيْنِ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْيَوْمِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مِثْلُهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ تَوْرِيثُ زَيْدٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لِأُمِّ الْجَدِّ لِلْأَبِ .
4 - بَاب مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ وَلَا مَعَ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا شَيْئًا ، وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ وَلَا مَعَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ شَيْئًا ، وَأَنَّهُمْ يَرِثُونَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ يُفْرَضُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [ النساء : 12 ] فَكَانَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ . 4 - بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا شَيْئًا ) مَفْعُولُ يَرِثُونَ ( وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ وَلَا مَعَ الْجَدِّ أَبِي الْأَبِ شَيْئًا وَأَنَّهُمْ يَرِثُونَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ مِنَ السِّتَّةِ ( يُفْرَضُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمُ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةً فصاعدا فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ) نَصِيبِ ( الْأُنْثَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ) الْعَزِيزِ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلٌ يُورَثُ مِنْهُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ كَلالَةً خَبَرُ كَانَ ، أَيْ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مُورَثٌ مِنْهُ كَلَالَةً ، أَوْ يُورَثُ خَبَرُ كَانَ وَ ( كَلَالَةً ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُورَثُ أَيْ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي مَعْنَى الْكَلَالَةِ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْكَلَالِ وَهُوَ ذَهَابُ الْقُوَّةِ مِنَ الْإِعْيَاءِ أَوِ امْرَأَةٌ عَطْفٌ عَلَى رَجُلٍ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أَيْ مِنْ أُمٍّ كَمَا قَرَأَ بِهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوا بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهِيَ لَا تَرِثُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ( فَكَأَنَّ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي هَذَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ) لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى الشَّرِكَةِ صَرِيحٌ فِي التَّسْوِيَةِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ فِي غَيْرِهِمْ .
1073 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَضَ لِلْجَدِّ الَّذِي يَفْرِضُ النَّاسُ لَهُ الْيَوْمَ . 1096 1073 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَهَاءٍ ( ابْنِ ذُؤَيْبٍ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ ، الْخُزَاعِيِّ الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ دِمَشْقَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ رُؤْيَةٌ ، مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَضَ لِلْجَدِّ الَّذِي يَفْرِضُ لَهُ النَّاسُ الْيَوْمَ ) مِنْ مُقَاسَمَةِ الْأَخِ الْوَاحِدِ بِالنِّصْفِ ، والاثنين بالثلث ، فَإِنْ زَادُوا فَلَهُ الثُّلُثُ .
1074 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ الثُّلُثَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا وَهُوَ يُفْرَضُ لَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ وَمَعَ ابْنِ الْابْنِ الذَّكَرِ السُّدُسُ فَرِيضَةً ، وَهُوَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَتْرُكْ الْمُتَوَفَّى أُمًّا أَوْ أُخْتًا لِأَبِيهِ يُبَدَّأُ بِأَحَدٍ إِنْ شَرَّكَهُ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْجَدِّ السُّدُسُ فَرِيضَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إِذَا شَرَّكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ يُبَدَّأُ بِمَنْ شَرَّكَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِحَظِّ الْجَدِّ أُعْطِيَهُ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ لَهُ وَلِلْإِخْوَةِ أَوْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنْ الْإِخْوَةِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ وَلَهُمْ يُقَاسِمُهُمْ بِمِثْلِ حِصَّةِ أَحَدِهِمْ أَوْ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ لِحَظِّ الْجَدِّ أُعْطِيَهُ الْجَدُّ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ تَكُونُ قِسْمَتُهُمْ فِيهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَأُخْتَهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا وَجَدَّهَا فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَلِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ النِّصْفُ ، ثُمَّ يُجْمَعُ سُدُسُ الْجَدِّ وَنِصْفُ الْأُخْتِ فَيُقْسَمُ أَثْلَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ؛ فَيَكُونُ لِلْجَدِّ ثُلُثَاهُ وَلِلْأُخْتِ ثُلُثُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ كَمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ سَوَاءٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ ؛ فَإِنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يُعَادُّونَ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهِمْ لِأَبِيهِمْ فَيَمْنَعُونَهُ بِهِمْ كَثْرَةَ الْمِيرَاثِ بِعَدَدِهِمْ وَلَا يُعَادُّونَهُ بِالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْجَدِّ غَيْرُهُمْ لَمْ يَرِثُوا مَعَهُ شَيْئًا وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ ، فَمَا حَصَلَ لِلْإِخْوَةِ مِنْ بَعْدِ حَظِّ الْجَدِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَلَا يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَهُمْ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهَا تُعَادُّ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا مَا كَانُوا ، فَمَا حَصَلَ لَهُمْ وَلَهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا دُونَهُمْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ فَرِيضَتَهَا ، وَفَرِيضَتُهَا النِّصْفُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا يُحَازُ لَهَا وَلِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ؛ فَهُوَ لِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ . 1096 1074 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ الثُّلُثَ ) وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : كَانَ زَيْدٌ يُشْرِكُ الْجَدَّ مَعَ الْإِخْوَةِ إِلَى الثُّلُثِ فَإِذَا بَلَغَ الثُّلُثَ أَعْطَاهُ وَلِلْإِخْوَةِ مَا بَقِيَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ دِنْيَا شَيْئًا ) لِإِدْلَائِهِ بِهِ ( وَهُوَ يُفْرَضُ لَهُ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ وَمَعَ ابْنِ الِابْنِ الذَّكَرِ السُّدُسُ فَرِيضَةً ) كَالْأَبِ وَمَعَ بِنْتٍ أَوْ بِنْتَيِ ابْنٍ وَإِنْ سَفُلَ السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي تَعْصِيبًا . فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ وَلَكِنْ خَلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ، فَإِنَّهُ أَنْزَلَهُ أَبًا . ( وَهُوَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَفَّى أُمًّا أَوْ أُخْتًا لِأَبِيهِ يُبْدَأُ بِأَحَدٍ إِنْ شَرَّكَهُ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ فُرِضَ لِلْجَدِّ السُّدُسُ فَرِيضَةً ) لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَدُّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إِذَا شَرَّكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ يُبْدَأُ بِمَنْ شَرَّكَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِحَظِّ الْجَدِّ أُعْطِيَهُ ) الْجَدُّ ، وَبَيَّنَ الْأَفْضَلَ بِقَوْلِهِ : ( الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ لَهُ وَلِلْإِخْوَةِ أَوْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنَ الْإِخْوَةِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ وَلَهُمْ يُقَاسِمُهُمْ بِمِثْلِ حِصَّةِ أَحَدِهِمْ أَوِ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ لِحَظِّ الْجَدِّ أُعْطِيَهُ الْجَدُّ ، وَكَأَنَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ ) تُسَمَّى الْأَكْدَرِيَّةَ وَبِالْغَرَّاءِ ( تَكُونُ قِسْمَتُهُمْ فِيهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَتِلْكَ الْفَرِيضَةُ امْرَأَةٌ تَوَفَّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَأُخْتَهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا ) أَيْ شَقِيقَتَهَا وَمِثْلُهَا الْأُخْتُ لِلْأَبِ ( وَجَدَّهَا ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ) فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَعَالَتْ إِلَى تِسْعَةٍ ( ثُمَّ يُجْمَعُ سُدُسُ الْجَدِّ وَنِصْفُ الْأُخْتِ ) الشَّقِيقَةِ أَوِ الَّتِي لِلْأَبِ ( فَتُقَسَّمُ أَثْلَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيَكُونُ لِلْجَدِّ ثُلُثَاهُ وَلِلْأُخْتِ ثُلُثُهُ ) وَالْأَرْبَعَةُ لَا تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَلَا تَوَافُقَ ، فَتُضْرَبُ الْمَسْأَلَةُ بِعَوْلِهَا تِسْعَةً فِي ثَلَاثَةٍ ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِتِسْعَةٍ ، وَلِلْأُمِّ اثْنَانِ فِي ثَلَاثَةٍ بِسِتَّةٍ ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ ، وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ . ( وَمِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ الْجَدِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ كَمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ سَوَاءٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ فَإِنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يُعَادُّونَ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهِمْ لِأَبِيهِمْ فَيَمْنَعُونَهُ بِهِمْ كَثْرَةَ الْمِيرَاثِ بِعَدَدِهِمْ ) ثُمَّ يَحْجُبُونَهُمْ ، وَعَبَّرَ بِالْمُفَاعَلَةِ لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ عَلَى الْجَدِّ وَهُوَ يُسْقِطُ عَدَدَهُمْ وَيُعَدُّ الشَّقَائِقُ خَاصَّةً فَحَصَلَ مِنْهُ عَدٌّ لَكِنْ لِلشَّقِيقِ دُونَ مَنْ لِلْأَبِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفَرَّدَ زَيْدٌ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ فِي مُعَادَّتِهِ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ فِي الْفَرَائِضِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأَبِ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَشِقَّاءِ فَلَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهِمْ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ حَيْفٌ عَلَى الْجَدِّ فِي الْمُقَاسَمَةِ . قَالَ : وَقَدْ سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ زَيْدًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِي كَمَا تَقُولُ أَنْتَ بِرَأْيِكَ ، انْتَهَى . ( وَلَا يُعَادُّونَ بِالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْجَدِّ غَيْرُهُمْ لَمْ يَرِثُوا مَعَهُ شَيْئًا وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ ، فَمَا حَصَلَ لِلْإِخْوَةِ مِنْ بَعْدِ حَظِّ الْجَدِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ، وَلَا يَكُونُ لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ مَعَهُمْ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهَا تُعَادُّ الْجَدَّ بِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا مَا كَانُوا ، فَمَا حَصَلَ لَهَا وَلَهُمْ مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهَا دُونَهُمْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ فَرِيضَتَهَا ، وَفَرِيضَتُهَا النِّصْفُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا يُحَازُ لَهَا وَلِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ ) الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ ( فَهُوَ لِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ) لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ .
7 - بَاب مِيرَاثِ الْجَدِّ 1072 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجَدِّ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ الْجَدِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَقْضِي فِيهِ إِلَّا الْأُمَرَاءُ يَعْنِي الْخُلَفَاءَ ، وَقَدْ حَضَرْتُ الْخَلِيفَتَيْنِ قَبْلَكَ يُعْطِيَانِهِ النِّصْفَ مَعَ الْأَخِ الْوَاحِدِ وَالثُّلُثَ مَعَ الْاثْنَيْنِ ، فَإِنْ كَثُرَتْ الْإِخْوَةُ لَمْ يُنَقِّصُوهُ مِنْ الثُّلُثِ . 1095 1072 7 - بَابُ مِيرَاثِ الْجَدِّ - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ الْأُمَوِيَّ ( كَتَبَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَرْضُكُمْ زَيْدٌ ( يَسْأَلُهُ عَنِ الْجَدِّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنِ الْجَدِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَقْضِي فِيهِ إِلَّا الْأُمَرَاءُ ) يَعْنِي الْخُلَفَاءَ ( وَقَدْ حَضَرْتُ الْخَلِيفَتَيْنِ قَبْلَكَ ) يَعْنِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ ( يُعْطِيَانِهِ النِّصْفَ مَعَ الْأَخِ الْوَاحِدِ وَالثُّلُثَ مَعَ الِاثْنَيْنِ ، فَإِنْ كَثُرَتِ الْإِخْوَةُ لَمْ يُنَقِّصُوهُ مِنَ الثُّلُثِ ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : أَنَّ عُمَرَ قَضَى أَنَّ الْجَدَّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ مَا كَانَتِ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الثُّلُثِ ، فَإِنْ كَثُرَتِ الْإِخْوَةُ أَعْطَى لِلْجَدِّ الثُّلُثَ وَفِي فَوَائِدِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : حَفِظْتُ عَنْ عُمَرَ فِي الْجَدِّ مِائَةَ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ ، وَتَأَوَّلَهُ الرَّازِيُّ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ مَنْ يَرِثُ مَعَ الْجَدِّ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، وَرُدَّ بِمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : إِنِّي لَأَحْفَظُ عَنْ عُمَرَ فِي الْجَدِّ مِائَةَ قَضِيَّةٍ ، كُلُّهَا يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
1085 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعََ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : أَبَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَدًا مِنْ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَدًا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَوَضَعَتْهُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ ؛ فَهُوَ وَلَدُهَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ ، وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالسُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ؛ أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِقَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ وَلَا رَحِمٍ ، وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ . 1107 1085 - ( مَالِكٌ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : أَبَى ) أَيِ امْتَنَعَ ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَدًا مِنَ الْأَعَاجِمِ إِلَّا أَحَدًا وُلِدَ فِي الْعَرَبِ ) بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْقَرَابَةِ وَإِقْرَارِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، فَأَمَّا إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ وَثَبَتَ بِعُدُولٍ مُسْلِمِينَ فَذَلِكَ كَالْوِلَادَةِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ حامل مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَوَضَعَتْهُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَهُوَ وَلَدُهَا يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ ، مِيرَاثُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ) السُّدُسُ أَوِ الثُّلُثُ ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالسُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِقَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ ) أَيْ عِتْقٍ ، فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا أُخِذَ مَالُهُ بِالْمِلْكِ لَا الْإِرْثِ ( وَلَا رَحِمَ ) عَمَلًا بِعُمُومِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ( وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ وَارِثًا كَمَا ( قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْجُبُ أَحَدًا عَنْ مِيرَاثِهِ ) إِذْ لَا مَعْنَى لِحَجْبِ مَنْ لَا يَرِثُ .
13 - بَاب مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ 1081 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ . 13 - بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ 1104 1081 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ( عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ) الْأُمَوِيِّ كَذَا قَالَ مَالِكٌ عُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَلِابْنِ الْقَاسِمِ ، عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَلِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ بِالشَّكِّ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ أَوْ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، وَالثَّالِثُ عَنْ مَالِكٍ : عُمَرُ بِضَمِّهَا كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى وَالْأَكْثَرُ ، وَذَكَرَ ابْنُ مَهْدِيٍّ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ : تُرَانِي لَا أَعْرِفُ عُمَرَ مِنْ عَمْرٍو هَذِهِ دَارُ عُمَرَ وَهَذِهِ دَارُ عَمْرٍو ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ عُثْمَانَ لَهُ ابْنَانِ عُمَرُ ، وَعَمْرٌو ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ عَمْرٌو إِلَّا مَالِكًا فَقَالَ عُمَرُ ، وَرَاجَعَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ فَقَالَ هُوَ عُمَرُ وَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ وَقَالَ : كَانَ لِعُثْمَانَ ابْنٌ اسْمُهُ عُمَرُ هَذِهِ دَارُهُ ، وَمَالِكٌ لَا يَكَادُ يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ حِفْظًا وَإِتْقَانًا ، لَكِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ وَالْجَمَاعَةُ أَوْلَى أَنْ يُسَلَّمَ لَهَا ، وَأَبَى الْمُحَدِّثُونَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا عَمْرٌو بِالْوَاوِ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِي : قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : مَالِكٌ يَقُولُ عُمَرُ ، فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَذَا وَكَذَا مُرَّةً وَتَفَقَّدْتُهُ مِنْهُ فَمَا قَالَ إِلَّا عَمْرٌو ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : خَالَفَ مَالِكٌ النَّاسَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَكَذَا حَكَمَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَلَى مَالِكٍ بِالْوَهْمِ فِيهِ ، وَرَوَى أَبُو الْفَضْلِ السُّلَيْمَانِيُّ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى قُلْتُ لِمَالِكٍ : النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّكَ تُخْطِئُ فِي أَسَامِي الرِّجَالِ ، تَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَتَقُولُ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ وَإِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو ، وَتَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : هَكَذَا حَفِظْنَا وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي وَنَحْنُ نُخْطِئُ وَمَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْخَطَأِ ؟ وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ ذَلِكَ مِثَالًا لِلْمُنْكَرِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفَرُّدِ مَالِكٍ مِنْ بَيْنِ الثِّقَاتِ بِاسْمِ هَذَا الرَّاوِي مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثِقَةٌ نَكَارَةُ الْمَتْنِ وَلَا شُذُوذُهُ ، بَلِ الْمَتْنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ صَحِيحٌ ، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ السَّنَدُ مُنْكَرًا أَوْ شَاذًّا لِمُخَالَفَةِ الثِّقَاتِ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَالنَّكَارَةُ تَقَعُ فِي كُلٍّ مِنَ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ ( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) الْحِبِّ ابْنِ الْحِبِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ) وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، هَكَذَا بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَاخْتَصَرَهُ مَالِكٌ كَأَنَّهُ قَصَدَ إِلَى النُّكْتَةِ الَّتِي لِلْقَوْلِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَقَطَعَ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْأَثَرِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةً ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ لَا عَكْسَهُ كَمَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا ، وَأَمَّا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرْثُ الْمُسْلِمَ فَلَا دَخْلَ لِلْقَوْلِ فِيهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، وَقَدِ احْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَفْضِيلُ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْإِرْثِ فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الصَّرِيحُ لِذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالَّذِي عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ ذَلِكَ فَالسُّنَّةُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُ مَحْجُوجٌ بِهِ .
1084 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ : أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَلَكَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . 1107 1084 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ) القرشي مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ شَيْخِ مَالِكٍ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ ( أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَلَكَ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ .
1083 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً تُوُفِّيَتْ ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ : مَنْ يَرِثُهَا ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ، ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : أَتُرَانِي نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ؟ . 1106 1083 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ) بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ الْكُوفِيَّ ، ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً تُوُفِّيَتْ وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ لَهُ : مَنْ يَرِثُهَا ؟ قَالَ عُمَرُ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ الْغرْسِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ خِلَافَ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : أَهْلُ الشِّرْكِ نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فَلَعَلَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ هَذَا إِلَى مَا قَبْلَهُ . ( ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ ) فِي خِلَافَتِهِ ( فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : أَتُرَانِي نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا ؟ ) وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذَا وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْمَرْفُوعِ الْإِشَارَةُ لِبَقَاءِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا يَطْرُقُهُ احْتِمَالُ نَسْخٍ ، وَتَابَعَ مَالِكًا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْأَثَرِ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ .
1082 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ إِنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ ، وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ ، قَالَ : فَلِذَلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنْ الشِّعْبِ . 1105 1082 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) الْمُلَقَّبِ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ الْمَدْفُونِ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ عَمِّهِ الْحَسَنِ وَجَدَّتِهِ فَاطِمَةَ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ مَشْهَدِهِ بمصر لَمْ يَصِحَّ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ إِنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ ) عَبْدَ مَنَافٍ ، أَوِ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ وَشَذَّ مَنْ قَالَ اسْمُهُ عِمْرَانُ بَلْ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ ( عَقِيلٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ الصَّحَابِيُّ ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى الْفَتْحِ ، وَقِيلَ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهَاجَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ ( وَطَالِبٌ ) الَّذِي يُكَنَّى بِهِ ، وَمَاتَ كَافِرًا قَبْلَ بَدْرٍ لِأَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ وَقْتَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ ( وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيٌّ ) وَلَا جَعْفَرٌ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ كَمَا جَاءَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . ( قَالَ ) عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ : ( فَلِذَلِكَ ) أَيْ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ ( تَرَكْنَا نَصِيبَنَا ) أَيْ حِصَّةَ جَدِّهِمْ عَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ ( مِنَ الشِّعْبِ ) بِكَسْرٍ فَإِسْكَانٍ ، كَانَ مَنْزِلُ بَنِي هَاشِمٍ غَيْرَ مَسَاكِنِهِمْ ، كَانَ لِهَاشِمٍ ثُمَّ صَارَ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَّمَهُ عَبْدُ الْمُطَّلَبِ بَيْنَ بَنِيهِ حِينَ ضَعُفَ بَصَرُهُ وَصَارَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَظُّ أَبِيهِ ، كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ ، مَعَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، فَلَعَلَّ أَعْمَامَ الْمُصْطَفَى جَعَلُوا لَهُ حَظَّ أَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا ، فَيَكُونُ ابْتِدَاءً عَطِيَّةً مِنْ أَعْمَامِهِ ، أَوْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَسَّمَهُ فِي حَيَاةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا مَاتَ صَارَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَظُّ أَبِيهِ ، وَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَافِقُونَ شَرْعَنَا وَإِلَّا فَلَا إِشْكَالَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ لِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْهِجْرَةَ لَمَّا وَقَعَتِ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَّفَهُ أَبُو طَالِبٍ وَكَانَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَّفَهُ أَبُو النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ شَقِيقُهُ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِ جَدِّهِ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَّفَ أَبُو طَالِبٍ ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا وَأَقَرَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِيلًا عَلَى مَا يَخُصُّهُ هُوَ تَفْضِيلًا عَلَيْهِ أَوِ اسْتِمَالَةً تَأْلِيفًا أَوْ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تُصَحَّحُ أَنْكِحَتُهُمْ . وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ بِيَدِ أَوْلَادِ عَقِيلٍ حَتَّى بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ .
6 - بَاب مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ كَمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ سَوَاءٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُشَرَّكُونَ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي شَرَّكَهُمْ فِيهَا بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ وِلَادَةِ الْأُمِّ الَّتِي جَمَعَتْ أُولَئِكَ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ فَكَانَ فِي بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ذَكَرٌ ، فَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي الْأَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْإِنَاثِ لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ ؛ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ وَيُفْرَضُ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ تَتِمَّةَ الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ذَكَرٌ فَلَا فَرِيضَةَ لَهُنَّ وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الْفَرَائِضِ الْمُسَمَّاةِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْإِنَاثِ فُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَلَا مِيرَاثَ مَعَهُنَّ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ بُدِئَ بِمَنْ شَرَّكَهُمْ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَأُعْطُوا فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَلِبَنِي الْأُمِّ مَعَ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ وَمَعَ بَنِي الْأَبِ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ ، وَلِلْاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ . 6 - بَابُ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ) أَيِ الْأَشِقَّاءِ ( كَمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ سَوَاءٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُشَرَّكُونَ مَعَ بَنِي الْأُمِّ فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي شَرَكَهُمْ فِيهَا بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ) وَهِيَ السَّابِقَةُ فَوْقَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ( لِأَنَّهُمْ ) أَيِ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ ( خَرَجُوا مِنْ وِلَادَةِ الْأُمِّ ) أَيْ إِنَّهَا لَمْ تَلِدْهُمُ الْأُمُّ ( الَّتِي جَمَعَتْ أُولَئِكَ ) أَيِ الْأَشِقَّاءَ إِذِ الْأُمُّ مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ يَجْتَمِعُوا فِي الْوِلَادَةِ فَيُسْقَطُونَ ( قَالَ مَالِكٌ ) مُوَضِّحًا لِمَا حُكِيَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ : ( فَإِنِ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبِ فَكَانَ فِي بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ ذَكَرٌ فَلَا مِيرَاثَ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي الْأَبِ ) لِتَقْدِيمِ الْأَشِقَّاءِ عَلَيْهِمْ لِإِدْلَائِهِمْ بِجِهَتَيْنِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنُو الْأَبِ وَالْأُمِّ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْإِنَاثِ ) اثْنَتَانِ فصاعدا ( لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ وَيُفْرَضُ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ تَتِمَّةَ الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ ذَكَرٌ فَلَا فَرِيضَةَ لَهُنَّ وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الْفَرَائِضِ الْمُسَمَّاةِ فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ ) فَإِنْ كَانَتْ شَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ أُعْطِيَتِ النِّصْفَ ، وَاثْنَتَانِ فَأَكْثَرُ الثُّلُثَيْنِ ( فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ) كَمَا فِي الْمُشْتَرَكَةِ السَّابِقَةِ ( فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ امْرَأَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْإِنَاثِ فُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 176 ] ( وَلَا مِيرَاثَ مَعَهُنَّ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ بُدِئَ بِمَنْ شَرَّكَهُمْ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّاةٍ فَأُعْطُوا فَرَائِضَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلٌ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ) لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَسْقُطُونَ بِاسْتِغْرَاقِ الْفُرُوضِ ( وَلِبَنِي الْأُمِّ مَعَ بَنِي الْأَبِ وَالْأُمِّ وَمَعَ بَنِي الْأَبِ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ وَلِلِاثْنَيْنِ فصاعدا الثُّلُثُ ، لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ ) لِوِرَاثَتِهِمْ بِالْأُمِّ .
8 - بَاب مَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ مِنْ النِّسَاءِ 1109 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا . 8 - بَابُ مَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ مِنَ النِّسَاءِ . 1129 1109 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ) فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ( وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ) نِكَاحًا وَمِلْكًا ، وَحَيْثُ حَرُمَ الْجَمْعُ فَلَوْ نَكَحَهُمَا مَعًا بَطَلَ نِكَاحُهُمَا إِذْ لَيْسَ تَخْصِيصُ إِحْدَاهُمَا بِالْبُطْلَانِ بِأَوْلَى مِنَ الْأُخْرَى ، فَإِنْ نَكَحَهُمَا مُرَتِّبًا بَطُلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا ، لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ ، وَالصُّغْرَى بِنْتُ الْأَخِ وَبِنْتُ الْأُخْتِ ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ عَلَى جِهَةِ التَّأْكِيدِ وَالْبَيَانِ ، وَلِذَا لَمْ يَجِئْ بَيْنَهُمَا بِالْعَاطِفِ ، قَالَ عِيَاضٌ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَخْذِ بِهَذَا النَّهْيِ إِلَّا طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ] ثُمَّ قَالَ : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ] وَقَالُوا : الْحَدِيثُ خَبَرُ وَاحِدٍ ، وَالْآحَادُ لَا تُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَلَا تَنْسَخُهُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُ مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ ، وَلِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَهِيَ مَا تَحْمِلُ عَلَيْهِ الْغَيْرَةُ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مَوْجُودَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَقَاسَ بَعْضُ أَهْلِ السَّلَفِ عَلَيْهِ جُمْلَةَ الْقَرَابَةِ فَمَنَعَ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَقَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ أَوْ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُهُ مِنَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَنَرَى عَمَّةَ أَبِيهَا وَخَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ عَمَّةٍ وَخَالَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَكُونُ أُخْتًا لِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْكَ وِلَادَةٌ ، فَأُخْتُ الْجَدِّ لِلْأَبِ عَمَّةٌ وَأُخْتُ الْجَدِّ لِلْأُمِّ خَالَةٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْعَمَّةُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هِيَ أُخْتُ الْأَبِ ، وَتُطْلَقُ أَيْ مَجَازًا عَلَى أُخْتِ الْجَدِّ أَوْ أَبِ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا . وَالْخَالَةُ أُخْتُ الْأُمِّ وَتُطْلَقُ عَلَى أُخْتِ أُمِّ الْأُمِّ أَوْ أُمِّ الْجَدَّةِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْجَدَّةُ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1110 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يُنْهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا ، وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ . 1130 1110 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يُنْهَى ) تَحْرِيمًا ( أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا ) وَكَذَا الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ وَبِنْتِ الْأُخْتِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ : الْمَرْأَةُ وَعَمَّتُهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ وَلَا بِنْتُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ ( وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً ) أَيْ أَمَةً ( وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
11 - بَاب جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ 1113 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ . 11 - بَابُ جَامِعِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ 1134 1113 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) تَحْرِيمًا ( عَنِ الشِّغَارِ ) هَكَذَا لِجُلِّ الرُّوَاةِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ بِمُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَكْسُورَةٌ فَأَلِفٌ فَرَاءٌ مَصْدَرُ شَاغَرَ يُشَاغِرُ شِغَارًا وَمُشَاغَرَةً . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ ( وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ ) أَوْ أُخْتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ( عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ آخَرُ ابْنَتَهُ ) أَوْ وَلِيَّتَهُ ( لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ ) بَلْ يَضَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَدَاقَ الْأُخْرَى ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : شَغَرَ الْبَلَدُ عَنِ السُّلْطَانِ إِذَا خَلَا عَنْهُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الصَّدَاقِ أَوْ لِخُلُوِّهِ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِطِ . وَقَالَ ثَعْلَبٌ : مِنْ قَوْلِهِمْ شَغَرَ الْكَلْبُ إِذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ كَأَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَلِيَّيْنِ يَقُولُ لِلْآخَرِ : لَا تَرْفَعُ رِجْلَ ابْنَتِي حَتَّى أَرْفَعَ رِجْلَ ابْنَتِكَ ، وَفِي التَّشْبِيهِ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْقَبِيحَةِ تَقْبِيحٌ لِلشِّغَارِ وَتَغْلِيظٌ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَأَكْثَرُ رُوَاةِ مَالِكٍ لَمْ يَنْسُبُوا هَذَا التَّفْسِيرَ لِأَحَدٍ ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا أَدْرِي أَهُو مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ نَافِعٍ أَوْ مَالِكٍ ؟ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَقَالَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ : هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَصَلَهُ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : قَوْلُهُ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ مَرْفُوعًا اتِّفَاقًا وَبَاقِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي ، انْتَهَى . وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ : فَفِي مُسْلِمٍ هُنَا وَالْبُخَارِيِّ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِنَافِعٍ : مَا الشِّغَارُ ؟ قَالَ : فَذَكَرَهُ ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ : الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ . قَالَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ : كَانَ الشِّغَارُ مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ ، يَقُولُ شَاغِرْنِي وَلِيَّتِي بِوَلِيَّتِكَ أَيْ عَاوِضْنِي جِمَاعًا بِجِمَاعٍ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَيْرَ الْبِنْتِ مِنَ الْإِمَاءِ وَالْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ حُكْمُ الْبِنْتِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْأُبِّيُّ بِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ اخْتِصَاصُهُ بِذَوَاتِ الْجَبْرِ وَهُوَ فِي غَيْرِهِنَّ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تُزَوَّجُ عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ فَيَمْضِي بِالدُّخُولِ ، قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِيمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الشِّغَارِ زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ : أَنْ يَقُولَ : زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ابْتِدَاءً ؛ فَإِنْ وَقَعَ أَمْضَاهُ الْكُوفِيُّونَ والليث وَالزَّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ ؛ إِذَا صُحِّحَ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ ، وَأَبْطَلَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْبُطْلَانِ فَقِيلَ : لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرْجَيْنِ مَعْقُودٌ بِهِ وَعَلَيْهِ ، وَقِيلَ : لِخُلُوِّهِ مِنَ الصَّدَاقِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فَسَادُهُ فِي عَقْدِهِ فَيُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ ، وَعَلَى الثَّانِي فَسَادُهُ فِي صَدَاقِهِ فَيَمْضِي بِالْبِنَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ غَيْرُهُ : وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي النَّهْيِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ ؟ أَوْ لِلْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمَا أَدْرَى بِمَا سَمِعَا لِأَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ عَالِمَانِ بِمَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِذَا كَانَ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ فَإِنَّهُ عَجَمِيٌّ تَعَرَّبَ ، وَلِذَا اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَلَيْسَ الْبُطْلَانُ لِتَرْكِ ذِكْرِ الصَّدَاقِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِدُونِ تَسْمِيَتِهِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ يُشْعِرُ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ تَرْكُ ذِكْرِ الصَّدَاقِ ، انْتَهَى . أَيْ مَعَ جَعْلِ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى وَهَذَا صَرِيحُ الشِّغَارِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : يُفْسَخُ وَإِنْ طَالَ وَوَلَدَتِ الْأَوْلَادَ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : بِطَلَاقٍ . وَأَمَّا وَجْهُ الشِّغَارِ وَهُوَ أَنْ يُسَمِّيَ لِكُلٍّ صَدَاقًا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ كُلًّا مِنْهُمَا الْآخَرُ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا وَهُوَ أَنْ يُسَمَّى لِإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا وَالْأُخْرَى بِلَا صَدَاقٍ فَالْمُسَمَّى لَهَا حُكْمُ وَجْهِهِ وَالْأُخْرَى كَصَرِيحِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ ، وَأَيُّوبُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَابَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا .
1114 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ : أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ . 1135 1114 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ بَعْدَهَا ( عَنْ أَبِيهِ ) الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ أَخِي عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ ، يُقَالُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ( وَ ) عَنْ أَخِيهِ ( مُجَمِّعٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ الْمَكْسُورَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ ( ابْنَيْ ) بِالتَّثْنِيَةِ ( يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ( ابْنِ جَارِيَةَ ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الْأَوْسِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ . وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : يَزِيدُ بْنُ جَارِيَةَ وَقِيلَ زَيْدٌ فَجَعَلَهُمَا وَاحِدًا وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا أَخَوَانِ ، قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ ( عَنْ خَنْسَاءَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ فَمُهْمَلَةٍ ، مَهْمُوزٌ مَمْدُودٌ ( بِنْتِ خِدَامٍ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالتَّقْرِيبِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ الْأَوْسِيَّةِ زَوْجِ أَبِي لُبَابَةَ صَحَابِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ( أَنَّ أَبَاهَا ) خِدَامًا الصَّحَابِيَّ ، يُقَالُ هُوَ ابْنُ وَدِيعَةَ وَيُقَالُ ابْنُ خَالِدٍ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : يُكَنَّى أَبَا وَدِيعَةَ ( زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ) لَمَّا تَأَيَّمَتْ مِنْ أُنَيْسِ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ حِينَ قُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيُّ عَنِ الْخَنْسَاءِ نَفْسِهَا ، وَأُنَيْسٌ بِالتَّصْغِيرِ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ أَنَسًا ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي الْمُبْهَمَاتِ لِلْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيِّ أَنَّ اسْمَهُ أُسَيْرٌ وَأَنَّهُ مَاتَ بِبَدْرٍ ( فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ) الرَّجُلَ الَّذِي أَنْكَحَهَا أَبُوهَا إِيَّاهُ ، لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ، قَالَ : نَعَمْ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ مِنْ مُزَيْنَةَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ( فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي أَنْكَحَنِي رَجُلًا وَإِنَّ عَمَّ وَلَدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ( فَرَدَّ نِكَاحَهُ ) وَجَعَلَ أَمْرَهَا إِلَيْهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ . وَلَهُ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي وَأَنَا كَارِهَةٌ وَقَدْ مَلَكْتُ أَمْرِي ، قَالَ : فَلَا نِكَاحَ لَهُ ، انْكِحِي مَنْ شِئْتِ ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ وَنَكَحَتْ أَبَا لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيَّ . وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أُنَيْسِ بْنِ قَتَادَةَ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ فَكَرِهَتْهُ وَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهُ فَتَزَوَّجَهَا أَبُو لُبَابَةَ فَجَاءَتْ بِالسَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْقَوْلِ بِهِ لِأَنَّ مَنْ قَالَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، قَالَ : لَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ وَلِيُّهَا أَبًا أَوْ غَيْرَهُ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرًا وَأَجَازَهُ بِلَا وَلِيٍّ فَأَوْلَى بالعمل بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الثَّيِّبَ لَا يَجُوزُ لِأَبِيهَا وَلَا غَيْرِهِ جَبْرُهَا عَلَى النِّكَاحِ ، إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ : نِكَاحُ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى بِنْتِهِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا أُكْرِهَتْ أَمْ لَا ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِقَوْلِهِ فِي الثَّيِّبِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَاخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِهِ وَلَوْ رَضِيَتْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لِخَنْسَاءَ إِلَّا أَنْ تُجِيزِي ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : إِلَّا أَنْ تَرْضَى بِالْقُرْبِ بِالْبَلَدِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَفَوْرٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَهَا أَنْ تُجِيزَهُ فَيَجُوزَ أَوْ تُبْطِلَهُ فَيَبْطُلَ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَأَمَّا حَدِيثُ النَّسَائِيِّ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهَا فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُؤٍ أَمَّا إِذَا زَوَّجَهَا بِكُفُؤٍ فَيَنُفُذُ وَلَوْ طَلَبَتْ هِيَ كُفُؤًا غَيْرَهُ لِأَنَّهَا مُجْبَرَةٌ فَلَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ الْأَزْوَاجِ ، وَالْأَبُ أَكْمَلُ نَظَرًا مِنْهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُجْبِرِ فَلَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا مِمَّنْ عَيَّنَتْهُ لِأَنَّ إِذْنَهَا شَرْطٌ فِي أَصْلِ تَزْوِيجِهَا فَاعْتُبِرَ تَعْيِينُهَا ، انْتَهَى ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْبِكْرِ مَعَ الْأَبِ وَلَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفُؤٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا بِذِي عَيْبٍ لَيْسَ لِلْأَبِ جَبْرُهَا عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَيَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ بِفَتَحَاتٍ ، كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ .
1115 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَالَ : هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ . 1136 1115 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( الْمَكِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ( بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَالَ : هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . ( وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وَالدَّالِ أَيْ سَبَقْتُ غَيْرِي ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ بِضَمِّ التَّاءِ وَالْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ سَبَقَنِي غَيْرِي ( فِيهِ لَرَجَمْتُ ) فَاعِلَهُ ، وَجَعَلَهُ سِرًّا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتِمَّ فِيهِ ، وَقَدْ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لَا دَخْلَ فَإِنَّمَا يَصِحُّ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ الْعَقْدَ بِدُونِ شَهَادَةٍ ثُمَّ يَشْهَدَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَقَالَ : نِكَاحُ السِّرِّ مَا أُوصِيَ بِكَتْمِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ : مَا لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ ، وَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
1116 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا . قَالَ مَالِكٌ : وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، إِنَّهَا لَا تَنْكِحُ إِنْ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا ، حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ إِذَا خَافَتْ الْحَمْلَ . 1137 1116 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ طُلَيْحَةَ ) بِنْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ ( الْأَسْدِيَّةَ ) لَهَا إِدْرَاكٌ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا وَقَعَ الْأَسْدِيَّةُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَهُوَ خَطَأٌ وَجَهْلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَيْمِيَّةٌ أُخْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدِ الْعَشَرَةِ التَّيْمِيِّ ( كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ ( الثَّقَفِيِّ ) الطَّائِفِيِّ ثُمَّ الْمَدَنِيِّ مُخَضْرَمٌ ( فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا ) رَجُلًا غَيْرَ مُطَلِّقِهَا ( فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْقَافِ ، هَكَذَا ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي نُسَخٍ قَدِيمَةٍ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الدِّرَّةُ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا ، وَفِي الْقَامُوسِ كَمِكْنَسَةٍ أَيْ بِوَزْنِهَا فَوَافَقَ الضَّبْطَ الْمَذْكُورَ ( ضَرَبَاتٍ ) تَعْزِيرًا لَهُمَا عَلَى الْعَقْدِ فِي الْعِدَّةِ ( وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا ) فِي الْعِدَّةِ ( لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ ) بَعْدَ تَمَامِ الْعِدَّةِ ( خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ) لَهَا فَتَنْكِحُ مَنْ شَاءَتْ وَلَا يَكُونُ الْآخَرُ أَحَقَّ بِهَا ( فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ) الْآخَرُ ( فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الْآخِرِ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ( ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ) لِتَأَبُّدِ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا ) مِنَ الْوَطْءِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَعْتَدُّ ) وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِالْحُرَّةِ وَإِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ كَذَلِكَ ( لِقَوْلِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) إِذِ شَهْرَانِ وَخَمْسٌ أَوْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ وَالْمُرَادُ الْمُعْتَدَّةُ ( إِنَّهَا لَا تَنْكِحُ بَعْدَهَا إِنِ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ إِذَا خَافَتِ الْحَمْلَ ) إِذْ عِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
10 - بَاب نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَةٍ قَدْ أَصَابَهَا عَلَى وَجْهِ مَا يَكْرَهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهَا : إِنَّهُ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا وَيَنْكِحُهَا ابْنُهُ إِنْ شَاءَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَهَا حَرَامًا ، وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ بِالنِّكَاحِ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ النساء : 22 ] . قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا نِكَاحًا حَلَالًا فَأَصَابَهَا ، حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ نَكَحَهَا عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ بِأَبِيهِ ، وَكَمَا حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي عِدَّتِهَا وَأَصَابَهَا ، فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ ابْنَتُهَا إِذَا هُوَ أَصَابَ أُمَّهَا . 10 - بَابُ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَةٍ قَدْ أَصَابَهَا عَلَى وَجْهٍ مَا يُكْرَهُ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهَا أَنَّهُ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا وَيُنْكِحُهَا ابْنَهُ إِنْ شَاءَ ) وَأَوْلَى إِنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ ( وَذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَهَا حَرَامًا ) وَهُوَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ( وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ بِالنِّكَاحِ ) الَّذِي يَدْرَأُ الْحَدَّ ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَالنِّكَاحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ الْحَلَالُ لَا الزِّنَى . ( فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا نِكَاحًا حَلَالًا ) بِاسْتِنَادِهِ لِعَقْدٍ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ ( فَأَصَابَهَا حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ نَكَحَهَا عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ ) لِلشُّبْهَةِ ( وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ بِأَبِيهِ ) لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يَدْرَأُ الْحَدَّ وَيُلْحِقُ بِهِ الْوَلَدَ ( وَكَمَا حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي عِدَّتِهَا وَأَصَابَهَا فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ ابْنَتُهَا إِذَا هُوَ أَصَابَ أُمَّهَا ) لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُصِبْهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ عَلَى الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ فَأَوْلَى الْفَاسِدُ .
1112 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتُفْتِيَ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الْابْنَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ الِابْنَةُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ ، فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا : إِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُفَارِقُهُمَا جَمِيعًا وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ أَبَدًا إِذَا كَانَ قَدْ أَصَابَ الْأُمَّ ؛ فَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأُمَّ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَفَارَقَ الْأُمَّ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا : إِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا أَبَدًا ، وَلَا تَحِلُّ لِأَبِيهِ وَلَا لِابْنِهِ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ ابْنَتُهَا ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [ النساء : 23 ] فَإِنَّمَا حَرَّمَ مَا كَانَ تَزْوِيجًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَا ، فَكُلُّ تَزْوِيجٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ يُصِيبُ صَاحِبُهُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا . 1131 1112 - ( مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتُفْتِيَ ) طُلِبَ مِنْهُ الْفَتْوَى ( وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الِابْنَةِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الِابْنَةُ مُسَّتْ ) جُومِعَتْ ( فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ يَعُمُّهُمَا ( ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ ، فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَنْزِلِهِ ) بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ سَاكِنُهَا ( حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ ) رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ رَأَى أُمَّهَا فَعَجِبَتْهُ فَأَفْتَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَتَزَوَّجَ أُمَّهَا إِنْ كَانَ لَمْ يَمَسَّهَا ، فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، ثُمَّ أَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ قَالَ لِلرَّجُلِ : إِنَّهَا عَلَيْكَ حَرَامٌ فَفَارِقْهَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي رَدَّ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ . وَقَوْلُهُ فَفَارِقْهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمْرٌ وَأَنَّهُ فِعْلٌ فَيَكُونُ الرَّجُلُ امْتَثَلَ وَفِي هَذَا وَنَحْوِهِ الِاحْتِجَاجُ بِعَمَلِ الْمَدِينَةِ لِرُجُوعِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ اجْتِهَادِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَفْتَى بِالِاجْتِهَادِ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْأُمِّ إِذَا لَمْ يُدْخَلْ بِالْبِنْتِ ، وَقَالَ : الشَّرْطُ الَّذِي فِي آخِرِ الْآيَةِ يَعُمُّ الْأُمَّهَاتِ وَالرَّبَائِبَ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ لِقَوْلِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : إِنَّ الْخَبَرَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الِاسْمَانِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ ، فَلَا يُقَالُ : قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو الظَّرِيفَانِ ، وَعَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ ، وَبَيَانُهُ فِي الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ : اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ] يَعُودُ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إِلَى نِسَائِكُمْ وَهُوَ مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ وَإِلَى رَبَائِبِكُمْ وَهُوَ مَرْفُوعٌ ، وَالصِّفَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِمُخْتَلِفَيِ الْإِعْرَابِ وَلَا بِمُخْتَلِفَيِ الْعَامِلِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا : إنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُفَارِقُهُمَا جَمِيعًا وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ أَبَدًا إِذَا كَانَ قَدْ أَصَابَ الْأُمَّ ، فَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْأُمَّ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَفَارَقَ الْأُمَّ ) وَبَقِيَ عَلَى امْرَأَتِهِ الْبِنْتِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا ) يَعْقِدُ عَلَيْهَا ( فَيُصِيبُهَا : إنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا أَبَدًا وَلَا تَحِلُّ لِأَبِيهِ وَلَا لِابْنِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ ابْنَتُهَا وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ ) لِمَسِّهِمَا مَعًا ، فَإِنْ لَمْ يَمَسَّ الْأُمَّ فَارَقَهَا وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ كَمَا قَالَ قَبْلُ . ( قَالَ مَالِكٌ ) هَذَا كُلُّهُ فِي النِّكَاحِ ( فَأَمَّا الزِّنَى فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ فَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِالْبِنْتِ فَزَنَى بِالْأُمِّ أَوْ عَكْسُهُ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَفَعَاهُ : لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ لَكِنَّهُمَا ضَعِيفَا السَّنَدِ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِمَا ( لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَ ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ( أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ فَإِنَّمَا حَرَّمَ مَا كَانَ تَزْوِيجًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَى ) وَالنِّكَاحُ شَرْعًا إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى وَطْءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَطْءِ . ( فَكُلُّ تَزْوِيجٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ يُصِيبُ صَاحِبُهُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ ) فَيَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَحْضَ زِنًى لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ ( فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَعَلَيْهِ جُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، بَلْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَشْيَاخِ مِنْهُمْ سَحْنُونٌ بِأَنْ جَمِيعَهُمْ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنْ زَنَى بِأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوِ ابْنَتِهَا فَلْيُفَارِقْهَا ، حَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَاللَّخْمِيُّ ، وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، أَيْ كَرَاهَةِ الْبَقَاءِ مَعَهَا وَاسْتِحْبَابِ فِرَاقِهَا ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إِلَى تَرْجِيحِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَنَّ دَلِيلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّحْرِيمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَالْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ - ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ عُمْدَتَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 22 ] فَحَمَلُوا وَلَا تَنْكِحُوا عَلَى الْعَقْدِ ، مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ عَلَى الْوَطْءِ ، وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ النِّكَاحَ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ إِلَّا مَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ ، نَحْوُ : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 230 ] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [ سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 3 ] وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا [ سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 33 ] وَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَئِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِـ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ الْوَطْءُ ، فَالْمَعْنَى بِهِ الْوَطْءُ الْحَلَالُ لِأَنَّهُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ اسْمُ النِّكَاحِ ، أَمَّا الزِّنَى فَيُقَالُ فِيهِ سِفَاحٌ ، وَأَيْضًا فَالزِّنَى لَا تَثْبُتُ بِهِ الْعِدَّةُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمٌ كَاللِّوَاطِ ، وَأَيْضًا الْحُرْمَةُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ كَالْإِحْصَانِ وَالنَّفَقَةِ وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَلَا يَثْبُتُ بِالزِّنَى ، فَإِنْ قِيلَ : هُوَ تَحْرِيمٌ يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ كَتَحْرِيمِ الْفِطْرِ بِهِ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِهِ وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي إِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي الْإِفْسَادِ اللِّوَاطُ وَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ .
9 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ 1111 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا ؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا ، الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ . 9 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ . 1131 1111 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ) أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا ( ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا ) أَيْ يُجَامِعَهَا ( هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا ؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا ) تَحِلُّ لَهُ ( الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ ) عَنِ الْبَيَانِ فَلَا تَحِلُّ بِحَالٍ إِذْ ( لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ ) بِالدُّخُولِ ( وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ] وَلَمَّا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : هَذَا مِنْ مُبْهَمِ التَّحْرِيمِ الَّذِي لَا وَجْهَ فِيهِ غَيْرُ التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ دَخَلْتُمْ بِالنِّسَاءِ أَمْ لَا ، فَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ حَرُمْنَ عَلَيْكُمْ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَرَبَائِبُكُمْ إِلَخْ فَلَيْسَ مِنَ الْمُبْهَمَةِ لِأَنَّ لَهُنَّ وَجْهَيْنِ : أُحْلِلْنَ فِي أَحَدِهِمَا وَحُرِّمْنَ فِي الْآخَرِ ، فَإِذَا دَخَلَ بِأُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ حَرُمْنَ وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ الَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، نَقَلَهُ الْهَرَوِيُّ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ .
1107 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَصْلُحُ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا . 1127 1107 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( عَنْ ) عَمَّتِهِ ( عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ ) مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قَطَعَ الْعِصْمَةَ الَّتِي لَهُ بِهَا فَهِيَ الثَّلَاثُ ( فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَهَلْ تَصْلُحُ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ ) الَّذِي أَبَتَّهَا ( أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تَصْلُحُ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا ) فَأَفْتَتْ بِمَا رَوَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي امْرَأَةِ رِفَاعَةَ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَيُطَلِّقُهَا فَتَتَزَوَّجُ رَجُلًا فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا ، حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةِ رِفَاعَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قِصَّةٌ أُخْرَى وَلَا يَبْعُدُ التَّعَدُّدُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْكَافَّةُ ، وَانْفَرَدَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : تَحِلُّ بِالْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 230 ] وَرُدَّ بِأَنَّ الْآيَةَ وَإِنِ احْتَمَلَتِ الْعَقْدَ لَكِنَّ الْحَدِيثَ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَظُنُّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ، قَالَ غَيْرُهُ : وَلَمْ يُوَافِقْهُ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَشَذَّ فِي ذَلِكَ .
1108 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُحَلِّلِ : إِنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ نِكَاحًا جَدِيدًا ، فَإِنْ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ فَلَهَا مَهْرُهَا . 1127 1108 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا ) أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ( فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا ) لِأَنَّ الثَّانِيَ مَاتَ وَلَمْ يَمَسَّهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ إِذِ الْمَدَارُ عَلَى مَغِيبِ الْحَشَفَةِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُحَلِّلِ ) أَيِ الْمُتَزَوِّجِ مَبْتُوتَةً بِقَصْدِ إِحْلَالِهَا لِبَاتِّهَا ( إِنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهِ ذَلِكَ ) لِفَسَادِهِ ( حَتَّى يَسْتَقْبِلَ نِكَاحًا جَدِيدًا فَإِنْ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ ) الْفَاسِدِ ( فَلَهَا مَهْرُهَا ) عَلَيْهِ .
7 - بَاب نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَمَا أَشْبَهَهُ 1106 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِيرِ : أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا ، فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا ، فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ : لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ . 7 - بَابُ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَمَا أَشْبَهَهُ 1126 1106 - ( مَالِكٌ عَنِ الْمِسْوَرِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ( ابْنِ رِفَاعَةَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ ( الْقُرَظِيِّ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَقْبُولٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنِ الزَّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِيرِ ) التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ بِفَتْحِ الزَّايِ فِيهِمَا ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ بِضَمِّ الْأَوَّلِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ الْفَتْحُ فِيهِمَا كَسَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيهِمَا جَمِيعًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ عَلَى ضَمِّ الْأَوَّلِ ، فَقَوْلُهُ الصَّحِيحُ فَتْحُهُمَا أَيْ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ بِخِلَافِ جَدِّهِ فَإِنَّهُ بِفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنُ بَاطَيَا الْقُرَظِيُّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَيُقَالُ هُوَ ابْنُ الزَّبِيرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَوْسِيُّ ، كَذَا ذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نُسِبَ إِلَى زَيْدٍ لِشَيْءٍ صَنَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِلَّا فَالزَّبِيرُ بْنُ بَاطَيَا مَعْرُوفٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ، انْتَهَى . وَلِذَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْمُحَقِّقُونَ ، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ بَاطَيَا كَافِرًا يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ . ( أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ الْقُرَظِيَّ الصَّحَابِيَّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا أَرْسَلَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَوَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَنَفِيُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْمِسْوَرِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ ( طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَقِيلَ اسْمُهَا أُمَيْمَةُ وَقِيلَ : سُهَيْمَةُ ، وَقِيلَ : عَائِشَةُ ( بِنْتَ وَهْبٍ ) الْقُرَظِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ ، لَا أَعْلَمُ لَهَا غَيْرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ( فِي عَهْدِ ) أَيْ زَمَنِ ( رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : أَنَّهَا قَالَتْ : طَلَّقَنِي آخَرُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَالرِّوَايَاتُ تُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ بِلَا كَرَاهَةٍ ( فَنَكَحْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ ، الصَّحَابِيَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ ( فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ) لِاسْتِرْخَائِهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا شَبَّهَتْهُ بِذَلِكَ لِصِغَرِ ذَكَرِهِ أَوْ لِاسْتِرْخَائِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ إِذْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ إِلَى حَدٍّ لَا يَغِيبُ مَعَهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ ( فَفَارَقَهَا ) طَلَّقَهَا . قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا اتَّفَقَ بَعْدَ شِكَايَتِهَا لِلْمُصْطَفَى وَمُبَاكَرَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهَا . فَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ : وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ ، قَالَ : كَذَبَتْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ ( فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ) بِالثَّلَاثِ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي ذَكَرَتْ وَلَا خُلْفَ لِجَوَازِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : وَكَانَ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ ، فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ . وَقَوْلُهَا لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ - صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا لَا مَرَّةً وَلَا أَزَيْدَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهَا إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يُرِدِ الْقُرْبَ مِنِّي بِقَصْدِ الْوَطْءِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَبِهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْمُوَطَّأِ : فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ( وَقَالَ : لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ السِّينِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ ، شَبَّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ الْعَسَلِ وَحَلَاوَتِهِ فَاسْتَعَارَ لَهَا ذَوْقًا وَأَنَّثَ الْعَسَلَ فِي التَّصْغِيرِ لِأَنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَسَلِ ، أَوْ عَلَى إِرَادَةِ اللَّذَّةِ لِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ ، وَوَحَّدَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَطْءٍ مُتَعَدِّدٍ ، وَضُعِّفَ زَعْمُ أَنَّ التَّأْنِيثَ عَلَى إِرَادَةِ النُّطْفَةِ بِأَنَّ الْإِنْزَالَ لَا يُشْتَرَطُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، وَشَذَّ الْحَسَنُ فَقَالَ : الْعُسَيْلَةُ الْإِنْزَالُ رَعْيًا لِمَعْنَى الْعُسَيْلَةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ لَا حَتَّى إِلَخْ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : إِنْ كَانَ كَمَا وَصَفَتْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ فَلَا تَحِلُّ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا . وَالثَّانِي : إِنْ كَانَ يُرْجَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ طَمَعًا أَنْ يَكُونَ ، وَرُبَّمَا كَانَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : مَغِيبُ الْحَشَفَةِ هُوَ الْعُسَيْلَةُ ، وَأَمَّا الْإِنْزَالُ فَهُوَ الدُّبَيْلَةُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ فِي لَذَّةِ الْمُلَاعَبَةِ ، فَإِذَا أَوْلَجَ فَقَدَ عَسَّلَ ، ثُمَّ يَتَعَاطَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا فِيهِ عُلُوُّ نَفَسِهِ وَإِتْعَابُ نَفْسِهِ وَنَزْفُ دَمِهِ وَإِضْعَافُ أَعْضَائِهِ ، فَهُوَ إِلَى الدُّبَيْلَةِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْعُسَيْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِلَذَّةٍ وَخَتَمَ بِأَلَمٍ . قَالَ الْأُبِّيُّ : وَهَذَا مِنْهُ ذَهَابٌ إِلَى أَنَّ مَا قَبْلَ الْإِنْزَالِ أَمْتَعُ مِنْ سَاعَةِ الْإِنْزَالِ . قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَرَفَةَ : مَنْ لَهُ ذَوْقٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : سَاعَةُ الْإِنْزَالِ أَلَذُّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا ، وَإِنْ دَامَتْ قَتَلَتْ ، وَهُوَ يَنْحُو إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ .
1138 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلَا لَحْمٌ . 1158 1138 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ بَلَغَنِي ) وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُفِيرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُولِمُ بِالْوَلِيمَةِ مَا فِيهَا خُبْزٌ وَلَا لَحْمٌ ) قَالَ حُمَيْدٌ : قُلْتُ : بِأَيِّ شَيْءٍ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ يَعْنِي أَنَسًا ، قَالَ : تَمْرٌ وَسَوِيقٌ ، كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ : أَوْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ اسْمِ الَّتِي أَوْلَمَ عَلَيْهَا صَرِيحًا ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ لِحَدِيثِهَا عَنِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَدْخَلَهَا بَيْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ ، فَإِذَا جَرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ فَأَخَذْتُهُ فَطَحَنْتُهُ ، ثُمَّ عَصَدْتُهُ فِي الْبُرْمَةِ ، وَأَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ إِهَالَةٍ فَأَدَمْتُهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ طَعَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا حَدِيثُ شَرِيكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَسَوِيقٍ فَوَهْمٌ مِنْ شَرِيكٍ لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ ، أَوْ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ وَهُوَ جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ ، فَإِنَّ مُسْلِمًا ، وَالْبَزَّارَ ضَعَّفَاهُ ، وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ اهـ .
21 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ 1137 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . 21 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَلِيمَةِ هِيَ طَعَامُ النِّكَاحِ ، وَقِيلَ طَعَامُ الْإِمْلَاكِ خَاصَّةً ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَلْمِ وَهُوَ الْجَمْعُ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ . 1157 1137 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ جَاءَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ) تَعَلَّقَتْ بِجِلْدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ مِنْ طِيبِ الْعَرُوسِ هَذَا أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ . وَفِي حَدِيثٍ : وَبِهِ دِرْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَيْ أَثَرِهِ ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ عَنْ تَزَعْفُرِ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ ، وَقِيلَ يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْعَرُوسِ ، وَفِيهِ أَثَرٌ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِلشَّابِّ أَيَّامَ عُرْسِهِ ، وَقِيلَ : لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ ، وَقِيلَ : كَانَ مَنْ يَنْكِحُ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ يَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِصُفْرَةٍ عَلَامَةً لِلسُّرُورِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهُ أَوْلَى مَا قِيلَ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ جَوَازُ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ لِلرِّجَالِ ، وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ كَرَاهَةَ ذَلِكَ فِي اللِّحْيَةِ ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الثِّيَابِ وَاللِّحْيَةِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : رَوَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا ، وَأَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى الْعِمَامَةَ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهَذَا فِي الزَّعْفَرَانِ ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا يُنْفَضُ عَلَى الْجَسَدِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ . ( فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : مَهْيَمْ ؟ أَيْ : مَا هَذَا ؟ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ ، قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ افْتِقَادُ الْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَسُؤَالُهُ عَمَّا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِمْ ، وَلَيْسَ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ سُؤَالَ إِنْكَارٍ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنْكَارٌ لِأَنَّهُ كَانَ نَهَى عَنِ التَّضَمُّخِ بِالطِّيبِ ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّخْ بِهِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْعَرُوسِ . ( فَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ تُسَمَّ ، إِلَّا أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ بَكَّارٍ جَزَمَ بِأَنَّهَا ابْنَةَ أَبِي الْحَيْسَرِ ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ آخِرَهُ رَاءٌ ، وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ ، وَأَبَا عُثْمَانَ عَبْدَ اللَّهِ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا ؟ ) مَهْرًا ، وَفِي رِوَايَةٍ : كَمْ أَصْدَقْتَهَا ؟ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْمَهْرِ ، وَقَدْ يُشْعِرُ ظَاهِرُهُ احْتِيَاجَهُ إِلَى تَقْدِيرٍ لِأَنَّ كَمْ مَوْضُوعَةٌ لَهُ ، فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ أَقَلَّ الصَّدَاقِ مُقَدَّرٌ . ( فَقَالَ ) سُقْتُ إِلَيْهَا ( زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُ : هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَالنَّوَاةُ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : النَّوَاةُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ نَوَاةُ التَّمْرِ أَيْ وَزْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَصَحُّ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : النَّوَاةُ بِالْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ ذَهَبٌ إِنَّمَا هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : لَكِنَّ قَوْلَهُ مِنْ ذَهَبٍ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ صَرْفُ زِنَةِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَيَكُونُ زِنَتُهَا حِينَئِذٍ مِنَ الذَّهَبِ صَرْفُهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ . وَذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ فَإِنَّ الصَّرْفَ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّوَى مَا زِنَتُهُ نِصْفُ مِثْقَالٍ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَى الْوَزْنِ بِهِ عِنْدَهُمُ اهـ . لَكِنْ ضَعَّفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَالطِّيبِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ نَوَى التَّمْرِ بِأَنَّ زِنَتَهَا لَا تُضْبَطُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ زِنَةُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَرُبْعٍ ، وَأَرَادَ قَائِلُهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَقَلُّ الصَّدَاقِ ، وَلَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ دِينَارَيْنِ ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْ قَائِلِهِ ، بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ : لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَوَهِمَ الدَّاوَدِيُّ رِوَايَةَ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ : الصَّحِيحُ نَوَاةً ، وَلَا وَهْمَ فِيهِ عَلَى كُلِّ تَفْسِيرٍ ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاةُ تَمْرٍ كَمَا قَالَ أَوْ قَدْرًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ صَلُحَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَزْنُ كَذَا ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَرُبْعٍ وَوَهْمُهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَوَهِمَهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمِثْقَالَ دِرْهَمَانِ عَدَدًا ، وَدِرْهَمُ الْفِضَّةِ كَيْلًا دِرْهَمٌ وَخُمْسَانِ وَوَزْنُ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَرُبْعٍ مِنْ ذَهَبٍ أَكْثَرُ مِنْ مِثْقَالَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ . قَالَ الزَّوَاوِيُّ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَاهُ يَصِحُّ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ صَرَفَهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَرُبْعٍ كَمَا قُلْنَا فِي تَقْدِيرِ نَوَاةٍ ، وَلَا بُعْدَ فِي هَذَا لِلْمُتَأَمِّلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الْوَهْمِ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، قَالَ : وَيَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا ذَهَبًا زِنَتُهُ نَوَاةٌ ، وَالنَّوَاةُ وَزْنٌ مَعْرُوفٌ هُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ ، وَذَلِكَ ثَمَنُ أُوقِيَّةٍ لِأَنَّهَا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الصَّرْفِ وَلَا التَّأْوِيلِ اهـ . وَهُوَ حَسَنٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِي الْمَعْنَى قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّدَاقَ ذَهَبٌ وَزْنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ وَنِصْفٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ دَرَاهِمَ خَمْسَةٍ بِوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ مِنْ ذَهَبٍ بِلَفْظِ زِنَةٍ ، وَعَلَى الثَّانِي بِنَوَاةٍ ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونَ : أَمَّا تَعَلُّقُهُ بِزِنَةٍ فَلِأَنَّهُ مَصْدَرُ وَزَنَ ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِنَوَاةٍ فَيَصِحُّ أَنَّهُ مِنْ تَعَلُّقِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ ، أَيْ نَوَاةٍ كَائِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا عَدْلُهَا دَرَاهِمَ أَوْ يَكُونُ هُوَ الْمَوْزُونُ بِهَا ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلصَّحِيحِ : فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ ( أَوْلِمْ ) أَمْرُ نَدْبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ لِلْوُجُوبِ لِحَدِيثِ : مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ الْمَازَرِيُّ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ لَا فِي تَرْكِ الْوَلِيمَةِ ، وَلَا بُعْدَ فِي أَنَّ الدَّعْوَةَ لَا تَجِبْ ، وَالْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ كَالسَّلَامِ لَا يَجِبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ وَرَدُّهُ وَاجِبٌ . وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ بِأَنَّ الْعِصْيَانَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَالْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ اهـ . وَالْأَوَّلُ الصَّوَابُ لِاقْتِضَاءِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعِصْيَانِ مَعَ أَنَّهُ إِثْمٌ ( وَلَوْ بِشَاةٍ ) لَوْ تَقْلِيلِيَّةٌ لَا امْتِنَاعِيَّةٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ التَّوْسِعَةُ فِيهَا لِلْوَاجِدِ بِذَبْحٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَنَّ الشَّاةَ لِأَهْلِ الْجَدَّةِ أَقَلُّ مَا يَكُونُ لَا التَّحْدِيدُ ، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي أَقَلُّ مِنْهَا لِمَنْ لَمْ يَجِدْهَا بَلْ عَلَى طَرِيقِ الْحَضِّ وَالْإِرْشَادِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهَا وَهِيَ بِقَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا دَلِيلَ فِيهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرَ ، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَوَجْهُهُ شُهْرَةُ الدُّخُولِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحُقُوقِ ، وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ ، وَعَنْ مَالِكٍ جَوَازُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابُهَا عند الْعَقْدُ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ ، وَاسْتَحَبَّهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لِيَكُونَ الدُّخُولُ بِهَا ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَكْرَارِهَا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ بِالْإِجَازَةِ وَالْكَرَاهَةِ ، وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا لِأَهْلِ السَّعَةِ أُسْبُوعًا ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَذَلِكَ إِذَا دَعَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْ لَمْ يَدْعُ قَبْلَهُ ، وَكَرَّهُوا فِيهَا الْمُبَاهَاةَ وَالسُّمْعَةَ اهـ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَلِيمَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِشْهَارِ النِّكَاحِ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ : اسْتُحِبَّ الْإِطْعَامُ فِي الْوَلِيمَةِ وَكَثْرَةُ الشُّهُودِ لِيَشْتَهِرَ النِّكَاحُ وَتَثْبُتُ مَعْرِفَتُهُ . وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يُولِمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ ، قِيلَ : فَمَنْ أَخَّرَ إِلَى السَّابِعِ ؟ قَالَ : فَلْيَجِبْ وَلَيْسَ كَالْوَلِيمَةِ . ابْنُ حَبِيبٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْإِطْعَامَ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ عَقْدِهِ وَلَفْظُ عِنْدَ يَحْتَمِلُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَكَيْفَمَا كَانَ ، فَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ ، لَكِنَّ تَقْدِيمَ إِشْهَارِهِ قَبْلُ أَفْضَلُ كَالْإِشْهَادِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالِكًا قَالَ بَعْدَهُ لِمَنْ فَاتَهُ قَبْلُ ، أَوْ لَعَلَّهُ اخْتَارَهُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الرِّضَا بِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الزَّوْجُ مِنْ حَالِ الزَّوْجَةِ ، وَالْمُبَاحُ مِنَ الْوَلِيمَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ سَرِفٍ وَلَا سُمْعَةٍ ، وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا يَوْمٌ وَاحِدٌ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَأُبِيحَ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَرُوِيَ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِي فَضْلٌ وَالثَّالِثُ سُمْعَةٌ ، وَأَجَابَ الْحَسَنُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَلَمْ يُجِبْ فِي الثَّالِثِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلُهُ . وَأَوْلَمَ ابْنُ سِيرِينَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلْيُولِمْ مِنْ يَوْمِ بِنَائِهِ إِلَى مِثْلِهِ ، يُرِيدُ إِذَا قَصَدَ إِشْهَارَ النِّكَاحِ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَى النَّاسِ لَا السُّمْعَةَ وَالْمُبَاهَاةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَشُعْبَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِيهِ قِصَّةٌ .
1140 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ، يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . 1160 1140 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيُّ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جُلُّ رُوَاةِ مَالِكٍ لَمْ يُصَرِّحُوا بِرَفْعِهِ ، وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ مُصَرِّحًا بِرَفْعِهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ مُصَرِّحًا بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( شَرُّ ) وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ : بِئْسَ ( الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يُرِيدُ مِنْ شَرِّ الطَّعَامِ ، فَإِنَّ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَكُونُ شَرًّا مِنْهُ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِقَوْلِهِ : ( يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ ) وَلِلتِّنِّيسِيِّ : الْفُقَرَاءُ ، يَعْنِي الْغَالِبَ فِيهَا ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ : طَعَامُ الْوَلِيمَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا هَذَا ، فَاللَّفْظُ وَإِنْ أَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدُ بِمَا ذَكَرَ عَقِبَهُ ، وَكَيْفَ يُرِيدُ بِهِ الْإِطْلَاقَ وَقَدْ أَمَرَ بِالْوَلِيمَةِ وَأَوْجَبَ إِجَابَةَ الدَّاعِي وَرَتَّبَ الْعِصْيَانَ عَلَى تَرْكِهَا ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْوَلِيمَةِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ مُرَاعَاةُ الْأَغْنِيَاءِ فِيهَا وَتَخْصِيصُهُمْ بِالدَّعْوَةِ وَإِيثَارُهُمْ . وَقَوْلُهُ : يُدْعَى إِلَخْ ، اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِكَوْنِهَا شَرَّ الطَّعَامِ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مِنْ ، وَقَوْلِهِ : وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ حَالٌ وَالْعَامِلُ يُدْعَى ، أَيْ يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْفُقَرَاءَ ، وَالْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ ، فَيَكُونُ الدُّعَاءُ سَبَبًا لِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ شَرَّ الطَّعَامِ ، وَقَوْلُ التَّنْقِيحِ جُمْلَةُ يُدْعَى فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطَعَامٍ رَدَّهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا صِفَةٌ لِلْوَلِيمَةِ عَلَى جَعْلِ اللَّامِ جِنْسِيَّةٍ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وَيُسْتَغْنَى حِينَئِذٍ عَنْ تَأْوِيلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا صِفَةً لِطَعَامٍ . اهـ . ( وَمَنْ لَمْ يَأْتِ ) وَلِلتِّنِّيسِيِّ : وَمَنْ تَرَكَ ( الدَّعْوَةَ ) بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْوَلِيمَةِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْعُرْسِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : بِفَتْحِ الدَّالِ دَعْوَةُ الطَّعَامِ ، أَمَّا دَعْوَةُ النَّسَبِ فَبِكَسْرِهَا ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعَرَبِ ، وَعَكَسَهُ تَيْمُ الرِّبَابِ بِكَسْرِ الرَّاءِ ، فَقَالُوا : الطِّعَامُ بِالْكَسْرِ وَالنَّسْخُ بِالْفَتْحِ ، وَقَوْلُ قُطْرُبٍ : دَعْوَةُ الطُّعَامِ بِالضَّمِّ غَلَّطُوهُ اهـ . وَالْمُرَادُ هُنَا دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الدَّعْوَةِ أَعَمَّ لِقَوْلِهِ : ( فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) إِذْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إِجَابَةُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَا يَقُولُهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ ، أَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ : بَيَّنَ الْحَدِيثُ وَجْهَ كَوْنِهِ شَرَّ الطَّعَامِ بِأَنَّهُ يُدْعَى لَهُ الْغَنِيُّ عَنْ أَكْلِهِ وَيُتْرَكُ الْمُحْتَاجُ لِأَكْلِهِ ، وَالْأَوْلَى الْعَكْسُ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْأَكْلِ ، إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحُرْمَةِ الْإِجَابَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى كَخَبَرِ : خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهًا آخِرُهَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ ، وَالْقَصْدُ مِنَ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْبَرَ بِحَالِ النَّاسِ وَاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ دُونَ الْمُحْتَاجِينَ وَكَانُوا أَوْلَى بِهَا لِسَدِّ خَلَّتِهِمْ ، وَخَيْرُ الْأَفْعَالِ أَكْثَرُهَا أَجْرًا ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَغْنِيَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُكَارَمَةِ ، وَإِنْ كَانَ رَفْعُهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَكُونُ بَعْدَهُ ، وَقَدْ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ تَخْصِيصَ الْأَغْنِيَاءِ بِالدَّعْوَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ أُمْرِنَا أَنْ لَا نُجِيبَ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَنْ فَارَقَ السُّنَّةَ فِي وَلِيمَتِهِ فَلَا دَعْوَةَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنْتُمُ الْعَاصُونَ فِي الدَّعْوَةِ . وَدَعَا ابْنُ عُمَرَ فِي وَلِيمَةٍ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ ، فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَمَعَهَا الْمَسَاكِينُ ، فَقَالَ لَهُمْ : هَاهُنَا فَاجْلِسُوا لَا تُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ ثِيَابَهُمْ فإنا سَنُطْعِمُكُمْ مِمَّا يَأْكُلُونَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ مَوْقُوفًا ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ ، وَمَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَتَابَعَ ابْنُ شِهَابٍ ، أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَتَابَعَ الْأَعْرَجُ ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَوْقُوفًا ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ : سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : شَرُّ الطَّعَامِ الْوَلِيمَةُ ، يَمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَخَالَفَ ثَابِتٌ وَهُوَ ابْنُ عِيَاضٍ الْأَحْنَفَ الْأَعْرَجَ الْعَدَوِيَّ مَوْلَاهُمْ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ فَإِنَّهُمَا وَقَّفَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَثَابِتٌ رَفَعَهُ عَنْهُ ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي رَفْعِهِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ . وَفِي التَّمْهِيدِ : رَوَى جَمَاعَةٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ إِشْكَالٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِئْسَ الطَّعَامُ ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَرْفُوعًا اهـ . لَكِنَّ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَرْفُوعًا كَمَا عَلِمْتَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا حُكِمَ بِرَفْعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ عَدْلٍ اهـ . وَلَهُ شَوَاهِدُ مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَانُ وَيُحْبَسُ عَنْهُ الْجَائِعُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالدَّيْلَمِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ .
1139 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا . 1159 1139 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا ) أَيْ فَلْيَأْتِ مَكَانَهَا ، أَوِ التَّقْدِيرُ إِلَى مَكَانِ وَلِيمَةٍ وَلَا يَضُرُّ إِعَادَةُ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ ، وَالْمُرَادُ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ ، كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ فَتَجِبُ إِجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ وإن صائما ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ كَمَا فِي مُسْلِمٍ بِشُرُوطٍ فِي الْفُرُوعِ ، كَمَا حَكَى عَلَيْهِ عِيَاضٌ الِاتِّفَاقُ ، لَكِنْ نُوزِعَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ : الْمَذْهَبُ لَا تَجِبُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ، أَمَّا وَلِيمَةُ غَيْرِهِ فَلَا تَجِبُ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْعَاصِي دُعِيَ إِلَى خِتَانٍ فَلَمْ يُجِبْ وَقَالَ : لَمْ نَكُنْ نُدْعَى لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَوْجَبَهَا الظَّاهِرِيَّةُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَحَمَلَهَا مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى النَّدْبِ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ الْإِجَابَةَ لِكُلِّ طَعَامٍ دُعِيَ إِلَيْهِ ، فَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْوَلِيمَةِ ، وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ طَعَامِ السُّرُورِ كَخِتَانٍ وَإِمْلَاكٍ وَنِفَاسٍ وَحَادِثِ سُرُورٍ ، لِمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : إِذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخُوهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وَأَيُّوبُ ، وَالزُّبَيْدِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، خَمْسَتُهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ نَافِعٍ نَحْوَهُ .
1141 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إِلَيْهِ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ ، قَالَ أَنَسٌ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ . 1161 1141 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ سَمِعَ ) عَمَّهُ أَخَا أَبِيهِ لِأُمِّهِ ( أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : إِنَّ خَيَّاطًا ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ الشَّدِيدَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ( دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ ) الْخَيَّاطُ ( إِلَيْهِ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَقَدْ تَكَسَّرَ ( وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ ، الْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ ، فَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ حَرْفِ عِلَّةٍ ، وَخَطَأَ الْمَجْدُ الْجَوْهَرِيُّ فِي ذِكْرِهِ فِي الْمَقْصُورِ ، أَيْ فِيهِ قَرْعٌ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ ، وَالتِّنِّيسِيِّ : وَقَدِيدٌ ( قَالَ أَنَسٌ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْبَعُ ) بِإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ وَخِفَّةِ الْمُوَحِّدَةِ مَفْتُوحَةً ( ) الْقَرْعَ أَوِ الْمُسْتَدِيرَ مِنْهُ ( مِنْ حَوْلِ الْقَصْعَةِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ : يَأْكُلُهَا ، أَيْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُعْجِبُهُ ، وَيَتْرُكُ الْقَدِيدَ ؛ إِذْ كَانَ يَشْتَهِيهِ حِينَئِذٍ ، فَفِيهِ أَنَّ الْمُؤَكِّلَ لِأَهْلِهِ وَخَدَمِهِ يَأْكُلُ مَا يَشْتَهِيهِ حَيْثُ رَآهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُؤَاكِلَهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا يَتَجَاوَزُ مَا يَلِيهِ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكْرَهُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ، بَلْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِرِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَسَّهُ ، بَلْ كَانُوا يَتَبَادَرُونَ إِلَى نُخَامَتِهِ فَيَتَدَلَّكُونَ بِهَا ، قَالَ أَنَسٌ : ( فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ ) أَيْ أَكْلَهَا ( بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ وَغَيْرِهِ : مِنْ يَوْمِئِذٍ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ طَالُوتَ الشَّامِيِّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ وَهُوَ يَأْكُلُ قَرْعًا وَهُوَ يَقُولُ : يَا لَكِ مِنْ شَجَرَةٍ مَا أَحَبَّكَ إِلَيَّ لِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاكِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : إِذَا طَبَخْتَ قِدْرًا فَأَكْثِرْ فِيهَا مِنَ الدُّبَّاءِ فَإِنَّهَا تَشُدُّ قَلْبَ الْحَزِينِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ وَائِلَةَ مَرْفُوعًا : عَلَيْكُمْ بِالْقَرْعِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ . وَلِلْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا : عَلَيْكُمْ بِالْقَرْعِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَيُكَبِّرُ الدِّمَاغَ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ : أَنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُلَيِّنُ الْقَلْبَ . وَفِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ مَرْفُوعًا : إِنَّ الدُّبَّاءَ وَالْبِطِّيخَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ جَوَازُ الْإِجَازَةِ عَلَى الْخِيَاطَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ أَبْطَلَهَا بِعِلَّةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَعْيَانٍ مَرْئِيَّةٍ وَلَا صِفَاتٍ مَعْلُومَةٍ . وَفِي صَنْعَةِ الْخِيَاطَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْقَيْنِ وَالصَّائِغِ وَالنَّجَّارِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الصُّنَّاعُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُمُ الصَّنْعَةُ الْمَحْضَةُ فِيمَا يَسْتَصْنِعُهُ صَاحِبُ الْحَدِيدِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالْخَشَبِ وَهِيَ أُمُورٌ مَوْصُوفَةٌ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهَا وَلَا يَخْلِطُ بِهَا غَيْرَهَا ، وَالْخَيَّاطُ إِنَّمَا يَخِيطُ الثَّوْبَ فِي الْأَغْلَبِ بِخَيْطٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَجْمَعُ إِلَى الصَّنْعَةِ الْآلَةَ ، وَأَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ التِّجَارَةُ وَالْأُخْرَى الْإِجَارَةُ ، وَحِصَّةُ أَحَدِهِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنَ الْأُخْرَى ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْخَرَّازِ وَالصَّبَّاغِ إِذَا كَانَ بِخُيُوطِهِ وَيَصْبُغُ هَذَا بِصَبْغِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْمُعْتَادَةِ فِيمَا بَيْنَ الصُّنَّاعِ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ فَاسِدٌ فِي الْقِيَاسِ ، إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ أَوَّلَ زَمَنِ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ ، إِذْ لَوْ طُولِبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَصَارَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْضِعِ الْقِيَاسِ ، وَالْعَمَلُ مَاضٍ صَحِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِرْفَاقِ ، اهـ . وَوَجْهُ إِدْخَالِ الْإِمَامِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْوَلِيمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لِأَنَّ دَعْوَةَ الْخَيَّاطِ لَمْ تَكُنْ فِي عُرْسٍ ، إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ : لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ، أَنَّهُ صَنَعَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَنَعَهُ فِي عُرْسٍ وَدَعَا لَهُ الْمُصْطَفَى ، فَالْمُطَابَقَةُ ظَاهِرَةٌ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : أَدْخَلَهُ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَلِيمَةُ عُرْسٍ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوعِ عَنِ التِّنِّيسِيِّ ، وَفِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، الْخَمْسَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ .
1146 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ . 1166 1146 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ ) أَيْ لَا يَنْفَعُ قَصْدُهُ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ ( النِّكَاحُ ) فَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ هَازِلًا انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ ( وَالطَّلَاقُ ) فَيَقَعُ طَلَاقُ اللَّاعِبِ إِجْمَاعًا ( وَالْعِتْقُ ) فَمَنْ أَعْتَقَ رَقِيقَهُ لَاعِبًا عُتِقَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّاعِبَ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَهُ ، فَتَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ لِلشَّارِعِ لَا لَهُ ، فَإِذَا أَتَى بِالسَّبَبِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ شَاءَ أَمْ أَبَى ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَصْدُهُ لِأَنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلْقَوْلِ مُرِيدٌ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِمَعْنَاهُ وَمُوجِبِهِ ، وَقَصْدُ اللَّفْظِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْمَعْنَى قَصْدٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى لِتَلَازُمِهِمَا ، إِلَّا أَنْ يُعَارِضَهُ قَصْدٌ آخَرُ كَالْمُكْرَهِ ، فَإِنَّهُ قَصَدَ غَيْرَ الْمَعْنَى الْمَقُولِ وَمُوجِبِهِ فَلِذَا أَبْطَلَهُ الشَّارِعُ ، وَأَصْلُ هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَرُوِيَ بَدَلُ الرَّجْعَةِ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ : وَقَعَ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ : الْعَتَاقُ بَدَلُ الرَّجْعَةِ ، وَلَمْ أَجِدْهُ ، وَمُرَادُهُمَا لَا يَصِحُّ وَلَمْ يَجِدْهُ مَرْفُوعًا ، فَلَا يُنَافِي صِحَّتَهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمُوَطَّأِ ، لَكِنْ عَجِيبٌ نَفْيُ وِجْدَانِهِ ، فَفِي الِاسْتِذْكَارِ : رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْجِعُ يَقُولُ : كُنْتُ لَاعِبًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 231 ) فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَنْكَحَ أَوْ أُنْكِحَ ، وَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ لَاعِبًا فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ .
1145 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَامَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ : طَلَّقَهَا فِي مَجَالِسَ شَتَّى . 1165 1145 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ) بْنِ مَرْوَانَ ، أَحَدُ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ ( عَامَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ ( غَيْرَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ : طَلَّقَهَا فِي مَجَالِسَ شَتَّى ) بَدَلَ قَوْلِهِ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ، هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ ، فَطَلَّقَ فِعْلٌ مَاضٍ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يُشْهِرَ طَلَاقَهَا الْبَتَاتَ وَيَسْتَفِيضَ فَتَنْقَطِعَ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ فِي تَزْوِيجِ الْخَامِسَةِ أَنَّهُ قَرَأَهُ أَمْرًا ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ مُرَادُ الْمُحَدِّثِ بِمِثْلِ هَذَا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ لَمْ يَسْتَشِرْهُ حَتَّى يَأْمُرَهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ .
22 - بَاب جَامِعِ النِّكَاحِ 1142 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ أَوْ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ ، وَإِذَا اشْتَرَى الْبَعِيرَ فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ . 22 - بَابُ جَامِعِ النِّكَاحِ 1162 1142 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) مُرْسَلٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَصَلَهُ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ، وَوَرَدَ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي لَاسٍ الْخُزَاعِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ) اسْتِحْبَابًا ( بِنَاصِيَتِهَا ) مُقَدَّمَ رَأْسِهَا ( وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ ) كَانَ يَقُولُ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِيهَا وَبَارِكْ عَلَيْهَا زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ . ( وَإِذَا اشْتَرَى الْبَعِيرَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ ، عَبَّرَ بِهِ دُونَ الْجَمَلِ لِأَنَّ الْبَعِيرَ يَشْمَلُ الْأُنْثَى بِخِلَافِهِ ، وَقَصْدُهُ التَّعْمِيمُ ( فَلْيَأْخُذْ ) عِنْدَ تَسْلِيمِهِ ( بِذِرْوَةِ ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتُضَمُّ ، أَيْ أَعْلَى ( سَنَامِهِ ) أَيْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِيَدِهِ وَالْأَوْلَى الْيَمِينُ ، أَوِ الْمُرَادُ فَلْيَرْكَبْهُ ( وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ) لِأَنَّ الْإِبِلَ مِنْ مَرَاكِبِ الشَّيْطَانِ فَإِذَا سَمِعَ الِاسْتِعَاذَةَ فَرَّ ، زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ وَلِيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ ، أَيِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِلَخْ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ الْبَسْمَلَةِ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا لِمَا فِي الْإِبِلِ مِنَ الْعِزِّ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ فَهُوَ اسْتِعَاذَةٌ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الَّذِي يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَحُثُّ عَلَيْهِ .
1144 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَيُطَلِّقُ إِحْدَاهُنَّ الْبَتَّةَ : إنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِنْ شَاءَ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 1165 1144 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَيُطَلِّقُ إِحْدَاهُنَّ الْبَتَّةَ : إنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِنْ شَاءَ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ) لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الرَّجُلِ .
1147 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى كَبِرَتْ ، فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَحِلُّ رَاجَعَهَا ، ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، ثُمَّ رَاجَعَهَا ، ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ : مَا شِئْتِ ، إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ شِئْتِ اسْتَقْرَرْتِ عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ الْأُثْرَةِ ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ ، قَالَتْ : بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأُثْرَةِ ، فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأُثْرَةِ . 1167 1147 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ ) بْنِ رَافِعِ بْنِ عَدِيٍّ الْحَارِثِيِّ الْأَوْسِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ قَبْلَهَا ( أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ ) أَكْبَرُ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ( فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى كَبِرَتْ ) بِكَسْرِ الْمُوَحِّدَةِ أَسَنَّتْ ( فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً ، فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُرِيدُ فِي الْمَيْلِ بِنَفْسِهِ إِلَيْهَا وَالنَّشَاطِ لَهَا ، لَا أَنَّهُ آثَرَهَا عَلَيْهَا فِي مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَبِيِتٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِمِثْلِ رَافِعٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَنَاشَدَتْهُ ) طَلَبَتْ مِنْهُ ( الطَّلَاقَ ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ ) قَارَبَتْ ( تَحِلُّ ) أَيْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا ( رَاجَعَهَا ، ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ) ثَانِيَةً ( ثُمَّ رَاجَعَهَا ، ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ : مَا شِئْتِ إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنْ شِئْتِ اسْتَقْرَرْتِ ) قَرَرْتُ عَلَيْكِ ، أَيْ بَقَيْتِ مَعِيَ ( عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنَ الْأُثْرَةِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، الِاسْتِئْثَارُ عَلَيْكِ فِيمَا لَكِ فِيهِ اشْتِرَاكٌ فِي الِاسْتِلْحَاقِ ( وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ ، قَالَتْ : بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأُثْرَةِ ، فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأُثْرَةِ ) لِرِضَاهَا بِذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لَهَا فَلَهَا إِسْقَاطُهُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : زَادَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَتْ فِيهِ : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 128 ) الْآيَةَ ، وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَكَرِهَ مِنْ أَمْرِهَا إِمَّا كِبَرًا وَإِمَّا غَيْرَةً فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَقَالَتْ : لَا تُطَلِّقْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ ، فَجَرَتْ بِذَلِكَ وَنَزَلَتْ : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 128 ) .
1143 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ : أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إِلَى رَجُلٍ أُخْتَهُ فَذَكَرَ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَحْدَثَتْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَضَرَبَهُ أَوْ كَادَ يَضْرِبُهُ ثُمَّ قَالَ : مَا لَكَ وَلِلْخَبَرِ . 1163 1143 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إِلَى رَجُلٍ أُخْتَهُ فَذَكَرَ ) أَخُوهَا ( أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَحْدَثَتْ ) زَنَتْ ( فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَضَرَبَهُ أَوْ كَادَ يَضْرِبُهُ ) شَكَّ الرَّاوِي ( ثُمَّ قَالَ : مَا لَكَ وَلِلْخَبَرِ ) يَعْنِي أَيُّ غَرَضٍ لَكَ فِي إِخْبَارِ الْخَاطِبِ بِذَلِكَ ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ سَتْرُهُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْفَوَاحِشَ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ سَتْرُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَحْفَتَهُ نَقَمَ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ .
1118 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ ، فَإِنْ طَاعَتْ الْحُرَّةُ فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِحُرٍّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً وَهُوَ يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ ، وَلَا يَتَزَوَّجَ أَمَةً إِذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ إِلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ النساء : 25 ] ، وَقَالَ : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [ النساء : 25 ] قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَنَتُ هُوَ الزِّنَا . 1139 1118 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) الْقُرَشِيِّ ( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ فَإِنْ طَاعَتِ الْحُرَّةُ فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنَ الْقَسْمِ ) وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ : وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ ، وَالْمَشْهُورُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفَضَّلَ الْحُرَّةُ عَلَيْهَا فِي الْقَسْمِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لِحُرٍّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً هوَ يَجِدُ طَوْلًا ) غِنًى أَيْ مَهْرًا ( لِحُرَّةٍ وَلَا يَتَزَوَّجُ أَمَةً إِذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ إِلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ ) الزِّنَى ، وَفَحْوَى كَلَامِهِ هُنَا أَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْمَالُ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَزَادَ : وَلَيْسَ وُجُودُ الْحُرَّةِ تَحْتَهُ بِطَوْلٍ ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ هُوَ وُجُودُ الْحُرَّةِ فِي عِصْمَتِهِ ، وَوَجَّهَ الْبَاجِيُّ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ بِالْمَالِ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُسَمَّى طَوْلًا لُغَةً وَلَا شَرْعًا . ( وَ ) دَلِيلُ ( ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ هُوَ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ إِرْقَاقُ الْوَلَدِ فِي الْإِمَاءِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَرَائِرِ الْكِتَابِيَّاتِ ، وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَطَرَدَ أَصْلَهُ ، فَأَجَازَ نِكَاحَ الِابْنِ أَمَةَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأُمَّهَاتِهِ ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ اشْتِرَاطَهُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ إِجْمَاعٌ كَمَا قِيلَ أُلْغِيَ الْوَصْفُ بِالْمُؤْمِنَاتِ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا بُنِيَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ ، انْتَهَى . وَدَلِيلُ الْغَايَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 5 ] فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ تَنْكِحُ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ لَا الْكَافِرَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالنِّكَاحِ بَلْ بِالْمِلْكِ . ( وَقَالَ : ذَلِكَ ) أَيْ نِكَاحُ الْمَمْلُوكَاتِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ أَيْ خَافَهُ ( وَالْعَنَتُ هُوَ الزِّنَى ) وَأَصْلُهُ الْمَشَقَّةُ ، سُمِّيَ بِهِ الزِّنَى لِأَنَّهُ سَبَبُهُ بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ .
12 - بَاب نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ 1117 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أَمَةً ، فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا . 12 - بَابُ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ 1139 1117 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ( سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أَمَةً ، فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ) وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : تُخَيَّرُ الْحُرَّةُ فِي نَفْسِهَا ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ مَنَاكِحِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الْإِمَامُ بَعْدُ قَرِيبًا .
6 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ 1105 - حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : يَخْرُجُ بِهَا إِنْ شَاءَ . قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ أَنْ لَا أَنْكِحَ عَلَيْكِ وَلَا أَتَسَرَّرَ ، إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقَةٍ فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ . 6 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ 1105 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ بَلَدٍ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : يَخْرُجُ بِهَا إِنْ شَاءَ ) وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَاءَ هَذَا الْبَلَاغُ مُتَّصِلًا ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِهِ ، وَجَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَعْلَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا فَقَالَ عَلِيٌّ : شَرْطُ اللَّهِ قَبْلَ شَرْطِهَا أَوْ قَبْلَ شَرْطِهِ وَلَمْ يَرَ لَهَا شَيْئًا أَيْ شَرَطَ أَنْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا ، وَشَرْطُ اللَّهِ قَوْلُهُ : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ [ سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 6 ] وَجَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَعْلَاهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : لَهَا شَرْطُهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ا هـ بُخَ ، لَكِنَّهُ هُنَا مَحْمُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ) أَيْ إِبْرَامِهِ وَإِحْكَامِهِ ( أَنْ لَا أَنْكِحُ عَلَيْكِ وَلَا أَتَسَرَّرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ) وَاجِبٍ إِذْ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُنَافِيهِ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقَةٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَصْدَرُ عَتَقَ ( فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ ) إِنْ تَزَوَّجَ أَوْ تَسَرَّى .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 28 - كِتَاب النِّكَاحِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْخِطْبَةِ 1089 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ . بسم الله الرحمن الرحيم 28 - كِتَابُ النِّكَاحِ هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالتَّدَاخُلُ ، وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ ، وَالْأَزْهَرِيُّ ، هُوَ الْوَطْءُ حَقِيقَةً وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ : إِذَا سَقَى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ غَادِيَةٍ فَلَا سَقَى اللَّهُ أَرْضَ الْكُوفَةِ الْمَطَرَا التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمُو وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ ضَمٌّ وَالنِّكَاحُ هُوَ الضَّمُّ حَقِيقَةً ، قَالَ : ضَمَمْتُ إِلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِهَا كَمَا نَكَحَتْ أُمُّ الْغُلَامِ صَبِيَّهَا أَيْ كَمَا ضَمَّتْ أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ فَجَازَتِ الِاسْتِعَارَةُ لِذَلِكَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَصْلُهُ لُزُومُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَعَانِي ، قَالُوا : نَكَحَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ ، وَنَكَحَ النُّعَاسُ الْعَيْنَ ، وَتَنَكَّحْتُ الْقَمْحَ فِي الْأَرْضِ إِذَا حَرَثْتَهَا وَبَذَرْتَهُ فِيهَا ، وَنَكَحَتِ الْحَصَاةَ أَخْفَافُ الْإِبِلِ . قَالَ الْمُتَنَبِّي : أَنْكَحْتُ صُمَّ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمَلَةٍ تَغَشْمَرَتْ بِي إِلَيْكَ السَّهْلَ وَالْجَبَلَا وَالْيَعْمَلَةُ بِفَتْحِ الْيَاءِ النَّاقَةُ الْمَطْبُوعَةُ عَلَى الْعَمَلِ ، وَالتَّغَشْمُرُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ الْأَخْذُ قَهْرًا . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْعَرَبُ تَقُولُ نُكْحُ الْمَرْأَةِ بِضَمِّ النُّونِ بُضْعُهَا ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ ، فَإِذَا قَالُوا نَكَحَهَا أَرَادُوا أَصَابَ نُكْحَهَا أَيْ فَرْجَهَا . وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ : سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْفَارِسِيَّ عَنْ قَوْلِهِمْ نَكَحَهَا فَقَالَ : فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فَرْقًا لَطِيفًا يُعْرَفُ بِهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ مِنَ الْوَطْءِ ، إِذَا قَالُوا : نَكَحَ فُلَانٌ فُلَانَةً أَوْ بِنْتَ فُلَانٍ أَوْ أُخْتَهُ أَرَادُوا تَزَوَّجَهَا وَعَقَدَ عَلَيْهَا . وَإِذَا قَالُوا : نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الْمُجَامَعَةَ لِأَنَّ بِذِكْرِ الْمَرْأَةِ أَوِ الزَّوْجَةِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْعَقْدِ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَيَتَعَيَّنُ الْمَقْصُودُ بِالْقَرَائِنِ الَّتِي ذَكَرَ الْفَارِسِيُّ . وَفِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَاحْتُجَّ لَهُ بِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْعَقْدِ حَتَّى قِيلَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلْعَقْدِ وَلَا يَرِدُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 230 ] لِأَنَّ شَرْطَ الْوَطْءِ فِي التَّحْلِيلِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَنْكِحُ تَتَزَوَّجُ أَيْ يُعْقَدُ عَلَيْهَا ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ بِمُجَرَّدِهِ ، لَكِنْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَقْدِ مِنْ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : لَمْ يَرِدِ النِّكَاحُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلتَّزْوِيجِ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 6 ] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُلُمُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ . وَالثَّالِثُ : حَقِيقَةٌ فِيهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَقْصُودُ بِالْقَرِينَةِ ، كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَطَّاعِ لِلنِّكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ اسْمٍ ، وَفَوَائِدُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا : أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ ، وَقَضَاءِ الْوَطَرِ بِنَيْلِ اللَّذَّةِ ، وَالتَّمَتُّعِ بِالنِّعْمَةِ ، وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ إِذْ لَا تَنَاسُلَ فِيهَا ، وَمِنْهَا غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ النَّاسِ عَنِ الْحَرَامِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْتِمَاسُ النِّكَاحِ . 1111 1089 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ، ابْنِ مُنْقِذٍ بِالْقَافِ وَالْمُعْجَمَةِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ) بِرَفْعِ يَخْطُبُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : الْمَنْعُ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الرُّكُونِ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ خَطَبَهَا ثَلَاثَةٌ فَلَمْ يُنْكِرْ دُخُولَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُ الرُّكُونِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي قَوْلِهِ أَخِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْأَوَّلَ مُسْلِمٌ ، فَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا لَمْ يُمْنَعْ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ ذِكْرَ الْأَخِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلِأَنَّهُ أَسْرَعُ امْتِثَالًا ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّقَاطُعِ .
1090 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ . قَالَ مَالِك : وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ : أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَتَرْكَنَ إِلَيْهِ ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى صَدَاقٍ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ وَقَدْ تَرَاضَيَا ، فَهِيَ تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهَا ، فَتِلْكَ الَّتِي نَهَى أَنْ يَخْطُبَهَا الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُوَافِقْهَا أَمْرُهُ وَلَمْ تَرْكَنْ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَخْطُبَهَا أَحَدٌ ، فَهَذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ . 1112 1090 - ( مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ) الْمُسْلِمِ ، وَكَذَا الذِّمِّيُّ . زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْفَاسِقِ ، أَمَّا الْفَاسِقُ فَيُخْطَبُ عَلَى خِطْبَتِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ ، انْتَهَى . وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى فِسْقِهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا ، ابْنُ جُرَيْجٍ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّيْثُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَزَادَ : إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ ، وَأَيُّوبُ ، ثَلَاثَتُهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ نَافِعٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) بِمَا أَرَادَ ( لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَتَرْكَنَ إِلَيْهِ وَيَتَّفِقَانِ ) بِالنُّونِ اسْتِئْنَافٌ وَفِي نُسَخٍ بِحَذْفِهَا عَطْفٌ عَلَى يَخْطُبْ ( عَلَى صَدَاقٍ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ وَقَدْ تَرَاضَيَا ) عَلَى ذَلِكَ ( فَهِيَ تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهَا ) وَوَلِيُّ الْمُجْبَرَةِ مِثْلُهَا فِي هَذَا ( فَتِلْكَ الَّتِي نَهَى ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ يَخْطُبَهَا الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَمْ يَعْنِ ) لَمْ يُرِدْ ( بِذَلِكَ إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُوَافِقْهَا أَمْرُهُ وَلَمْ تَرْكَنْ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَخْطُبَهَا أَحَدٌ ، فَهَذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ ) لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ الْمَرْفُوعِ مِنَ الدِّينِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الرُّكُونَ الرِّضَا بِالزَّوْجِ أَوْ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا النَّهْيُ إِذَا أَذِنَتْ لِوَلِيِّ الْعَقْدِ أَنْ يَعْقِدَ لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْخَاطِبَ بَعْدَ الرُّكُونِ عَاصٍ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِي صُورَةِ النَّهْيِ هَلْ يُفْسِدُ الْعَقْدَ أَمْ لَا ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : يَمْضِي الْعَقْدُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ لِلْوُجُوبِ أَيْ لِلْكَرَاهَةِ أَوِ الْحَظْرِ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ ، وَلَهُ ثَالِثٌ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ ، حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ ، قَالَ : وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ .
1091 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا [ البقرة : 235 ] أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا : إِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا وَرِزْقًا ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الْقَوْلِ . 1113 1091 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ) الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ ( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ لَوَّحْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ فِي عِدَّةٍ غَيْرِ رَجْعِيَّةٍ ( أَوْ أَكْنَنْتُمْ ) أَضْمَرْتُمْ ( فِي أَنْفُسِكُمْ ) فِي قَصْدِ نِكَاحِهِنَّ فَلَمْ تَذْكُرُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ لَا مُعَرِّضِينَ وَلَا مُصَرِّحِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أَيْ بِالْخِطْبَةِ وَلَا تَصْبِرُونَ عَنْهُنَّ فَأَبَاحَ لَكُمُ التَّعْرِيضَ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا أَيْ مَا عُرِفَ شَرْعًا مِنَ التَّعْرِيضِ فَلَكُمْ ذَلِكَ ، وَالسِّرُّ النِّكَاحُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَقَدْ زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْيَوْمَ أَنَّنِي كَبِرْتُ وَأَنْ لَا يُحْسِنُ السِّرَّ أَمْثَالِي فَالتَّعْرِيضُ ( أَنْ ) وَكَذَا مِنْ طَلَاقِهِ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ ، فَيَحْرُمُ فِيهَا التَّعْرِيضُ إِجْمَاعًا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ ( إِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ ) نَفِيسَةٌ عَزِيزَةٌ جَمْعُهَا كَرِيمَاتٌ وَكَرَائِمُ ( إِنِّي فِيكِ لِرَاغِبٌ ) أَيْ مُرِيدٌ ، وَكَانَ تَعْرِيضًا لِأَنَّ الرَّغْبَةَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِمُتَعَلِّقِ الرَّغْبَةِ كَأَنْ يَقُولَ رَاغِبٌ فِي نِكَاحِكِ ( وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا وَرِزْقًا ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ ) الَّذِي لَا تَصْرِيحَ فِيهِ ، كَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي وَمَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ . وَفِي مُسْلِمٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّعْرِيضِ أَنْ يَقُولَ : إِنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ وَلَوَدِدْتُ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ ، انْتَهَى . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
13 - بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ فَفَارَقَهَا 1119 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 13 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ فَفَارَقَهَا 1140 1119 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا فَقِيلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُسْتَرَ اسْمُهُ وَيُكَنَّى عَنْهُ ، وَقِيلَ هُوَ أَبُو الزِّنَادِ وَهُوَ أَبْعَدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ زَيْدٍ وَلَا رَآهُ وَلَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَقِيلَ : هُوَ طَاوُسٌ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَإِنَّمَا كُتِمَ اسْمُهُ مَعَ جَلَالَتِهِ لِأَنَّ طَاوُسًا كَانَ يَطْعَنُ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَيَدْعُو عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِهِ ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَيَقْبَلُ جَوَائِزَهُمْ ، وَقَدْ سُئِلَ مَرَّةً فِي مَجْلِسِ هِشَامٍ أَتَرْوِي عَنْ طَاوُسٍ ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ طَاوُسًا لَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ ، وَلَمْ يُجِبْهُ بِأَنَّهُ يَرْوِي أَوْ لَا يَرْوِي ، فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورَ هُوَ طَاوُسٌ ، انْتَهَى . ( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ) امْرَأَتَهُ ( ثَلَاثًا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ : تَحِلُّ لِعُمُومِ : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 3 ] قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهَا لَا تُبِيحُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ فَكَذَا سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ .
1120 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَةً فَطَلَّقَهَا الْعَبْدُ الْبَتَّةَ ، ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا لَهُ ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ؟ فَقَالَا : لَا تَحِلُّ لَهُ ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 1140 1120 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَةً لَهُ فَطَلَّقَهَا الْعَبْدُ أَلْبَتَّةَ ) أَيْ جَمِيعَ طَلَاقِهِ وَهُوَ اثْنَتَانِ ( ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا لَهُ هَلْ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ؟ فَقَالَا : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) لِدُخُولِهَا فِي الْآيَةِ فَوَافَقَا زَيْدًا عَلَى فَتْوَاهُ .
1121 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ : تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَبُتَّ طَلَاقَهَا ، فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا : إِنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَهِيَ لِغَيْرِهِ حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ ، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ ابْتِيَاعِهِ إِيَّاهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ اشْتَرَاهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِذَلِكَ الْحَمْلِ فِيمَا نُرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1142 1121 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ) لِغَيْرِهِ ( فَاشْتَرَاهَا ) مِنْهُ ( وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ : تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ ) وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ( مَا لَمْ يَبُتَّ ) بِضَمِّ الْبَاءِ ( طَلَاقَهَا فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا ) أَتَمَّهُ ثَلَاثًا ( فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) لِلْآيَةِ إِذْ لَمْ يَفْصِلْ فِيهَا بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي : إِنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَهِيَ ) مَمْلُوكَةٌ ( لِغَيْرِهِ ) إِذِ الْوَلَدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهَا وَأُمُّ الْوَلَدِ أَمَةٌ وَلَدَتْ مِنْ مَالِكِهَا فَحَمْلُهَا مِنْهُ حُرٌّ وَيَسْتَمِرُّ عَدَمُ أُمُومَةِ الْوَلَدِ ( حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ ابْتِيَاعِهِ إِيَّاهَا ) فَتَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ ( وَإِنِ اشْتَرَاهَا وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِذَلِكَ الْحَمْلِ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ) بِالْحُكْمِ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ وَإِنْ مَلَكَهَا حَامِلًا حَتَّى تَحْمِلَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَزَيَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ وَلَدَهَا عَبْدٌ تَبَعٌ لَهَا فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ ؟ قَالَ : وَهَذَا وَاضِحٌ .
1136 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ ، فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا إِذَا عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَلَمْ تُسْلِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [ الممتحنة : 10 ] . 1156 1136 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ ) بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ بِنْتَ الصَّحَابِيِّ ( وَكَانَتْ تَحْتَ ) ابْنِ عَمِّهَا ( عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ) عَمْرِو بْنِ هِشَامِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ( فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) لِمَكَّةَ ( وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ ) وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ : وَاسْتَأْمَنَتْ أُمُّ حَكِيمٍ لِعِكْرِمَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّنَهُ . وَذَكَرَ مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَاسْتَأْذَنَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَلَبِ زَوْجِهَا عِكْرِمَةَ فَأَذِنَ لَهَا وَأَمَّنَهُ ( فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنَ ) بِإِذْنِ الْمُصْطَفَى كَمَا تَرَى ( فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ) وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَاسْتُشْهِدَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : أَنَّ عِكْرِمَةَ لَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ أَصَابَهُمْ عَاصِفٌ ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ : أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ هَاهُنَا ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ فَلَا يُنْجِينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلْأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَالْوَاقِدِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ : أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَهَبَ عَنْكَ عِكْرِمَةُ إِلَى الْيَمَنِ وَخَافَ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ ، قَالَ : هُوَ آمِنٌ ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكَتْهُ وَرَكِبَ سَفِينَةً وَنُوتِيٌّ يَقُولُ لَهُ : أَخْلِصْ أَخْلِصْ ، قَالَ : مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : مَا هَرَبْتُ إِلَّا مِنْ هَذَا ، وَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ حَتَّى النَّوَاتِيُّ ، مَا الدِّينُ إِلَّا مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُ اللَّهِ مَا فِي قَلْبِي ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَكِيمٍ تَقُولُ : يَا ابْنَ عَمِّ جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَبَرِّ النَّاسِ وَأَوْصَلِ النَّاسِ خَيْرِ النَّاسِ لَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ ، إِنِّي قَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَجَعَ مَعَهَا وَجَعَلَ يَطْلُبُ جِمَاعَهَا فَتَأْبَى وَتَقُولُ : أَنْتَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ ، فَقَالَ إِنَّ أَمْرًا مَنَعَكِ مِنِّي لَأَمْرٌ كَبِيرٌ ، فَلَمَّا وَافَى مَكَّةَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ مُؤْمِنًا فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ جِمَاعَهَا وَأَبَتْ وَقَالَ مَا قَالَ دَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ . ( وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ ) لِمَكَّةَ ( فَلَمَّا رَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَ ) بِمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ ، قَامَ بِسُرْعَةٍ ( فَرَحًا ) بِهِ ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ( وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ ) لِاسْتِعْجَالِهِ بِالْقِيَامِ حِينَ رَآهُ ( حَتَّى بَايَعَهُ ) وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ جِئْتُهُ : مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ مُنْتَقِبَةً ، فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ أَخْبَرَتْنِي أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَتْ فَأَنْتَ آمِنٌ : قَالَ : إِلَامَ تَدْعُو ؟ قَالَ : أَدْعُو إِلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَكَذَا حَتَّى عَدَّ خِصَالَ الْإِسْلَامِ ، قَالَ : مَا دَعَوْتَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ وَأَمْرٍ جَمِيلٍ ، قَدْ كُنْتَ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنَا وَأَنْتَ أَصْدَقُنَا حَدِيثًا وَأَبَرُّنَا ، ثُمَّ قَالَ : فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي خَيْرَ شَيْءٍ أَقُولُهُ ، قَالَ : تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : تَقُولُ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَنِي أَنِّي مُسْلِمٌ مُجَاهِدٌ مُهَاجِرٌ ، فَقَالَ ذَلِكَ عِكْرِمَةُ وَفِي فَوَائِدِ يَعْقُوبَ الْحَصَّاصِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا : رَأَيْتُ لِأَبِي جَهْلٍ عِذْقًا فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أُمَّ سَلَمَةَ هُوَ هَذَا ( فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ ) إِلَى أَنْ خَرَجَتْ أُمُّ حَكِيمٍ مَعَهُ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ فَاسْتُشْهِدَ ، فَتَزَوَّجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ الصَّفْرَاءِ أَرَادَ خَالِدُ الْبِنَاءَ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ : لَوْ تَأَخَّرْتَ حَتَّى يَهْزِمَ اللَّهُ هَذِهِ الْجُمُوعَ ، فَقَالَ : إِنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنْ أُقْتَلَ ، قَالَتِ : ادْنُ ، فَدَنَا مِنْهَا فَأَعْرَسَ بِهَا عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ فَعُرِّفَتْ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقِيلَ : قَنْطَرَةُ أُمِّ حَكِيمٍ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَوْلَمَ عَلَيْهَا فَمَا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى وَافَتْهُمُ الرُّومُ وَوَقَعَ الْقِتَالُ فَاسْتُشْهِدَ خَالِدٌ ، فَشَدَّتْ أُمُّ حَكِيمٍ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا وَتَبَذَّلَتْ وَإِنَّ عَلَيْهَا لَأَثَرُ الْخَلُوقِ ، فَاقْتَتَلُوا عَلَى النَّهْرِ فَقَتَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ يَوْمَئِذٍ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ الَّذِي أَعْرَسَ بِهِ خَالِدٌ عَلَيْهَا سَبْعَةً مِنَ الرُّومِ ، ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِيعَابِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ) إِذَا لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً ( إِذَا عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تُسْلِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ نَهَى عَنِ اسْتِدَامَةِ نِكَاحِهِنَّ ، فَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِالْمُشْرِكَاتِ اللَّاتِي كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَقِيلَ عَامٌّ ثُمَّ خُصَّ مِنْهُ الْكِتَابِيَّاتُ ، وَسَبَبُ النُّزُولِ يَرُدُّهُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ ( سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ : الْآيَةُ 10 ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ طَلَبُ مَهْرِهِنَّ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ فَرَرْنَ إِلَيْهِمْ : وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ( سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ : الْآيَةُ 10 ) أَيْ يَطْلُبُ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَهْرَ مَنْ فَرَّتْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَةً ، كَذَا فِي الْإِكْلِيلِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ السَّبَبِ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَلَا يَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُهُ : وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِحُكْمِ مَنْ وَرَدَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِنَّ ، فَلَا يُخَالَفُ الِاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِهَا عَلَى حُرْمَةِ إِمْسَاكِ الْكَوَافِرِ ، كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ خَصَّ مِنْهُ الْكِتَابِيَّاتِ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ .
20 - بَاب نِكَاحِ الْمُشْرِكِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ 1134 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ الْإِسْلَامِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ نَادَاهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ هَذَا وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ ، وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا قَبِلْتُهُ وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ ، فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ لَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا عِنْدَهُ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا ؟ فَقَالَ : بَلْ طَوْعًا ، فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ . 20 - بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ 1154 1134 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ ، وَابْنُ شِهَابٍ إِمَامُ أَهْلِهَا ، وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( أَنَّ نِسَاءً كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ) أَيْ زَمَنِهِ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ وَهُنَّ غَيْرُ مُهَاجِرَاتٍ وَأَزْوَاجُهُنَّ حِينَ أَسْلَمْنَ كُفَّارٌ مِنْهُنَّ ) فَاخِتَةُ ، بِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ وَفَوْقِيَّةٍ ( بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ) الْمَخْزُومِيَّةُ ، أُخْتُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ( وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ) بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيِّ أَحَدُ الْفُصَحَاءِ وَالْمُطْعِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَحَدُ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ شَرَفُ الْجَاهِلِيَّةِ وَوَصَلَهُ لَهُمُ الْإِسْلَامُ ( فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ) وَبَايَعَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا بِشَهْرٍ ، وَلَيْسَ لَهَا حَدِيثٌ ( وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْإِسْلَامِ ) بُغْضًا فِيهِ حَتَّى هَدَاهُ اللَّهُ ( فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَمِّهِ ) أَيْ صَفْوَانَ ( وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، مُصَغَّرٌ ، ابْنَ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ الْقُرَشِيَّ الْجُمَحِيَّ الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : كَانَ وَهْبٌ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ : لَهُ قَلْبَانِ مِنْ شِدَّةِ حِفْظِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 4 ) فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَقْبَلَ مُنْهَزِمًا وَنَعْلَاهُ وَاحِدَةٌ فِي يَدِهِ وَالْأُخْرَى فِي رِجْلِهِ ، فَقَالُوا : مَا فَعَلَ النَّاسُ ؟ قَالَ : هُزِمُوا ، فَقَالُوا : فَأَيْنَ نَعْلَاكَ ؟ قَالَ : فِي رِجْلِي ، قَالُوا : فَمَا فِي يَدِكَ ؟ فَقَالَ : مَا شَعَرْتُ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَلْبَانِ ( بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَانًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ ) أَنْظَرَهُ فِيهِمَا لِيَتَرَوَّى ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : الْمَعْرُوفُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، أَيِ الْبَعْثَ بِالرِّدَاءِ وَالْأَمَانِ ، كَانَتْ لِأَبِي وَهْبٍ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي ( فَلَمَّا قَدِمَ صَفْوَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِدَائِهِ نَادَاهُ عَلَى رُؤوسِ النَّاسِ ) جَهْرًا ( فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَذَا وَهْبَ ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ ( ابْنَ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ ، وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ فَإِنْ رَضِيتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ ( أَمْرًا ) أَيِ الْإِسْلَامَ ( قَبِلْتَهُ وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ ) كُنْيَةُ صَفْوَانَ ، خَاطَبَهُ بِهَا تَعْظِيمًا وَاسْتِئْلَافًا مَعَ أَنَّ صَفْوَانَ خَاطَبَهُ بِاسْمِهِ فَأَغْضَى عَنْ ذَلِكَ : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( سُورَةُ الْقَلَمِ : الْآيَةُ 4 ) ( فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي ) هَلْ خَبَرُ وَهْبٍ كَمَا قَالَ أَمْ لَا ؟ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلْ لَكَ تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) فَزَادَهُ شَهْرَيْنِ عَلَى مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ تَفَضُّلًا وَزِيَادَةً فِي الِاسْتِئْلَافِ ( فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ ( قِبَلَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ ، جِهَةَ ( هَوَازِنَ ) قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ يُنْسَبُونَ إِلَى هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ ، بِمُعْجَمَةٍ فَمُهْمَلَةٍ فَفَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ، ابْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ ، بِمُهْمَلَةٍ ، ابْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ( بِحُنَيْنٍ ) وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ( فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُ ) أَيْ مِنْهُ ( أَدَاةً ) كَتُرْسٍ وَخُودَةٍ ( وَسِلَاحًا عِنْدَهُ فَقَالَ ) صَفْوَانُ ( أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا ؟ فَقَالَ : بَلْ طَوْعًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً ، حَتَّى نَرُدَّهَا إِلَيْكَ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ ( فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ الَّتِي عِنْدَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَعْطَى لَهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا فِيهَا مِنَ السِّلَاحِ فَسَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكْفِيَهُمْ حَمْلَهَا ، فَحَمَلَهَا إِلَى أَوْطَاسٍ وَيُقَالُ : أَعَارَهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا ، فَإِنْ صَحَّ فَالْمِائَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْأَرْبَعِمِائَةِ ( ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي نُسْخَةٍ : ثُمَّ رَجَعَ ( وَهُوَ كَافِرٌ فَشَهِدَ حُنِينًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مَسْلِمَةً ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ) فَاخِتَةَ ( حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ ) حِينَ أَعْطَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَكْثَرَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ مَا طَابَتْ بِهَذَا إِلَّا نَفْسُ نَبِيٍّ فَأَسْلَمَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ : وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ( وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ ) لِإِسْلَامِهِ فِي عِدَّتِهَا .
1135 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرَيْنِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . 1154 1135 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرَيْنِ ) وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَرَدَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةَ صَفْوَانَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَبَيْنَ هَذَا وَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ بَوْنٌ كَبِيرٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ لِحَمْلٍ وَنَحْوِهِ ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ ) وَفِي نُسْخَةٍ : بِدَارِ الْحَرْبِ ( إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ) فَيُقِرُّ عَلَيْهَا .
1098 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُمُّهَا بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ تَحْتَ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَمَاتَ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَابْتَغَتْ أُمُّهَا صَدَاقَهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ ، وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ لَمْ نُمْسِكْهُ وَلَمْ نَظْلِمْهَا ؛ فَأَبَتْ أُمُّهَا أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ ، فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَقَضَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ . 1120 1098 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عُمَرَ ) بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيِّ العدوي ، وُلِدَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ قُرَيْشٍ وَفُرْسَانِهِمْ ، قُتِلَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ( وَأُمُّهَا بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) أَخِي عُمَرَ ، أَسْلَمَ قَبْلَهَا وَاسْتُشْهِدَ قَبْلَهُ ( كَانَتْ تَحْتَ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا ) بَلْ عَقَدَ عَلَيْهَا تَفْوِيضًا ( فَابْتَغَتْ ) طَلَبَتْ ( أُمُّهَا صَدَاقَهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ ، وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ لَمْ نُمْسِكْهُ وَلَمْ نَظْلِمْهَا فَأَبَتْ أُمُّهَا أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ ) مِنِ ابْنِ عُمَرَ ( فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ) حَكَمًا ( فَقَضَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا لِبَقَاءِ بُضْعِهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ ) بِالْمَوْتِ ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : يَجِبُ الصَّدَاقُ بِالْمَوْتِ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ عِنْدَنَا ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ بِرْوَعَ بِنْتَ وَاشِقٍ نُكِحَتْ بِلَا مَهْرٍ فَمَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَقَضَى لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَبِالْمِيرَاثِ لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ .
1099 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي خِلَافَتِهِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَ الْمُنْكِحُ مَنْ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حِبَاءٍ أَوْ كَرَامَةٍ ، فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ابْتَغَتْهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يُنْكِحُهَا أَبُوهَا وَيَشْتَرِطُ فِي صَدَاقِهَا الْحِبَاءَ يُحْبَى بِهِ : إِنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ يَقَعُ بِهِ النِّكَاحُ فَهُوَ لِابْنَتِهِ إِنْ ابْتَغَتْهُ ، وَإِنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلِزَوْجِهَا شَطْرُ الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ . قَالَ مَالِك فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ صَغِيرًا لَا مَالَ لَهُ : إِنَّ الصَّدَاقَ عَلَى أَبِيهِ إِذَا كَانَ الْغُلَامُ يَوْمَ تَزَوَّجَ لَا مَالَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الْغُلَامِ إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ النِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَى الْابْنِ ، إِذَا كَانَ صَغِيرًا ، وَكَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ . قَالَ مَالِك فِي طَلَاقِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَهِيَ بِكْرٌ فَيَعْفُو أَبُوهَا عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِزَوْجِهَا مِنْ أَبِيهَا فِيمَا وَضَعَ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ [ البقرة : 237 ] فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي قَدْ دُخِلَ بِهِنَّ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [ البقرة : 237 ] فَهُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ ، فَتُسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا : إِنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ ، وَذَلِكَ أَدْنَى مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ . 1120 1099 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي خِلَافَتِهِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَ الْمُنْكِحُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( مَنْ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حِبَاءٍ ) بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ : عَطِيَّةٌ بِلَا عِوَضٍ ( أَوْ كَرَامَةٍ ) شَيْءٌ يُكْرَمُ بِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ ( فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ إِنِ ابْتَغَتْهُ ) طَلَبَتْهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَّةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا ، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يُنْكِحُهَا ) بِضَمِّ الْيَاءِ يُزَوِّجُهَا ( أَبُوهَا ، وَيُشْتَرَطُ فِي صَدَاقِهَا الْحِبَاءُ يُحْبَى بِهِ : إنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ يَقَعُ بِهِ النِّكَاحُ فَهُوَ لِابْنَتِهِ إِنْ ) وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ إِذَا ( ابْتَغَتْهُ ) لَا إِنْ تَرَكَتْهُ لِأَبِيهَا ، زَادَ الْمُوَطَّأُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ : وَإِنْ أَعْطَاهُ بَعْدَمَا زَوَّجَهُ فَإِنَّمَا هِيَ تَكْرِمَةٌ أَكْرَمَهُ بِهَا فَلَا شَيْءَ لِابْنَتِهِ فِيهَا . ( وَإِنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلِزَوْجِهَا شَطْرُ ) أَيْ نِصْفُ ( الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ ) لِأَنَّهُ مِنَ الصَّدَاقِ وَهُوَ يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ صَغِيرًا ، لَا مَالَ لَهُ : إنَّ الصَّدَاقَ عَلَى أَبِيهِ إِذَا كَانَ الْغُلَامُ ) الْمَذْكُورُ ( يَوْمَ تَزَوَّجَ لَا مَالَ لَهُ ) زِيَادَةُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ قَبْلُ لَا مَالَ لَهُ أَعَادَهُ لِقَوْلِهِ : ( وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الْغُلَامِ إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ ) فَعَلَى الْأَبِ ( وَذَلِكَ النِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَى الِابْنِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا وَكَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ ) لَكِنْ إِنَّمَا يَجْبُرُهُ لِغِبْطَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ كَشَرِيفَةٍ أَوِ ابْنَةِ عَمٍّ أَوْ ذَاتِ مَالٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي طَلَاقِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَهِيَ بِكْرٌ فَيَعْفُوَ أَبُوهَا عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِزَوْجِهَا مِنْ أَبِيهَا فِيمَا وَضَعَ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ ) : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ] ( إِلا أَنْ يَعْفُونَ فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي قَدْ دُخِلَ بِهِنَّ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَهُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ ، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) أَيْ مَعْنَى الْآيَةِ ( وَعَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . زَادَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ وَفِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَاقِ إِلَّا الْأَبَ لَا وَصِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ ، وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ وَعَفْوُهُ بِإِتْمَامِ الصَّدَاقِ ، وَقَالَ بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ ، وَاحْتَجَّ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ مَا قَالُوهُ مَرْوِيٌّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِأَنَّ إِسْقَاطَ الْوَلِيِّ مَا لِمُوَلِّيَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْأُصُولِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بِلَا إِخْبَارٍ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ . وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْحُكْمَ الْوِلَايَةُ تَصَرُّفُ الْوَلِيِّ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَفْوُ أَحْسَنَ لِلْبِنْتِ فَيَحْصُلُ لَهَا بِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَهِيَ رَغْبَةُ الْأَزْوَاجِ فِيهَا إِذَا سَمِعُوا بِعَفْوِ الْأَبِ عَنِ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ ، وَقَدْ يَطَّلِعُ الْوَلِيُّ عَلَى أَنَّهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ يَرْغَبُ فِيهَا مَنْ فِي صِلَتِهِ غِبْطَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَلَنَا وُجُوهٌ مِنْهَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا : بِيَدِهِ كَذَا ، أَيْ : يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَالزَّوْجُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي الْحَلِّ ، وَالْوَلِيُّ الْآنَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي النِّكَاحِ فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ دُونَ الزَّوْجِ سَلَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ وَانْقَضَى وَذَلِكَ مَجَازٌ ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَعُقْدَةُ النِّكَاحِ الْآنَ بِيَدِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ] الرَّشِيدَاتُ بِلَا خِلَافٍ إِذِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لَا يُنْفِذُ الشَّرْعُ تَصَرُّفَهَا ، فَالَّذِي يَحْسُنُ فِي مُقَابَلَتِهِنَّ مِنَ الْمَحْجُورَاتِ فِي أَيْدِي أَوْلِيَائِهِنَّ ، أَمَّا بِالْأَزْوَاجِ فَلَا مُنَاسَبَةَ . وَمِنْهَا أَنَّ الْخِطَابَ مَعَ الْأَزْوَاجِ لِقَوْلِهِ : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ] وَهُوَ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ ، فَلَوْ كَانُوا مُرَادِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ] وَهُوَ خِطَابُ غَيْبَةٍ - لَلَزِمَ تَغْيِيرُ الْكَلَامِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَضُعِّفَ هَذَا الْوَجْهُ بِوُرُودِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سُورَةُ يُونُسَ : الْآيَةُ 22 ] وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ : تَطَاوَلَ لَيْلُكِ بِالْإِثْمِدِ وَنَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي الْعَائِرِ الْأَرْمَدِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ إِقَامَةَ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ على غير الْأَصْلُ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوْجَ لَقِيلَ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ تَعْفُوا عَمَّا اسْتُحِقَّ لَكُمْ فَلَمَّا عَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُمْ . وَمِنْهَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ بِأَوِ التَّشْرِيكُ فِي الْمَعْنَى ، فَقَوْلُهُ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي عَلَى رَأْيِنَا الْإِسْقَاطُ فَيَحْصُلُ التَّشْرِيكُ ، وَعَلَى رَأْيِهِمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ قَوْلُنَا أَرْجَحَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ فَتُسْلِمُ ) : هِيَ ( قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَنَّهُ لَا صَدَاقَ ) لَهَا لِأَنَّ بُضْعَهَا بَاقٍ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ) أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ أَوْ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ ( وَذَلِكَ أَدْنَى ) أَقَلُّ ( مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) فِي السَّرِقَةِ فَقَاسَهُ عَلَيْهَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ يُسْتَبَاحُ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَالِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِهَا ، وَوَافَقَ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّهَ شَرَطَ عَدَمَ الطَّوْلِ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّوْلَ لَا يَجِدُهُ كُلُّ النَّاسِ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْفَلْسُ وَالدَّانِقُ وَنَحْوُهُمَا طَوْلًا لَمَا عَدِمَهُ أَحَدٌ ، وَلِأَنَّ الطَّوْلَ الْمَالُ وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْمَالِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَقَلِّ الصَّدَاقِ بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ ، وَاللَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ الطَّوْلَ فِي نِكَاحِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَالِكٍ ، وَقَالَ لَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ : تَعَرَّقْتَ فِيهَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيْ ذَهَبْتَ مَذْهَبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ عِيَاضٌ : انْفَرَدَ مَالِكٌ بِهَذَا الْتِفَاتًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَإِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ، 25 ] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَالٌ لَهُ بَالٌ وَأَقَلُّهُ مَا اسْتُبِيحَ بِهِ الْعُضْوُ فِي السَّرِقَةِ ، وَكَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى جَوَازِهِ بِمَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ أَوْ مِنَ الْعَقْدِ إِلَيْهِ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَسَوْطٍ وَنَعْلٍ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : خَمْسَةُ دَرَاهِمَ اعْتِبَارًا بِالْقَطْعِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا ، وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَقَالَ مَرَّةً : عَشَرَةٌ ، وَتَعَقَّبَهُ الزَّوَاوِيُّ بِأَنَّ زَعْمَهُ : تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكٌ بِذَلِكَ - تَنَاقَضَ مَعَ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَعَجِبَ مِنْهُ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَشَنَّعَ عَلَى مَالِكٍ مَعَ مُوَافَقَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ وَمُوَافَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْقَطْعِ ، وَاشْتِرَاطُهُمْ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا اشْتَرَطَهُ مَالِكٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : لَا صَدَاقَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ أَيْضًا ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَيِّ مُتَمَوَّلٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِقَوْلِهِ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لَا عَلَى التَّقْلِيلِ ، وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ طَلَبَ مَا يُقَدِّمُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا كُلَّ الْمَهْرِ ، وَيُضَعِّفُهُ أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ تَقْدِيمَ رُبُعِ دِينَارٍ لَا أَقَلَّ ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : وَضَعْفُهُ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ مَا يُقَدِّمُهُ لَا جَمِيعَ الْمَهْرِ ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ لَا بَعْضُهُ . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : يُرَجِّحُ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ وَيُعَارِضُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ - مَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ : مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ ، قِيلَ : وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ فَأَطْلَقَ الْمَالَ عَلَى مَا تَرَى ، انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ عَلَى ذَلِكَ تَجَوُّزٌ لِقَصْدِ الزَّجْرِ عَنِ اقْتِطَاعِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالْحَلِفِ الْبَاطِلِ عَلَى نَحْوِ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 93 ] الْآيَةَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يُتَمَوَّلُ وَلَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَكُونُ صَدَاقًا ، قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ خَرَقَهُ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَالَ : يَجُوزُ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى شَيْئًا ، وَلَوْ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا تَوْقِيتَ وَلَا تَحْدِيدَ لِأَكْثَرِ الصَّدَاقِ إِجْمَاعًا ، قَالَ : وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَهُ بِمُتَمَوَّلٍ وَلَوْ قَلَّ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الصَّدَاقَ وَلَمْ يَحُدَّ أَكْثَرَهُ وَلَا أَقَلَّهُ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حَدٌّ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ ، وَالْحَدُّ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا أَوْ إِجْمَاعٍ ، انْتَهَى . وَفِي الْحَصْرِ نَظَرٌ ، فَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْقِيَاسُ ، إِذْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ .
1097 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا ، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ غُرْمًا عَلَى وَلِيِّهَا لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا هُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ مَنْ يُرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوْ مِنْ الْعَشِيرَةِ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ ، وَتَرُدُّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا ، وَيَتْرُكُ لَهَا قَدْرَ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ . 1119 1097 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ ) زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ : أَوْ قَرْنٌ ( فَمَسَّهَا ) غَيْرَ عَالِمٍ ( فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَصْدَرُ غَرِمَ إِذَا أَدَّى ( عَلَى وَلِيِّهَا ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ غُرْمًا عَلَى وَلِيِّهَا لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا هُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا ) مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ( فَأَمَّا إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا ابْنُ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوْ مِنَ الْعَشِيرَةِ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ وَتَرُدُّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا وَيَتْرُكُ لَهَا قَدْرَ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ ) رُبُعُ دِينَارٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِئَلَّا يَخْلُوَ الْبُضْعُ عَنْ صَدَاقٍ .
3 - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ 1096 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا ؛ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا ، قَالَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ مَعِي سُورَةُ كَذَا ، وَسُورَةُ كَذَا ، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . 3 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ بِفَتْحِ الصَّادِ فِي لُغَةِ الْأَكْثَرِ ، وَالثَّانِيَةُ : كَسْرُهَا ، وَيُجْمَعُ عَلَى صُدُقٍ بِضَمَّتَيْنِ ، وَالثَّالِثَةُ : لُغَةُ الْحِجَازِ صَدُقَةٍ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ وَتُجْمَعُ عَلَى صَدُقَاتٍ عَلَى لَفْظِهَا ، وَفِي التَّنْزِيلِ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 4 ] وَالرَّابِعَةُ : لُغَةُ تَمِيمٍ صُدْقَةٌ وَالْجَمْعُ صُدُقَاتٍ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ فِي وُجُوهِهَا ، وَالْخَامِسَةُ : صَدْقَةٌ وَجَمْعُهَا صُدَقٌ مِثْلُ قَرْيَةٍ وَقُرَى ، وَأَصْدَقَهَا بِالْأَلِفِ أَعْطَاهَا صَدَاقَهَا ، وَالْحِبَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ الْإِعْطَاءُ بِلَا عِوَضٍ . 1118 1096 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ ، سَلَمَةَ ( بْنِ دِينَارٍ ) الْمَدَنِيِّ ا لْعَابِدِ الثِّقَةِ ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ ) بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ( السَّاعِدِيِّ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ، مَاتَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّاعِ فِي الْأَحْكَامِ : إِنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ أَوْ مَيْمُونَةُ - نَقَلَهُ مِنِ اسْمِ الْوَاهِبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ( فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ ) بِلَامِ التَّمْلِيكِ اسْتُعْمِلَتْ هُنَا فِي تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ، أَيْ وَهَبْتُ أَمْرَ نَفْسِي لَكَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْحُرِّ لَا تُمَلَّكُ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : أَتَزَوَّجُكَ بِلَا صَدَاقٍ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَنَظَرَ إِلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ ( فَقَامَتْ طَوِيلًا ) نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ أَيْ قِيَامًا ، سُمِّيَ مَصْدَرًا لِأَنَّهُ اسْمُ الْفِعْلِ أَوْ عَدَدُهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَهَذَا قَامَ مقام المصدر فَسُمِّيَ بِاسْمِ مَا وَقَعَ مَوْقِعَهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ( فَقَامَ رَجُلٌ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا ) لَمْ يَقُلْ هَبْهَا لِي لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ صَدَاقٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَيْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِالْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 5 ] وَقَالَ فِي الْإِمَاءِ : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ سُورَةُ النساء : الْآيَةُ 25 ] يَعْنِي مُهُورَهُنَّ ، وَإِنِ اقْتَضَى الْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ الْبَدَلُ بِهِ وَالْعِوَضُ يَجُوزُ هِبَتُهُ ، لَكِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بُضْعَ النِّسَاءِ إِلَّا بِالْمَهْرِ ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ . ( إِنْ لَمْ تَكُنْ ) بِفَوْقِيَّةٍ ( لَكَ بِهَا حَاجَةٌ ) بِزَوَاجِهَا وَفِيهِ حُسْنُ أَدَبِهِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ) بِزِيَادَةِ مِنْ فِي الْمُبْتَدَأِ ، وَالْخَبَرُ مُتَعَلَّقُ الظَّرْفِ ، وَجُمْلَةُ ( تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ شَيْءٍ ، وَيَجُوزُ جَزْمُهُ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَتُصْدِقُ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ ، ثَانِيهُمَا إِيَّاهُ ، وَهُوَ الْعَائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ . ( فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : فَلَهَا نِصْفُهُ قَالَ وَمَا لَهُ رِدَاءٌ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ) جَوَابُ الشَّرْطِ وَلَا نَافِيَةٌ وَالِاسْمُ مَبْنِيٌّ مَعَ لَا ، وَلَكَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ أَيْ وَلَا إِزَارَ كَائِنٌ لَكَ فَتَنْكَشِفُ عَوْرَتُكَ ، وَفِيهِ أَنَّ إِصْدَاقَ الشَّيْءِ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ ، فَمَنْ أَصْدَقَ جَارِيَتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، وَإن شَرْطَ الْمَبِيعِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْعًا ، سَوَاءٌ امْتَنَعَ حِسًّا كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ شَرْعًا فَقَطْ كَالْمَرْهُونِ ، وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي لَوْ زَالَ إِزَارُهُ انْكَشَفَ وَفِيهِ نَظَرُ الْكَبِيرِ فِي مَصَالِحِ الْقَوْمِ وَهِدَايَتُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : مَا تَصْنَعُ - أَيِ : الْمَرْأَةُ - بِإِزَارِكَ ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ( فَالْتَمَسَ شَيْئًا ) فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ ( فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا ، قَالَ : الْتَمِسْ ) اطْلُبْ ( وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لَا التَّحْدِيدِ لِأَنَّ الرَّجُلَ نَفَى قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودَ شَيْءٍ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ خَاتَمِ حَدِيدٍ ، وَقِيلَ : لَعَلَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ مَا يُقَدِّمُهُ لَا أَنَّ جَمِيعَ الْمَهْرِ خَاتَمُ حَدِيدٍ ، وَهَذَا يُضَعِّفُهُ اسْتِحْبَابُ مَالِكٍ تَقْدِيمَ رُبُعِ دِينَارٍ لَا أَقَلَّ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ إِذْ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْهُ ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا : كَانَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ وَقَبْلَ قَوْلِهِ إِنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ ( فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَفِي أُخْرَى : فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ لَهُ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) مَعِي ( سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا ) بِالتَّكْرَارِ ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثًا ( لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ) فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ : أَنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : سُورَةُ الْبَقَرَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا بِأَوْ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : الْبَقَرَةُ وَسُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ وَفِي فَوَائِدِ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَبوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَعِي أَرْبَعُ سُوَرٍ أَوْ خَمْسُ سُوَرٍ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ ، وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا ) وَلِلتِّنِّيسِيِّ : زَوَّجْنَاكَهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : مَلَّكْتُكَهَا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هِيَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ زَوَّجْتُكَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ صِحَّةُ الْوَجْهَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ جَرَى ذِكْرُ التَّزْوِيجِ أَوَّلًا ثُمَّ لَفْظُ التَّمْلِيكِ ثَانِيًا أَيْ إِنَّهُ مَلَكَ عِصْمَتَهَا بِالتَّزْوِيجِ السَّابِقِ ( بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ) الْبَاءُ لِلْعِوَضِ كَبِعْتُكَ ثَوْبِي بِدِينَارٍ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَحَهَا بِحِفْظِهِ الْقُرْآنَ أَيْ إِنَّ الْبَاءَ سَبَبِيَّةٌ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، أَظْهَرُهُمَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ قَدْرًا مِنْهُ وَيَكُونُ صَدَاقُهَا تَعْلِيمَهُ إِيَّاهَا ، وَجَاءَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ تَكُونُ صَدَاقًا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : اذْهَبْ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ : فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ ، وَالْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاللَّيْثُ ، وَمَكْحُولٌ : هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ لِمَا حَفِظْتَ مِنَ الْقُرْآنِ وَصِرْتَ لَهَا كُفُؤًا فِي الدِّينِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، انْتَهَى . وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَهُمَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ فِي مَذْهَبِهِ ، وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ الصَّحَابِيِّ قَالَ : زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكِ مَهْرًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا جَوَازُ جَعْلِ الصَّدَاقِ مَنَافِعَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَنْكَحَهَا لَهُ لِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ إِذْ رَضِيَهُ لَهَا وَيَبْقَى ذِكْرُ الْمَهْرِ مَسْكُوتًا عَنْهُ إِمَّا لِأَنَّهُ أَصْدَقَ عَنْهُ كَمَا كَفَّرَ عَنِ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ وَوَدَى الْمَقْتُولَ بِخَيْبَرَ إِذْ لَمْ يُحَلِّفْ أَهْلَهُ رِفْقًا بِأُمَّتِهِ ، أَوْ أَبْقَى الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْكَحَهُ تَفْوِيضًا حَتَّى يَجِدَ صَدَاقًا أَوْ يَتَكَسَّبَهُ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَلْيَحْرِصْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَفَضْلِ أَهْلِهِ وَشَفَاعَتِهِمْ بِهِ . وَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إِلَى أَنَّهُ أَنْكَحَهَا بِلَا مَشُورَتِهَا وَلَا صَدَاقٍ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا كُلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِجَوَازِ النِّكَاحِ بِلَا صَدَاقٍ وَبِمَا لَا قَدْرَ لَهُ ا هـ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : وَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِيَهَا وَتُعَلِّمَهَا وَإِذَا رَزَقَكَ اللَّهُ عَوَّضْتَهَا ، فَتَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا قَدْ يُقَوِّي ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ الصَّحِيحِ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : مُعَلِّمِي صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ أَقَلُّهُ رَحْمَةً بِالْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُ عَلَى الْمِسْكِينِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْمُعَلِّمِينَ ؟ قَالَ : دِرْهَمُهُمْ حَرَامٌ وَقُوتُهُمْ سُحْتٌ وَكَلَامُهُمْ رِيَاءٌ . وَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ . وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ . وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ هَذِهِ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ ، قَالَ : وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ : اقْرَؤوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا قَالَ : وَهَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ لِلَّهِ ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا وَنَحْوَ هَذَا . وَرَوَى حَدِيثَ الْبَابِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ سِيَاقَةً مَالِكٌ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ لِقَوْلِهِ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] الْآيَةَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَأَبُو غَسَّانَ ، وَفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ وَزَائِدَةُ وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، قَائِلًا : يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ : انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ .
19 - بَاب نِكَاحِ الْعَبِيدِ 1133 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ثَبَتَ نِكَاحُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَالْمُحَلِّلُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ التَّحْلِيلُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إِذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ أَوْ الزَّوْجُ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ : إِنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ يَكُونُ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، وَإِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ بَعْدُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ إِذَا مَلَكَتْهُ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ ؛ لَمْ يَتَرَاجَعَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ . 19 - بَابُ نِكَاحِ الْعَبِيدِ 1153 1133 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : يَنْكِحُ ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ( أَرْبَعَ نِسْوَةٍ كَالْحُرِّ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسُنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 3 ) وَبِهِ قَالَ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَدَاوُدُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى طَلَاقِهِ ، وَيُحْتَمَلُ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ هَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخِطَابِ أَمْ لَا ؟ وَبِالثَّانِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ الْحَكَمِ : أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَجْمَعُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعًا ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فُرِّقَ بَيْنِهِمَا ) وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ بِلَا إِذْنِهِ ( وَالْمُحَلِّلُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ التَّحْلِيلُ ) مِنَ الزَّوْجِ الْمُحَلِّلِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إِذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ ) بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ ( أَوِ الزَّوْجُ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ ) كَذَلِكَ ( إِنْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ يَكُونُ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ ) وَثَمَرَةُ ذَلِكَ ( إِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ بَعْدَهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا ) فَتَبْقَى مَعَهُ بِعِصْمَةٍ جَدِيدَةٍ ( وَالْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ إِذَا مَلَكَتْهُ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ لَمْ يَتَرَاجَعَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ) لِوُجُودٍ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْعِتْقِ .
1124 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيُصِيبُهَا ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ أُخْتَهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَيْهِ فَرْجَ أُخْتِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ عِتَاقَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَ عَبْدِهِ . 1144 1124 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِثْلُ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ ( قَالَ مَالِكٌ فِي ) يُجَامِعُهَا ( ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ أُخْتَهَا : إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُحَرَّمَ عَلَيْهِ فَرْجُ أُخْتِهَا بِنِكَاحٍ ) بِأَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ ( أَوْ عَتَاقَةٍ ) نَاجِزَةٍ أَوْ مُؤَجَّلَةٍ ( أَوْ كِتَابَةٍ ) لِحُرْمَةِ فَرْجِهَا عَلَيْهِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهَا بِالْكِتَابَةِ ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ) كَأَسْرٍ وَإِبَاقِ إِيَاسٍ وَبَيْعٍ ( يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ ) أَوْ حُرًّا بِشَرْطِهِ ، وَهَذَا إِيضَاحٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا بِنِكَاحٍ ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ إِذَا زَوَّجَهَا عَبْدَهُ لَا تَحِلُّ أُخْتُهَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِ لَهَا .
1123 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنْ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ ، وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ، فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكَالًا ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أُرَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . 1144 1123 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنِ ذُؤَيْبٍ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرًا ، الْخُزَاعِيُّ ( أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ يُسَمَّ ( سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنِ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُرِيدُ قَوْلُهُ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ أُخْتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ( سُورَةُ الْمَعَارِجِ : الْآيَةُ 29 ، 30 ) قِيلَ : وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَقَالَ : أَحَلَّتْهُمَا آيَتَانِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُرِيدُ تَحْلِيلَ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ ، انْتَهَى . فَحَمَلَ آيَةً عَلَى الْجِنْسِ ، وَبِهِ يُجَابُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ ( وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ) يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) بِلَا خِلَافٍ ، وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لِسَائِلِهِ اخْتِلَافَ الْآيَتَيْنِ أَخْبَرَهُ بِمَا اخْتَارَهُ بِقَوْلِهِ : ( فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ ) الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ ؛ إِمَّا احْتِيَاطًا لِتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ ، وَإِمَّا عَلَى الْوُجُوبِ تَقْدِيمًا لِلْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ . ( قَالَ ) قَبِيصَةُ ( فَخَرَجَ ) الرَّجُلُ السَّائِلُ مِنْ عِنْدِهِ ( فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ) لِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَقْطَعْ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا الْحِلِّ ( فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكَالًا ) عِبْرَةً مَانِعَةً لِغَيْرِهِ مِنِ ارْتِكَابِ مِثْلِ مَا فَعَلَ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : النَّكَالُ الْعُقُوبَةُ الَّتِي تَنْكِلُ النَّاسَ عَنْ فِعْلِ مَا جُعِلَتْ لَهُ جَزَاءً ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ حَدَدْتُهُ حَدَّ الزِّنَى ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَوِّلَ لَيْسَ بِزَانٍ إِجْمَاعًا وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَّا مَا لَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ ، وَهَذَا شُبْهَتُهُ قَوِيَّةٌ وَهِيَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أُرَاهُ ) أَظُنُّ الصَّحَابِيَّ الْقَائِلَ هَذَا ( عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ) وَكَنَّى عَنْهُ قَبِيصَةُ لِصُحْبَتِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، وَبَنُو أُمَيَّةَ تَسْتَثْقِلُ سَمَاعَ ذِكْرِ عَلِيٍّ لَا سِيَّمَا مَا خَالَفَ فِيهِ عُثْمَانَ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَجُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى الْمَنْعِ وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ : أَيُّ الْعُمُومَيْنِ يُقَدَّمُ ؟ وَأَيُّ الْآيَتَيْنِ أَوْلَى أَنْ تَخُصَّ بِهَا الْأُخْرَى ؟ وَالْأَصَحُّ التَّخْصِيصُ بِآيَةِ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي تَعْيِينِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَفْصِيلِهِنَّ ، وَأَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ مَظَانِّهَا أَوْلَى مِنْ أَخْذِهَا لَا مِنْ مَظَانِّهَا ، فَهِيَ أَوْلَى مِنَ الْآيَةِ الْوَارِدَةِ فِي مَدْحِ قَوْمٍ حَفِظُوا فُرُوجَهُمْ إِلَّا عَمَّا أُبِيحَ لَهُمْ ، وَلِأَنَّ آيَةَ مِلْكِ الْيَمِينِ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِاتِّفَاقٍ ، إِذْ لَا يُبَاحُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ذَوَاتُ مَحَارِمِهِ اللَّائِي يَصِحُّ لَهُ مِلْكُهُنَّ وَلَا الْأُخْتُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَأَمَّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَدُخُولُ التَّخْصِيصِ فِيهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَنَا عَلَى عُمُومِهَا وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ مُخَصَّصَةٌ ، وَتَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دَخَلَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ إِذَا خُصِّصَ ضَعُفَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا الْخِلَافُ كَانَ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ عَلَى الْمَنْعِ إِلَّا طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا .
14 - بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِصَابَةِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا 1122 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . 14 - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِصَابَةِ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا كَرَاهِيَةٌ بِخِفَّةِ الْيَاءِ مَصْدَرُ كَرِهَ مِثْلُ كَرَاهَةٍ وَالْمُرَادُ التَّحْرِيمُ ، وَ الْمَرْأَةِ بِالْخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى إِصَابَةِ ، وَبَدَأَ بِمَا أَخَّرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ : 1143 1122 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الثَّبَتِ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ الْهُذَلِيِّ ابْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، مَاتَ بَعْدَ السَّبْعِينَ . ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينَ تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى ) مَا الْحُكْمُ ؟ ( فَقَالَ عُمَرُ : مَا أُحِبَّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : أَطَأَهُمَا ، يُقَالُ لِلْحَرَّاثِ خَبِيرٌ ، وَمِنْهُ الْمُخَابَرَةُ ( جَمِيعًا ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلَهُ ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ تَبَعٌ لَهُ إِلَّا فِي الْعَدَدِ .
1104 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ الَّتِي تَزَوَّجَ ؛ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الَّتِي تَزَوَّجَ بِالسَّوَاءِ ، وَلَا يَحْسِبُ عَلَى الَّتِي تَزَوَّجَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا . 1124 1104 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ ) بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الْبَصْرِيِّ ( الطَّوِيلِ ) لِطُولِ يَدَيْهِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ جَارٌ يُقَالُ لَهُ حُمَيْدٌ الْقَصِيرُ ، فَقِيلَ لِهَذَا الطَّوِيلُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، مَاتَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي سَنَةَ اثْنَيْنِ ، وَيُقَالُ : ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً . ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا لَا يَقْتَضِيهِ قِيَاسٌ إِذْ لَا نَظِيرَ لَهُ ، يُشَبَّهُ بِهِ ، وَلَا أَصْلَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ ، وَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ : حِكْمَةُ ذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى تَحْصِيلِ الْأُلْفَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ وَأَنْ يَسْتَوْفِيَ الزَّوْجُ لَذَّتَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةً ، وَلَمَّا كَانَتِ الْبِكْرُ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالرَّجُلِ وَحَدِيثَةً بِالِاسْتِصْعَابِ وَالنِّفَارِ لَا تَلِينُ إِلَّا بِجُهْدٍ شُرِعَتْ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّيِّبِ لِأَنَّهُ يَنْفِي نِفَارَهَا وَيُسَكِّنُ رَوْعَهَا ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ فَإِنَّهَا مَارَسَتِ الرِّجَالَ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ مَعَ هَذَا الْحَدَثِ دُونَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبِكْرُ ، قَالَ : وَهَذِهِ حِكْمَةٌ ، وَالدَّلِيلُ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الشَّارِعِ وَفِعْلُهُ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَلَوْ شِئْتُ فَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَصَدَقْتُ وَلَكِنَّهُ السُّنَّةُ . وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ مُصَرِّحًا بِرَفْعِهِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَى بَقِيَّةِ نِسَائِهِ لِحَاجَتِهِ بِاللَّذَّةِ بِهَذِهِ الْجَدِيدَةِ فَجَعَلَ لَهُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي التَّمَتُّعِ ؟ أَوْ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ لِقَوْلِهِ لِلْبِكْرِ وَلِلثَّيِّبِ بِلَامِ التَّمْلِيكِ ؟ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ ، وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا ، وَعَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ فَفِي الْقَضَاءِ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَدَمُ الْقَضَاءِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْحَكَمِ كَالْمُتْعَةِ ، ثُمَّ اخْتُلِفَ هَلْ هُوَ حَقٌّ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى أَمْ لَا لِلْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ وَنَسَبَهُ أَبُو عُمَرَ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ غَيْرُ هَذِهِ لِأَنَّ مَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ مُقِيمٌ مَعَ هَذِهِ غَيْرُ مُفَارِقٍ لَهَا ، وَهَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 19 ] وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ) الْمَرْوِيُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ ( الْأَمْرُ ) الْمَعْمُولُ بِهِ ( عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، خِلَافًا لِأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحِكَمِ ، وَحَمَّادٌ فِي أَنَّ سَوَاءٌ ، وَالطَّارِئَةُ مَعَ مَنْ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فَمَا جَلَسَ عِنْدَ الطَّارِئَةِ حَاسَبَهَا بِهِ وَجَلَسَ عِنْدَ أَزْوَاجِهِ مِثْلَهُ ، وَخِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ : يُقِيمُ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا وَالثَّيِّبِ أَرْبَعًا فَإِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا عَلَى ثَيِّبٍ مَكَثَ ثَلَاثًا وَإِذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبًا عَلَى بِكْرٍ مَكَثَ يَوْمَيْنِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالسُّنَّةُ تُخَالِفُ الْجَمِيعَ . ( فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امرأة غير الَّذِي تَزَوَّجَ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الَّتِي تَزَوَّجَ بِالسَّوَاءِ وَلَا يَحْسِبُ عَلَى الَّتِي تَزَوَّجَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا ) وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ يُحَاسِبُهَا لِأَنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِلظَّوَاهِرِ الْآمِرَةِ بِالْعَدْلِ ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّامَ فِي لِلْبِكْرِ وَلِلثَّيِّبِ لِلْمِلْكِ وَمِلْكُ الْإِنْسَانِ لَا يُحَاسِبُهُ بِهِ ، وَأَيْضًا لَوْ حُوسِبَتْ لَمْ يَبْقَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَجْهٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّبْعِ وَالثَّلَاثِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْدَادِ إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا فِي الْجَمِيعِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ .
5 - بَاب الْمَقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ 1103 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا : لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ ، فَقَالَتْ : ثَلِّثْ . 5 - بَابُ الْمُقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ كَذَا عِنْدَ أَبِي عُمَرَ ، وَفِي نُسْخَةٍ : وَالْأَيِّمِ ، أَيِ : الثَّيِّبِ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَوْضِعِ الْقِيَامِ ، لِأَنَّكَ إِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ قَامَ يَقُومُ فَمَفْتُوحٌ ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ فَمَضْمُومٌ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا جَاوَزَ الثَّلَاثَةَ فَالْمَوْضِعُ مَضْمُومٌ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِبَنَاتِ الْأَرْبَعَةِ نَحْوُ دَحْرَجَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا مُقَامَ لَكُمْ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 13 ] بِالْفَتْحِ أَيْ لَا مَوْضِعَ لَكُمْ ، وَقُرِئَ بِالضَّمِّ أَيْ لَا إِقَامَةَ لَكُمْ . 1123 1103 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ ) الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ هِشَامٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ظَاهِرُهُ الِانْقِطَاعُ أَيِ الْإِرْسَالُ ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ قَدْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ ) هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّةَ الْفَاضِلَةَ بَارِعَةَ الْجَمَالِ ( وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : دَخَلَ عَلَيْهَا فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ ( قَالَ لَهَا : لَيْسَ بِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ بِضَمِيرِ الْأَمْرِ أَوِ الشَّأْنِ ( عَلَى أَهْلِكِ ) يَعْنِي نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ ، وَكُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَهْلٌ ( هَوَانٌ ) أَيْ لَا أَفْعَلُ فِعْلًا يَظْهَرُ بِهِ هَوَانُكِ عَلَيَّ أَوْ تَظُنِّيهِ ، وَفِيهِ : اللُّطْفُ وَالرِّفْقُ بِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ كَرَاهَةُ الْحَقِّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحَقِّ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَلْحَقُكِ هَوَانٌ وَلَا يَضِيعُ مِنْ حَقِّكِ شَيْءٌ بَلْ تَأْخُذِينَهُ كَامِلًا . قَالَ الْأُبِّيُّ : وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا قَبِيلَتُهَا لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَعَدَمَ الْمُبَالَاةِ بِهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِأَهْلِهَا ، فَالْبَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَوَانٍ وَعَلَى الثَّانِي لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ لَا يَلْحَقُ أَهْلَكِ هَوَانٌ بِسَبَبِكِ ( إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ ) أَيْ أَقَمْتُ سَبْعًا لِأَنَّهُمُ اشْتَقُّوا الْفِعْلَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ ( وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ ) أَيْ أَقَمْتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بَقِيَّةِ نِسَائِي سَبْعًا ( وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ) أَيْ أَقَمْتُ ثَلَاثًا ( عِنْدَكِ وَدُرْتُ ) عَلَى بَقِيَّةِ نِسَائِي بِالْقَسْمِ يَوْمًا يَوْمًا ، فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ الْقَسْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ يَوْمَيْنِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ مَعَ التَّرَاضِي هَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : وَإِنَّمَا يَدُلُّ لِمَالِكٍ إِنْ كَانَ مَعْنَى دُرْتُ مَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْمُخَالِفُ مَعْنَاهُ دُرْتُ بِالتَّثْلِيثِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَبِقَوْلِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ فَجَعَلَهُ حُكْمًا مُبْتَدَأً ، وَالْأَوْلَى فِي رَدِّهِ أَنَّ قَوْلَهُ دُرْتُ إِحَالَةٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْهُ فِي الْقَسْمِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمًا يَوْمًا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ ( فَقَالَتْ : ثَلِّثْ ) قَالَ عِيَاضٌ : اخْتَارَتِ التَّثْلِيثَ مَعَ أَخْذِهَا بِثَوْبِهِ حِرْصًا عَلَى طُولِ إِقَامَتِهِ عِنْدَهَا لِأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّهُ إِذَا سَبَّعَ لَهَا وَسَبَّعَ لِغَيْرِهَا لَمْ يَقْرُبْ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : لَاطَفَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْقَوْلِ الْحَسَنِ أَيْ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ تَمْهِيدًا لِلْعُذْرِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ ، أَيْ لَيْسَ اقْتِصَارِي عَلَيْهَا لِهَوَانِكِ عَلَيَّ وَلَا لِعَدَمِ رَغْبَةٍ فِيكِ وَلَكِنَّهُ الْحُكْمُ ثُمَّ خَيَّرَهَا بَيْنَ الثَّلَاثِ وَلَا قَضَاءَ لِغَيْرِهَا ، وَبَيْنَ السَّبْعِ وَيَقْضِي لِبَقِيَّةِ أَزْوَاجِهِ فَاخْتَارَتِ الثَّلَاثَ لِيَقْرُبَ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ السَّبْعِ لِغَيْرِهَا طُولَ مَغِيبِهِ عَنْهَا ، انْتَهَى . وَفِيهِ تَخْيِيرُ الثَّيِّبِ بَيْنَ الثَّلَاثِ بِلَا قَضَاءٍ وَالسَّبْعِ وَالْقَضَاءِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا تُخَيَّرُ ، وَتَرَكُوا حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَبِهِ تُعُقِّبَ نَقْلُ النَّوَوِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَيُمْكِنُ عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا رَأَى ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ خُصَّ فِي النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ ا هـ . وَمَعْنَاهُ أَنَّ احْتِمَالَ الْخُصُوصِيَّةِ مَنَعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ، فَرَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَفِي قَوْلِهِ إِنْ شِئْتِ إِلَخْ ، أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُ الثَّيِّبَ بِالثَّلَاثِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِذْ لَوْ حُوسِبَتْ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ السَّبْعِ وَالثَّلَاثِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْدَادِ . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : وَجْهُ احْتِجَاجِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الثَّلَاثُ حَقًّا لِلثَّيِّبِ خَالِصَةً لَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعًا لِأَنَّ الثَّلَاثَ حَقٌّ لَهَا . وَالْجَوَابُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّهُ إِنَّمَا هِيَ لَهَا بِشَرْطِ أَن لا تَخْتَارَ السَّبْعَ ، أَيْضًا فَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ سَبَّعْتُ بَعْدَ التَّثْلِيثِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَسْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَزْوَاجِهِ إِنَّمَا هُوَ تَطْيِيبٌ لِقُلُوبِهِنَّ وَإِلَّا فَالْقَسْمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 51 ] وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ عَلَى صُورَةِ الْإِرْسَالِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَوَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ أَيْضًا وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ مُسْلِمًا بَيَّنَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي إِرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ ، وَمَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ : إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ .
16 - بَاب النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة : 5 ] فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ النساء : 25 ] فَهُنَّ الْإِمَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيمَا نُرَى نِكَاحَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ ، وَلَمْ يُحْلِلْ نِكَاحَ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمَةُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ . 16 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ الْحَرَائِرُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حِلٌّ لَكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ( فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنَ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ ) فَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ لَا الْمَجُوسُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ؛ إِذْ لَا كِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَكَذَا مَنْ تَمَسَّكَ بِصُحُفِ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ بِنَظْمٍ يُدْرَسُ وَيُتْلَى وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِمْ مَعَانِيهَا ، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَتَضَمَّنْ أَحْكَامًا وَشَرَائِعَ بَلْ كَانَتْ حِكَمًا وَمَوَاعِظَ ( وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا غِنًى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ أَوِ الْكِتَابِيَّاتِ ، بِدَلِيلِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَالْوَصْفُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ تُنْكَحُ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ فَهُنَّ أَيِ الْفَتَيَاتُ ( الْإِمَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ ، فَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيمَا نَرَى نِكَاحَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ ) لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا ، وَخَافَ الْعَنَتَ ( وَلَمْ يُحْلِلْ ) بِالْفَكِّ ، وَفِي نُسْخَةٍ : يَحِلَّ ، بِالْإِدْغَامِ ( نِكَاحَ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ) وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ وَالظُّهُورِ ، وَكَذَا يَحْرُمُ نِكَاحُ نِسَاءِ سَائِرِ الْكُفَّارِ الْحَرَائِرِ غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَعَبَدَةِ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَصُوَرٍ وَنُجُومٍ وَمُعَطِّلَةٍ وَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ غَيْرَهَا اجْتَمَعَ فِيهِ نَقْصُ الْكُفْرِ فِي الْحَالِ وَفَسَادُ الدِّينِ فِي الْأَصْلِ ، وَالْكِتَابِيَّةُ فِيهَا نَقْصٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كُفْرُهَا فِي الْحَالِ ( وَالْأَمَةُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 3 ) ( وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ) لِلْقَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ وَطْءُ حَرَائِرِهِمْ بِالنِّكَاحِ جَازَ وَطْءُ إِمَائِهِمْ بِالْمِلْكِ ، وَكُلُّ مَنْ مُنِعَ وَطْءُ حَرَائِرِهِمْ بِالنِّكَاحِ مُنِعَ وَطْءُ إِمَائِهِمْ بِالْمِلْكِ .
18 - بَاب نِكَاحِ الْمُتْعَةِ 1131 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ . 18 - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ هُوَ النِّكَاحُ لِأَجَلٍ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ : كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ وَنَهَى عَنْهَا ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ . 1151 1131 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيِّ أَبِي هَاشِمٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، ثِقَةٌ ، مِنْ رِجَالِ الْكُلِّ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ بِالشَّامِ ( وَالْحَسَنِ ، ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) الْهَاشِمِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، يقالُ الْمَدَنِيُّ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ ( عَنْ أَبِيهِمَا ) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، عَالِمٌ ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ ( عَنْ ) أَبِيهِ ( عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِفُلَانٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - : إِنَّكَ رَجُلٌ تَايِهٌ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ) وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَهِيَ النِّكَاحُ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا مُجَرَّدُ التَّمَتُّعِ دُونَ التَّوَالُدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلِينُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ : مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا ( يَوْمَ خَيْبَرَ ) هَكَذَا اتَّفَقَ مَالِكٌ وَسَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَلَى خَيْبَرَ ، بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ آخِرِهِ ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : حُنَيْنٍ ، بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَا : إِنَّهُ وَهْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْقَطَّانُ . ( وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ ) قَالَ عِيَاضٌ : رَوَاهُ الْأَكْثَرُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ، وَالْإِنْسُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ : النَّاسُ ، وَلَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبَعْضِ السَّلَفِ ، وَفِي أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ لِمَالِكٍ ، وَفِي أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قُسِّمَتْ أَوْ خَوْفُ فَنَاءِ الظَّهْرِ أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً ، رِوَايَاتٌ ، وَقِيلَ : هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ اهـ . وَالْمُعْتَمَدُ عَنْ مَالِكٍ تَحْرِيمُهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَالْمُتَحَصَّلُ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَوَّلَهَا خَيْبَرُ ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا ، وَمَرَاسِيلُهُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ ، ثُمَّ الْفَتْحُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ أَوْطَاسٌ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ بِلَفْظِ : رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى عَامِ الْفَتْحِ عَامَ أَوْطَاسٍ لِتَقَارُبِهِمَا ، لَكِنْ يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ الْإِذْنُ فِي أَوْطَاسٍ بَعْدَ التَّصْرِيحِ قَبْلَهَا فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهَا حُرِّمَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ تَبُوكُ فِيمَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ كَانَ النَّهْيُ قَدِيمًا فَلَمْ يَبْلُغْ بَعْضَهُمْ فَاسْتَمَرَّ عَلَى الرُّخْصَةِ ، وَلِذَلِكَ قَرَنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ بِالْغَضَبِ كَمَا رَوَاهُ الْحَازِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ؛ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنْهُ ، ثُمَّ حَجَّةُ الْوَدَاعِ كَمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الرَّبِيعِ ابْنِ سَبْرَةَ ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِأَنَّهَا فِي الْفَتْحِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ ، فَإِنْ كَانَ حفظه فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ أَبِي دَاوُدَ سِوَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ ، فَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ إِعَادَةَ النَّهْيِ لِيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَبْلُ ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّهُمْ حَجُّوا بِنِسَائِهِمْ بَعْدَ أَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ بِالْمَالِ وَالسَّبْيِ ، فَلَمْ يَكُونُوا فِي شِدَّةٍ وَلَا طُولِ غُرْبَةٍ . قَالَ عِيَاضٌ : الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِنَّمَا هُوَ تَجْدِيدُ النَّهْيِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَلِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، وَلِإِتْمَامِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ كَمَا قَرَّرَ غَيْرَ شَيْءٍ يَوْمَئِذٍ اهـ . فَلَمْ يَبْقَ صَحِيحٌ صَرِيحٌ سِوَى خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ ، مَعَ مَا وَقَعَ فِي خَيْبَرَ مِنَ الْكَلَامِ حَتَّى زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذِكْرَ النَّهْيِ يَوْمَ خَيْبَرَ غَلَطٌ ، وَالسُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَلَا رُوَاةِ الْأَثَرِ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فِي لَفْظِ الزُّهْرِيِّ اهـ . أَيْ فَيَكُونُ نَهْيُ يَوْمِ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، فَلَيْسَ يَوْمُ خَيْبَرَ ظَرْفًا لِمُتْعَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي غَزْوَتِهَا تَمَتُّعٌ بِالنِّسَاءِ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَسْتَمْتِعُوا بِالْيَهُودِيَّاتِ ، وَهَذَا نَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ إِنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : إِنَّ تَارِيخَ خَيْبَرَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّهْيِ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهُوَ يُشْبِهُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ، فَيَكُونُ احْتِجَاجٌ بِنَهْيِهِ آخِرًا حَتَّى تَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَتُعُقِّبَ هَذَا كُلُّهُ بِأَنَّهُ بَعْدَ اتِّفَاقِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُمْ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ ، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ : تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْمُتْعَةَ مِمَّا تَنَاوَلَهَا الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّسْخُ مَرَّتَيْنِ كَمَا اتَّفَقَ فِي الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ كَانَا مَرَّتَيْنِ ، فَكَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ خَيْبَرَ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ يَوْمُ أَوْطَاسٍ لِاتِّصَالِهَا بِهَا ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مِنْ غَرَائِبِ الشَّرِيعَةِ ، أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ ، فَالْإِبَاحَةُ الْأُولَى أَنَّ اللَّهَ سَكَتَ عَنْهُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فَجَرَى النَّاسُ فِي فِعْلِهِ عَلَى عَادَتِهِمْ ، ثُمَّ حُرِّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أُبِيحَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَأَوْطَاسٍ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ حُرِّمَتْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى حَدِيثِ سَبْرَةَ اهـ . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهَا . وَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ : حَتَّى ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي اسْتَمْتَعَ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيَ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الرَّوَافِضُ ، قَالَ الْمَازَرِيُّ : مُحْتَجِّينَ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ( النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) الْآيَةَ ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ ) ، وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ نُسِخَتْ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ ، وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ تَتَوَاتَرْ ، وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ بِالْآحَادِ ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ تَنَاقُضٌ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي الْحَدِيثِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْهَى عَنِ الشَّيْءِ فِي زَمَانٍ ثُمَّ يُكَرِّرُ النَّهْيَ عَنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ تَأْكِيدًا ، وَتُعُقِّبَ قَوْلُهُ : ( يُخَالِفُ إِلَّا الرَّوَافِضُ ) ، بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْجَوَازُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَجَابِرٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَمْرِو بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، وَسَلَمَةَ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَالْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَعْدُ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ رَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى التَّحْرِيمِ أَمْ لَا ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ يَرَوْنَهُ حَلَالًا ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ السَّابِقَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ وَيَكُونُ الْخِلَافُ بَاقِيًا ؟ وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الْخِلَافُ فِيمَنْ نَكَحَ مُتْعَةً هَلْ يُحَدُّ أَوْ لَا ؟ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَلِلْخِلَافِ الْمُتَقَرَّرِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَحْرِيمِ الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْآنَ فَسْخٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ إِلَّا زُفَرَ فَقَالَ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ إِذَا قَارَنَتِ النِّكَاحَ بَطَلَتْ وَمَضَى النِّكَاحُ عَلَى التَّأْبِيدِ . وَفِي الِاسْتِذْكَارِ : رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ نَسْخُ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ الْآيَةَ ، بِالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعَهُ مِثْلَهُ . وَفِي تَأْوِيلِهَا قَوْلٌ ثَانٍ لِجَمْعٍ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَنَّ الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ الْحَلَالُ ، فَإِذَا عَقَدَ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدِ اسْتَمْتَعَ بِالْعَقْدِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ لِاسْتِمْتَاعِهِ الْمُتْعَةَ الْكَامِلَةَ ، وَقَوْلُهُ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) مَعْنَاهُ أَنْ تَتْرُكَ الْمَرْأَةُ وَيُتْرَكَ لَهَا كَقَوْلِهِ : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 4 ) وَ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَيُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ شَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ .
1132 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ : إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالَ : هَذِهِ الْمُتْعَةُ ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ . 1152 1132 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ ) بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّةَ ، يُقَالُ لَهَا أُمَّ شَرِيكٍ وَيُقَالُ لَهَا خُوَيْلَةَ أَيْضًا بِالتَّصْغِيرِ ، صَحَابِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ، يُقَالُ : إِنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ( دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ : إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ ) بْنَ خَلَفٍ القرشي الْجُمَحِيَّ ، أَخَا صَفْوَانَ ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَشَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَرَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَقِفَ تَحْتَ صَدْرِ رَاحِلَتِهِ ، وَقَالَ : يَا رَبِيعَةُ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لَكُمْ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ هَذَا فِي الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ كَالْبَغَوِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ عُمَرَ غَرَّبَهُ فِي الْخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا ، كَمَا بَسَطَهُ فِي الْإِصَابَةِ ( اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلِّدَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ) بَعْدَ نَهْيِكَ عَنِ الْمُتْعَةِ ( فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزَعًا ) بِالْفَاءِ وَالزَّايِ ( يَجُرُّ رِدَاءَهُ ) مِنَ الْعَجَلَةِ ( فَقَالَ : هَذِهِ الْمُتْعَةُ ) الَّتِي ثَبَتَ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ( وَلَوْ كُنْتَ تَقَدَّمْتَ ) أَيْ سَبَقَتْ غَيْرِي ( فِيهَا لَرَجَمْتُ ) أَيْ لَرَجَمْتُهُ ، أَوِ الْمُرَادُ لَرَجَمْتُ فَاعِلَهَا رَبِيعَةَ أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِرَبِيعَةَ قَبْلَ تَنَصُّرِهِ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ مُنْقَطِعٌ ، وَرُوِّينَاهُ مُتَّصِلًا ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ نَهْيِهِ عَنْهَا ، وَهُوَ تَغْلِيظٌ لِيَرْتَدِعَ النَّاسُ وَيَنْزَجِرُوا عَنْ سُوءِ مَذْهَبِهِمْ وَقَبِيحِ تَأْوِيلَاتِهِمْ ، وَاحْتِمَالٌ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِهَا : لَرَجَمْتُ كَمَا يُرْجَمُ الزَّانِي ، ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى مَنْ وَطِئَ حَرَامًا لَمْ يَتَأَوَّلْ فِيهِ سُنَّةً وَلَا قُرْآنًا اهـ . وَاخْتَلَفَ كِبَارُ أَصْحَابِ مَالِكٍ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَلِلْخِلَافِ الْمُتَقَرِّرِ فِيهَا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَحْرِيمِ الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْلُ هَذَا عِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِنَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَبَيْنَ مَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ هَلْ يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الْخِلَافِ أَمْ لَا يَنْعَقِدُ ؟ وَحُكْمُ الْخِلَافِ بَاقٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَاقِلَانِيِّ ، وَهَذَا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ رُجُوعِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهَا ، فَأَمَّا عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ رُجُوعِهِ فَقَدِ انْقَطَعَ الْخِلَافُ جُمْلَةً ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَكَحَ نِكَاحًا مُطْلَقًا وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَمْكُثَ مَعَهَا إِلَّا مُدَّةً نَوَاهَا أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحِ مُتْعَةٍ ، لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ هَذَا مِنَ الْجَمِيلِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ، وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ : هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ .
15 - بَاب النَّهْيِ عَنْ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ أَمَةً كَانَتْ لِأَبِيهِ 1125 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَقَالَ : لَا تَمَسَّهَا فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتُهَا . 15 - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ أَمَةً كَانَتْ لِأَبِيهِ 1146 1125 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً ، فَقَالَ : لَا تَمَسَّهَا فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتُهَا ) قَالَ الْبَاجِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى بَعْضِ مَا تَسْتُرُهُ مِنْ جَسَدِهَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ التَّلَذُّذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ ، فَأَبْدَى الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْكَشْفُ ، فَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ كَافِيًا كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ .
1126 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ أَنَّهُ قَالَ : وَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِابْنِهِ جَارِيَةً ، فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا ؛ فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُهَا فَلَمْ أَنْشَطْ إِلَيْهَا . 1146 1126 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ، وَاسْمُهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثَلَاثَةٌ ، ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( أَنَّهُ قَالَ : وَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُهَا ) عَلَى الْجِمَاعِ ( فَلَمْ أَنْشَطْ إِلَيْهَا ) لَمْ أُجَامِعْهَا بَعْدَ كَشْفِهَا .
1127 - 110 وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّ أَبَا نَهْشَلِ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : إِنِّي رَأَيْتُ جَارِيَةً لِي مُنْكَشِفًا عَنْهَا وَهِيَ فِي الْقَمَرِ ، فَجَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَقَالَتْ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقُمْتُ ، فَلَمْ أَقْرَبْهَا بَعْدُ ، أَفَأَهَبُهَا لِابْنِي يَطَؤُهَا ؟ فَنَهَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ذَلِكَ . 1147 1127 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ أَبَا نَهْشَلٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَلَامٍ ، ابْنَ الْأَسْوَدِ ( قَالَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : إِنِّي رَأَيْتُ جَارِيَةً لِي مُنْكَشِفًا عَنْهَا ) ثِيَابُهَا ( وَهِيَ فِي الْقَمَرِ ، فَجَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ ) بَيْنَ وِرْكَيْهَا لِأَنْكِحَهَا ( فَقَالَتْ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقُمْتُ فَلَمْ أَقْرَبْهَا بَعْدُ ) بِضَمِّ الدَّالِ ( أَفَأَهَبُهَا لِابْنِي يَطَؤُهَا ؟ فَنَهَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ هِبَتِهَا لِلْوَطْءِ ، أَمَّا الْهِبَةُ بِلَا وَطْءٍ فَيَجُوزُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ وَسَالِمٌ .
1128 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ : أَنَّهُ وَهَبَ لِصَاحِبٍ لَهُ جَارِيَةً ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ : قَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيَفْعَلُ بِهَا كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَمَرْوَانُ كَانَ أَوْرَعَ مِنْكَ ، وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ : لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ سَاقَهَا مُنْكَشِفَةً . 1147 1128 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَاسْمُهُ شِمْرٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، الشَّامِيُّ ، يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ ، ثِقَةٌ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ) بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ ، أَحَدُ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ ( أَنَّهُ وَهَبَ لِصَاحِبٍ لَهُ جَارِيَةً ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ : قَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيَفْعَلُ بِهَا كَذَا وَكَذَا ) كِنَايَةً عَنْ جِمَاعِهَا ( فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَمَرْوَانُ ) بِفَتْحِ اللَّامِ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ ، أَيْ وَاللَّهِ لَمَرْوَانُ ، يَعْنِي أَبَاهُ ( كَانَ أَوْرَعَ مِنْكَ ، وَهَبَ لِابْنِهِ ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ أَوْ أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ بَنِيهِ ( جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ : لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ سَاقَهَا مُنْكَشِفَةً ) فَالْتَذَذْتُ بِهَا .
1095 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا : إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا . 1114 1095 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا : إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا ) لِأَنَّهُ يُجْبِرُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ .
1093 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ . 1114 1093 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ) كَالْأَبِ ( أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : هُوَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَشِيرَةِ أَوِ ابْنُ الْعَمِّ أَوِ الْمَوَالِي ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ الرَّجُلُ مِنْ عَصَبَتِهَا ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : الْعَشِيرَةُ قَدْ تَعْظُمُ إِنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ الْبَطْنُ أَوْ مِنْ بَطْنِ مَنْ أَعْتَقَهَا لِأَنَّ الْبَطْنَ أَلْصَقُ مِنَ الْعَشِيرَةِ ( أَوِ السُّلْطَانِ ) لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ مَنْ لَهُ حَاكِمٌ مِنْ إِمَامٍ أَوْ قَاضٍ فَيُزَوِّجُهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلِيِّ ، أَمَّا مَعَهُ فَرَوَى أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ حَتَّى يَسْأَلَهُ فَإِنِ امْتَنَعَ لِغَيْرِ عُذْرٍ زَوَّجَهَا ، فَإِنْ بَدَرَ السُّلْطَانُ أَوْ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا فَأَنْكَحَهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَمْضِي ، وَرَأَى حَدِيثَ عُمَرَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَدَّهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَرَدَّ قَوْلَ مَالِكٍ بِتَقْدِيمِ الْأَبْعَدِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ مِنَ الْقَرَابَةِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ إِنْكَاحُهُ إِذَا أَصَابَ وَجْهَ النِّكَاحُ مِنَ الْكُفْءِ وَالصَّلَاحِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : عَلَى التَّرْتِيبِ لَا التَّخْيِيرِ .
2 - بَاب اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا 1092 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . 2 - بَابُ اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا الْأَيِّمُ بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ لُغَةً مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا . قَالَ الشَّاعِرُ : لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ رَجَاءَ سُلَيْمَى أَنْ تَئِيمَ كَمَا إِمْتُ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّيِّبُ . 1114 1092 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ) بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ طَبَقَةِ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ ) بْنِ عَدِيٍّ القرشي النَّوْفَلِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، رَوَى لَهُ الْكُلُّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ) لَفْظَةُ أَحَقُّ لِلْمُشَارَكَةِ أَيْ إِنَّ لَهَا فِي نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ حَقًّا وَلِوَلِيِّهَا ، وَحَقُّهَا آكَدُ مِنْ حَقِّهِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَقْدٍ وَغَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالرِّضَا أَنْ لَا تُزَوَّجَ حَتَّى تَنْطِقَ بِالْإِذْنِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ ، لَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ تَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ بِالرِّضَا دُونَ الْعَقْدِ وَأَنَّ حَقَّ الْوَلِيِّ فِي الْعَقْدِ ، وَدَلَّ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ الْمُقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ أَنَّ لِوَلِيِّهَا حَقًّا آكَدُ ، وَحَقُّهَا أَنْ لَا يَتِمَّ ذَلِكَ إِلَّا بِرِضَاهَا ، قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْأَيِّمِ هُنَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى إِطْلَاقِهِ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، حَكَاهُ الْحَرْبِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا ، فَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَكَافَّةُ الْفُقَهَاءِ : الْمُرَادُ الثَّيِّبُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَوِ الْمُعَلَّقَةُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ، وَلِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوْهُ بِلَفْظِ الثَّيِّبِ وَلِمُقَابَلَتِهِ بِالْبِكْرِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَزُفَرُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ : الْأَيِّمُ هُنَا عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا بَالِغَةً فَعَقْدُهَا عَلَى نَفْسِهَا جَائِزٌ ، وَلَيْسَ الْوَلِيُّ مِنْ أَرْكَانِ صِحَّةِ الْعَقْدِ بَلْ مِنْ تَمَامِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِفَصْلِ الْأَيِّمِ مِنَ الْبِكْرِ مَعْنًى . ( وَالْبِكْرُ ) الْبَالِغُ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ مَالِكٍ : وَالْيَتِيمَةُ ، مَكَانَ الْبِكْرِ ( تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ) أَيْ يَسْتَأْذِنُهَا وَلِيُّهَا أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا ( وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ) بِالضَّمِّ سُكُوتُهَا ، قَالَ الْقُطْرُبِيُّ : هَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَاعَاةً لِتَمَامِ صَوْنِهَا وَإِبْقَاءً لِاسْتِحْيَائِهَا ، لِأَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ صَرِيحًا لَظُنَّ أَنَّهَا رَاغِبَةٌ فِي الرِّجَالِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ فِي الْبِكْرِ ، وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُعَلَّمَ : صُمَاتُهَا إِذْنٌ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي حَمْلِ الْبِكْرِ هُنَا عَلَى الْيَتِيمَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَوْ ذَاتَ أَبٍ ، لَكِنْ عَلَى النَّدْبِ لَا الْوُجُوبِ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ بِكْرٍ ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ وَلِيَّ الْبِكْرِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قُيِّدَ بِأَخَصِّ أَوْصَافِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ ، فَقَوْلُهُ فِي الثَّيِّبِ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا جَمَعَ نَصًّا وَدَلَالَةً ، وَالْعَمَلُ بِالدَّلَالَةِ وَاجِبٌ كَوُجُوبِهِ بِالنَّصِّ ، وَإِنَّمَا شَرَعَ لِلْوَلِيِّ اسْتِئْذَانَهَا تَطْيِيبًا لَهَا لَا وُجُوبًا ، بِدَلِيلِ جَعْلِهِ صُمَاتَهَا إِذْنَهَا ، وَالصُّمَاتُ لَيْسَ بِإِذْنٍ وَإِنَّمَا جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحِي أَنْ تُفْصِحَ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَيَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَرُبَّمَا قَالَ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ رَفِيعٌ ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ . رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجِلَّةِ كَشُعْبَةَ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، قِيلَ : وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا يَصِحُّ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَكْثَرُ أَقْرَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثِ .
1094 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يُنْكِحَانِ بَنَاتِهِمَا الْأَبْكَارَ ، وَلَا يَسْتَأْمِرَانِهِنَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي نِكَاحِ الْأَبْكَارِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا وَيُعْرَفَ مِنْ حَالِهَا . 1114 1094 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يُنْكِحَانِ بَنَاتِهِمَا الْأَبْكَارَ ) الْبَالِغَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( وَلَا يَسْتَأْمِرَانِهِنَّ ) أَيْ يَسْتَأْذِنَانِهِنَّ إِذْ غَيْرُ الْبَالِغِ لَا يَسْتَأْمِرُهَا الْأَبُ ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي نِكَاحِ الْأَبْكَارِ ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُنَّ ، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْيَتِيمَةِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ . ( وَلَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا ) عِنْدَ زَوْجِهَا ( وَيُعْرَفُ مِنْ حَالِهَا ) الرُّشْدُ وَالصَّلَاحُ .
17 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِحْصَانِ 1129 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : الْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ هُنَّ أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا . 17 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِحْصَانِ 1149 1129 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ ) تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) ( هُنَّ أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ ) لِأَنَّهُنَّ أَحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ ( وَيَرْجِعُ ) ذَلِكَ ( إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزِّنَى ) وَكَذَا رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ : إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) عِنْدَهُمْ تَمْلِكُونَ عِصْمَتَهُمْ بِالنِّكَاحِ وَبِالشِّرَاءِ ، أَيْ بِجَعْلِ إِلَّا لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فَكَأَنَّهُنَّ كُلُّهُنَّ مِلْكُ يَمِينٍ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ زِنًى ، وَاقْتَصَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ السَّبَايَا ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ خَاصَّةً ، فَقَوْلُهُ : إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) يَعْنِي مِنْهُنَّ لِهَدْمِ السَّبْيِ النِّكَاحَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْحَقُّ ، وَقِيلَ : الْمُحْصَنَاتُ كُلُّ ذَاتِ زَوْجٍ مِنَ السَّبَايَا وَغَيْرِهِمْ ، فَإِذَا بِيعَتْ أَمَةٌ مُتَزَوِّجَةٌ كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا وَحَلَّتْ لِمُشْتَرِيهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَيَرُدُّهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ بَعْدَمَا بِيعَتْ وَعَتَقَتْ ، فَلَوْ كَانَ بَيْعُهَا طَلَاقَهَا مَا خَيَّرَهَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ مُلَخَّصًا .
1130 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، وَبَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا نَكَحَ الْحُرُّ الْأَمَةَ فَمَسَّهَا ؛ فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانَ يَقُولُ : ذَلِكَ تُحْصِنُ الْأَمَةُ الْحُرَّ ؛ إِذَا نَكَحَها فمسها فقد أحصنته . قال مالك : يحصن العبد الحرة إذا مسها بنكاح ، ولا تحصن الحرة العبد إلا أن يعتق وهو زوجها فيمسها بعد عتقه ، فإن فارقها قبل أن يعتق ؛ فليس بمحصن حتى يتزوج بعد عتقه ، ويمس امرأته . قال مالك : والأمة إذا كانت تحت الحر ، ثم فارقها قبل أن تعتق ، فإنه لا يحصنها نكاحه إياها وهي أمة حتى تنكح بعد عتقها ويصيبها زوجها ، فذلك إحصانها ، والأمة إذا كانت تحت الحر فتعتق وهي تحته قبل أن يفارقها ؛ فإنه يحصنها إذا عتقت وهي عنده إذا هو أصابها بعد أن تعتق . وقال مالك : والحرة النصرانية واليهودية والأمة المسلمة يحصن الحر المسلم ؛ إذا نكحها إحداهن فأصابها . 1150 1130 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) سَمَاعًا ( وَبَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا نَكَحَ الْحُرُّ الْأَمَةَ فَمَسَّهَا فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ ) وَلَا يُحْصِنُهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَالْقَاسِمُ وَهُوَ ( تُحَصِّنُ الْأَمَةُ الْحُرَّ إِذَا نَكَحَهَا فَمَسَّهَا ) أَصَابَهَا ( فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ ) فَهُوَ إِيضَاحٌ لِمَا أَفَادَهُ اسْمُ الْإِشَارَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : يُحَصِّنُ الْعَبْدُ الْحُرَّةَ إِذَا مَسَّهَا بِنِكَاحٍ وَلَا تُحَصِّنُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ ( الْحُرَّةُ الْعَبْدَ إِلَّا أَنْ يُعْتَقَ ) أَيْ يَعْتِقَهُ سَيِّدُهُ ( وَهُوَ زَوْجُهَا فَيَمَسَّهَا بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ حَتَّى يَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَمَسَّ امْرَأَتَهُ ) الَّتِي تَزَوَّجَهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً ( فَلَا يُحَصِّنُهَا نِكَاحُهُ إِيَّاهَا وَهِيَ أَمَةٌ حَتَّى تُنْكَحَ بَعْدَ عِتْقِهَا وَيُصِيبَهَا زَوْجُهَا ، فَذَلِكَ إِحْصَانُهَا ) فَالْأَمَةُ تُحَصِّنُ الْحُرَّ وَلَا يُحَصِّنُهَا ، وَزَادَهُ إِيضَاحًا فَقَالَ : ( وَالْأَمَةُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ فَتَعْتِقُ وَهِيَ تَحْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا أَنَّهُ يُحَصِّنُهَا إِذَا عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَهُ إِذَا هُوَ أَصَابَهَا بَعْدَ أَنْ تَعْتِقَ ) فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا بَعْدَهُ لَمْ تَتَحَصَّنْ بِنِكَاحِهِ وَهِيَ رَقِيقَةٌ . ( وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ يُحْصِنَّ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ ( الْحُرَّ الْمُسْلِمَ ) بِالنَّصْبِ ، مَفْعُولٌ ( إِذَا نَكَحَ إِحْدَاهُنَّ ) فَاعِلٌ ، أَيْ نِكَاحَ إِحْدَاهُنَّ ( فَأَصَابَهَا ) جَامَعَهَا ، فَيُحَصِّنُهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَا يُحَصِّنُ هُوَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ : أَتُحَصِّنُ الْأَمَةُ الْحُرَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : عَمَّنْ ؟ قَالَ : أَدْرَكْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ .
1101 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ فَأُرْخِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّتُورُ ؛ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ . 1122 1101 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيَّ ( كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ فَأُرْخِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ ) لِلْمَرْأَةِ إِذَا ادَّعَتِ الْمَسَّ وَأَنْكَرَ .
1102 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا صُدِّقَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : أَرَى ذَلِكَ فِي الْمَسِيسِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَالَتْ : قَدْ مَسَّنِي ، وَقَالَ : لَمْ أَمَسَّهَا ؛ صُدِّقَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ : لَمْ أَمَسَّهَا ، وَقَالَتْ : قَدْ مَسَّنِي ، صُدِّقَتْ عَلَيْهِ . 1122 1102 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا ) وَادَّعَتِ الْوَطْءَ وَأَنْكَرَهُ ( صُدِّقَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا ) لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَنْشَطُ فِي بَيْتِهَا ( وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْغَالِبَ نَشَاطُهُ فِي بَيْتِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : أَرَى ذَلِكَ ) التَّصْدِيقَ ( فِي الْمَسِيسِ ) أَيِ الْجِمَاعِ ( إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَالَتْ : قَدْ مَسَّنِي ، وَقَالَ : لَمْ أَمَسَّهَا صُدِّقَ عَلَيْهَا ) فَلَا يَتَكَمَّلُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ ( فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ : لَمْ أَمَسَّهَا ، وَقَالَتْ : قَدْ مَسَّنِي ، صُدِّقَتْ عَلَيْهِ ) فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الزَّائِرُ مِنْهُمَا بِيَمِينٍ فِيهِمَا بِخِلَافِ خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ فَتُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ بِيَمِينٍ لِأَنَّ خَلْوَةَ الزِّيَارَةِ لَا تَنْشَطُ النُّفُوسُ فِيهَا بِخِلَافِ الِاهْتِدَاءِ .
4 - بَاب إِرْخَاءِ السُّتُورِ 1100 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ إِذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ . 4 - بَابُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِرْخَاءُ سِتْرٍ وَلَا إِغْلَاقُ بَابٍ . 1121 1100 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) الْقُرَشِيِّ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ إِذَا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ ) إِذَا ادَّعَتِ الْمَسِيسَ وَأَنْكَرَهُ الرَّجُلُ .
1250 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ طَلَاقًا لَمْ يَبُتَّهَا فِيهِ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَةُ ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ : إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ ، وَإِنَّهَا إِنْ عَتَقَتْ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ثُمَّ لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ حَتَّى يَمُوتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ مَا عَتَقَتْ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1261 1250 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَ ذَلِكَ ) شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ( مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ طَلَاقًا لَمْ يَبُتَّهَا فِيهِ : لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ الرَّجْعَةُ ) بِأَنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ( ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلَاقِ : أَنَّهَا تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ ) فَتَنْتَقِلُ لِعِدَّةِ الْوَفَاةِ لِلْأَمَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ وَهُوَ الْمَوْتُ لَمَّا نَقَلَهَا صَادَفَهَا أَمَةً فَتَعْتَدُّ عِدَّتَهَا فِي الْوَفَاةِ ( وَأَنَّهَا إِنْ عَتَقَتْ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، ثُمَّ لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ حَتَّى يَمُوتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ وَهُوَ الْمَوْتُ لَمَّا نَقَلَهَا صَادَفَهَا حُرَّةً ، فَتَعْتَدُّ عِدَّتَهَا كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ : ( وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَمَا عَتَقَتْ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) فَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ يَنْقُلْهَا مَوْتُهُ فِي عِدَّتِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ .
33 - بَاب عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا أَوْ زَوْجُهَا 1249 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ : عِدَّةُ الْأَمَةِ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ . 33 - بَابُ عِدَّةِ الْأَمَةِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَوْ زَوْجُهَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الرُّوَاةِ قَالَ سَيِّدُهَا إِلَّا يَحْيَى ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، إِنَّمَا عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ . 1261 1249 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ : عِدَّةُ الْأَمَةِ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ) نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ .
1171 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا فَقَالَا : إِنْ نَكَحَهَا فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . 1187 1171 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا فَقَالَا : إِنْ نَكَحَهَا فَلَا يَمَسُّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ ) فَوَافَقَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَلَى وُقُوعِ الظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ .
1172 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ . 1189 1172 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ) بِأَنْ قَالَ : أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ( إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ) لَا أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ .
1173 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [ المجادلة : 3 ] ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [ المجادلة : 4 ] . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ سَوَاءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [ المجادلة : 3 ] قَالَ : سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنْ يَتَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجْمِعَ عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا ، فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ أَمَتِهِ : إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إِيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ . 1189 1173 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلَ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ عُرْوَةُ ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ عِنْدَنَا ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِالتَّعَدُّدِ ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ( سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : الْآيَةُ 3 ) ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أَيْ إِعْتَاقُهَا ، وَيُشْتَرَطُ أَنَّهَا مُؤْمِنَةً لِأَنَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ بِذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ هُنَا عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْبَابِ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ لِأَجْلِ إِصْلَاحِ الْحِكْمَةِ ، وَالْقَتْلُ مُبَايِنٌ لِلظِّهَارِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِبَادِئِ الرَّأَيِ ، لَكِنْ يَرُدُّ مَا فِي الصَّحِيحِ فِي حَدِيثِ السَّوْدَاءِ : أَنَّ سَيِّدَهَا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَيَّ رَقَبَةٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ مَاذَا ، أَفَأَعْتِقُهَا ؟ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ حَتَّى قَالَ : أَيْنَ اللَّهُ تَعَالَى ؟ فَقَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، قَالَ : وَمَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا : ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ : الْآيَةُ 3 ) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا بِالْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِقُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ ، حَمْلًا لَهُ عَلَى عُمُومِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَطْءِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيُبَاشِرَ وَيَطَأَ في غير الْفَرْجَ . فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصِّيَامَ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٍّ وَثُلْثَانِ بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مُعْتَبَرٌ فَلَا يُجْزِئُ مَا دُونَهُ وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مِقْدَارَ طَعَامِ السِّتِّينَ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَدَّ سِتِّينَ خَلَّةً وَهُوَ مَقْصُودُ الشَّرْعِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى عَدَدِ الْمَسَاكِينِ فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الصَّرِيحُ لِاسْتِنْبَاطِ مَعْنًى مِنْهُ لِأَنَّهُ فَرْعٌ يَكُرُّ عَلَى أَصْلِهِ بِالْبُطْلَانِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا ) لِأَنَّهُ ظِهَارٌ مُسْتَأْنَفٌ ( وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَإِنْ فَعَلَ حَرَامًا إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَدُّدُهَا ( وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَوَاقَعَهَا : لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ( وَلِيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ) يَتُبْ إِلَيْهِ وَيَنْدَمْ ( وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) وَتَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا ، بَقِيَتِ الْمَرْأَةُ فِي عِصْمَتِهِ أَمْ لَا ، قَامَتْ بِحَقِّهَا فِي الْوَطْءِ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَطَأْ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ أَوْ لَمْ تَقُمْ بِحَقِّهَا فِي الْوَطْءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَحَقُّ اللَّهِ أَوْكَدُ . ( وَالظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ سَوَاءٌ ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهُ مَنْ تَحِلُّ بِمَنْ تَحْرُمُ ، فَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ حُرِّمَتْ بِالرَّضَاعَةِ ( وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ ) فَإِذَا تَظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِلرِّجَالِ فَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلنِّسَاءِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ( سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ : الْآيَةُ 3 ) قَالَ : سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ أَنْ يَتَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُجْمِعُ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ ، يَعْزِمُ وَيُصَمِّمُ ( عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا ) الَّذِي هُوَ خِلَافُ قَصْدِ الظِّهَارِ مِنْ وَصْفِ الْمَرْأَةِ بِالتَّحْرِيمِ ( فَإِنْ أَجْمَعَ ) عَزَمَ وَصَمَّمَ ( عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ) لِأَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ الْمَوْصُولِ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِكَ : الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ ، فَبِانْتِفَاءِ الْعَوْدِ يَنْتَفِي الْوُجُوبُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِذَا قَالَ : ( وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِعْ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ) لَا وُجُوبًا وَلَا غَيْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ انْتِفَاءُ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إِمَّا أَخَصُّ أَوْ حَقِيقَةً أُخْرَى ، لَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْعَوْدِ ( قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ) الطَّلَاقِ ( لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ ) لِعُمُومِ الْآيَةِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي : إنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا ) لِأَنَّهُ فَرْجٌ حَلَالٌ فَيَحْرُمُ بِالتَّحْرِيمِ ، فَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ نِسَائِهِمْ ( سُورَةُ الْمُجَادِلَةِ : الْآيَةُ 3 ) إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهَا مِنَ النِّسَاءِ لُغَةً وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالزَّوْجَاتِ الْعُرْفُ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ : سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ رَجُلٍ ظَاهَرَ مِنْ سَرِيَّتِهِ فَقَالَ : قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : مِثْلُ ظِهَارِ الْحُرَّةِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ الزَّوْجَةِ لَا الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ النِّسَاءِ أَيْ عُرْفًا ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الظِّهَارُ كَانَ طَلَاقًا ثُمَّ أُحِلَّ بِالْكَفَّارَةِ ، فَكَمَا لَا حَظَّ لِلْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ لَا حَظَّ لَهَا فِي الظِّهَارِ ( وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إِيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ ) فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ .
1174 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا عَلَيْكِ مَا عِشْتِ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : يُجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ . 1190 1174 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ ) بِكَسْرِ التَّاءِ ( فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : يَجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ ) إِنْ وَجَدَهَا ، وَإِلَّا فَالصَّوْمُ ثُمَّ الْإِطْعَامُ ، فَالْمَعْنَى يَجْزِيهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ .
8 - بَاب ظِهَارِ الْحُرِّ 1170 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَةً إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . 8 - بَابُ ظِهَارِ الْحُرِّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، مَصْدَرُ ظَاهَرَهُ ، مُفَاعَلَةٌ مِنَ الظَّهْرِ ، فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الظَّهْرِ مَعْنًى وَلَفْظًا بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ ، فَيُقَالُ : ظَاهَرْتُ فُلَانًا إِذَا قَابَلْتُ ظَهْرَكَ بِظَهْرِهِ حَقِيقَةً ، وَإِذَا غَايَظْتَهُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ تُدَابِرْهُ حَقِيقَةً ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُغَايَظَةَ تَقْتَضِي هَذِهِ الْمُقَابَلَةَ ، وَظَاهَرْتُهُ إِذَا نَصَرْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : قَوَّى ظَهْرَهُ إِذَا نَصَرَهُ ، وَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ إِذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، وَظَاهَرَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ عَلَى اعْتِبَارِ جَعْلِ مَا يَلِي كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ ظَهْرًا لِلثَّوْبِ ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ كَوْنُ لَفْظِ الظَّهْرِ فِي بَعْضِ هَذِهِ التَّرَاكِيبِ مَجَازًا ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الْمُشْتَقُّ مَجَازًا أَيْضًا ، وَقَدْ قِيلَ : الظَّهْرُ هُنَا مَجَازٌ عَنِ الْبَطْنِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرْكَبُ الْبَطْنُ فَكَظَهْرِ أُمِّي بِعَلَاقَةِ الْمُجَاوَرَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَمُودُهُ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ مَا هُوَ الصَّارِفُ عَنِ الْحَقِيقَةِ مِنَ النِّكَاتِ ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ لِأَنَّ الْوَطْءَ رُكُوبٌ وَهُوَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّهْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَادَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ إِتْيَانُ النِّسَاءِ مِنْ قِبَلِ ظُهُورِهِنَّ ، وَلَمْ تَكُنِ الْأَنْصَارُ تَفْعَلُ غَيْرُهُ اسْتِبْقَاءً لِلْحَيَاءِ وَطَلَبًا لِلسَّتْرِ وَكَرَاهَةً لِاجْتِمَاعِ الْوُجُوهِ حِينَئِذٍ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَكَانُوا يَأْتُونَهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْوَجْهِ ، فَتَزَوَّجَ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيَّةً فَرَاوَدَهَا عَلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 223 ) الْآيَةُ ، عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا . 1187 1170 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَقِيلَ بِسُكُونِهَا بِلَا يَاءٍ ( ابْنِ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ( الزُّرَقِيِّ ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ ، الْأَنْصَارِيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا ) أَيْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى تَزَوُّجِهِ إِيَّاهَا ( فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ ) فَقَاسَ الْقَاسِمُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى تَعْلِيقِ الظِّهَارِ فِي اللُّزُومِ يُجَامِعُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَنْعِ مِنَ الْمَرْأَةِ .
9 - بَاب ظِهَارِ الْعَبِيدِ 1175 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ فَقَالَ : نَحْوُ ظِهَارِ الْحُرِّ . قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحُرِّ . قَالَ مَالِكٌ : وَظِهَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَصِيَامُ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ شَهْرَانِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنْ امْرَأَتِهِ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلَاءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ . 9 - بَابُ ظِهَارِ الْعَبِيدِ 1191 1175 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبِيدِ فَقَالَ : نَحْوُ ظِهَارِ الْحُرِّ ) بِجَامِعِ التَّكْلِيفِ ( قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحُرِّ ) كَالطَّلَاقِ ( وَظِهَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَصِيَامُ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ شَهْرَانِ ) كَالْحُرِّ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى النَّصْفِ مِنَ الْحُرِّ ، وَتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، نَعَمْ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ أَجْزَأَهُ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنِ امْرَأَتِهِ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلَاءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ صِيَامَ كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ ) شَهْرَيْنِ ( دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ ) لِأَنَّ إِيلَاءَ الْعَبْدِ شَهْرَانِ وَأَجَلُهُ شَهْرَانِ ، فَلَوْ أَفْطَرَ سَاهِيًا أَوْ لِمَرَضٍ لَا يَنْقَضِي أَجْلُهُ قَبْلَ تَمَامِ كَفَّارَتِهِ ، وَهُوَ بَعْضُ مَا يُعْذَرُ بِهِ الْعَبْدُ فِي عَدَمِ دُخُولِ الْإِيلَاءِ عَلَيْهِ ، هَكَذَا وَجَهَهُ الْبَاجِيُّ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَوْجِيهِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى لُزُومِ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الشَّهْرَيْنِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ .
7 - بَاب إِيلَاءِ الْعَبْدِ 1169 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إِيلَاءِ الْعَبْدِ فَقَالَ : هُوَ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ . 7 - بَابُ إِيلَاءِ الْعَبِيدِ بِالْجَمْعِ ، وَفِي نُسْخَةٍ : ( الْعَبْدِ ) ، بِالْإِفْرَادِ . 1186 1169 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إِيلَاءِ الْعَبْدِ فَقَالَ : هُوَ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ ، وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ) كَالْحُرِّ ( وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ ) وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ ، لَكِنَّهُ قَالَ : أَكْثَرُ مِنْ شَهْرَيْنِ ، وَقِيلَ أَجْلُهُ كَالْحُرِّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْبَيْنُونَةِ فَوَجَبَ نُقْصَانُهُ فِيهِ عَنِ الْحَرِّ ، أَصْلُهُ الطَّلَاقُ ، قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ .
10 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ 1176 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ ، فَكَانَتْ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ ؟ فَقَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ . 10 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخِيَارِ 1192 1176 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ ، الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ، الْقَائِلُ فِيهِ مَالِكٌ : ذَهَبَتْ حَلَاوَةُ الْفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( عَنْ ) عَمَّتِهِ ( عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِي بَرِيرَةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ فَرَاءٌ ثَانِيَةٌ فَهَاءُ تَأْنِيثٍ ، بِزِنَةِ فَعَيْلَةٍ ، مِنَ الْبَرِيرِ ، وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ ، قِيلَ : اسْمُ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَإِنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَقِيلَ كَانَتْ نَبَطِيَّةً ، وَقِيلَ قِبْطِيَّةً ، وَقِيلَ حَبَشِيَّةً ، مَوْلَاةُ عَائِشَةَ ، وَكَانَتْ تَخْدِمُهَا قَبْلَ أَنْ تَشْتَرِيَهَا ، قِيلَ : وَكَانَتْ مَوْلَاةً لِقَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَقِيلَ لِآلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ ، وَقِيلَ لِبَنِي هِلَالٍ ، وَقِيلَ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَفِيهِ نَظَرٌ فَالَّذِي هُوَ مَوْلَاهُمْ إِنَّمَا هُوَ زَوْجُهَا وَالثَّانِي خَطَأٌ ، فَإِنَّ مَوْلَى عُتْبَةَ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَكَرَتْ لَهُ قِصَّةَ بَرِيرَةَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ : كُنْتُ أُجَالِسُ بَرِيرَةَ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ تَقُولُ لِي : إِنِّي أَرَى فِيكَ خِصَالًا وَإِنَّكَ لَخَلِيقٌ أَنْ تَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ ، فَإِنْ وَلَيْتَهُ فَاحْذَرِ الدِّمَاءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِمَلْءِ مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمٍ يُرِيقُهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، انْتَهَى . عَاشَتْ بَرِيرَةُ إِلَى زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ . ( ثَلَاثُ سُنَنٍ ) أَيْ عُلِمَ بِسَبَبِهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمَعْنَى أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي قِصَّتِهَا وَمَا يَظْهَرُ فِيهَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ كَانَ قَدْ عَلِمَ من غير قِصَّتَهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَشْقِيقِ الْمَعَانِي مِنْ حَدِيثِ بِرَيْرَةَ وَتَخْرِيجِهَا ، فَلِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ فِيهِ كِتَابٌ ، وَلِجَمَاعَةٍ فِي ذَلِكَ أَبْوَابٌ ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ وَاسْتِنْبَاطٌ مُحْتَمَلٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دَلِيلٍ ، وَالَّذِي قَصَدَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ عِظَمُ الْأَمْرِ فِي قِصَّتِهَا ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَا يَنِيفُ عَنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَائِدَةً ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَوَائِدَ هَذَا الْحَدِيثِ فَزَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ لَخَّصَهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ بَرِيرَةَ قَالَتْ : كَانَ فِيَّ ثَلَاثُ سُنَنٍ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ خَطَأٌ ، يُعْنَى وَالصَّوَابُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَرْبَعُ سُنَنٍ وَزَادَ : وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحَرَائِرِ ( فَكَانَتْ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَالَّذِي أَعْتَقَهَا عَائِشَةُ كَمَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ( فَخُيِّرَتْ ) بِضَمِّ الْخَاءِ ( فِي ) فِرَاقِ ( زَوْجِهَا ) وَفِي الْبَقَاءِ مَعَهُ عَلَى عِصْمَتِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبَرِيرَةَ : اذْهَبِي فَقَدْ عُتِقَ مَعَكِ بِضْعُكِ وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا : فَاخْتَارِي وَإِنَّمَا خُيِّرَتْ لِتَضَرُّرِهَا بِالْمَقَامِ تَحْتَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَتَعَيَّرُ بِهِ وَأَنَّ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ عَنْهَا ، وَأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْكَمَالَ الْحَادِثَ لَهَا حَاصِلٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا أَسْلَمَتْ كِتَابِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ ، فَلَوْ عُتِقَ بَعْضُهَا فَلَا خِيَارَ لِبَقَاءِ النُّقْصَانِ وَأَحْكَامِ الرِّقِّ ، وَفِيهِ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ؛ إِذْ لَوْ طُلِّقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ فَائِدَةٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : الْبَيْعُ طَلَاقٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يَبْطُلُ بَيْعُ الرَّقَبَةِ ، كَمَا فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ فَهُنَّ الْمُرَادُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ حِينَ عَتَقَتْ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا وَيَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبَّاسٍ : يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ رَاجَعْتِهِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَشْفَعُ ، قَالَتْ : لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ كَانَ حُرًّا ، وَبِهِ تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ : يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْأَمَةِ إِذَا عَتَقَتْ مُطْلَقًا كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى رَاوِيهِ : هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ هُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ مِنْ طَبَقَةِ مُسْلِمٍ : خَالَفَ الْأَسْوَدُ النَّاسَ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا عَنِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ، وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ ، وَإِذَا عُتِقَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَعَقْدُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ ، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ وَابْنِهِ عَبْدًا أَصَحُّ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ، وَكَذَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبُو الْأَسْوَدِ أُسَامَةُ اللَّيْثِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُعَلِّمُ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا ، فَهُوَ وَهْمٌ مِنْ مُوسَى أَوْ مِنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ ثُمَّ أَصْحَابَ جَرِيرٍ قَالُوا : كَانَ عَبْدًا ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ، وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمَا . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَتْ : كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ : كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا ، فَأَخْبَرَتْ وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ثُمَّ عَلَّلَتْ بِقَوْلِهَا : وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا ، وَهَذَا لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : كَانَ عَبْدًا قَبْلَ الْعِتْقِ حُرًّا عِنْدَهُ لِأَنَّ الرِّقَّ يَعْقُبُهُ الْحُرِّيَّةُ لَا الْعَكْسُ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، تُعُقِّبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ فِي الْقُوَّةِ ، أَمَّا مَعَ التَّفَرُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ فَالْمُفْرَدَةُ شَاذَّةٌ وَالشَّاذُّ مَرْدُودٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَظْهَرِ الْغَلَطُ فِي إِحْدَاهُمَا ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يَوْمَ أُعْتِقَتْ ، وَهَذَا يُبْطِلُ الْجَمْعَ ، وَمُغِيثٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ آخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِمَّنْ قَالَ مُعَتَّبٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْفَوْقِيَّةِ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ . ( وَ ) السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حِينَ أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَهَا وَقَالَ أَهْلُهَا : الْوَلَاءُ لَنَا ( الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ ، وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ . ( وَ ) السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ ( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حُجْرَةَ عَائِشَةَ ( وَالْبُرْمَةُ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هِيَ الْقِدْرُ مُطْلَقًا وَجَمْعُهَا بُرَمٌ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْحَجَرِ الْمَعْرُوفِ بِالْحِجَازِ ( تَفُورُ ) بِالْفَاءِ ( بِلَحْمٍ ) وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ ، وَكَذَا لِابْنِ وَهْبٍ وَزَادَ : فَدَعَا بِطَعَامٍ ( فَقُرِّبَ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ : قُدِّمَ ( إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ ، جَمْعُ إِدَامٍ ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّخْصِيصِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً ) عَلَى النَّارِ ( فِيهَا لَحْمٌ ؟ ) وَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ ( فَقَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَالصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ ( بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ) لِحُرْمَتِهَا عَلَيْكَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ عَلَيْهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهَا ( صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ ) حَيْثُ أَهْدَتْهُ لَنَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُسَوَّغُ لِلْفَقِيرِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْإِهْدَاءِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَصَرُّفِ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ ، وَأَفَادَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الصِّفَةِ لَا عَلَى الْعَيْنِ ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ صِفَةُ الصَّدَقَةِ تَغَيَّرَ حُكْمُهَا ، فَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ وَلَوْ هَاشِمِيًّا أَكْلُهَا وَشِرَاؤُهَا ، وَسَأَلَ الْأُبِّيُّ : هَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُنْفَقُ مِنْ نُزُولِ الْمُرَابِطِينَ بِبَعْضِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَيُضَيِّفُونَهُمْ بِحَرَامٍ أَوِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرَامُ فَيَجْعَلُونَ بَعْضَ فُقَرَائِهِمْ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ صَدَقَةً ثُمَّ يَهَبُهُ لَهُمْ ، قَالَ : وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ - يَقُولُ : لَا يُنْجِيهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَحَيُّلٌ ، نَعَمْ إِذَا تَحَقَّقَتِ الْمَفْسَدَةُ بِعَدَمِ الْأَكْلِ جَازَ . وَمِنَ الْمَصَالِحِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْأَكْلِ خَوْفُهُمْ إِنْ لَمْ يَأْكُلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ فِي رَدِّ مَا نَهَبُوهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَقْلِيلُ الْأَكْلِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَفِيهِ أَنَّ سُؤَالَ الرَّجُلِ عَمَّا يَرَى فِي بَيْتِهِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَلَا مُنَافٍ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ : وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ لَيْسَ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِيمَا عَهِدَ : أَيْنَ هُوَ وَمَا صُنِعَ بِهِ ؟ وَأَمَّا شَيْءٌ يَجِدُهُ فَيَقُولُ : مَا هَذَا ، فَلَيْسَ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّ سُؤَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ حُكْمَ مَا جَهِلُوا لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوا لَهُ إِدَامَ الْبَيْتِ دُونَ سَيِّدِ الْأُدُمِ إِلَّا لِأَمْرٍ اعْتَقَدُوهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ فَبَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي النِّكَاحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الطَّلَاقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ وَالْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1177 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَتَعْتِقُ : إِنَّ الْأَمَةَ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ مَسَّهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ بِمَا ادَّعَتْ مِنْ الْجَهَالَةِ وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا . 1193 1177 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي : إنَّ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا ) فَإِنْ مَسَّهَا سَقَطَ خِيَارُهَا ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ مَسَّهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا الْخِيَارُ فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ بِمَا ادَّعَتْ مِنَ الْجَهَالَةِ ، وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا ) لِاشْتِهَارِ الْحُكْمِ .
1178 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ ، قَالَتْ : فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ : إِنِّي مُخْبِرَتُكِ خَبَرًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا : إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمْسَسْكِ زَوْجُكِ ، فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَكِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ هُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ، فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا . 1194 1178 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنْ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ ) بِزَايٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ فَأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ كَمَا ضَبَطَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ ( كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ فَعَتَقَتْ ، قَالَتْ ) زَبْرَاءُ ( فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَتْنِي فَقَالَتْ : إِنِّي مُخْبِرَتُكِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ ( خَبَرًا ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا : إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمْسَسْكِ زَوْجُكِ ، فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَكِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) أَيْ سَقَطَ خِيَارُكِ ( قَالَتْ ) زَبْرَاءُ ( فَقُلْتُ : وَهُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ثُمَّ الطَّلَاقُ ، فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا ) لِكَرَاهَتِهَا الْبَقَاءَ مَعَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ ، وَحَفْصَةَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مَرْفُوعًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ . رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ رَأَيْتُ زَوْجَهَا يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَكَلَّمَ النَّاسُ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَالِبَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ ! فَقَالَتْ : أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ ، قَالَتْ : فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ، وَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا . وَكَانَ اسْمُهُ مُغِيثًا عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ .
1179 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ ، فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ تَعْتِقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَمَسَّهَا : إِنَّهَا إِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1194 1179 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ ) بَقِيَتْ عِنْدَهُ ( وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ ) لِمَا يَنَالُهَا مِنَ الضَّرَرِ ، وَتَخْيِيرُهَا يَنْفِيهِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ تَعْتِقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَمَسَّهَا : إنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا ) لِبَقَاءِ بِضْعِهَا ( وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ) وَاحِدَةٌ لِزَوَالِ الضَّرَرِ بِهَا ( وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ .
1180 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ : إِذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا : لَمْ أُخَيِّرْكِ إِلَّا وَاحِدَةً فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ قَدْ قَبِلْتُ وَاحِدَةً وَقَالَ : لَمْ أُرِدْ هَذَا وَإِنَّمَا خَيَّرْتُكِ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا : إنَّهَا إِنْ لَمْ تَقْبَلْ إِلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ عَلَى نِكَاحِهَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 1197 1180 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ ) أَيِ الرَّجُلَ ( فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) لِأَنَّهَا رَدَّتْ مَا جَعَلَهُ لَهَا ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ إِذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا : فَقَدْ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا لَمْ أُخَيِّرْكِ إِلَّا وَاحِدَةً ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) فَهِيَ بِخِلَافِ الْمُمَلَّكَةِ ( وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ : قَدْ قَبِلْتُ وَاحِدَةً ، وَقَالَ : لَمْ أَرَ هَذَا إِنَّمَا خَيَّرْتُكِ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعًا : إنَّهَا إِنْ لَمْ تَقْبَلْ إِلَّا وَاحِدَةً أَقَامَتْ عِنْدَهُ عَلَى نِكَاحِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِرَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) أَتَى بِهِ تَبَرُّكًا إِذِ الْحُكْمُ عِنْدَهُ مَا ذُكِرَ .
1252 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ . 1263 1252 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ) بِمُعْجَمَةٍ ، سَالِمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ( مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنَيْنِ ، الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ ( عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الرُّخْصَةَ فِيهِ .
1253 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ . 1264 1253 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَفْلَحَ ) هُوَ عُمَرُ ، بِضَمِّ الْعَيْنِ ، ابْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ الْمَدَنِيُّ الثِّقَةُ ( مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّرْخِيصَ فِيهِ كَزَيْدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .
34 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ 1251 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ؛ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ . 34 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ هُوَ الْإِنْزَالُ خَارِجُ الْفَرْجِ . 1262 1251 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ( عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ آخِرًا ، مُصَغَّرًا ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَمُهْمَلَةٍ ، الْمَكِّيُّ ، كَانَ يَتِيمًا فِي حَجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، ثُمَّ نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، تَابِعِيٌّ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ قَبْلَهَا ( أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ) سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ ) أَهْوَ جَائِزٌ أَمْ لَا ؟ ( فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ فَقَافٍ ، لَقَبُ جَذِيمَةَ بْنِ سَعْدٍ الْخُزَاعِيِّ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَنَّى مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، مَاءٌ لَبَنِي خُزَاعَةَ ، وَفِي أَنَّهَا سَنَةُ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ أَوْ أَرْبَعٍ خِلَافٌ ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ ، وَقَائِدُهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ ، يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ ، قَرِيبٌ إِلَى السَّاحِلِ ، فَتَزَاحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَقَتَلَ مِنْهُمْ ، وَنَقَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، كَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدَ مُرْسَلَةٍ . وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ الْحَدِيثَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حِينَ الْإِيقَاعِ ثَبَتُوا قَلِيلًا ، فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ انْهَزَمُوا بِأَنْ يَكُونُوا لَمَّا دَهَمَهُمْ وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ ثَبَتُوا وَتَصَافُّوا وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ . ( فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ) أَيْ نِسَاءٍ أَخَذْنَاهَا مِنْهُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ ( فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ) أَيْ جِمَاعَهُنَّ ( وَاشْتَدَّتْ ) قَوِيَتْ ( عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ ، فَقْدُ الْأَزْوَاجِ وَالنِّكَاحِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ عَطْفَ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ تَعَذَّرَ عَلَيْنَا النِّكَاحُ لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِهِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ لِطُولِ الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ غَيْبَتَهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ لَمْ تَطُلْ ، اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ( وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ) وَلِمُسْلِمٍ : وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ ( فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ) خَوْفًا مِنَ الْحَمْلِ الْمَانِعِ مِنَ الْفِدَاءِ الَّذِي أَحْبَبْنَاهُ ( فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا ) أَيْ بَيْنَنَا ، وَأَظْهُرُ زَائِدَةٌ ( قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ) عَنِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مِنَ الْوَأْدِ الْخَفِيِّ كَالْفِرَارِ مِنَ الْقَدَرِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكُنَّا نَعْزِلُ ثُمَّ سَأَلْنَا ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ قَبْلَ الْعَزْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ بَعْدَهُ ، وَبِأَنَّ مَعْنَى نَعْزِلُ عَزْمُنَا عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْأُولَى . ( فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، قَالَهَا ثَلَاثًا . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا اطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمْ فَيُشْكَلُ مَعَ قَوْلِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ : كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَكُونُ مَرْفُوعًا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَيْهِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ دَوَاعِيَهُمْ كَانَتْ مُتَوَفِّرَةً عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ فَإِذَا عَمِلُوا شَيْئًا وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَادَرُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَكُونُ الظُّهُورُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ . ( فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ ) بَأْسٌ ( أَنْ لَا تَفْعَلُوا ) أَيْ لَيْسَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ ، أَوْ لَا زَائِدَةٌ ، أَيْ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي فِعْلِهِ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيَ ، أَيْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ ( مَا مِنْ نَسَمَةٍ ) بِفَتَحَاتٍ ، أَيْ نَفْسٍ ( كَائِنَةٍ ) أَيْ قُدِّرَ كَوْنُهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ) أَيْ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ ، سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْعَزْلِ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ خَلْقُهَا سَبَقَكُمُ الْمَاءُ فَلَا يَنْفَعُكُمُ الْحِرْصُ ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعٍ مِنْهُ ، وَعِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهْرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، أَوْ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، لِيَخْلُقَنَّ اللَّهُ نَفْسًا هُوَ خَالِقُهَا وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ ، فَقَالَ : اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ، فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ ، فَقَالَ : قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ مَا وَقَعَ فِي سِهَامِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ كِتَابِيَّةً ، فَإِنْ كَانَ سَبْيُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كِتَابِيَّاتٍ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ فَذَاكَ ، وَإِنْ كُنَّ وَثَنِيَّاتٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهُنَّ بِالْمِلْكِ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 221 ) وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُصِيبَ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ أَمْرَهَا فَغَلَسَتْ ثِيَابَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَلَّمَهَا الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ أَصَابَهَا ، اهـ بِمَعْنَاهُ . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ . وَلَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ إِذْ لَا يُقَالُ هَذَا فِيمَنْ أَسْلَمَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ السَّابِي ، بَلْ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَيَجُوزُ فِدَاؤُهُ وَبَيْعُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُشْرِكَةِ ثُمَّ نُسِخَ ، وَلَا يَصِحُّ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى دَلِيلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ ، وَلَوْ بَقِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْوَطْءِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَبَقِيَ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَمْرَيْنِ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ بِرَفْعِ الْإِشْكَالِ عَنْهُمَا مَعًا ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْعِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْفِدَاءِ لِلْحَمْلِ ، وَالْفِدَاءُ بَيْعٌ وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلُ خَوْفَ رِقِّ الْوَلَدِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ ، وَفِيهِ اسْتِرْقَاقُ جَمِيعِ الْعَرَبِ كَقُرَيْشٍ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ : لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ لِشَرَفِهِمْ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِتْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَرَوَيَاهُ جَمِيعًا عَنْ شَيْخِهِمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ : أَصَبْنَا سَبَايَا وَكُنَّا نَعْزِلُ ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَنَا : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، ثَلَاثًا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ جُوَيْرِيَةَ ، اهـ . لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ عَنْ مَالِكٍ فَهُوَ عِنْدَهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ . وَقَدْ تَابَعَهُ شُعَيْبٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْبَيْعِ ، وَيُونُسُ عِنْدَهُ فِي الْقَدَرِ ، وَعَقِيلٌ عِنْدَهُ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ بِهِ .
1255 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَجَاءَهُ ابْنُ قَهْدٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ عِنْدِي جَوَارِيَ لِي لَيْسَ نِسَائِي اللَّاتِي أُكِنُّ بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنْ تَحْمِلَ مِنِّي ، أَفَأَعْزِلُ ؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ، إِنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَكَ لِنَتَعَلَّمَ مِنْكَ ، قَالَ : أَفْتِهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : هُوَ حَرْثُكَ إِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ ، قَالَ : وَكُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ ، فَقَالَ : زَيْدٌ صَدَقَ . 1266 1255 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ضَمْرَةَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ( ابْنِ سَعِيدٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ( الْمَازِنِيِّ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ غَزِيَّةَ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَحَابِيٌّ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ( أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( فَجَاءَهُ ابْنُ قَهْدٍ ) بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ ، ضَبَطَهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ وَجَوَّزَ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ الصَّحَابِيُّ ، قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ : وَفِيهِ بُعْدٌ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ) فَإِنَّ قَيْسًا الصَّحَابِيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْأَنْصَارِ مِنَ الْيَمَنِ ( فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ) كُنْيَةُ زَيْدٍ ( إِنَّ عِنْدِي جَوَارِيَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ، جَمْعُ جَارِيَةٍ ( لِي لَيْسَ نِسَائِي اللَّاتِي أُكِنُّ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، أَضُمُّ إِلَيُّ ( بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنَّ تَحْمِلَ مِنِّي ) لِأَنِّي قَدْ أَحْتَاجُ لِلْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ( أَفَأَعْزِلُ ؟ فَقَالَ زَيْدٌ : أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ إِنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَكَ لِنَتَعَلَّمَ مِنْكَ ) لِمَزِيدِ فِقْهِكَ ( قَالَ : أَفْتِهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : هُوَ حَرْثُكَ ) أَيْ مَحَلُّ زَرْعِكَ الْوَلَدَ ( إِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ ) مَنَعْتَهُ السَّقْيَ ( قَالَ : وَكُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ ، فَقَالَ زَيْدٌ : صَدَقَ ) لِأَنَّهُ يَرَى حِلَّهُ .
1256 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ذَفِيفٌ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ الْعَزْلِ ، فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ فَقَالَ : أَخْبِرِيهِمْ ، فَكَأَنَّهَا اسْتَحْيَتْ ، فَقَالَ هُوَ ذَلِكَ ، أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهُ ، يَعْنِي أَنَّهُ يَعْزِلُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَعْزِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ فَلَا يَعْزِلُ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 1267 1256 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ذَفِيفٌ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ ، الْمَدَنِيُّ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَةٍ ( أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَزْلِ ، فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ فَقَالَ : أَخْبِرِيهِمْ ) أَيِ السَّائِلِينَ ( فَكَأَنَّهَا اسْتَحْيَتْ ، فَقَالَ : هُوَ ذَلِكَ ، أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهُ ، يَعْنِي أَنَّهُ يَعْزِلُ ) وَيُرْوَى أَنَّهُ تَنَاجَى رَجُلَانِ عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْمُنَاجَاةُ ؟ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ تَزْعُمُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : الْآيَةُ 12 ) الْآيَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ لَعِلِيٍّ : صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاكَ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، لَكِنَّ هَذَا الْخَبَرَ خِلَافُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالَ مَالِكٌ : ) أَيْ عَنْهَا ، فَنُصِبَ عَلَى التَّوَسُّعِ ( الْحُرَّةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا ) لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إِلَّا مَا لَا عَزْلَ فِيهِ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ لَذَّتِهَا وَلَحِقَهَا فِي الْوَلَدِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عُمَرَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعَزْلِ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا لَكِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ : ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ ) الْمَمْلُوكَةِ لَهُ ( بِغَيْرِ إِذْنِهَا ) إِذْ لَا حَقَّ لَهَا فِي وَطْءٍ وَلَا اسْتِيلَادٍ ( وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ ) أَيْ مُتَزَوِّجًا بِهَا ( فَلَا يَعْزِلُ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ ) لِحَقِّهِمْ فِي الْوَلَدِ ، قَالَ عياض : ورأى بَعْضُ شُيُوخِنَا : إِذْنُهَا أَيْضًا لِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : وَقِيلَ لَا يَعْزِلُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا أَيْضًا ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ لَهَا بِالْعَقْدِ حَقًّا فِي الْوَطْءِ ، فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا وَإِذْنِ مَوْلَاهَا لَحِقِّهِ فِي الْوَلَدِ ، وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ امْرَأَةٍ وَإِنْ رَضِيَتْ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ ، وَلَا يَحْرُمُ فِي مَمْلُوكَتِهِ وَلَا زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ رَضِيَتْ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي أَمَتِهِ بِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَفِي زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ بِمَصِيرِ وَلَدِهَا رَقِيقًا ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَإِنْ أَذِنَتْ لَمْ يَحْرُمْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَحْرُمُ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَيُنْتَزَعُ مِنْ حُكْمِ الْعَزْلِ حُكْمُ مُعَالَجَةِ الْمَرْأَةِ إِسْقَاطَ النُّطْفَةِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ : فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ فَفِي هَذِهِ أَوْلَى ، وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِ هَذَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّهُ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَعَاطِي السَّبَبِ ، وَمُعَالَجَةَ السَّقْطِ يَقَعُ بَعْدَ تَعَاطِي السَّبَبِ وَيَلْتَحِقُ بِهَا تَعَاطِي الْمَرْأَةِ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ ، وَأَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْعِهِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ الْعَزْلِ مُطْلَقًا .
1254 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْزِلُ وَكَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ . 1265 1254 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْزِلُ وَكَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ ) وَيَضْرِبُ بَعْضَ وَلَدِهِ إِذَا فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ ، وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ عَنْهُ : ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَرِهَاهُ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ .
1247 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ . 1259 1247 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا : حَيْضَةٌ ) وَتَسْمِيَتُهَا عِدَّةٌ تَجُوُّزٌ عَنْ الِاسْتِبْرَاءِ .
32 - بَاب عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا 1246 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : إِنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَرَّقَ بَيْنَ رِجَالٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ رِجَالٍ هَلَكُوا فَتَزَوَّجُوهُنَّ بَعْدَ حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْتَدِدْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا [ البقرة : 234 ] مَا هُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ . 32 - بَابُ عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا 1258 1246 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( يَقُولُ : إِنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ) بْنِ مَرْوَانَ ، أَحَدَ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ ( فَرَّقَ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَائِهِمْ وَكُنَّ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ رِجَالٍ هَلَكُوا ) مَاتُوا عَنْهُنَّ ( فَتَزَوَّجُوهُنَّ ) أَيِ الرِّجَالُ ( بعد حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ ) بَعْدَ مَوْتِ سَادَاتِهِمْ ، وَأَوْ تُحْمَلُ عَلَى الشَّكِّ وَالتَّنْوِيعِ ، أَيْ إِنَّ مِنْهُنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ حَيْضَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ حَيْضَتَيْنِ ( فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ ) تَعَجُّبًا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مُسْتَدِلًّا عَلَى إِبْطَالِهِ بِقَوْلِهِ : ( يَقُولُ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا مَا هُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ) فَمَا عَلَيْهِنَّ عِدَّتُهُنَّ إِنَّمَا عَلَيْهِنَّ الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ .
1248 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا حَيْضَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ . 1259 1248 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ ( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَزْوَاجِ فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِدَارِ الْهِجْرَةِ ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ) عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي اسْتِبْرَاءِ مَنْ لَا تَحِيضُ .
6 - بَاب الْإِيلَاءِ 1165 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَإِنْ مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 6 - بَابُ الْإِيلَاءِ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ : الْإِيلَاءُ الْحَلِفُ ، وَأَصْلُهُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الشَّيْءِ ، يُقَالُ : آلَى يُولِي إِيلَاءً وَتَأَلَّى تَأَلِّيًا وَائْتَلَى ائْتِلَاءً ، وَقَالَ فِي تَنْبِيهَاتِهِ : الْإِيلَاءُ لُغَةً الِامْتِنَاعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 22 ) الْآيَةَ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَا إِذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ فَنَسَبُوا الْيَمِينَ إِلَيْهِ فَصَارَ الْإِيلَاءُ الْحَلِفَ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ ، وَشَذَّ ابْنُ سِيرِينَ فَقَالَ : هُوَ الْحَلِفُ عَلَى مَا فِي تَرْكِهِ مَسَاءَةٌ لَهَا وَطْئًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَحَلِفِهِ لَا يُكَلِّمُهَا . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هُوَ لُغَةً الْيَمِينُ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ . 1184 1165 - ( مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرٍ ) الصَّادِقِ ( ابْنِ مُحَمَّدٍ ) الْبَاقِرِ ( عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) وَفِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ ( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ ) عِنْدَ الْحَاكِمِ ( فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ ) يَطَأُ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ الطَّلَاقُ إِذَا حَنَثَ نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِهَا ، فَإِنْ مَضَتْ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ : أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِمُضِيِّهَا بَلْ حَتَّى يُوقِفَهُ الْحَاكِمُ فَيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ ، فَتَقْدِيرُ الْآيَةِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : فَإِنْ فَاؤوا فِيهِنَّ ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ : فَإِنْ فَاؤوا بَعْدَهَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 5 ) حُجَّةٌ لِلْكَافَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّهَا لَمْ يَقَعْ لِلْعَزْمِ عَلَيْهِ بَعْدَهَا مَعْنًى .
1166 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وُقِفَ حَتَّى يُطَلِّقَ أَوْ يَفِيءَ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ . 1185 1166 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَيُّمَا رَجُلٍ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وُقِفَ حَتَّى يُطَلِّقَ ) بِنَفْسِهِ ( أَوْ يَفِيءَ ) يَرْجِعَ إِلَى جِمَاعِهَا ( وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ ) وَلَمْ يُجَامِعْ فِيهَا ( حَتَّى يُوقَفَ ) عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَيُطَلِّقُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَفِيءُ وَإِلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْأَثَرُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا ، وَعَارَضَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : إِذَا آلَى فَلَمْ يَفِئْ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ثَابِتَةٌ ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يُنْهِضُ مُعَارَضَتَهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِخْرَاجِ الْبُخَارِيِّ لِرِجَالِ السَّنَدِ الَّذِي خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَرَّجِ فِيهِ نَفْسُهُ ، وَلِذَا كَانَ الصَّحِيحُ مَرَاتِبَ فَيُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَا أَخْرَجَهُ عَلَى مَا خَرَّجَهُ غَيْرُهُ بِشَرْطِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ انْتِهَاضِ الْمُعَارَضَةِ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ فَيَرْجِعُ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَكَيْفَ يُسَلَّمُ وَالتَّرْجِيحُ يَقَعُ بِمُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِ مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ .
1167 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ : إِنَّهَا إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ، وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ . 1167 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ : إنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ) تَقَعُ بِمُضِيِّهَا ( وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ ) لِأَنَّ طَلَاقَ الْإِيلَاءِ رَجْعِيٌّ .
1168 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الرَّجُلِ إِذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ : أَنَّهَا إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ فَيُطَلِّقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ : إنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ ، فَإِنَّ ارْتِجَاعَهُ إِيَّاهَا ثَابِتٌ عَلَيْهَا ، فَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وُقِفَ أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَفِئْ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِالْإِيلَاءِ الْأَوَّلِ إِذَا مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، لِأَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَلَا عِدَّةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَيُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْتَجِعُ وَلَا يَمَسُّهَا فَتَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا : إِنَّهُ لَا يُوقَفُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإِنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَنْقَضِي الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ قَالَ : هُمَا تَطْلِيقَتَانِ إِنْ هُوَ وُقِفَ وَلَمْ يَفِئْ ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ الَّتِي كَانَتْ تُوقَفُ بَعْدَهَا مَضَتْ وَلَيْسَتْ لَهُ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيلَاءً ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ إِيلَاءً لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَقْفٌ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا : فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِيلَاءً ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ إِيلَاءً . 1185 1168 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الرَّجُلِ إِذَا آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ ) وَاحِدَةٌ ( وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ شِهَابٍ ) فَوَافَقَ رَأْيُهُ رَأْيَ شَيْخِهِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ كَمَا عُلِمَ خِلَافَهُ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ قَالَ : لَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى الطَّلَاقِ تَكُونُ طَلَاقًا ، وَلَوْ جَازَ لَكَانَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَيْءِ فَيْئًا ، وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَةِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا يَنْوِي بِهَا الطَّلَاقَ تَقْتَضِي طَلَاقًا ، وَالْعَطْفُ بِالْفَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ ، فَلَا يَتَّجِهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّهَا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَجَلًا لَهُ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، كَمَا لَوْ أَجَّلْتَنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ أَخْذُ حَقِّكَ مِنِّي حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ وَاحِدًا مِنْ حُكْمَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ، فَقُلْنَا بِهَذَا ، وَقُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى يُحْدِثَ فَيْئَةً أَوْ طَلَاقًا . وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْفَاءَ لِتَعْقِيبِ الْمَعْنَى فِي الزَّمَانِ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ كَجَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو ، وَتَدْخُلُ الْجُمَلُ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلٍ قَبْلَهَا وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْأَوَّلِ نَحْوُ : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 153 ) فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ التَّعْقِيبَ الْحَقِيقِيَّ ، بَلِ التَّعْقِيبَ الذِّكْرِيَّ بِأَنْ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَكَالْأَوَّلِ كَجَاءَ زَيْدٌ فَقَامَ عَمْرٌو ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ جَائِزُ الْإِرَادَةِ فِي الْآيَةِ ؛ الْمَعْنَوِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيلَاءِ ، فَإِنْ فَاؤوا بَعْدَ الْإِيلَاءِ وَالذِّكْرَى فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ لَهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ أَنْ يَتَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَيْنُونَةً مَعَ عَدَمِ الْوَطْءِ كَانَ مَوْضِعَ تَفْصِيلِ الْحَالِ فِي الْأَمْرَيْنِ ، فَقَوْلُهُ : فَإِنْ فَاءُوا إِلَى قَوْلِهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 226 ، 227 ) وَاقِعٌ لِهَذَا الْغَرَضِ ، فَيَصِحُّ كَوْنُ الْمُرَادِ : فَإِنْ فَاؤوا أَيْ رَجَعُوا عَمَّا اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ تَعْقِيبًا عَلَى الْإِيلَاءِ ، التَّعْقِيبُ الذِّكْرِيِّ أَوْ بَعْدَهَا تَعْقِيبًا عَلَى التَّرَبُّصِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَا حَدَثَ مِنْهُمْ مِنَ الْيَمِينِ عَلَى الظُّلْمِ وَعَقْدِ الْقَلْبِ اهـ . وَمَا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ الَّذِي يَنْبُو عَنْهُ الظَّاهِرُ غَنِيٌّ عَنْ رَدِّهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ فَيُطَلِّقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ثُمَّ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ : إنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا ) وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ : فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا ، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُذْرِ ) الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْجِمَاعِ ( فَإِنَّ ارْتِجَاعَهُ إِيَّاهَا ثَابِتٌ عَلَيْهَا ، فَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقِفَ أَيْضًا ، فَإِنْ لَمْ يَفِئْ ) يَطَأْ ( دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِالْإِيلَاءِ الْأَوَّلِ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَلَا عِدَّةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا رَجْعَةَ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 49 ) ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ فَيُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَيُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْتَجِعُ وَلَا يَمَسُّهَا فَتَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ) لِتَأَخُّرِهَا بِحَمْلٍ وَنَحْوِهِ ( إنَّهُ لَا يُوقَفُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ، وَإنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، قَالَ : هُمَا تَطْلِيقَتَانِ إِنْ هُوَ وَقَفَ وَلَمْ يَفِئْ ، وَإِنْ مَضَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهَرِ فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهَرِ الَّتِي كَانَتْ تُوقِفُ بَعْدَهَا مَضَتْ وَلَيْسَتْ لَهُ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةٍ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَالطَّلَاقُ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمَرْأَةِ ( وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا ثُمَّ مَكَثَ ) بِلَا وَطْءٍ ( حَتَّى يَنْقَضِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيلَاءً ) وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ فِي آخَرَيْنِ فَقَالُوا : إِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَعَكَسَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ : كُلُّ مَنْ وَقَّتَ فِي يَمِينِهِ وَقْتًا وَإِنْ طَالَ فَلَيْسَ بِمُولٍ ، وَإِنَّمَا الْمُولِي مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ لِلْأَبَدِ ( إِنَّمَا يُوقَفُ فِي الْإِيلَاءِ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَدْنَى ) أَقَلَّ ( مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ إِيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ ) وَفِي نُسْخَةٍ : جَاءَ ( الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَقْفٌ ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْبِرُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَبَعْدَهَا يَفْنَى صَبْرُهَا أَوْ يَقِلُّ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ : يَكُونُ مُولِيًا بِالْحَلِفِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَتَمَسَّكَ الْأَوَّلُ بِمَا تُعْطِيهِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 226 ) فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ زَمَنَ الْفَيْئَةِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ، وَكَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطِيَّةُ فَإِنَّهَا تُصَيِّرُ الْمَاضِيَ بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلًا ، فَلَوْ طُلِبَتِ الْفَيْئَةُ فِي الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِيَبْقَى مَعْنَى الْمُضِيُّ بَعْدَهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ ، وَأَرَى فِي الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْفَاءَ لِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ تَأَخُّرُ الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ فِي الزَّمَانِ بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْمُقَارَنَةُ ، وَأَرَى أَيْضًا حَذْفَ كَانَ بَعْدَ أَنْ ، أَيْ فَإِنْ كَانُوا فَاؤوا كَمَا تَأَوَّلَ مِثْلَهُ فِي قَوْلِهِ : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 116 ) وَالْقَرِينَةُ الْمُعَيَّنَةُ لِذَلِكَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّامُ مِنْ قَوْلِهِ : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 226 ) فَالتَّرَبُّصُ إِذًا مَقْصُورٌ عَلَيْهَا لَا غَيْرَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي فِي اللَّامِ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ ، وَالْفَيْئَةُ أَمْرٌ يَكُونُ بَعْدَهَا فَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهَا ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلِفَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِيلَاءً ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ عَدَمَ ضَرَرِ وَلَدِهِ لَا الِامْتِنَاعَ مِنَ الْوَطْءِ ( وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ إِيلَاءً ) أَتَى بِهِ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ : وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ .
1162 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ : فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ ، فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . 1182 1162 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِيَّاتِ ، رَوَى لَهَا مُسْلِمٌ وَالثَّلَاثَةُ ( الْمُنْذِرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ) بْنِ الْعَوَّامَ الْأَسَدِيَّ أَبَا عُثْمَانَ ، شَقِيقُ عَبْدِ اللَّهِ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَحَفِيدُهُ فُلَيْحٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَايِذٍ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ أَنَّ الْمُنْذِرَ غَاضَبَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ ، فَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، فَأَجَازَهُ بِجَائِزَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَقْطَعَهُ أَرْضًا بِالْبَصْرَةِ . وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْمُنْذِرَ كَانَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ لَمَّا امْتَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ مُبَايَعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، فَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِ الْمُنْذِرَ ، فَبَلَغَهُ ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ ، فَقُتِلَ فِي الْحِصَارِ الْأَوَّلِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ ، وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ ) بِتَزْوِيجِ بِنْتِهِ وَهُوَ غَائِبٌ ( فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ ) أَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ أَخِيهَا ( فَقَالَ الْمُنْذِرُ : فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) وَالِدِهَا ( فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ ) بِكَسْرِ التَّاءِ خِطَابًا لِأُخْتِهِ عَائِشَةَ ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ : قَضَيْتِيهِ ، بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ لِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ ( فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَازَيَةِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِمِثْلِ عَائِشَةَ ، لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِجَازَةُ الْمُجْبَرِ تَزْوِيجَ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ جَدِّهِ إِذَا كَانَ قَدْ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ ، وَلَوْ أَجَازَهُ الْأَبُّ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَعَائِشَةُ لَيْسَتْ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُفَوِّضْ لَهَا أُمُورَهُ ، فَالْجَوَازُ فِي إِجَازَةِ فِعْلِهَا خُصُوصِيَّةٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَظُنُّهَا وَكَّلَتْ عِنْدَ الْعَقْدِ ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يُوَكِّلُ إِلَّا مِثْلَهُ ، وَعَائِشَةُ لَا يَصِحُّ كَوْنُهَا وَكِيلًا عَنْ أَخِيهَا ، فَكَيْفَ تُوَكَّلُ ؟ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : مَا نَصُّوا عَلَيْهِ إِذَا وَكَّلَ الْوَلِيُّ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ ، أَمَّا إِذَا وَكَّلَ مَنْ يُوكِّلُ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يُوَكِّلَ امْرَأَةً مَثَلًا ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْمُنْذِرَ فَارَقَ حَفْصَةَ فَتَزَوَّجَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، فَاحْتَالَ الْمُنْذِرُ عَلَيْهِ حَتَّى طَلَّقَهَا ، فَأَعَادَهَا الْمُنْذِرُ .
1163 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَا عَنْ الرَّجُلِ يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَتَرُدُّ بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئًا ، فَقَالَا : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . 1182 1163 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَا عَنِ الرَّجُلِ يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَتَرُدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئًا ، فَقَالَا : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ) لِأَنَّهَا رَدَّتْهُ وَلَمْ تُوقِعْ شَيْئًا .
1164 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ قَالَ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَلَمْ تُفَارِقْهُ وَقَرَّتْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُمَلَّكَةِ إِذَا مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَهَا ثُمَّ افْتَرَقَا وَلَمْ تَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا : فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا . 1183 1164 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَلَمْ تُفَارِقْهُ وَقَرَّتْ ) بِالْقَافِ ، ثَبَتَتْ ( عِنْدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ) لِرَدِّهَا مَا مَلَّكَ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُمَلَّكَةِ : إِذَا مَلَّكَهَا زَوْجُهَا أَمْرَهَا ثُمَّ افْتَرَقَا وَلَمْ تَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَيْسَ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَهُوَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا ) فَإِذَا افْتَرَقَا مِنْهُ بَطَلَ التَّمْلِيكُ .
5 - بَاب مَا لَا يُبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ 1161 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا خَطَبَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ فَزَوَّجُوهُ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَالُوا : مَا زَوَّجْنَا إِلَّا عَائِشَةَ ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَجَعَلَ أَمْرَ قَرِيبَةَ بِيَدِهَا فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا . 5 - بَابُ مَا لَا يُبِينُ مِنَ التَّمْلِيكِ 1181 1161 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ) عَمَّتِهِ ( عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا خَطَبَتْ عَلَى ) أَيْ لِأَخِيهَا ( عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيقِ ( قَرِيبَةَ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَمُوَحَّدَةٍ فَتَاءُ تَأْنِيثٍ ، وَيُقَالُ بِالتَّصْغِيرِ ، بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ ، أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالْجَمَالِ ، رَوَى عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : مَا رَأَيْنَا مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْ جَمَالِهِنَّ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ رَأَيْتَ بَنَاتَ أَبِي أُمَيَّةَ ؟ هَلْ رَأَيْتَ قَرِيبَةَ ؟ ( فَزُوَّجُوهُ ) وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأُمَّ حَكِيمٍ وَحَفْصَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ ( ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَبُوا ) أَيْ وَجَدُوا ( عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فِي أَمْرِ فِعْلِهِ ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ ( وَقَالُوا : مَا زَوَّجْنَا إِلَّا عَائِشَةَ ) أَيْ إِنَّمَا وَثِقْنَا بِفَضْلِهَا وَحُسِنِ خُلُقِهَا ، وَأَنَّهَا لَا تَرْضَى لَنَا بِأَذًى وَلَا إِضْرَارٍ فِي وَلِيَّتِنَا ( فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَجَعَلَ أَمْرَ قَرِيبَةَ بِيَدِهَا ، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا ) وَلِابْنِ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : تَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَرِيبَةَ أُخْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ ، فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ حَذَّرْتُكَ ؟ قَالَ : فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ ، فَقَالَتْ : لَا أَخْتَارُ عَلَى ابْنِ الصِّدِّيقِ أَحَدًا ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا .
1245 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا الْمَبْتُوتَةُ إِلَّا فِي بَيْتِهَا . 1257 1245 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَلَا الْمَبْتُوتَةُ إِلَّا فِي بَيْتِهَا ) وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ : طُلِّقَتْ خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُذَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : بَلَى فَجُذِّي نَخْلَكِ ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ فِي جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ نَهَارًا ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهَا لُزُومُ مَنْزِلِهَا بِاللَّيْلِ ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ الرَّجْعِيَّةُ وَالْمَبْتُوتَةُ ، وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خُرُوجِهَا نَهَارًا كَقَوْلِنَا ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ الْجُذَاذَ إِنَّمَا يَكُونُ نَهَارًا عُرْفًا وَشَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُذَاذِ اللَّيْلِ ، وَلِأَنَّ نَخْلَ الْأَنْصَارِ لَيْسَتْ مِنَ الْبَعِيدِ بِحَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَى الْمَبِيتِ فِيهَا إِذَا خَرَجَتْ نَهَارًا .
1243 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ خَبَّابٍ تُوُفِّيَ ، وَإِنَّ امْرَأَتَهُ جَاءَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَتْ لَهُ وَفَاةَ زَوْجِهَا ، وَذَكَرَتْ لَهُ حَرْثًا لَهُمْ بِقَنَاةَ ، وَسَأَلَتْهُ : هَلْ يَصْلُحُ لَهَا أَنْ تَبِيتَ فِيهِ ؟ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ سَحَرًا فَتُصْبِحُ فِي حَرْثِهِمْ فَتَظَلُّ فِيهِ يَوْمَهَا ، ثُمَّ تَدْخُلُ الْمَدِينَةَ إِذَا أَمْسَتْ فَتَبِيتُ فِي بَيْتِهَا . 1255 1243 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ خَبَّابٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، الْمَدَنِيَّ أَبَا مُسْلِمٍ ، وَيُقَالُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيَّ ، صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا عُثْمَانُ وَرَزَقَهُ دِينَارَيْنِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، فَتُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ : مُسْلِمٍ ، وَبُكَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَغَفَلَ ابْنُ حِبَّانَ فَذَكَرَهُ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْإِصَابَةِ ( تُوُفِّيَ ، وَإِنَّ امْرَأَتَهُ ) أُمَّ مُسْلِمٍ كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ ( جَاءَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَتْ لَهُ وَفَاةَ زَوْجِهَا ، وَذَكَرَتْ لَهُ حَرْثًا لَهُمْ بِقَنَاةَ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ بِزِنَةِ حَصَاةٍ ، مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ( وَسَأَلَتْهُ : هَلْ يَصْلُحُ لَهَا أَنْ تَبِيتَ فِيهِ ؟ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ سَحَرًا فَتُصْبِحُ فِي حَرْثِهِمْ فَتَظَلُّ ) تُقِيمُ ( فِيهِ يَوْمَهَا حتى تَدَخُلَ الْمَدِينَةَ إِذَا أَمْسَتْ فَتَبِيتُ فِي بَيْتِهَا ) فَيُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا .
1242 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الْبَيْدَاءِ ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ . 1255 1242 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( ابْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ شُعَيْبٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ ) وَالْبَيْدَاءُ بِالْمَدِّ طَرَفُ ذِي الْحُلَيْفَةِ .
31 - بَاب مَقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ 1241 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَتْهَا : أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ ؛ فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ ، قَالَتْ : فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَةَ ، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، قَالَتْ : فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ فَقَالَ : كَيْفَ قُلْتِ ؟ فَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي ؛ فَقَالَ : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، قَالَتْ : فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ . 31 - بَابُ مَقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ 1254 1241 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ لِيَحْيَى ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ : سَعْدٌ ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْأَشْهَرُ ( ابْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ، الْبَلَوِيِّ الْمَدَنِيِّ ، حَلِيفِ الْأَنْصَارِ ، مِنَ الثِّقَاتِ ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ) صَحَابِيَّةٌ ، تَزَوَّجَهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، كَذَا فِي التَّجْرِيدِ تَبَعًا لِابْنِ الْأَمِينِ ، وَابْنِ فَتْحُونٍ ، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُمَا فِي التَّابِعِينَ ، وَابْنُ حَبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَرَوَى عَنْهَا ابْنَا أَخَوَيْهَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنَا كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ( أَنَّ الْفُرَيْعَةَ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، كَمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَسَمَّاهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ الْفَارِعَةَ ، وَبَعْضُهُمْ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ الْفَرَعَةَ ( بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ) الصَّحَابِيِّ ( وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ( الْخُدْرِيِّ ) الصَّحَابِيِّ الشَّهِيرِ ، وَأُمُّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ( أَخْبَرَتْهَا ) أَيْ زَيْنَبُ ( أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ ، مِنَ الْأَنْصَارِ ( فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ ) بِضَمِّ الْبَاءِ ، جَمْعُ عَبْدٍ ( لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، مَوْضِعٌ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ( لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ ، قَالَتْ ) الْفُرَيْعَةُ ( فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَةَ ، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ ، وَلَا ) فِي ( نَفَقَةٍ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ ) ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ ( قَالَتْ : فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ( نَادَانِي ) دَعَانِي ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِنَفْسِهِ ( أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ ) دُعِيتُ ( لَهُ ) شَكَّتْ ( فَقَالَ : كَيْفَ ؟ قُلْتِ : فَرَدَّدْتُ ) أَعَدْتُ ( عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ ) أَيْ ذَكَرْتُهَا لَهُ أَوَّلًا ( مِنْ شَأْنِ زَوْجِي ، فَقَالَ : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يُبْلُغَ الْكِتَابُ ) الْمَكْتُوبُ مِنَ الْعِدَّةِ ( أَجَلَهُ ) بِأَنْ يَنْتَهِيَ ، قَالَتْ : فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ) أَيْ وُجِدَ زَمَنَ خِلَافَتِهِ ( أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ ) لِأَنَّهُمْ لَا يَعْدِلُونَ عَنْ حَدِيثِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عن القعنبي ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَرَوَاهُ النَّاسُ عَنْ مَالِكٍ حَتَّى شَيْخِهِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي مَنْ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ شُعْبَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَسُفْيَانُ ، وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبُو مَالِكٍ الْأَحْمَرُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، سَبْعَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ .
1244 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ الْبَدَوِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنَّهَا تَنْتَوِي حَيْثُ انْتَوَى أَهْلُهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1256 1244 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ الْبَدَوِيَّةِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : الْمُرَادُ بِهَا سَاكِنَةُ الْعَمُودِ ( يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنَّهَا تَنْتَوِي ) بِالْفَوْقِيَّةِ ( حَيْثُ انْتَوَى أَهْلُهَا ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ تَنْزِلُ حَيْثُ نَزَلُوا مِنِ انْتَوَيْتُ الْمَنْزِلَ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِمُ انْقِطَاعُهَا عَنْهُمْ وَانْقِطَاعُهُمْ عَنْهَا ، فَإِنِ ارْتَحَلُوا بِقُرْبٍ اعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِ زَوْجِهَا .
1258 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ . 1271 1258 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ) زَوْجَةِ سَيِّدِهِ ( عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَكَذَا لِيَحْيَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ وَطَائِفَةٍ بِالْوَاوِ ، وَلِابْنِ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَآخَرِينَ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ حَفْصَةَ عَلَى الشَّكِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارِ والليث بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِالشَّكِّ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ ، عَنْ حَفْصَةَ وَحْدَهَا ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَالتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، كَمَا يُقَالُ : هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ ، فَالْكِتَابِيَّةُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَأَشْهَبُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لِلْغَالِبِ ، أَوْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَةَ هِيَ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِالْخِطَابِ وَتَنْقَادُ ، فَهَذَا الْوَصْفُ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَتَغْلِيظِهِ ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ قَاعِدَتَهُ فِي إِنْكَارِهِ الْمَفَاهِيمَ ( أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ) فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، كَمَا زَادَهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْحَدِيثُ يَعُمُّ كُلَّ زَوْجَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا إِحْدَادَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَا أَمَةٍ زَوْجَةٍ ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَبِالْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ ، وَلِهَذَا الْوَجْهِ اعْتَدَّتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْوَفَاةِ اسْتِظْهَارًا لِحُجَّةِ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَيًّا لَبُيِّنَ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا ، كَمَا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ حَتَّى تَسْتَظْهِرَ لَهُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ ، قَالُوا : وَهِيَ الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَزْيَدَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ الزَّوْجُ اسْتُظْهِرَ لَهُ بِأَتَمِّ وُجُوهِ الْبَرَاءَةِ ، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْحَمْلُ ، فَبَعْدَ الرَّابِعِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، وَزِيدَتِ الْعَشْرُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ حَرَكَتُهُ ، وَلِذَا جُعِلَتْ عِدَّتُهَا بِالزَّمَانِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْجَمِيعُ ، وَلَمْ تُوكَّلْ إِلَى أَمَانَةِ النِّسَاءِ فَتُجْعَلُ بِالْإِقْرَاءِ كَالْمُطَلَّقَاتِ ، كُلُّ ذَلِكَ حَوْطَةٌ لِلْمَيِّتِ لِعَدَمِ الْمُحَامِي عَنْهُ ، وَلَزِمَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ الصَّغِيرَةُ ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الزَّوْجَةِ صَغِيرَةً نَادِرٌ ، فَشَمَلَهُنَّ الْحُكْمُ وَعَمَّتْهُنَّ الْحَوْطَةُ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ، إِيجَابٌ بَعْدَ النَّفْيِ ، فَيَقْتَضِي حَصْرَ الْإِحْدَادِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، فَلَا إِحْدَادَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنَةً أَوْ مُثَلَّثَةً ، وَاسْتَحَبَّهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ لِلرَّجْعِيَّةِ ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْمُثَلَّثَةِ ، وَشَذَّ الْحَسَنُ وَحْدَهُ ، فَقَالَ : لَا إِحْدَادَ عَلَى مُتَوَفَّى عَنْهَا وَلَا عَلَى مُطَلَّقَةٍ ، وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِبَاحَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ الْمَنْعِ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ حَدِيثَ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا الْمُتَقَدِّمَ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعُ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ ، وَبِأَنَّ السِّيَاقَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَمْنُوعٍ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ دَالًّا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ هُنَا زِيَادَةُ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ؛ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَى الْخَبَرِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تُحِدُّ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 228 ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ اتِّفَاقًا . وَفِي الْمُفْهِمِ : الْقَائِلُ بِوُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إِنْ قَاسَهُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَلَا يَصِحُّ لِلْحَصْرِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ ، وَأَيْضًا فَعَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ تَعَبُّدِيَّةٌ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ ، وَكَذَا عَلَى أَنَّهَا مَعْقُولَةٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ إِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّحَرُّزِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنَ النِّكَاحِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِهِ لِعَدَمِ الزَّوْجِ ، وَفِي الطَّلَاقِ الزَّوْجُ حَيٌّ فَهُوَ يَبْحَثُ وَيَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ .
1259 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا : اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجِلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . 1271 1259 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ ) بِشَدِّ الدَّالِ ( عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا ) بِالتَّثْنِيَةِ ( فَبَلَغَ ذَلِكَ ) الْوَجَعُ الْمَفْهُومُ مِنِ اشْتَكَتْ ( مِنْهَا ) مَبْلَغًا قَوِيًّا ( اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجِلَاءِ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ ، كُحْلٌ خَاصٌ ( بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ ) فَأَفْتَتْهَا بِمَا أَفْتَاهَا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَأْتِي .
1260 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ أَوْ شَكْوٍ أَصَابَهَا إِنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ كُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ . 1271 1260 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( أَصَابَهَا : أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ كُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ ) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ ) أَيْ وُجِدَتْ ( فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 185 ) فَتَكْتَحِلُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ لَيْلًا وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا . وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ : إِنَّ ابْنَتِي اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَأَكْحُلُهَا ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : لَا ، قَالَتْ : إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا ، قَالَ : وَإِنِ انْفَقَأَتْ رَوَاهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، وَابْنُ مَنْدَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهَا الْبُرْءُ بِغَيْرِ الْكُحْلِ كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبِرِ ، وَبِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ اعْتِذَارًا لَا أَنَّ الْخَوْفَ ثَبَتَ حَقِيقَةً ، إِذْ لَوْ تَحَقَّقَهُ لَأَبَاحَهُ لَهَا ، إِذِ الْمَنْعُ مَعَ الضَّرُورَةِ حَرَجٌ مَرْفُوعٌ مِنْ دِينِهِ .
1261 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَصَانِ . قَالَ مَالِكٌ : تَدَّهِنُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالزَّيْتِ وَالشِّيرِقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْحَادُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئًا مِنْ الْحَلْيِ خَاتَمًا وَلَا خَلْخَالًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحَلْيِ ، وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا مِنْ الْعَصْبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَصْبًا غَلِيظًا ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِشَيْءٍ مِنْ الصِّبْغِ إِلَّا بِالسَّوَادِ وَلَا تَمْتَشِطُ إِلَّا بِالسِّدْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا . 1274 1261 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ ) الثَّقَفِيَّةَ أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُوهَا صَحَابِيٌّ ، قَالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَنَفَى الدَّارَقُطْنِيُّ إِدْرَاكَهَا فِي الْإِصَابَةِ عَلَى نَفْيِ إِدْرَاكِ السَّمَاعِ مِنْهُ ، وَذَكَرَهَا الْعِجْلِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ( /1 ) بِشَدِّ الدَّالِّ بِلَا هَاءٍ ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُؤَنَّثِ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ مِثْلُ طَالِقٍ وَحَائِضٍ ( عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) تَزَوَّجَهَا فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ ، وَأَصْدَقَهَا عُمَرُ أَرْبَعَمِائَةٍ ، وَزَادَهَا ابْنُهُ سِرًّا مِنْهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَوَلَدَتْ لَهُ وَاقِدًا ، وَأَبَا بَكْرٍ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ ، وَعُمَرَ ، وَحَفْصَةَ وَسَوْدَةَ ( فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَصَانِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَصَادٍ مُهْمِلَةٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ ، يَجْمُدُ الْوَسَخُ فِي مُوقِهَا ، وَالرَّجُلُ أَرْمَصُ وَالْمَرْأَةُ رَمْصَاءُ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ صَفِيَّةَ فِي السِّيَاقِ ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ وَجَمَعَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ؛ لِأَنَّهَا عُوفِيَتْ ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا فِي حَيَاتِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُنَا ( قَالَ مَالِكٌ : تَدَّهِنُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالزَّيْتِ وَالشَّبْرِقِ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَوْ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ، دُهْنِ السِّمْسِمِ ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ ) مَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ لِلطِّيبِ وَإِلَّا جَازَ كَمَا قَدَّمَهُ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ ( وَلَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْحَادُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئًا مِنَ الْحَلْيِ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( خَاتَمًا وَلَا خَلْخَالًا ) بِفَتْحِ الْخَاءِ ، وَاحِدُ خَلَاخِيلِ النِّسَاءِ ، وَالْخَلْخَلُ لُغَةٌ فِيهِ أَوْ مَقْصُورٌ مِنْهُ ، قَالَ بَرَّاقَةُ : الْجَيِّدُ صَمُوتُ الْخَلْخَلِ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . ( ولا غير ذَلِكَ مِنَ الْحَلْيِ ) كَسِوَارٍ وَخُرْصٍ وَقُرْطٍ ذَهَبًا كَانَ كُلُّهُ أَوْ فِضَّةً ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَوْهَرُ وَالْيَاقُوتُ . ( وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا مِنَ الْعَصْبِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : بُرُودٌ يَمَنِيَّةٌ يُعْصَبُ غَزْلُهَا ، أَيْ يُجْمَعُ وَيُشَدُّ ثُمَّ يُصْبَغُ وَيَنْسَجُ فَيَأْتِي مَوْشِيًّا لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ مِنْهُ أَبْيَضَ لَمْ يَأْخُذْهُ الصِّبْغُ ، يُقَالُ : بُرْدُ عَصْبٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ ، وَقِيلَ : هِيَ بُرُودٌ مُخَطَّطَةٌ ، وَالْعَصْبُ الْفَتْلُ ، وَالْعِصَابُ الْغَزَالُ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَصْبًا غَلِيظًا ) فَتَلْبَسُهُ لِأَنَّهُ لَا كَبِيرَ زِينَةٍ فِيهِ حَمْلًا لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا : لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسَّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ . نَبْذَةٌ مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ عَلَى الْغَلِيظِ دُونَ الرَّقِيقِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الزِّينَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الرَّقِيقِ . ( وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِشَيْءٍ مِنَ الصِّبْغِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِأَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ غَيْرِهِمَا ( إِلَّا بِالسَّوَادِ ) فَيَجُوزُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يَعْنِي بِهِ الْأَسْوَدَ الْغُرَابِيَّ لَا السَّمَاوِيَّ فَإِنَّهُ يُتَجَمَّلُ بِهِ اهـ . وَخَصَّ الْأَسْوَدَ بِغَيْرِ نَاصِعَةِ الْبَيَاضِ ، فَإِنَّهُ يُزَيِّنُهَا فَيُمْنَعُ عَلَيْهَا لُبْسُهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : خَصَّ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ فِي الْبَيَاضِ مِنَ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ . ( وَلَا تَمْتَشِطُ ) بِشَيْءٍ كَطِيبٍ وَحِنَّاءٍ إِلَّا بِالسِّدْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا .
1262 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبِرًا فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اجْعَلِيهِ فِي اللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . قَالَ مَالِكٌ : الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ كَهَيْئَتِهِ عَلَى الَّتِي قَدْ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ تَجْتَنِبُ مَا تَجْتَنِبُ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا . قَالَ مَالِكٌ : تُحِدُّ الْأَمَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ مِثْلَ عِدَّتِهَا . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إِحْدَادٌ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا سَيِّدُهَا ، وَلَا عَلَى أَمَةٍ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا إِحْدَادٌ ، وَإِنَّمَا الْإِحْدَادُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ . 1274 1262 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أُسَيْدٍ ، عَنْ أُمِّهَا ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ ( وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا ) بِالتَّثْنِيَةِ ( صَبِرًا ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْأَشْهَرِ ، الدَّوَاءُ الْمُرُّ ، وَسُكُونُ الْبَاءِ لِلتَّخْفِيفِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَقِيلَ لَمْ تُسْمَعْ فِي السَّبْعَةِ . وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ فِي الْمُثَلَّثِ جَوَازَ التَّخْفِيفِ كَنَظَائِرِهِ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَعَ كَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا فَيَكُونُ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ( فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ قَالَتْ : إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ ، قُلْتُ : فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِالسِّدْرِ وَتَغْفُلِينَ بِهِ رَأْسَكِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغِ الْمَحِيضَ كَهَيْئَتِهِ عَلَى الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ ، تَجْتَنِبُ مَا تَجْتَنِبُ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ إِذَا هَلَكَ زَوْجُهَا ) لِأَنَّهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ بِهِ . قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةِ وَالصَّبِيَّةُ لَا تُسَمَّى امْرَأَةً . وَأُجِيبُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ . ( وَتُحِدُّ الْأَمَةُ إِذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ مِثْلَ ) أَيْ قَدْرَ ( عِدَّتِهَا ) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَشَمِلَهَا الْحَدِيثُ . ( وَلَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إِحْدَادٌ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَلَا عَلَى أَمَةٍ ) قِنَّةٍ ( يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا إِحْدَادٌ ) وَقَدْ كَانَ يَطَؤُهَا ( وَإِنَّمَا الْإِحْدَادُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ ) لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : إِلَّا عَلَى زَوْجٍ .
1263 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَقُولُ : تَجْمَعُ الْحَادُّ رَأْسَهَا بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ . 1274 1263 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تَقُولُ : تَجْمَعُ الْحَادُّ رَأْسَهَا ) أَيْ شَعْرَهَا ، أَيْ تُمَشِّطُهُ ( بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ ) الَّذِي لَا طِيبَ فِيهِ .
35 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ 1257 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ ، قَالَتْ زَيْنَبُ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَحَتْ بِعَارِضَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَتْ زَيْنَبُ : ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٌ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالَتْ زَيْنَبُ : وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحُلُهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ : فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ : وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا ، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْحِفْشُ : الْبَيْتُ الرَّدِيءُ ، وَتَفْتَضُّ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا كَالنُّشْرَةِ . 35 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِحْدَادِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْإِحْدَادُ ، بِالْمُهْمَلَةِ ، امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنَ الزِّينَةِ كُلِّهَا مِنْ لِبَاسٍ وَطِيبٍ وَغَيْرِهِمَا وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْإِحْدَادُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّينَةِ ، يُقَالُ أَحَدَّتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُحِدٌّ ، وَحَدَّتْ فَهِيَ حَادٌّ إِذَا امْتَنَعَتْ مِنَ الزِّينَةِ ، وَكُلُّ مَا يُصَاغُ مِنْ حَدَّ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَنْعِ ، فَالْبَوَّابُ حَدَّادٌ لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ وَالْخَارِجَ ، وَالسَّجَّانُ حَدَّادٌ ، وَلَمَّا نَزَلَ : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَالَ الْكُفَّارُ : مَا رَأَيْنَا سَجَّانِينَ بِهَذَا الْعَدَدِ ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ : لَا تُقَاسُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحَدَّادِينَ ، يَعْنُونَ السَّجَّانِينَ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَدِيدُ لِامْتِنَاعِهِ عَمَّنْ يُحَاوِلُهُ وَلِلِامْتِنَاعِ بِهِ ، وَمِنْهُ تَحْدِيدُ النَّظَرِ لِامْتِنَاعِ تَقَلُّبِهِ فِي الْجِهَاتِ ، قَالَ النَّابِغَةُ : إِلَّا سُلَيْمَانُ إِذَا قَالَ الْإِلَهُ لَهُ قُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ أَيْ فَامْنَعْهَا . 1268 1257 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ ( عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ) الْأَنْصَارِيِّ أَبِي أَفْلَحَ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ( عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ الصَّحَابِيَّةِ ، رَبِيبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ) أَيْ حُمَيْدًا ( بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ ) الَّتِي بَيَّنَتْهَا لَهُ حَيْثُ ( قَالَتْ زَيْنَبُ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ ) رَمْلَةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ ) صَخْرُ ( بْنُ حَرْبٍ ) سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّامِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْأَخْبَارِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ وَأَظُنُّهَا وَهْمًا ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ : جَاءَ نَعْيٌ لِأَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ أَوْ حَمِيمٌ لَهَا فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَلَطَّخَتْ بِهِ ذِرَاعَهَا . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : أَنَّ حَمِيمًا لَهَا مَاتَ ، بِلَا تَرَدُّدٍ ، وَإِطْلَاقُ الْحَمِيمِ عَلَى الْأَخِ الْأَقْرَبِ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَبِ ، فَقَوِيَ الظَّنُّ أَنَّ الْقِصَّةَ تَعَدَّدَتْ لِزَيْنَبَ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ لَمَّا جَاءَهَا نَعْيُ أَخِيهَا مِنَ الشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ عند وَفَاةُ أَبِيهَا أَبِي سُفْيَانَ بِالْمَدِينَةِ ، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ( فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ ) أَيْ طَلَبَتْ طِيبًا ( فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ ) بِوَزْنِ صَبُورٍ ، نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ ( أَوْ غَيْرُهُ ) بِرَفْعِهِمَا وَجَرِّهِمَا رِوَايَتَانِ ، اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ عَلَى الْأُولَى ( فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ) بِالنَّصْبِ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا ( ثُمَّ مَسَحَتْ ) أُمُّ حَبِيبَةَ ( بِعَارِضَيْهَا ) أَيْ جَانِبَيْ وَجْهِهَا ، وَجَعْلُ الْعَارِضَيْنِ مَاسِحَيْنِ تَجَوُّزٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا جَعَلَتِ الصُّفْرَةَ فِي يَدَيْهَا وَمَسَحَتْهَا بِعَارِضَيْهَا ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ ، وَمَسَحَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ ، تَقُولُ : مَسَحْتُ بِرَأْسِي وَرَأْسِي . وَفِي الْإِكْمَالِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : الْعَارِضَانِ صَفْحَتَا الْعُنُقِ وَمَا بَعْدَ الْأَسْنَانِ ، وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ : عَارِضَةُ الْوَجْهِ مَا يَبْدُو مِنْهُ وَمَبْسَمَا الْفَمِ وَالثَّنَايَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ . وَفِي الْمُفْهِمِ : الْعَوَارِضُ مَا بَعْدَ الْأَسْنَانِ ، أُطْلِقَتْ فِي الْخَدَّيْنِ هُنَا مَجَازًا ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَيْهِمَا فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ أَوْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا كَانَ مِنْ سَبَبِهِ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : وَذِرَاعَيْهَا ( ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ مِنْ ( غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ ( أَنْ تُحِدَّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الرُّبَاعِي ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَصْمَعِيُّ سِوَاهُ ، وَحَكَى غَيْرُهُ فَتْحَ أوله وضم ثَانِيهِ مِنَ الثُّلَاثِي ، يُقَالُ : حَدَّتِ الْمَرْأَةُ وَأَحَدَّتْ بِمَعْنًى ( عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) فَلَهَا أَنْ تُحِدَّ عَلَى الْقَرِيبِ ثَلَاثًا فَأَقَلَّ ، فَإِنْ مَاتَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمٍ أَوْ بَقِيَّةِ لَيْلَةٍ أَلْغَتْ تِلْكَ الْبَقِيَّةَ وَعَدَّتِ الثَّلَاثَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنْ تُحِدَّ فَاعِلُ يَحِلُّ ، وَ فَوْقَ ظَرْفُ زَمَانٍ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى زَمَانٍ ( إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ) إِيجَابٌ لِلنَّفْيِ ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تُحِدَّ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ ( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) أَيْ أَيَّامَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ، فَأُنِّثَ الْعَدَدُ لِإِرَادَةِ الْمُدَّةِ ، أَوْ أُرِيدَ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيهَا ، خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا عَشْرُ لَيَالٍ فَتَحِلُّ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ، وَلَوْلَا الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَكَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِبَاحَةَ لِأَنَّهُ اسْتُثْنِيَ مِنْ عُمُومِ الْحَظْرِ ، وَأَشَارَ الْبَاجِيُّ إِلَى أَنَّهُ مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ مِنْ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ إِنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْحَظْرِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْحَامِلِ يَزِيدُ عَلَيْهَا : هَلْ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى تَضَعَ أَوْ لَا يَلْزَمُهَا إِحْدَادٌ فِي الزيادة لظاهر الْحَدِيثِ ؟ قَالَهُ عِيَاضٌ . ( قَالَتْ زَيْنَبُ ) بِالسَّنَدِ السَّابِقِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي ( ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ، كَمَا سُمِّيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ كَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَأَبِي مُصْعَبٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ ، لَكِنِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَزَيْنَبُ حِينَئِذٍ صَغِيرَةٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا مَاتَ بَعْدَ بَدْرٍ ، وَأَنَّ أُمَّهَا حَلَّتْ بِوَضْعِهَا وَتَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرَهُ حَكَوْا أَنَّ زَيْنَبَ وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِنْدَ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أَرْبَعُ سِنِينَ وَمِثْلُهَا يَضْبُطُ ذَلِكَ وَيُمَيِّزُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَخِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُصَغَّرِ الَّذِي تَنَصَّرَ وَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَتَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ ، فَإِنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَتْ مُمَيِّزَةً لَمَّا جَاءَ خَبَرُ وَفَاتِهِ ، وَقَدْ يَحْزَنُ الْمَرْءُ عَلَى قَرِيبِهِ الْكَافِرِ لَا سِيَّمَا إِذَا تَذَكَّرَ سُوءَ مَصِيرِهِ ، وَلَعَلَّ مَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْمُوَطَّآتِ عَبْدُ اللَّهِ - بِالتَّكْبِيرِ - كَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ - بِتَصْغِيرِ عَبْدٍ - فَلَمْ يَضْبِطْهُ الْكَاتِبُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَخٌ لَهَا مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَأَمَّا أَخُوهَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ وَاسْمُهُ عَبْدٌ ، بِلَا إِضَافَةٍ ، كَانَ شَاعِرًا أَعْمَى ، فَمَاتَ بَعْدَ أُخْتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِسَنَةٍ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَحَضَرَ جِنَازَةَ أُخْتِهِ ، وَرَاجَعَ عُمَرَ فِي شَيْءٍ بِسَبَبِهَا كَمَا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ، فَلَا يَصِحُّ إِرَادَتُهُ هُنَا ، هَذَا وَلَفْظُ ثُمَّ هُنَا لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْوَقَائِعِ ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَبِي سُفْيَانَ بِأَكْثَرِ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ ( فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ بِهِ أَيْ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا ( ثُمَّ قَالَتْ ) زَادَ التِّنِّيسِيُّ : أَمَا بِالتَّخْفِيفِ ( وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٌ ) وَلِابْنِ يُوسُفَ بِزِيَادَةِ مِنْ ( غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ) زَادَ التِّنِّيسِيُّ عَلَى الْمِنْبَرِ ( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) هُوَ مِنْ خِطَابِ التَّصْحِيحِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْخِطَابِ وَيَنْقَادُ لَهُ ، فَهَذَا الْوَصْفُ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ لِمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُهُ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ خِلَافَهُ مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 23 ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْكِيدَ أَمْرِ التَّوَكُّلِ بِرَبْطِهِ بِالْإِيمَانِ ( تُحِدُّ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ فَضَمٍّ وَحَذْفِ أَنْ النَّاصِبَةِ وَرَفْعِ الْفِعْلِ وَهُوَ مَقِيسٌ ( عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَبَاحَ الشَّارِعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِمَا يَغْلِبُ مِنْ لَوْعَةِ الْحُزْنِ وَيَهْجُمُ مِنْ أَلِيمِ الْوَجْدِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ طَالَبَهَا بِالْجِمَاعِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مَنْعُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ( إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ) فَتُحِدُّ عَلَيْهِ ( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي الْمُسْتَثْنَى دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ إِنْ جُعِلَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ : فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَالْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى مَيْتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَإِنْ جُعِلَ مَعْمُولًا لِتُحِدَّ مُضْمَرًا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ تُحِدُّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قَالُوا : وَحِكْمَةُ هَذَا الْعَدَدِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ خَلْقُهُ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهِيَ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِنَقْصِ الْأَهِلَّةِ فَجَبَرَ الْكَسْرَ إِلَى الْعِقْدِ احْتِيَاطًا ( قَالَتْ زَيْنَبُ ) بِالسَّنَدِ السَّابِقِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ( وَسَمِعْتُ ) أُمِّي ( أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ ) هِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ كَمَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ) الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ ، وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ مُسْنَدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، قَالَ يَحْيَى : لَا أَدْرِي ابْنَةَ النَّحَّامِ أَوْ أُمَّهَا بِنْتَ سَعْدٍ ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْبِنْتَ عَاتِكَةُ ، فَعَلَى هَذَا فَأُمُّهَا لَمْ تُسَمَّ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( وَقَدِ اشْتَكَتْ ) هِيَ ، أَيِ ابْنَتِي ( عَيْنَيْهَا ) بِالتَّثْنِيَةِ وَالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ عَيْنَهَا بِالْإِفْرَادِ وَالنَّصْبِ أَيْضًا كَمَا رَجَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ بِدَلِيلِ التَّثْنِيَةِ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ ، وَنَسَبَتِ الشِّكَايَةَ إِلَى نَفْسِ الْعَيْنِ مَجَازًا ، وَزَعَمَ الْحَرِيرِيُّ أَنَّ الصَّوَابَ النَّصْبُ وَأَنَّ الرَّفْعَ لَحْنٌ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُؤَيِّدُ الرَّفْعَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : اشْتَكَتْ عَيْنَاهَا ، بِالتَّثْنِيَةِ إِلَّا أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُعْرِبُ الْمُثَنَّى فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ بِحَرَكَاتٍ مُقَدَّرَةٍ ( أَفَتَكْحُلُهُمَا ؟ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَهُوَ مِمَّا جَاءَ مَضْمُومًا وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ حَرْفَ حَلْقٍ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا ) تَكْحُلْهُمَا قَالَ ذَلِكَ ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا ) تَأْكِيدًا لِلْمَنْعِ ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفَ هُنَا عَلَى عَيْنَيْهَا ؛ إِذْ لَوْ تَحَقَّقَهُ لَأَبَاحَهُ لَهَا لِأَنَّ الْمَنْعَ مَعَ الضَّرُورَةِ حَرَجٌ ، وَإِنَّمَا فُهِمَ عَنْهَا إِنَّمَا ذَكَرَتْهُ اعْتِذَارًا ، لَا عَلَى وَجْهِ أَنَّ الْخَوْفَ ثَبَتَ ، وَبِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَلَوْ بِاللَّيْلِ ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ جَازَ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ ، وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ لِتَرْكِهِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ ) أَيِ الْعِدَّةُ ( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَرْبَعَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَالْمُرَادُ تَقْلِيلُ الْمُدَّةِ وَتَهْوِينُ الصَّبْرِ عَمَّا مُنِعَتْ مِنْهُ وَهُوَ الِاكْتِحَالُ فِي الْعِدَّةِ ، وَلِذَا قَالَ : ( وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ ، وَاحِدَةُ الْبَعْرِ وَالْجَمْعُ أَبْعَارٌ ، رَجِيعُ ذِي الْخُفِّ وَالظِّلْفِ ، وَفِي ذِكْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ صَارَ بِخِلَافِهِ ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِقَوْلِهِ : ( عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ ) اسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَامِ مُدَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 240 ) ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 234 ) وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ تِلَاوَةً مُتَأَخِّرٌ نُزُولًا ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا فِي هَذِهِ ، وَأَمَّا مِنْ سُورَتَيْنِ فَمَوْجُودٌ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 142 ) مَعَ قَوْلِهِ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 144 ) وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ ، وَقِيلَ هُوَ حَضٌّ لِلْأَزْوَاجِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِتَمَامِ السَّنَةِ لِمَنْ لَا تَرِثُ ، وَاخْتُلِفَ كَيْفَ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ ، فَقِيلَ : كَانَتِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَنُسِخَتِ النَّفَقَةُ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَالْحَوْلِ بِالْأَرْبَعَةِ وَعَشَرٍ ، وَقِيلَ كَانَتْ مُخَيَّرَةً فِي الْمُقَامِ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالْخُرُوجُ فَلَا شَيْءَ لَهَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتْ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا سَنَةً وَاجِبَةً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 240 ) وَالْعِدَّةُ عَلَيْهَا بَاقِيَةٌ ، فَجَعَلَ لَهَا تَمَامَ الْحَوْلِ وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ . ( قَالَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ ) بِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ ( قُلْتُ لِزَيْنَبَ ) بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ( وَمَا ) مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ ) فِي الْجَاهِلِيَّةِ ( إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ، بَيْتًا رَدِيئًا كَمَا يَأْتِي ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ ( وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ) أَرْدَأَهَا ، وَهَذِهِ تَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ : شَرَّ أَحْلَاسِهَا ، بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ، ثَوْبٌ أَوْ كِسَاءٌ رَقِيقٌ يُجْعَلُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ تَحْتَ الْبَرْدَعَةِ ( وَلَمْ تَمْسَسْ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَمْ تَمَسَّ ، بِفَتْحِهِمَا بِالْإِدْغَامِ ( طِيبًا وَلَا شَيْئًا ) تَتَزَيَّنُ بِهِ ( حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ) مِنْ مَوْتِ زَوْجِهَا ( ثُمَّ تُؤْتَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ ( بِدَابَّةٍ حِمَارٍ ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ ، بَدَلٌ ( أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ ) بِأَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ ، قَالَ الْمَجْدُ : الدَّابَّةُ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَلَبَ عَلَى مَا يُرْكَبُ وَيَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ ( فَتَفْتَضُّ بِهِ ) بِفَاءٍ فَفَوْقِيَّةٍ فَفَاءٍ ثَانِيَةٍ سَاكِنَةٍ ، فَفَوْقِيَّةٍ أُخْرَى فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ ( فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ ) مِمَّا ذُكِرَ ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيِ : افْتِضَاضُهَا بِشَيْءٍ ( إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ ( بَعْرَةً ) مِنْ بَعْرِ الْإِبِلِ أَوِ الْغَنَمِ ( فَتَرْمِي بِهَا ) أَمَامَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا ، كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ : مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ هَيِّنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَقْدِ زَوْجِهَا وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْمُرَاعَاةِ كَمَا يَهُونُ الرَّامِي بِالْبَعْرَةِ بِهَا ( ثُمَّ تُرَاجِعُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ فِرَاءٍ فَأَلِفٍ فَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ فَمُهْمَلَةٍ ( بَعْدُ ) أَيْ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنَ الِافْتِضَاضِ وَالرَّمْيِ ( مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ ) مِمَّا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ ، وَسَاقَهُ شُعْبَةُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ مَرْفُوعًا ، وَلَفْظُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا : أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَخَافُوا عَلَى عَيْنَيْهَا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ ، فَقَالَ : لَا ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا أَوْ شَرَسِهَا فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَالَ الْحَافِظُ : حَدِيثُ الْبَابِ لَا يَقْتَضِي الْإِدْرَاجَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يُقْضَى عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِاحْتِمَالِ اهـ . وَقَدْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالِاحْتِمَالِ ، فَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي شَارِحِ نُخْبَتِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْإِدْرَاجُ مَجِيءُ رِوَايَةٍ مُبَيِّنَةٍ لِلْقَدْرِ الْمُدَرَجِ وَمَا هُنَا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَنْ شَيْخِهِ عَنْ حُمَيْدٍ بَيَّنَتْ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ زَيْنَبَ ، وَكَوْنُ شُعْبَةَ مِنَ الْحُفَّاظِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَرْوِي مَا فِيهِ الْمُدَرَجُ ، فَلَمْ تَزَلِ الْحُفَّاظُ يَرْوُونَهُ كَثِيرًا كَابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْحِفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ ) وَلِلْقَعْنَبِيِّ عَنْهُ : الصَّغِيرُ جِدًّا ، وَهُمَا بِمَعْنَى : فَرَدَاءَتُهُ لِصِغَرِهِ ، وَلِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ : الْحِفْشُ الْخُصُّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُهْمَلَةٍ ، وَلِلشَّافِعِيِّ : الذَّلِيلُ الشَّعْثُ الْبِنَاءِ ، وَفِي الْمُعَلِّمِ : الْحِفْشُ الْبَيْتُ الْحَقِيرُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي بَعَثَهُ سَاعِيًا عَلَى الزَّكَاةِ : هَلَّا قَعَدَ فِي حِفْشِ أُمِّهِ يَنْظُرُ هَلْ يُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَقِيلَ : الْحِفْشُ الْبَيْتُ الذَّلِيلُ الْقَصِيرُ السُّمْكِ ، شَبَّهَهُ بِهِ لِضِيقِهِ ، وَالتَّحَفُّشُ الِانْضِمَامُ وَالِاجْتِمَاعُ ، زَادَ عِيَاضٌ : وَقِيلَ الْحِفْشُ شِبْهُ الْقُفَّةِ مِنَ الْخُوصِ تَجْمَعُ الْمَرْأَةُ فِيهَا غَزْلَهَا وَأَسْبَابَهَا ( وَ ) مَعْنَى ( تَفْتَضُّ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا كَالنُّشْرَةِ ) قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَعْنَاهُ تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ : تَمْسَحُ بِهِ ثُمَّ تَفْتَضُّ أَيْ تَغْتَسِلُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ ، وَالِافْتِضَاضُ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ لِلْإِنْقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ كَالْفِضَّةِ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ وَتَنْتَقِي ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِضَّةِ تَشْبِيهًا بِنَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ فَقَالُوا : كَانَتِ الْمُعْتَدَّةُ لَا تَغْتَسِلُ وَلَا تَمَسَّ طِيبًا وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ فِي أَشَرِّ مَنْظَرٍ ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا وَتَنْبِذُهُ فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ تَفْسِيرِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَهَذَا قَيَّدَهُ بِجِلْدِ الْقُبُلِ . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ : تَقْبِضُ ، بِقَافٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ ، أَيْ تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ نَحْوَ مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا بِقُبْحِ مَنْظَرِهَا أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ ، قَالَ : وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْفَاءُ وَالْفَوْقِيَّةُ وَالضَّادُ الْمُعْجَمَةُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .
1182 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ : أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا : إنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا ، وَعُلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا ، مَضَى الطَّلَاقُ وَرَدَّ عَلَيْهَا مَالَهَا ، قَالَ : فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا . 1199 1182 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ مَوْلَاةٍ ) أَمَةٌ ( لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، زَوْجُ ابْنِ عُمَرَ ( اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 229 ) ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا : إنَّهُ إِنْ ) وَفِي نُسْخَةٍ : إِذَا ( عُلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا ، وَعُلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا ) حَتَّى افْتَدَتْ مِنْهُ ( مَضَى الطَّلَاقُ ، وَرَدَّ عَلَيْهَا مَالَهَا ) جَبْرًا عَلَيْهِ ( فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ( وَالَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا ) لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَقَدْ قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَ زَوْجَةِ ثَابِتٍ : وَإِنْ شَاءَ زِدْتُهُ .
11 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ 1181 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ - لِزَوْجِهَا فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ ، فَقَالَتْ حَبِيبَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ : خُذْ مِنْهَا ، فَأَخَذَ مِنْهَا ، وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا . 11 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلْعِ بِفَتْحِ الْخَاءِ : النَّزْعُ ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسٌ لِلْآخَرِ فِي الْمَعْنَى ، قَالَ تَعَالَى : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 187 ) فَكَأَنَّهُ بِمُفَارَقَةِ الْآخَرِ نَزَعَ لِبَاسَهُ ، وَضُمَّ مَصْدَرُهُ ؛ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ فِي أَمَالِيهِ : أَنَّ أَوَّلَ خُلْعٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ ، بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَمُوَحَّدَةٍ ، زَوْجُ بِنْتِهِ لِابْنِ أَخِيهِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الظَّرِبِ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَفَرَتْ مِنْهُ ، فَشَكَى إِلَى أَبِيهَا ، فَقَالَ : لَا أَجْمَعُ عَلَيْكَ فِرَاقَ أَهْلِكَ وَمَالِكَ وَقَدْ خَلَعْتُهَا مِنْكَ بِمَا أَعْطَيْتَهَا ، قَالَ : فَزَعَمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلُ خُلْعٍ فِي الْعَرَبِ . 1198 1181 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ( بِنْتِ سَهْلِ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ( الْأَنْصَارِيِّ ) النَّجَّارِيِّ ، صَحَابِيَّةٌ ( أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ فَأَلِفٌ فَمُهْمَلَةٌ ، الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ، خَطِيبُ الْأَنْصَارِ ، مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، بَشَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ ، وَنَفَّذَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَنَامٍ رَآهُ بَعْضُهُمْ ( وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى ) صَلَاةِ ( الصُّبْحِ ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ ، بَقِيَّةُ الظَّلَامِ ( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ ) أَمْرُكِ وَحَالُكِ ( قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا ) وَفِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمَيِّ ، وَابْنِ سَعْدٍ : أَنَّ ثَابِتًا كَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ ، فَضَرَبَهَا ( فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذِهِ حُبَيْبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ ، فَذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ ) فِي شَكْوَاهَا مِنْكَ ، وَلَمْ يُفْصِحْ لَهُ بِهِ دَفْعًا لَنُفْرَتِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوَّلُ خُلْعٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ رَأْسِي وَرَأْسُ ثَابِتٍ أَبَدًا ، إِنِّي رَفَعْتُ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ ، فَإِذَا هُوَ أَشُدُّهُمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَةً وَأَقْبَحُهُمْ وَجْهًا ، فَقَالَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَإِنْ شَاءَ زِدْتُهُ ( فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَزَّارِ : وَكَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَدِيقَةِ نَخْلٍ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثَابِتٍ : خُذْ مِنْهَا ) أَمْرُ إِرْشَادٍ وَإِصْلَاحٍ لَا أَمْرَ إِيجَابٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَرَدَّتْ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ( فَأَخَذَ مِنْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ( وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ ، قَالَ : وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ثَابِتٍ ، أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَصَحَّحَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَسْمِيَةُ امْرَأَةِ ثَابِتٍ جَمِيلَةُ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهَا جَمِيلَةُ بِنْتُ سَلُولٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي سَلُولٍ هَلْ هِيَ أُمُّ أُبَيٍّ أَوِ امْرَأَتُهُ ؟ وَجُمِعَ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَأَنَّهُمَا قِصَّتَانِ لِشُهْرَةِ الْخَبَرَيْنِ وَصِحَّةِ الطَّرِيقَتَيْنِ وَاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ . وَفِي الْبَزَّارِ ، عَنْ عُمَرَ : أَوَّلُ مُخْتَلِعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ ، كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ تَزَوُّجَ حَبِيبَةَ قَبْلَ جَمِيلَةَ ، وَلِلنِّسَائِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ : أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا ، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ : أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانْتَ عِنْدَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ زَيْنَبُ وَأُخْتُهَا أَوْ عَمَّتُهَا جَمِيلَةُ وَاحِدَةٌ بَعْدَ أُخْرَى ، أَوْ أَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَلَقَبَهَا جَمِيلَةُ ، فَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِهَذَا الاحتمال فَالْمَوْصُولُ الْمُعْتَضِدُ بِقَوْلِ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ اسْمَهَا جَمِيلَةُ أَصَحُّ ، وَبِهِ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ وَقَالَ : إِنَّهَا شَقِيقَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، أُمُّهُمَا خَوْلَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ : تَسْمِيَةُ امْرَأَةِ ثَابِتٍ : مَرْيَمُ الْمَغَالِيَةُ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ الْمُعْجَمَةِ ، نِسْبَةٌ إِلَى مَغَالَةَ ، امْرَأَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَدَتْ لِعَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَلَدَهُ عَدِيًّا ، فَبَنُو عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ يُعْرَفُونَ كُلُّهُمْ بِبَنِيِ مَغَالَةَ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُخْتَلِعَاتِ مِنْ ثَابِتٍ لَيْسَ بِبَعِيدٍ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 29 - كِتَاب الطَّلَاقِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْبَتَّةِ 1148 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ ، فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَلُقَتْ مِنْكَ لِثَلَاثٍ ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 29 - كِتَابُ الطَّلَاقِ قَدَّمَهَا عَلَى التَّرْجَمَةِ لِيَكُونَ الْبَدْءُ بِهَا حَقِيقِيًّا ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ التَّرَاجِمِ يُقَدِّمُ عَلَيْهَا التَّرْجَمَةَ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَالْعُنْوَانِ ، وَالِابْتِدَاءُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَعْدَهَا ، فَنَاسَبَ وَصْلَهُ بِالْبَسْمَلَةِ ، ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ اللَّطِيفِ . هُوَ ، يُقَالُ : أَطْلَقَ الْفَرَسَ وَالْأَسِيرَ . : رَفْعُ الْقَيْدِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ ، فَخَرَجَ بِهِ الْعِتْقَ لِأَنَّهُ قَيْدٌ ثَابِتٌ شَرْعًا لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّكَاحِ ، وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ مَصَالِحٌ لِلْعِبَادِ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ ، وَفِي إِكْمَالٌ لها ؛ إِذْ قَدْ لَا يُوَافِقُهُ النِّكَاحُ فَيَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ عِنْدَ تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ وَعُرُوضِ الْبَغْضَاءِ الْمُوجِبَةِ لِعَدَمِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ ، فَشَرَعَهُ رَحْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، وَفِي جَعْلِهِ عَدَدًا حِكْمَةٌ لَطِيفَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ كَذُوبَةٌ رُبَّمَا تُظْهِرُ عَدَمَ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْحَاجَةُ إِلَى تَرْكِهَا ، فَإِذَا وَقَعَ حَصَلَ النَّدَمُ وَضَاقَ الصَّدْرُ وَعِيلَ الصَّبْرُ ، فَشَرَعَهُ تَعَالَى ثَلَاثًا لِيُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ صِدْقَهَا اسْتَمَرَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَإِلَّا أَمْكَنَهُ التَّدَارُكُ بِالرَّجْعَةِ ، ثُمَّ إِذَا عَادَتِ النَّفْسُ لِمِثْلِ الْأَوَّلِ وَغَلَبَتْهُ حَتَّى عَادَ إِلَى طَلَاقِهَا نَظَرَ أَيْضًا فِيمَا يَحْدُثُ لَهُ فَمَا يُوقِعُ الثَّالِثَةَ إِلَّا وَقَدْ جَرَّبَ وَقْعَهُ فِي حَالِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ آخَرَ لِيُثَابَ بِمَا فِيهِ غَيْظُهُ وَهُوَ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ جِبِلَّةِ الْفُحُولِيَّةِ بِحِكْمَتِهِ وَلُطْفِهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ . 1170 1148 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَتَّةِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ الشَّدِيدَةِ ، أَيْ مَنْ قِيلِ لَهَا أَنْتَ الْبَتَّةَ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَنْ انْبَتَّتْ بِالثَّلَاثِ ، وَلِذَا ذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَيْسَ فِيهِمَا لَفْظُ الْبَتَّةِ . 1148 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ ) فِي مَرَّةٍ ( فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : طُلِّقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ ) مِنَ الْمِائَةِ ( وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ) مَهْزُوءًا بِهَا بِمُخَالَفَاتِهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا . وَفِي أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْأُحْمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 2 ) وَأَنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَمْ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا ، عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ . وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِلُزُومِ الثَّلَاثِ لِمَنْ أَوْقَعَهَا مُجْتَمِعَةً . وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ طَلَّقْتَهَا ؟ قَالَ : ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ : إِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ فَارْتَجَعَهَا . فَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ وَشَيْخَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا ، وَقَدْ عُورِضَ بِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخَالِفْهُ ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ عَنْهُ فَلَمْ يُخَالِفْهُ إِلَّا لِظُهُورِ عِلَّةٍ تَقْتَضِي عَدَمَ الْعَمَلِ بِهِ كَنَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ لِرُكَانَةَ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ ، بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ قَائِلًا : إِنَّ خِلَافَهُ شَاذٌّ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ .
1149 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَمَاذَا قِيلَ لَكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : صَدَقُوا ، مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ ، وَمَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا جَعَلْنَا لَبْسَهُ مُلْصَقًا بِهِ ، لَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ ، هُوَ كَمَا يَقُولُونَ . 1170 1149 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ( أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ ) فِي كَلِمَةٍ ، بِأَنْ قُلْتَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٍ ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ ( فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَمَاذَا قِيلَ لَكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي ) فَلَا تَحِلُّ لِي إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ( فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : صَدَقُوا ، مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ) بِقَوْلِهِ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 229 ) ( فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ ) أَنَّ الْمُرَادَ الَّذِي فِيهِ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 229 ) ( وَمَنْ لَبَسَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ خَلِطَ ( عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا ) بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ خَلْطًا ( جَعَلْنَا لَبْسَهُ مُلْصَقًا بِهِ ، لَا تَلْبِسُوا ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ ، هُوَ كَمَا يَقُولُونَ ) إِنَّهَا بَانَتْ مِنْكَ . وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً ، قَالَ : بَانَتْ مِنْكَ وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ ، وَفِي لَفْظٍ : عُدْوَانٌ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي كَلَامٌ فَطَلَّقْتُهَا عَدَدَ النُّجُومِ فَقَالَ : بَانَتْ مِنْكَ فَهِيَ وَقَائِعُ مُتَعَدِّدَةٌ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا ؟ قَالَ : إِذًا قَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ وَالنِّسَائِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ مُغْضَبًا فَقَالَ : أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ وَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ ثَلَاثًا . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُوقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ثَلَاثًا كَانَ يُوقَعُ قَبْلَ ذَلِكَ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَعْمِلُونَ الثَّلَاثَ أَصْلًا ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا نَادِرًا ، وَأَمَّا فِي زَمَنِ عُمَرَ فَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَنَعَ فِيهِ مِنَ الْحُكْمِ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ مَا كَانَ يُصْنَعُ قَبْلَهُ ، وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ .
1151 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 1171 1151 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ) وَقَضَاؤُهُ بِذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ مَعَ تَوَفُّرِ الْعُلَمَاءَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ دَالٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) وَفِي الْمُوَازَيَةِ : رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْزَمَ الْبَتَّةَ مَنْ طَلَّقَ بِهَا ، وَأَلْزَمَ الثَّلَاثَ مَنْ طَلَّقَ بِهَا وَقَضَى عُمَرُ فِيهَا بِالثَّلَاثِ ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ بِالْأَسَانِيدِ إِلَيْهِمْ ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْبَتَّةَ فَحَلَّفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا وَاحِدَةً فَرَدَّهَا إِلَيْهِ ، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، فَمُعَارَضٌ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ ، فَلَمَّا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا وَرَجَعَ لِمَا بِهِ الْعَمَلُ .
1150 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ : الْبَتَّةُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَقُلْتُ لَهُ : كَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَجْعَلُهَا وَاحِدَةً ؛ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ أَلْفًا مَا أَبْقَتْ الْبَتَّةُ مِنْهَا شَيْئًا ، مَنْ قَالَ الْبَتَّةَ فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى . 1170 1150 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ( بْنِ حَزْمٍ ) فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ لِشُهْرَتِهِ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ : الْبَتَّةَ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَقُلْتُ لَهُ : كَانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ) بْنِ عَفَّانَ الْمَدَنِيُّ ، أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ( يَجْعَلَهَا وَاحِدَةً ، فَقَالَ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ أَلْفًا مَا أَبْقَتِ الْبَتَّةُ مِنْهُ شَيْئًا ) لِأَنَّهَا مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ ، فَمَعْنَاهَا قَطْعُ جَمِيعِ الْعِصْمَةِ الَّتِي بِيَدِهِ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَصْلَةٌ مِنْهَا ( مَنْ قَالَ الْبَتَّةَ فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ الْقُصْوَى ) فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .
1160 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَقَالَ : بِفِيكِ الْحَجَرُ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَقَالَ : بِفَيك الْحَجَرُ ، فَاخْتَصَمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إِلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إِلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَكَانَ الْقَاسِمُ يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ وَأَحَبُّهُ إِلَيَّ . 1180 1160 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ) ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَقَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَقَالَ ) مُنَاكِرًا لَهَا ( بِفِيكِ الْحَجَرُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( ثُمَّ قَالَتْ : أَنْتَ الطَّلَاقُ ، فَقَالَ : بِفِيكِ الْحَجَرُ ) مُنَاكِرًا أَيْضًا ( فَاخْتَصَمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ) أَمِيرِ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( فَاسْتَحْلَفَهُ مَا مَلَّكَهَا إِلَّا وَاحِدَةً وَرَدَّهَا إِلَيْهِ ، قَالَ مَالِكٌ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَكَانَ الْقَاسِمُ ) يَعْنِي أَبَاهُ ( يُعْجِبُهُ هَذَا الْقَضَاءُ ، وَيَرَاهُ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ وَأَحَبُّهُ إِلَيَّ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ .
4 - بَاب مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ التَّمْلِيكِ 1159 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَالَ : مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَقَتْنِي ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْقَدَرُ ، فَقَالَ زَيْدٌ : ارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا . 4 - بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ التَّمْلِيكِ 1179 1159 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ( ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، قَاضِيهَا مِنَ الثِّقَاتِ . وَرِجَالُ الْجَمِيعِ ( عَنْ ) عَمِّهِ ( خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ أَبِي زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ وَالِدِهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ ) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ ، مَقْبُولٌ ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَالسُّنَنُ ( وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ( فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا شَأْنُكَ ؟ ) أَيْ حَالُكَ ( فَقَالَ : مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَفَارَقَتْنِي ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : الْقَدَرُ ، فَقَالَ زَيْدٌ : ارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ ) إِنْ قَضَتْ بِهَا أَوْ نَاكَرْتَهَا أَوْ أَنَّ مَذْهَبَ زَيْدٍ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا ( وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا ) أَحَقُّ مِنْ غَيْرِكَ .
1184 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَابْنَ شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ : إِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ الْآخَرِ وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا افْتَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 1200 1184 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، وَابْنَ شِهَابٍ كَانُوا يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ) إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا أَوْ آيِسَةً ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْتَدِيَةِ : إنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ) لِأَنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ بَائِنٌ ( فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا ) عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْخُلْعِ ( فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنَ الطَّلَاقِ الْآخَرِ ) الْوَاقِعُ بَعْدَ طَلَاقِ الْخُلْعِ ( وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى ) لِعَدَمِ الْمَسِيسِ ( وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 49 ) فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا افْتَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا طَلَاقًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا ) بِلَا فَاصِلٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى مُتَتَابِعًا ( فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ ) لَازِمٌ لَهُ ( فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ صُمَاتٌ ) بِضَمِّ الصَّادِ ، مَصْدَرٌ ( فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) لِأَنَّهَا بَانَتْ بِمَا قَبِلَهُ فَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ .
12 - بَاب طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ 1183 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوَّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ . 12 - بَابُ طَلَاقِ الْمُخْتَلِعَةِ 1200 1183 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ رُبَيِّعَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَثْقِيلِ التَّحْتِيَّةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ ، وَرُبَّمَا غَزَتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحِ ( بِنْتَ مُعَوَّذٍ ) بِشَدِّ الْوَاوِ مَفْتُوحَةً عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِالْكَسْرِ ، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ ، شَهِدَ بَدْرًا ، وَكَانَ مِمَّنْ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ بِبَدْرٍ ( ابْنِ عَفْرَاءَ ) بِنْتِ عُبَيْدٍ النَّجَّارِيَّةِ الصَّحَابِيَّةِ ، وَهِيَ أُمُّ مُعَوَّذٍ وَمُعَاذٍ وَعَوْفٍ أَوْلَادِ الْحَارِثِ ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُونَ ، وَلَهَا خُصُوصِيَّةٌ لَمْ تُوجَدْ لِغَيْرِهَا هِيَ أَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ لَهَا سَبْعَةُ بَنِينَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَإِخْوَتُهُمْ لِأُمِّهِمْ إِيَاسٌ ، وَخَالِدٌ ، وَعَاقِلٌ ، وَعَامِرٌ أَوْلَادُ الْبَكِيرِ بْنِ يَالِيلَ اللَّيْثِيِّ ، شَهِدَ السَّبْعَةُ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ) أَيِ الرُّبَيِّعَ ( اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ) أَيْ خِلَافَتِهِ ( فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ ) بَلْ قَضَى عَلَيْهَا ، فَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوَّذٍ قَالَتْ : قُلْتُ لِزَوْجِي : أَخْتَلِعُ مِنْكَ بِجَمِيعِ مَا أَمْلِكُ ، قَالَ : نَعَمْ ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ دِرْعِي ، فَخَاصَمَنِي إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ لَهُ : شَرْطُهُ ، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَتَمَّ مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ : الشَّرْطُ أَمْلَكُ ، خُذْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى عِقَاصَ رَأْسِهَا ، قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ ، يَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ ) إِذِ الْخُلْعُ طَلَاقٌ بِعِوَضٍ .
2 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ 1152 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كُتِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ الْعِرَاقِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَامِلِهِ : أَنْ مُرْهُ يُوَافِينِي بِمَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ لَقِيَهُ الرَّجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَمَرْتَ أَنْ أُجْلَبَ عَلَيْكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَوْ اسْتَحْلَفْتَنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُكَ ، أَرَدْتُ بِذَلِكَ الْفِرَاقَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : هُوَ مَا أَرَدْتَ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ 1174 1152 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كُتِبَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الْعِرَاقِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَامِلِهِ ) عَلَى الْعِرَاقِ ( أَنْ مُرْهُ يُوَافِينِي ) بِمَكَّةَ ( فِي الْمَوْسِمِ ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ لَقِيَهُ الرَّجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَمَرْتَ أَنْ أُجْلَبَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ( عَلَيْكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : عَلَى فَعَيْلَةٍ الْكَعْبَةُ ، وَقَالَ الْمَجْدُ : الْبَنِيَّةُ كَغَنِيَّةٍ الْكَعْبَةُ لِشَرَفِهَا شَرَّفَهَا اللَّهُ ( مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَوِ اسْتَحْلَفْتَنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُكَ ، أَرَدْتُ بِذَلِكَ الْفِرَاقَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : هُوَ مَا أَرَدْتَ ) فَنَوَاهُ . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ : يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَلَا يَنْوِي ، وَظَاهِرُهُ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا . وَفِي الْمُوَازَيَةِ عَنْهُ : يَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَحْلِفُ . وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ : لَوْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَنْوِي مَا خَالَفْتُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ؛ إِذْ لَيْسَ فِي أثره أَنَّهُ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ .
1153 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 1174 1153 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ ( أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ : إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : هِيَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَلَا يَنْوِي ، وَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، ثُمَّ كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : لَهُ نِيَّتُهُ ، وَقَدْ حَكَى أَبُو عُمَرَ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ أَشَدُّهَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ .
1154 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . 1174 1154 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ : إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ) أَيِ اللَّفْظَتَيْنِ .
1155 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلِيدَةٌ لِقَوْمٍ فَقَالَ لِأَهْلِهَا : شَأْنَكُمْ بِهَا ، فَرَأَى النَّاسُ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ . 1175 1155 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلِيدَةٌ ) أَمَةٌ ( لِقَوْمٍ فَقَالَ لِأَهْلِهَا : شَأْنُكُمْ بِهَا ) أَيْ خُذُوهَا ( فَرَأَى النَّاسُ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ ) لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ وَاحِدَةً إِلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ .
1156 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : بَرِئْتِ مِنِّي وَبَرِئْتُ مِنْكِ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَتَّةِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنَةٌ : إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا ، وَيُدَيَّنُ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوَاحِدَةً أَرَادَ أَمْ ثَلَاثًا ، فَإِنْ قَالَ وَاحِدَةً ، أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِي الْمَرْأَةَ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبِينُهَا وَلَا يُبْرِيهَا إِلَّا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ، وَالَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا : تُخْلِيهَا وَتُبْرِيهَا وَتُبِينُهَا الْوَاحِدَةُ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 1176 1156 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ بَرِئْتِ ) بِكَسْرِ التَّاءِ ، خِطَابًا لَهَا ( مِنِّي وَبَرِئْتُ ) بِضَمِّهَا لِلْمُتَكَلِّمِ ( مِنْكِ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَتَّةَ ) وَفِيهِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَرَى الْبَتَّةَ ثَلَاثًا ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنَةٌ : إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا وَيُدَيَّنُ ) أَيْ يُوكَلُ إِلَى دِينِهِ ( فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ) فَيُقْبَلُ مِنْهُ ( أَوَاحِدَةً أَرَادَ أَمْ ثَلَاثًا ؟ فَإِنْ قَالَ وَاحِدَةً أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ ) بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ( وَكَانَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ ) لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَائِنٌ ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ( لِأَنَّهُ لَا يُخْلِي ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ ( الْمَرْأَةَ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبَيِّنُهَا وَلَا يُبْرِيهَا ) بِضَمِّ أَوَّلِهَمَا مِنْ زَوْجِهَا ( إِلَّا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَالَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا تُخْلِيهَا وَتُبْرِيهَا وَتُبِينُهَا الْوَاحِدَةُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) وَلِذَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَقْوَالٌ أُخَرُ .
30 - بَاب عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا 1237 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ ، فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ ، فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا شَابٌّ وَالْآخَرُ كَهْلٌ ، فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ ، وَكَانَ أَهْلُهَا غَيَبًا وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ . 30 - بَابُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا 1250 1237 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ ) بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ، أَخِي يَحْيَى ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ بَعْدَهَا ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ هَذَا ثَالِثُهَا ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ابْنِ عَوْفٍ ( أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ) وَكَانَ هُوَ وَأَبُو سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ( عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ) وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَهُ فَقَالَ : أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ) عِدَّتُهَا ، وَبِالنَّصْبِ ، أَيْ تَتَرَبَّصُ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِنْ وَلَدَتْ قَبْلَهَا ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَلِدْ تَرَبَّصَتْ حَتَّى تَلِدَ ، جَمْعًا بَيْنَ آيَتَيِ الْبَقَرَةِ وَالطَّلَاقِ ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِذَا وُلِدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ ) تَخْصِيصًا لِآيَةِ الْبَقَرَةِ بِآيَةِ الطَّلَاقِ ( فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) مَعَ كُرَيْبٍ أَوْ وَحْدَهُ لِإِفْتَائِهِ بِالْحِلِّ ، مُعَارِضًا لِابْنِ عَبَّاسٍ ( عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وُلِدَتْ سُبَيْعَةُ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ فَعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ فَهَاءِ تَأْنِيثٍ ، ابْنَةُ الْحَارِثِ ( الْأَسْلَمِيَّةُ ) الصَّحَابِيَّةُ ( بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا ) سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُبَيْعَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ( بِنِصْفِ شَهْرٍ ) وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُبَيْعَةَ : فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ . وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُرْوَةَ : بِسَبْعِ لَيَالٍ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ : بِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَوْ قَالَ بِعِشْرِينَ لَيْلَةً . وَعَنْ عِكْرِمَةَ : بِخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : يَقُولُ بَعْضُهُمْ : مَكَثْتُ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ سُبَيْعَةَ : فَلَمْ أَمْكُثْ إِلَّا شَهْرًا حَتَّى وَضَعْتُ . وَفِي النَّسَائِيِّ : عِشْرِينَ لَيْلَةً . وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْجَمْعُ لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ مَنْ أَبْهَمَ الْمُدَّةَ . ( فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا شَابٌّ ) هُوَ أَبُو الْبَشَرِ ، بِفَتْحَتَيْنِ ، ابْنُ الْحَارِثِ الْعَبْدَرِيُّ ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ( وَالْآخَرُ كَهْلٌ ) هُوَ أَبُو السَّنَابِلِ ، بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ فَأَلَفٍ فَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَلَامٍ ، ابْنُ بَعْكَكٍ ، بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ كَافَيْنِ وَزْنَ جَعْفَرٍ كَمَا سُمِّيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، ابْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ ، اسْمُهُ حَبَّةُ ، بِمُوَحَّدَةٍ ، وَقِيلَ : نُونٍ ، وَقِيلَ عَمْرٌو ، وَقِيلَ عَامِرٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( فَحَطَّتْ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، أَيْ مَالَتْ وَنَزَلَتْ بِقَلْبِهَا ( إِلَى الشَّابِّ ) عَلَى عَادَةِ النِّسَاءِ ( فَقَالَ الشَّيْخُ ) أَبُو السَّنَابِلِ ، الْمُعَبَّرُ عَنْهُ أَوَّلًا بِكَهْلٍ ( لَمْ تَحِلِّي بَعْدُ ) بِضَمِّ الدَّالِ ( وَكَانَ أَهْلُهَا غَيَبًا ) بِفَتْحَتَيْنِ ، جَمْعُ غَائِبٍ كَخَادِمٍ وَخَدَمٍ ( وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا ) يُقَدِّمُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ : فَلَمَّا تَعَدَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً ! لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ ؟ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَتَعَدَّتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ ، أَيْ خَرَجَتْ ( فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ( فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكَحِي مَنْ شِئْتِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ : وَلَوْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي السَّنَابِلِ . رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : أَسْلَمَ أَبُو السَّنَابِلِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَكَانَ شَاعِرًا وَبَقِيَ زَمَانًا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ سُبَيْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَوْلَدَهَا سَنَابِلَ بْنَ أَبِي السَّنَابِلِ ، لَكِنْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَبَا السَّنَابِلِ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ ، فَذَكَرَهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ .
1239 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ . 1252 1239 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمِسْوَرِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَبِالرَّاءِ ( ابْنِ مَخْرَمَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ) نِسْبَةً إِلَى أَسْلَمَ ، قَبِيلَةٌ شَهِيرَةٌ ( نُفِسَتْ ) بِضَمِّ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيْ وَلَدَتْ ( بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا ) سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ( بِلَيَالٍ ) سَبَقَ الْخِلَافُ فِي قَدْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ السِّرُّ فِي إِبْهَامِهَا فِي نَحْوِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، زَادَ يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ : فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ ) لِانْقِضَاءِ عِدَّتِكِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1240 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي ، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ ، فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ : وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا . 1253 1240 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) الْمَدَنِيِّ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيَّ ( اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تُنْفَسُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، أَيْ تَلِدُ ( بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ) تَنْقُصُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، مَا عِدَّتُهَا ؟ ( فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ ) لِآيَةِ الطَّلَاقِ ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ) عِدَّتُهَا ، يَعْنِي إِنْ كَانَ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرٍ انْتَظَرَتْهُ وَإِنْ وَضَعَتْ قَبْلَهَا انْتَظَرَتْهَا لِآيَةِ الْبَقَرَةِ ، وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُمَا عُمُومَانِ تَعَارَضَا فَجَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، فَقُلْتُ أَنَا : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا ذَاكَ فِي الطَّلَاقِ ( فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) لَعَلَّهُ كَانَ قَامَ لِحَاجَةٍ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا اسْتُفْتِيَ : كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ( فَقَالَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي ، يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ ) قَالَهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ ؛ إِذْ لَيْسَ ابْنَ أَخِيهِ حَقِيقَةً ( فَبَعَثُوا كُرَيْبًا ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَمُوَحَّدَةٍ ( مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) وَفِي الْبُخَارِيِّ : فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا ( إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ ) وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَأَلَهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ حَتَّى يَسْمَعَ مِنْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ فِي السَّابِقِ بَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سَلَمَةَ لِأَنَّ أَصْلَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَافَقَ أَبَا سَلَمَةَ ، فَلَا مُعَارَضَةَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَمَا ظَنَّ أَبُو عُمَرَ . ( فَجَاءَهُمْ ) كُرَيْبٌ ( فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ : وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ) بِسُكُونِ التَّاءِ ، سُبَيْعَةُ ( ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السَّنَابِلِ : مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ تَنْكِحِي حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ ) لِانْقِضَاءِ عِدَّتِكِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، فَبَيَّنَ مُرَادَ اللَّهِ فَلَا مَعْنَى لِمَنْ خَالَفَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَ التَّنَازُعِ السُّنَّةُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ ، وَفِيمَا فِيهِ نَصٌّ إِذَا احْتَمَلَ التَّخْصِيصَ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُ مُرَادَ الْكِتَابِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ عَرَفَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي النَّحْوِ رَقَّ طَبْعُهُ ، وَمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ نَبُلَ قَدْرُهُ ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَصُنْهُ الْعِلْمُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ وَطَلَبَ الدَّلِيلِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ كَانَ قَدِيمًا مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ ، وَأَنَّ الْكَبِيرَ لَا يَرْتَفِعُ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَا يَمْنَعُ إِذَا عَلِمَ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا عَلِمَ ، وَرُبَّ صَغِيرِ السِّنِّ كَبِيرُ الْعِلْمِ ، وَجَلَالَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَإِنْ كَانَ يُفْتِي مَعَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : لَوْ رَفُقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِمَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَاللَّيْثُ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا : غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ : فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْبًا ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ) أَيِ اسْتَمَرَّ ( عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا ) أَنَّهَا تَحِلُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي الْأَمْصَارِ ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّ عِدَّتَهَا آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، وَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا لَكِنْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ سُبَيْعَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيُصَحِّحُهُ أَنَّ أَصْحَابَهُ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءً ، وَطَاوُسًا وَغَيْرَهُمْ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا الْوَضْعُ وَعَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَوْ لَاعَنْتُهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 4 ) نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 234 ) قَالَ : وَبَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : هِيَ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، فَقَالَ ذَلِكَ ، اهـ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ ، سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ، وَمُرَادُهُ أَنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لَهَا لَا نَاسِخَةٌ ، وَقَدِ احْتُجَّ لِلْقَائِلِ بِآخِرِ الْأَجَلَيْنِ بِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مُجْتَمِعَتَانِ بِصِفَتَيْنِ ، وَقَدِ اجْتَمَعَتَا فِي الْمُتَوَفَّى زَوْجُهَا عَنْهَا فَلَا تَخْرُجُ مِنْ عِدَّتِهَا إِلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْعِدَّةِ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ تَحِيضُ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ بِالْوَضْعِ وَحَدِيثُ سُبَيْعَةَ مِنْ آخَرِ حُكْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ بَعْدَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1238 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّتْ ، فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ لَحَلَّتْ . 1251 1238 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : : إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَقَدْ حَلَّتْ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 4 ) فَقَدْ بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِفْتَائِهِ لِسُبَيْعَةَ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 234 ) ( فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ عِنْدَهُ ، أَنَّ ) أَبَاهُ ( عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ ) أَيْ قَبْلَ دَفْنِهِ ( لَحَلَّتْ ) بِالْوَضْعِ عَمَلًا بِالْآيَةِ .
13 - بَاب مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ 1185 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ ، جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَقَامَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ بَعْدُ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ . 13 - بَابُ مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ مَصْدَرُ لَاعَنَ سَمَاعِيٌّ لَا قِيَاسِيٌّ ، وَالْقِيَاسِيُّ الْمُلَاعَنَةُ مِنَ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ ، يُقَالُ : مِنْهُ الْتَعْنَ أَيْ لَعَنَ نَفْسَهُ ، وَلَاعَنَ إِذَا فَاعَلَ غَيْرَهُ مِنْهُ ، وَرَجُلٌ لُعْنَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ كَهُمْزَةٍ إِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّعْنِ لِغَيْرِهِ ، وَبِسُكُونِ الْعَيْنِ إِذَا لَعَنَهُ النَّاسُ كَثِيرًا ، الْجَمْعُ لُعَنٌ كَصُرَدٍ ، وَلَاعَنَتْهُ امْرَأَتُهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا فَتَلَاعَنَا وَالْتَعَنَا ، لَعَنَ بَعْضٌ بَعْضًا ، وَلَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لِعَانًا حَكَمَ ، وَفِي الشَّرْعِ : كَلِمَاتٌ مَعْلُومَةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُضْطَرِّ إِلَى قَذْفِ مَنْ لَطَّخَ فِرَاشَهُ وَأَلْحَقَ الْعَارَ بِهِ أَوْ إِلَى وَلَدٍ ، وَسُمِّيَتْ لِعَانًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَلِمَةِ اللَّعْنِ ؛ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَلَاعِنِينَ يَبْعُدُ عَنِ الْآخَرِ بِهَا إِذْ يَحْرُمُ النِّكَاحُ بِهَا أَبَدًا ، وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللِّعَانِ عَلَى لَفْظَيِ الشَّهَادَةِ وَالْغَضَبِ وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمَا الْكَلِمَاتُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ فِي قِيَامِ الْحُجَجِ مِنَ الشَّهَادَاتِ وَالْأَيْمَانِ ، وَالشَّيْءُ يُشَهَّرُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْغَرِيبِ ، وَعَلَيْهِ جَرَتْ أَسْمَاءُ السُّوَرِ ، وَلِأَنَّ الْغَضَبَ يَقَعُ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ ، وَجَانِبُ الرَّجُلِ أَقْوَى ، وَلِأَنَّ لِعَانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى لِعَانِهَا وَالسَّبْقُ وَالتَّقْدِيمُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ . 1201 1185 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ) بْنِ مَالِكٍ ( السَّاعِدِيَّ ) الْخَزْرَجِيَّ الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، تَصْغِيرُ عَامِرٍ ، ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ ( الْعَجْلَانِيَّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ هَذَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ : عُوَيْمِرُ بْنُ أَشْقَرَ ، وَفِي الِاسْتِيعَابِ : عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَلَعَلَّ أَبَاهُ كَانَ يُلَقَّبُ أَشْقَرَ أَوْ أَبْيَضَ ، وَفِي الصَّحَابَةِ عُوَيْمِرُ ابْنُ أَشْقَرَ آخَرُ مَازِنِيٌّ ، رَوَى لَهُ ابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا فِي الْأَضَاحِي ( جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ) بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِيِّ ( الْأَنْصَارِيِّ ) شَهِدَ أُحُدًا ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ جَازَ الْمِائَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ عُوَيْمِرٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : وَكَانَ ، أَيْ عَاصِمٌ ، سَيِّدُ بَنِي عَجْلَانَ ( فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَاصِمٍ أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ حُكْمِ رَجُلٍ ( وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ) أَجْنَبِيًّا مِنْهَا ( أَيَقْتُلُهُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ أَيْ أَيَقْتُلُ الرَّجُلَ ؟ ( فَتَقْتُلُونَهُ ؟ ) قِصَاصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 45 ) وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ؟ وَلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، وَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) الْآيَةُ ، قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ : إِنْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَّا بَيْتَهُ فَرَأَى رَجُلًا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنْ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَقَدْ قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَذَهَبَ ، وَإِنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ ، وَإِنْ قَالَ وَجَدْتُ فُلَانًا مَعَهَا ضُرِبَ ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ . ( أَمْ كَيْفَ ) مَفْعُولٌ بِهِ لِقَوْلِهِ : ( يَفْعَلُ ) أَيْ : أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ ؟ وَأَمْ تَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ ، يَعْنِي إِذَا رَأَى الرَّجُلُ هَذَا الْمُنْكَرَ الشَّنِيعَ وَالْأَمْرَ الْفَظِيعَ وَثَارَتْ عَلَيْهِ الْغَيْرَةُ ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ الشَّنَآنِ وَالْعَارِ ؟ وَيُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعُ ، سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْقَتْلِ مَعَ الْقِصَاصِ ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ ( أَمِ ) الْمُنْقَطِعَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَا يَلِي الْهَمْزَةَ ، وَالْهَمْزَةُ تَسْتَأْنِفُ كَلَامًا آخَرَ ، الْمَعْنَى : أَيَصْبِرُ عَلَى الْعَارِ أَوْ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ أَمْرًا آخَرَ ؟ لِذَا قَالَ : ( سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ بِحَذْفِ الْمَقُولِ لِدَلَالَةِ السَّابِقِ عَلَيْهِ ( فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَائِلَ ) الْمَذْكُورَةَ ، ( وَعَابَهَا ) قَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ قَذْفَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ لِاعْتِقَادِهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ حُكْمِ اللِّعَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ : الْبَيِّنَةُ أَوِ الْحَدُّ فِي ظَهْرِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ السُّؤَالَ لِقُبْحِ النَّازِلَةِ وَهَتْكِ سِتْرِ الْمُسْلِمِ ، أَوْ لِمَا كَانَ نَهَى عَنْهُ مِنْ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ كَثْرَتِهِ سَدًّا لِبَابِ سُؤَالِ أَهْلِ التَّشْغِيبِ ، أَوْ لِمَا فِي كَثْرَتِهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَوْ سَكَتُوا عَنْهَا لَمْ تَلْزَمْهُمْ وَتُرِكَتْ لِاجْتِهَادِهِمْ فِيهَا كَمَا قَالَ : اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ ، وَلِقَوْلِهِ : أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ . قَالَ الْمَازَرِيُّ : أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَسَائِلُ مُضْطَرًّا إِلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا ، وَقَدْ كَانَ يُسْأَلُ عَنِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَكْرَهُ ، وَعَاصِمٌ إِنَّمَا سَأَلَ لِغَيْرِهِ من غَيْرَ حَاجَةٍ ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهِ التَّعْنِيتِ فَهَذَا الَّذِي يُكْرَهُ ( حَتَّى كَبُرَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، عَظُمَ ( عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌّ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ) جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ ( فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ؛ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَعَابَهَا ( فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ عَنْهَا ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْحَاجَةُ فِي السُّؤَالِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَايَنَ الْمُقَدِّمَاتِ فَخَافَ الِانْتِهَاءَ إِلَى الْمَكْرُوهِ ، وَكَذَلِكَ اتُّفِقَ ، وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ فَإِنَّهُ قَالَ : الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ وَقَعَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ الْحُكْمَ وَسَأَلَ عَنْ جَوَازِ أَمْرٍ يَصِلُ بِهِ إِلَى شِفَاءِ غَلِيلِهِ وَإِزَالَةِ غَيْرَتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ هَذَا إِذَا فَعَلَهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ الِاسْتِعْدَادُ وَعِلْمُ النَّوَازِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْفُقَهَاءُ مَا يَفْرِضُونَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ كَرِهَ الْحَدِيثَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَرَآهُ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ ( فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَ النَّاسِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِهَا ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) فِيهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِأَرَأَيْتَ عَنِ السَّائِلِ كَانَ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ وَالسُّؤَالُ عَمَّا يُشْكَلُ ( وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ؟ ) قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ ( أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ ) زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 ) ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أُنْزِلَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ ، وَفِي رِوَايَةٍ نَزَلَ بِلَا هَمْزَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ ( فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ ) زَوْجَتِكَ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، أَوْ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورُ ، أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مُرْسَلًا أَنَّ عَاصِمًا لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ لِأَحَدِنَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ ؟ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي بِنْتِ أَخِيهِ ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُقَاتِلٍ : لَمَّا سَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ ابْتُلِيَ بِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ رَمَاهَا بِابْنِ عَمِّهِ ، الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَالْخَلِيلُ ثَلَاثَتُهُمْ بَنُو عَمِّ عَاصِمٍ . وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي رَمَى عُوَيْمِرٌ امْرَأَتَهُ بِهِ شَرِيكُ بْنُ سَحْمَاءَ ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّ عُوَيْمِرٍ ، لِأَنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدَةَ بْنَ مُغِيثِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ ، وَسَحْمَاءُ بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمَدِّ ، أُمُّ شَرِيكٍ ، وَهِيَ حَبَشِيَّةٌ أَوْ يَمَانِيَّةٌ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ مُقَاتِلٍ : فَقَالَ عُوَيْمِرٌ لِعَاصِمٍ : يَا ابْنَ عَمِّ ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ عَلَى بَطْنِهَا ، وَإِنَّهَا لَحُبْلَى وَمَا قَرُبْتَهَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُتَّهَمَ شَرِيكٌ بِكُلٍّ مِنِ امْرَأَتَيْ عُوَيْمِرٍ وَهِلَالٍ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ هِلَالًا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ( فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُلَاعَنَةِ ( قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : بَعْدَ الْعَصْرِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرُهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ ( وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَتَلَاهُنَّ أَيِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، قَالَتْ : كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . ( فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ) شَرْطٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ حَبَسْتَهَا فَقَدْ ظَلَمْتَهَا ( فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ( قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِطَلَاقِهَا ، وَبِهِ تَمَسَّكَ الْقَائِلُ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ إِلَّا بِإِيقَاعِ الزَّوْجِ ، فَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ لَمْ يُنْقِصِ التَّلَاعُنُ مِنَ الْعِصْمَةِ شَيْئًا ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي طَلَّقَ ابْتِدَاءً . وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَلَى أَنَّ الْبَتِّيَّ قَدِ اسْتَحَبَّ لِلْمُلَاعِنِ أَنْ يُطَلِّقَ بَعْدَ اللِّعَانِ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ قَبْلَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ قَدْ أَحْدَثَ حُكْمًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا ، كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَهَا ، أَيْ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللِّعَانَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، فَأَرَادَ تَحْرِيمَهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا أَيْ لَا مِلْكَ لَكَ عَلَيْهَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، وَقَعَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُلَاعِنِ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي شَرَحَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَقِبَ قَوْلِهِ : اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَفَظُ فَطَلَّقَهَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِاللِّعَانِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْمِهِنَّ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَلَا أَنْ يَخْطُبَهَا إِنْ كَانَ بَائِنًا ، وَإِنَّمَا اللِّعَانُ فُرْقَةُ فَسْخٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ ) أَيِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ( بَعْدُ ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ( سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ) فَلَا يَجْتَمِعَانِ بَعْدَ الْمُلَاعَنَةِ أَبَدًا ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا سَوَاءٌ صَدَقَتْ أَوْ صَدَقَ ، وَوَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ : الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفُ ذَلِكَ عَلَى تَلَاعُنِهِمَا مَعًا ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَحْنُونٌ : بِفَرَاغِ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْتِعَانَ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا شرع لدفع الْحَدُّ عَنْهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِ نَفْيَ النَّسَبِ وَلُحُوقَ الْوَلَدِ وَزَوَالَ الْفِرَاشِ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّوَارُثِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ فَرَاغِ الرَّجُلِ ، وَفِيمَا إِذَا عُلِّقَ طَلَاقُ الْمَرْأَةِ بِفُرَاقِ أُخْرَى ثُمَّ لَاعَنَ الْأُخْرَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُوقِعَهَا الْحَاكِمُ لِظَاهِرِ أَحَادِيثِ اللِّعَانِ وَيَكُونُ فُرْقَةَ طَلَاقٍ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ . وَقَدْ زَادَ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ : وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا ، وَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَيْهَا ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَمْ يَرْوِهَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ غَيْرَ سُوَيْدٍ اهـ . لَكِنْ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهِ سُوَيْدٌ ، عَنْ مَالِكٍ فَلَهُ أَصْلٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ يُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلٍ مِثْلَ رِوَايَةِ سُوَيْدٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَصْدُقُ عُوَيْمِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا : أَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةٍ عُوَيْمِرٍ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، فَقَالَ هِلَالٌ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ وَلِيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ حَتَّى بَلَغَ : إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 - 9 ) الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ أَنَّهُمَا تَلَاعَنَا ، وَأَنَّ الْوَلَدَ جَاءَ عَلَى صِفَةِ شَرِيكٍ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ : وَكَانَ هِلَالٌ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ الْحَافِظُ : اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ نُزُولَهَا فِي شَأْنِ عُوَيْمِرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ نُزُولَهَا فِي شَأْنِ هِلَالٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ هِلَالٌ ، وَصَادَفَ مَجِيءَ عُوَيْمِرٍ أَيْضًا ، فَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمَا مَعًا ، وَإِلَيْهِ جَنَحَ النَّوَوِيُّ ، وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ : لَعَلَّهُمَا اتُّفِقَ لَهُمَا ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْقَائِلَ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَفِي قِصَّةِ هِلَالٍ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) الْآيَةَ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتَ لَكَاعَ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، مَا كُنْتُ لِآتِيَ بِهِمْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، الْحَدِيثَ . وَلَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْقِصَصُ وَيَتَّحِدُ النُّزُولُ . وَرَوَى الْبَزَّارُ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ : لَوْ رَأَيْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ فَاعِلًا بِهِ ؟ قَالَ : كُنْتُ فَاعِلًا بِهِ شَرًّا ، قَالَ : فَأَنْتَ يَا عُمَرُ ، قَالَ : كُنْتُ أَقُولُ لَعَنَ اللَّهُ الْأَبْعَدَ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النُّزُولَ سَبَقَ بِسَبَبِ هِلَالٍ فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِرٌ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِمَا وَقَعَ لِهِلَالٍ أَعْلَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُكْمِ ، وَلِذَا قَالَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ : فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، وَفِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٍ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ ، فَيُؤوَّلُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا أُنْزِلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ ، وَبِهَذَا أَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ في الشامل ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَنَسٍ : إِنَّ هِلَالًا أَوَّلُ مَنْ لَاعَنَ . وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى تَجْوِيزِ نُزُولِ الْآيَةِ مَرَّتَيْنِ قَالَ : وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ بَعُدَتْ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الرُّوَاةِ الْحُفَّاظِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ ذِكْرَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ فِيمَنْ لَاعَنَ ، كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ أَخِي الْمُهَلَّبِ فَقَالَ : هُوَ خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِهِ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هُوَ وَهْمٌ مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ بِذَلِكَ . وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا الْقِصَّةُ لِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ قَالَ : وَلَكِنْ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيِّ ذِكْرُ شَرِيكٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُبْهَمَاتِهِ : اخْتَلَفُوا فِي الْمُلَاعِنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : عُوَيْمِرٌ ، وَهِلَالٌ ، وَعَاصِمٌ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : أَظْهَرُهَا عُوَيْمِرٌ وَكَلَامُ الْجَمِيعِ مُتَعَقَّبٌ . أَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ ، وَكَيْفَ يُجْزَمُ بِخَطَأِ حَدِيثٍ ثَابِتٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَمَا نَسَبَهُ لِلطَّبَرِيِّ لَمْ أَجِدْهُ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَعِيَاضٌ تَفَرَّدَ بِهِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ فَمَرْدُودٌ ، فَقَدْ تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ . وَأَمَّا جُنُوحُ النَّوَوِيِّ ، كَالْوَاحِدِيِّ لِلتَّرْجِيحِ فَمَرْجُوحٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُمْكِنَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ ، وَقَوْلُهُ : وَقِيلَ عَاصِمٌ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ عَاصِمًا لَمْ يُلَاعِنْ قَطُّ وَإِنَّمَا سَأَلَ لِعُوَيْمِرٍ ، وَوَقَعَ مِنْ عَاصِمٍ نَظِيرُ مَا وَقَعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، أَيْ مِنْ الِاسْتِشْكَالِ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَعَقَّبَتْ حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ الْخِلَافَ بِأَنَّ مُلَاعَنَةَ عُوَيْمِرٍ ، وَهِلَالٍ ثَبَتَا ، فَكَيْفَ يُخْتَلَفُ فِيهِمَا ؟ وَإِنَّمَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَيِّهِمَا كَمَا سَبَقَ . وَقَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ زَانِيًا شَرِيكٌ مَمْنُوعٌ ؛ إِذْ لَمْ يُوجَدْ زَانِيًا وَإِنَّمَا هُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ، فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْمِيَّ بِهِ شَرِيكٌ ، وَأَفَادَ عِيَاضٌ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّ قِصَّةَ اللِّعَانِ كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا مَرَّ ، ذُكِرَ جُمْلَةٌ مِنْهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَقَبْلَهُ فِي الطَّلَاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَفُلَيْحٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَيُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، الْأَرْبَعَةُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ .
1186 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ [ النور : 6 - 9 ] . قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَعَلَى هَذَا السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ ، قَالَ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْهَا وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لَاعَنَهَا ، قَالَ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَهُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ : إِنَّهُ إِذَا نَزَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ : أَنَا حَامِلٌ ، قَالَ : إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ مَلَكَهَا وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ . 1202 1186 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ ( لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ) زَوْجَتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الْعَجْلَانِيَّةَ ( فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَقَلَ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ : فَانْتَفَى بِالْفَاءِ ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ ، أَيِ : الْمُلَاعَنَةُ كَانَتْ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ الرَّجُلِ مِنْ وَلَدِ الْمَرْأَةِ وَإِلْحَاقِهِ بِهَا ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا سَبَبُ ثُبُوتِ الِانْتِفَاءِ فَجَيِّدٌ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا سَبَبُ وُجُودِ الِانْتِفَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْمُلَاعَنَةِ لَمْ يَنْتَفِ ( فَفَرَّقَ ) بِشَدِّ الرَّاءِ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ) أَيِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ تَنْفِيذًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَهُمَا بِنَفْسِ اللِّعَانِ ، وَبِظَاهِرِهِ تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُجَرَّدَ اللِّعَانَ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِفْتَاءُ وَالْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : مَالِي ؟ قَالَ : لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ : فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ ، وَقَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟ فَأَبَيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ اللِّعَانِ ، فَفِيهِ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلَوْ بِطْرِيقِ الْإِجْمَالِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَالَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ ؛ تَحْذِيرًا لَهُمَا . ( وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ) فَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَنَفَاهُ عَنِ الرَّجُلِ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنِهِمَا . وَزَعَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا عَلَى أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزْعَةَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا نَحْوَهُ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ نَافِعٍ : سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ يَقْذِفُونَ أَزْوَاجَهُمْ بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ يَشْهَدُونَ عَلَى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ إِلا أَنْفُسُهُمْ بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهَدَاءُ أَوْ نَعْتٌ عَلَى أَنَّ إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ ( فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ) مُبْتَدَأٌ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَى بِهِ زَوْجَتَهُ مِنَ الزِّنَا وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِي ذَلِكَ ، وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ تَدْرَأُ عَنْهُ الْعَذَابَ أَيْ حَدَّ الْقَذْفِ ، وَقَرَأَ الْإخَوَانُ وَحَفْصٌ بِرَفْعِ أَرْبَعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ فَشَهَادَةُ كَمَا فِي السَّمِينِ ( وَيَدْرَأُ ) أَيْ يَدْفَعُ ( عَنْهَا الْعَذَابَ ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا إِنْ لَمْ تَحْلِفْ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : لَفْظُ أَشْهَدُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَحْلِفُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، أَعْنِي أَنَّ شَهَادَاتِ اللِّعَانِ أَيْمَانٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : شَهَادَاتٌ حَقِيقَةً مِنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ : هَلْ يَتَلَاعَنُ الْفَاسِقَانِ وَالْعَبْدَانِ ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَصِحُّ وَعِنْدَهُ لَا يَصِحُّ ، وَأَمَّا الْمُقْسَمُ بِهِ فَهُوَ لَفْظُ اللَّهِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِنَصِّ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ الْخِلَافَ هَلْ يَزِيدُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، اهـ . الْقَوْلُ بِالِاقْتِصَارِ نَصُّ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِالزِّيَادَةِ قَوْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ ، وَلِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ أَمْرَهُمَا أَنْ يَتَلَاعَنَا بِمَا فِي الْقُرْآنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ) بَلْ يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَبْدَى لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَائِدَةً ، وَهِيَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَلْعُونٌ مَعَ غَيْرِ مَلْعُونٍ ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَلْعُونٌ فِي الْجُمْلَةِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ الْمُلَاعِنِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ، وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِمَا مَعًا التَّزْوِيجُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَلْعُونٌ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ افْتِرَاقًا فِي الْجُمْلَةِ . ( وَإِنْ كَذَّبَ نَفْسَهُ ) بَعْدَ الِالْتِعَانِ ( جُلِدَ الْحَدَّ ) لِلْقَذْفِ ( وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ) لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا ؛ إِذِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِاللِّعَانِ لَا تَرْتَفِعُ بِالتَّكْذِيبِ ( وَعَلَى هَذَا السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ ) وَفِي بَعْضِ طَرُقِ حَدِيثِ سَهْلٍ إِشَارَةٌ إِلَيْهَا ( وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ) عَطْفُ بَيَانٍ لِـ بَاتًّا ( ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ ) أَيِ ادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْهُ ( مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ ، قَالَ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ : مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ( وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ ) حَالَ كَوْنِهِ ( يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ ) لِأَنَّهُ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ( وَلَمْ يُلَاعِنْهَا ) لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ لِزَوْجَةٍ ( وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا ، لَاعَنَهَا ) بِالشَّرْطِ الَّذِي قَالَهُ فَوْقَهُ ( وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ( وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 ) إِذْ هُوَ شَامِلٌ لِلْعَبْدِ ( يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : لَعَنَهُ لَعْنًا وَلَاعَنَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا ، وَتَلَاعَنُوا : لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ( غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ ) وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ كَقَذْفِ الْكِتَابِيَّةِ إِنْ لَمْ يُلَاعِنْهُمَا ( وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَلَمْ يَخُصَّ حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ وَلَا مُسْلِمَةً مِنْ كِتَابِيَّةٍ ( فَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ) لِشُمُولِ الْآيَةِ لَهُنَّ ( وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوِ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا ) لِأَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ شَامِلٌ لَهُ وَلَهُنَّ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ ) بِكَسْرِ الزَّايِ ، يَرْجِعُ ( وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ ( يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ : إِنَّهُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( إِذَا نَزَعَ ) رَجَعَ ( قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ ، جُلِدَ الْحَدَّ ) لِأَنَّهُ قَذَفَهَا ( وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مُخْتَصَّةٌ بِلِعَانِهَا ( وَفِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ قَالَتِ الْمَرْأَةُ : أَنَا حَامِلٌ ) مِنْكَ ( قَالَ : إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا ) لِنَفْيِهِ ( وَفِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ مَلَكَهَا ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا ) وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ( وَإِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ ) وَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ فَسْخًا لَكِنْ لَمَّا يُعْلَمْ صِدْقُ الزَّوْجِ ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا وَإِسْقَاطَ حَقِّهَا فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ ، اتُّهِمَ فِي ذَلِكَ وَأُلْزِمَ نِصْفَهُ أَوْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ طَلَاقٌ .
1158 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا وَيَقُولُ لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا . 1178 1158 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ ) مِنْ وَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ ( إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ : لَمْ أُرِدْ إِلَّا وَاحِدَةً فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ أَمَلَكَ ) أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ( مَا كَانَتْ ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهَا ( فِي عِدَّتِهَا ) فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ .
3 - بَاب مَا يُبِينُ مِنْ التَّمْلِيكِ 1157 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أُرَاهُ كَمَا قَالَتْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَنَا أَفْعَلُ ، أَنْتَ فَعَلْتَهُ . 3 - بَابُ مَا يُبِينُ مِنَ التَّمْلِيكِ 1178 1157 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ ( إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ) رَدًّا عَلَيْهِ ( أَنَا أَفْعَلُ ؟ أَنْتَ الَّذِي فَعَلْتَهُ ) وَكَانَ هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْقَوْلِ فِعْلًا .
1231 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْأَحْنَفِ : أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : فَدَعَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَجِئْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا ، فَقَالَ : طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَقُلْتُ : هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا ، قَالَ : فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَدْرَكْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي ، فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، قَالَ : فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي وَبِالَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ ، فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، وَكَتَبَ إِلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي ، قَالَ : فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ بِعِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ دَعَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي لِوَلِيمَتِي فَجَاءَنِي . 1245 1231 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ ) عِيَاضٍ ( الْأَحْنَفِ ) الْأَعْرَجِ الْعَدَوِيِّ ، مَوْلَاهُمْ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ( أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) الْعَدَوِيِّ ، وَأُمُّهُ لُبَابَةُ بِنْتُ لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْضَرَهُ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَنَّكَهُ وَمَسَحَ رَأَسَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ ، فَكَانَ لَبِيبًا عَاقِلًا ، وَزَوَّجَهُ عُمَرُ بِنْتَهُ فَاطِمَةَ ، وَاسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِالْيَمَامَةِ وَوَلِيَ هُوَ إِمْرَةَ مَكَّةَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَمَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ ، وَقِيلَ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا فَغَيَّرَهُ عُمَرُ . ( قَالَ ) ثَابِتٌ ( فَدَعَانِي ) ابْنُهُ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ عُمَرَ ( فَجِئْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا سِيَاطٌ مَوْضُوعَةٌ ) جَمْعُ سَوْطٍ ( وَإِذَا قَيْدَانِ مِنْ حَدِيدٍ وَعَبْدَانِ لَهُ قَدْ أَجْلَسَهُمَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : طَلِّقْهَا وَإِلَّا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ) وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ( فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا ) ضَرَبْتُكَ بِالسِّيَاطِ وَقَيَّدْتُكَ بِالْقَيْدَيْنِ ( قَالَ : فَقُلْتُ : هِيَ الطَّلَاقُ أَلْفًا ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَدْرَكْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) ابْنَ عَمِّ أَبِيهِ ( بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، قَالَ : فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي ، فَتَغَيَّظَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ) لِلْإِكْرَاهِ ( وَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، قَالَ : فَلَمْ تُقْرِرْنِي نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ) خَلِيفَةٌ ، زَادَ فِي نُسْخَةٍ : أَمِيرٌ عَلَيْهَا ( فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِي وَبِالَّذِي قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ ، وَكَتَبَ إِلَى جَابِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ) مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ( يَأْمُرُهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) يُعَزِّرُهُ عَلَى مَا فَعَلَ ( وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي ) زَوْجَتِي ( قَالَ : فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَهَّزَتْ صَفِيَّةُ ) فَاعِلٌ ، بِنْتُ عُبَيْدٍ ( امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتِي حَتَّى أَدْخَلَتْهَا عَلَيَّ بِعِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) زَوْجِهَا ( ثُمَّ دَعَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ عُرْسِي لِوَلِيمَتِي فَجَاءَنِي ) . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ أَيْ إِكْرَاهٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَقَافٍ ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ كَأَنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِغْلَاقِ الْغَضَبُ ، ضُعِّفَ بِأَنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، فَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : كُنْتُ غَضْبَانَ فَلَا يَقَعُ عَلَيَّ طَلَاقٌ ، وَهُوَ بَاطِلٌ . وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ ، وَأَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ : لَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ( سُورَةُ النَّحْلِ : الْآيَةُ 106 ) فَنَفَى الْكُفْرَ بِاللِّسَانِ ، فَكَذَا الطَّلَاقُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَلِحَدِيثِ : تَجَاوَزَ اللَّهُ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَنِكَاحُهُ وَعِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ لَا بَيْعُهُ .
1230 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتَ عَنْهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا . 1244 1230 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ) التَّابِعِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ ( وَحُمَيْدَ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيَّ ، تَابِعِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ( وَعُبَيْدَ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَفَوْقِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ( وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كُلَّهُمْ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَحِلَّ ) بِالْخُرُوجِ مِنَ الْعِدَّةِ ( وَتَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَيَمُوتُ عَنْهَا ) الزَّوْجُ الثَّانِي ( أَوْ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا ) وَاحِدَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ) بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَهَا لِلْأَوَّلِ قَبْلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : يَهْدِمُ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ ، فَإِذَا عَادَتْ لِلْأَوَّلِ كَانَتْ مَعَهُ عَلَى عِصْمَةٍ كَامِلَةٍ .
1236 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 1248 1236 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ( أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) لِلضَّرَرِ ، فَقُلْتُ : سَنَةً ؟ فَقَالَ : سَنَةً ، هَذَا بَقِيَّةُ خَبَرِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) الْمَدِينَةِ .
1232 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] . قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً . 1246 1232 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَرَأَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَبِإِسْكَانِهَا ( عِدَّتِهِنَّ ) أَيْ فِي اسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ ( قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ) لَا أَكْثَرَ ، وَكَأَنَّهُ أَتَى بِـ كُلِّ لِيَشْمَلَ مَا إِذَا كَانَ الطُّهْرُ عَقِبَ حَيْضٍ طُلِّقَتْ فِيهِ وَرَاجَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تُطْهُرَ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا التِّلَاوَةِ ، وَهِيَ تُصَحِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ الْأَطْهَارُ ؛ إِذْ لَا يُسْتَقْبَلُ فِي الْحَيْضِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَلَا يُجْتَزِئُ بِهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) .
1233 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا آوِيكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [ البقرة : 229 ] فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ . 1247 1233 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ ، فَعَمَدَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ، قَصَدَ ( رَجُلٌ إِلَى امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتْ ) قَارَبَتْ ( انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا آوِيكِ ) أَضُمُّكِ إِلَيَّ ( وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا ) لِغَيْرِي ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الطَّلَاقُ ) أَيِ التَّطْلِيقُ الَّذِي يُرَاجِعُ بَعْدَهُ ( مَرَّتَانِ ) أَيْ ثِنْتَانِ ( فَإِمْسَاكٌ ) فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكُهُنَّ بَعْدَهُ ( بِمَعْرُوفٍ ) مِنْ غَيْرِ ضِرَارٍ ( أَوْ تَسْرِيحٌ ) إِرْسَالٌ لَهُنَّ ( بِإِحْسَانٍ ، فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ ) أَيْ مِنْ يَوْمِ نُزُولِ الْآيَةِ ( مَنْ كَانَ طَلَّقَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ) وَهَذَا مُرْسَلٌ ، تَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، وَوَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ شَبِيبٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ : وَاللَّهِ لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي وَلَا آوِيكِ أَبَدًا ، قَالَتْ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أُطَلِّقُكِ فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ ، فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 229 ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ . وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ صَحَّحَ الْمَوْصُولَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ هِيَ الثَّالِثَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 230 ) وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ : جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .
1235 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ فَقَالَا : إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1248 1235 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ( أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ طَلَاقِ السَّكْرَانِ ، فَقَالَا : إِذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ ، وَإِذَا قَتَلَ قُتِلَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَجَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، فَيَصِحُّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلِّفٍ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ صِحَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ .
1234 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ : أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا كَيْمَا يُطَوِّلُ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِيُضَارَّهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ البقرة 231 ] يَعِظُهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ . 1248 1234 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( ابْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ( أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا كَيْمَا تطَوِّلُ بِذَلِكَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ لِيُضَارَّهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا مَفْعُولٌ لَهُ ( لِتَعْتَدُوا ) عَلَيْهِنَّ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِهَا إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ( يَعِظُهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ) وَوَرَدَ هَذَا بِنَحْوِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَفَادَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ نُزُولَ الْآيَتَيْنِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٌ ، وَذَلِكَ حَبْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَمُرَاجَعَتُهَا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ .
29 - بَاب جَامِعِ الطَّلَاقِ 1229 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ : أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ . 29 - بَابُ جَامِعِ 1243 1229 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ ) هُوَ غَيْلَانُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ( وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ) فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ( حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ ) ظَرْفٌ لَقَالَ ( أَمْسِكْ ) وَفِي رِوَايَةٍ اخْتَرْ ( مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ ) أَيْ بَاقِيَهُنَّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ وَرُوَاةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ فَذَكَرَهُ ، وَوَصَلَهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مِنْ خَطَأِ مَعْمَرٍ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ بِالْعِرَاقِ ، اهـ . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوِيدٍ الثَّقَفِيِّ فَذَكَرَهُ ، اهـ . وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَيُقَالُ إِنَّ مَعْمَرَ أَحْدَثَ بِالْبَصْرَةِ أَحَادِيثَ وَهِمَ فِيهَا ، وَقَدْ كَشَفَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ عَنْ عِلَّتِهِ وَبَيَّنَهَا بَيَانًا شَافِيًا فَقَالَ : كَانَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ فِي قِصَّةِ غَيْلَانَ حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا مَرْفُوعٌ وَالْآخِرُ مَوْقُوفٌ ، فَأَدْرَجَ مَعْمَرٌ الْمَرْفُوعَ عَلَى إِسْنَادِ الْمَوْقُوفِ ، فَأَمَّا الْمَرْفُوعُ فَرَوَاهُ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ أَنَّ غَيْلَانَ فَذَكَرَهُ . وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ غَيْلَانَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ بَنِيهِ الْحَدِيثَ ، اهـ . أَيْ أَدْرَجَهُ فِي أَوَّلِهِ ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَن أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ ، وَلَا أَرَاكَ تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا ، وَايْمُ اللَّهِ لَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ وَلَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأُوَرِّثُهُنَّ مِنْكَ وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ ، وَمَاتَ غَيْلَانُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ .
14 - بَاب مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ 1187 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا : إِنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً ، وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 14 - بَابُ مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ 1185 1187 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ اللِّعَانُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ( وَوَلَدِ الزِّنَا : إنَّهُ إِذَا مَاتَ وَرِثَتْهُ أُمُّهُ حَقَّهَا ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ وَرِثَتْهُ ( فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ) الثُّلُثَ أَوِ السُّدُسَ ( وَ ) وَرِثَ ( إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ) السُّدُسَ لِلْوَاحِدِ وَالثُّلُثَ لِلِاثْنَيْنِ فصاعدا ( وَيَرِثُ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً ) أَيْ مُعْتَقَةً ( وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً ) أَيْ حُرَّةً أَصْلِيَّةً ( وَرِثَتْ حَقَّهَا وَوَرِثَ إِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ ) السُّدُسَ ( وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ ) يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ ( قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَسَبَقَ قَرِيبًا قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ : ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي مِيرَاثِهَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُ مِنْهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ وَائِلَةَ مَرْفُوعًا : تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ فِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ ، بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَمُوَحَّدَةٍ ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَمَدْخُولُهَا بِلَفْظِهِ مَرَّا فِي آخِرِ الْفَرَائِضِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ وَأَعَادَهُ هُنَا تَتْمِيمًا لِحُكْمِ اللِّعَانِ .
1228 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ مَتَى يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ أَمِنْ يَوْمِ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ؟ فَقَالَ : بَلْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . 1242 1228 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ : مَتَى يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ ؟ أَمِنْ يَوْمِ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ ) الْمَرْأَةُ ( إِلَى السُّلْطَانِ ) أَيِ الْحَاكِمِ ( قَالَ : بَلْ مِنْ يَوْمِ تُرَافِعُهُ ) تَرْفَعُهُ ( إِلَى السُّلْطَانِ ) الْحَاكِمِ ( قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا ) مَنَعَهُ عَنْ جِمَاعِهَا مَانِعٌ ( فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ) مَا لَمْ تَتَضَرَّرْ فَلَهَا التَّطْلِيقُ بِالضَّرَرِ كَمَا بُيِّنَ فِي الْفُرُوعِ .
28 - بَاب أَجَلِ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ 1227 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ سَنَةً ، فَإِنْ مَسَّهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . 28 - بَابُ أَجَلِ الَّذِي لَا يَمَسُّ امْرَأَتَهُ 1241 1227 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ) لِاعْتِرَاضٍ وَنَحْوِهِ ( فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجْلٌ سَنَةً ) بِالْإِضَافَةِ وَتَنْوِينِ أَجْلٌ فَـ سَنَةً بِالنَّصْبِ ( فَإِنْ مَسَّهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) رَفَعًا لِلضَّرَرِ .
15 - بَاب طَلَاقِ الْبِكْرِ 1188 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا ، فَجَاءَ يَسْتَفْتِي فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ لَهُ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا : لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، قَالَ : فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ . 15 - بَابُ طَلَاقِ الْبِكْرِ 1204 1188 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ) بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ثَوْبٍ الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ ، اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، وَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ( أَنَّهُ قَالَ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا فَجَاءَ يَسْتَفْتِي ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ أَسْأَلُ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ : ( فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا : لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ ( قَالَ : فَإِنَّمَا طَلَاقِي إِيَّاهَا وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ مَا كَانَ لَكَ مِنْ فَضْلٍ ) زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاحِدَةِ بِإِيقَاعِكَ الثَّلَاثَ .
1190 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ فَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَسَلْهُمَا ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 1206 1190 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ) بِمُعْجَمَةٍ فَجِيمٍ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الزُّرَقِيِّ ( أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ) بْنِ الْخَطَّابِ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا ( قَالَ : فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ ) اللَّيْثِيُّ ( فَقَالَ : إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ ، وَيُرْوَى إِنَّ هَذَا الْأَمْرُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللَّامُ وَعَلَى الْأَوَّلِ ، فَالْخَبَرُ ( مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ ، فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَسَلْهُمَا ) بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ مُخَفَّفًا فَاسْأَلْهُمَا ( ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا ) بِجَوَابِهِمَا لَكَ لِنَعْلَمَهُ ( فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ شَدِيدَةٌ ( فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ ) وَسَبَقَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ ) إِذْ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَدَارُ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ ( الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) بِشُرُوطِهِ .
1189 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، قَالَ عَطَاءٌ : فَقُلْتُ : إِنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . 1205 1189 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ بُكَيْرٍ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ) مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ الْمَدَنِيِّ ، نُزِيلُ مِصْرَ ، مِنَ الثِّقَاتِ ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ بَعْدَهَا ( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الزُّرَقِيِّ أَبِي سَلَمَةَ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، فَاضِلٌ ، صَاحِبُ عِبَادَةٍ وَمَوَاعِظَ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ) الصَّحَابِيَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ ( عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، قَالَ عَطَاءٌ : فَقُلْتُ : إِنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي : إِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ ) بِشَدِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، صَاحِبُ قَصَصٍ وَمَوَاعِظَ ، لَا تَعْلَمُ غَوَامِضَ الْفِقْهِ ( الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا ) تَجْعَلُهَا بَائِنًا فَلَا يُعِيدُهَا إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ ( وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ .
27 - بَابُ مَا جَاءَ فِي يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقِ مَا لَمْ يَنْكِحْ 1225 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ ، إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِذَا نَكَحَهَا . 27 - بَابٌ فِي يَمِينِ الرَّجُلِ بِطَلَاقِ مَا لَمْ يَنْكِحْ اسْتَعْمَلَ مَا فِي الْعَاقِلِ عَلَى لُغَةٍ . 1225 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِمَا صَحَّ عَنْهُ مَنْ عَلَّقَ ظِهَارَ امْرَأَةٍ عَلَى تَزَوُّجِهَا : أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ ، أَشَارَ لَهُ أَبُو عُمَرَ ( وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ ( وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( وَابْنَ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيَّ ( وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ) الْمَدَنِيَّ ( كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ ) الْمُعَيَّنَةِ ( قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ ) أَيْ حَنِثَ ( إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِذَا نَكَحَهَا ) مِنْ بَابِ لُزُومِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَالْمَخْزُومِيِّ : لَا يَقَعُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَقَعُ مُطْلَقًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ ، فَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى وُجُودِ مِلْكِ الْمَحَلِّ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمَسْأَلَةُ مِنَ الْخِلَافِيَّاتِ الشَّهِيرَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرُوِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ إِلَّا أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ بَعْضَهَا ، وَأَحْسَنُهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مَرْفُوعًا : لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَلِأَبِي دَاوُدَ : لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ . وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِمَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي دَلَّا عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاءُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْتِزَامِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ : إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَا مُلِكَ ، قَالُوا : فَابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : إِذَا وَقَّتَ وَقْتًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَقَالَ اللَّهُ : إِذَا طَلَّقْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنْ طَلَّقَ مَا لَمْ يَنْكِحْ فَهُوَ جَائِزٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَخْطَأَ فِي هَذَا ، إِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 49 ) وَلَمْ يَقُلْ : إِذَا طَلَّقْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ ، اهـ . وَلَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهَا فَلَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ .
1226 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوْ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ الطَّلَاقُ ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، وَمَالُهُ صَدَقَةٌ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ ، قَالَ : أَمَّا نِسَاؤُهُ فَطَلَاقٌ كَمَا قَالَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ أَرْضًا أَوْ نَحْوَ هَذَا فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ ، وَأَمَّا مَالُهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِثُلُثِهِ . 1226 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً ) بِعَيْنِهَا ( أَوِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَرُبَّمَا أَدَّاهُ إِلَى الْعَنَتِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الْيَمِينِ ، وَإِنْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ التَّسَرِّيَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الزَّوْجَةَ أَضْبَطُ لِمَا لَهُ مِنَ السِّرِّيَّةِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ الطَّلَاقُ وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَمَالُهُ صَدَقَةٌ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا ) لِشَيْءٍ عَيَّنَهُ ( فَحَنِثَ قَالَ : أَمَّا نِسَاؤُهُ فَطَلَاقٌ ) وَفِي نُسْخَةٍ : فَطُلَّقٌ ( كَمَا قَالَ ) لِوُقُوعِهِ عَلَى الْمَحَلِّ ( وَأَمَّا قَوْلُهُ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا ) كَزَيْنَبَ ( أَوْ قَبِيلَةً ) كَتَمِيمٍ ( أَوْ أَرْضًا ) كَمِنَ الْأَرْضِ الْفُلَانِيَّةِ ( أَوْ نَحْوَ هَذَا ) بَلَدًا كَمِصْرَ ( فَلَيْسَ يُلْزِمُهُ ذَلِكَ وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ ، وَأَمَّا مَالُهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِثُلُثِهِ ) لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
26 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَكَمَيْنِ 1224 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [ النساء : 35 ] إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالْاجْتِمَاعَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ وَالْاجْتِمَاعِ . 26 - بَابُ 1224 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا جَاءَ فِي طُرُقٍ ثَابِتَةٍ رَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ ( أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا أَصْلُهُ شِقَاقًا بَيْنَهُمَا فَأُضِيفَ الشِّقَاقُ إِلَى الظَّرْفِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ( سُورَةُ سَبَأ : الْآيَةُ 33 ) أَصْلُهُ بَلْ مَكْرٌ فِي اللَّيْلِ ، وَالشِّقَاقُ الْعَدَاوَةُ وَالْخِلَافُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَفْعَلُ مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِهِ ، أَوْ يَمِيلُ إِلَى شِقٍّ أَيْ نَاحِيَةٍ غَيْرِ شِقِّ صَاحِبِهِ ، وَالضَّمِيرُ لِلزَّوْجَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ لِذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْحُكُومَةِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا لِأَنَّ الْأَقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الْأَحْوَالِ وَأَطْلُبُ لِلصَّلَاحِ ، وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكُنُ إِلَيْهِمَا فَيُبْرِزَانِ مَا فِي ضَمَائِرِهِمَا مِنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَإِرَادَةِ الصُّحْبَةِ وَالْفُرْقَةِ ، وَيَخْلُو كُلُّ حَكَمٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَيَفْهَمُ مُرَادَهُ ، وَلَا يُخْفِي حَكَمٌ عَنْ حَكَمٍ شَيْئًا إِذَا اجْتَمَعَا ( إِنْ يُرِيدَا ) أَيِ الْحَكَمَانِ ( إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) أَيِ الزَّوْجَيْنِ ، أَيْ يُقَدِّرْهُمَا عَلَى مَا هُوَ الطَّاعَةُ مِنْ إِصْلَاحٍ أَوْ فِرَاقٍ ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ) بِكُلِّ شَيْءٍ ( خَبِيرًا ) بِالْبَوَاطِنِ كَالظَّوَاهِرِ ( إِنَّ إِلَيْهِمَا ) أَيِ الْحَكَمَيْنِ ( الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالِاجْتِمَاعَ ) فَيَمْضِي عَلَى الزَّوْجَيْنِ مَا اتَّفَقَ الْحَكَمَانِ عَلَيْهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ ) يَنْفُذُ ( قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ ) إِذَا اتَّفَقَا عَلَيْهَا ( وَالِاجْتِمَاعِ ) كَذَلِكَ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ وَلَا إِذْنٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ - وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - أَنَّ الزَّوْجَ يُوَكِّلُ حَكَمَهُ فِي الطَّلَاقِ أَوِ الْخُلْعِ وَتُوَكِّلُ هِيَ حَكَمَهَا فِي بَذْلِ الْعِوَضِ وَقَبُولِ الطَّلَاقِ بِهِ ، وَيُفَرِّقَانِ بَيْنَهُمَا إِنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا .
25 - بَابُ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ 1221 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ . 25 - بَابُ جَامِعِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ 1237 1221 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( وَعَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ) بِقَافٍ وَمُهْمَلَةٍ ، مُصَغَّرٌ ( اللَّيْثِيِّ ) الْمَدَنِيِّ ، كِلَاهُمَا ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا ) أَيْ لَمْ تَأْتِهَا ( فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ) إِتْيَانَ الْحَيْضَةِ ( فَإِنْ بَانَ ) ظَهَرَ ( بِهَا حَمْلٌ ، فَذَلِكَ ) أَيْ لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَضْعِهِ كُلِّهِ ( وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ ) الْأَشْهُرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ حَلَّتْ لِلزَّوَاجِ .
1222 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ . 1237 1222 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الطَّلَاقُ لِلرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ لِلنِّسَاءِ ) وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ .
1223 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حِينَ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ ، وَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتْ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتْ الْحَيْضَ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتْ الثَّالِثَةَ كَانَتْ قَدْ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا . قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَاعْتَدَّتْ بَعْضَ عِدَّتِهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، أَنَّهَا لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا ، وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمَ طَلَّقَهَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً ، وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ إِنْ كَانَ ارْتَجَعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا وَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ . 1238 1223 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ سَنَةٌ ) إِنْ لَمْ تُمَيَّزْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ بِلَا خِلَافٍ ، فَإِنْ مَيَّزَتْ فَعِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ لَا بِالسَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ : وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ بِالسَّنَةِ مُطْلَقًا ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَرْفَعُهَا حَيْضَتُهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ) كَمَا قَالَ عُمَرُ ( فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فِيهِنَّ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ) بَعْدَ التِّسْعَةِ ( فَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ( فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ) حَيْضَةً ثَانِيَةً ( اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتِ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ اسْتَقْبَلَتِ الْحَيْضَ ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ اعْتَدَّتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ حَاضَتِ الثَّالِثَةَ اسْتَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْحَيْضِ ) وَحَلَّتْ ( فَإِنْ لَمْ تَحِضِ اسْتَقْبَلَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَّتْ ) لِلزَّوَاجِ ( وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ) أَيْ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ وَالِاسْتِقْبَالِ ( الرَّجْعَةُ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ ) لِبَقَاءِ عِدَّتِهَا ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَتَّ طَلَاقَهَا ) فَلَا رَجْعَةَ لَهُ ( مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَاعْتَدَّتْ بَعْضَ عِدَّتِهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا أَنَّهَا لَا تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا ) لِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ إِذِ الرَّجْعَةُ كَالزَّوْجَةِ فِي الْعِدَّةِ ( وَأَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ ، وَقَدْ ظَلَمَ زَوْجُهَا نَفْسَهُ وَأَخْطَأَ ) فِي ذَلِكَ ( إِنْ كَانَ ارْتَجَعَهَا وَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا ) وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يُرِدْ بِرَجْعَتِهِ التَّطْوِيلَ عَلَيْهَا فَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُولَى إِنْ لَمْ يَمَسَّهَا ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِنَصِّ الْمُوَطَّأِ هَذَا ، أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، يُفِيدُ أَنَّهُ أَثِمَ ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا قَصَدَ الضَّرَرَ ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ ارْتِجَاعِهَا حَيَاءً مِنْ أَهْلِهَا ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُطَلِّقُهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْحَاجَةِ الْإِضْرَارُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ بَعِيدٌ مُتَعَسِّفٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ، يَفْعَلُ ذَلِكَ يُضَارُّهَا وَيَعْضُلُهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 231 ) الْآيَةَ فَفِيهِ أَنَّ الرَّجْعَةَ تُنَفَّذُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيَكُونُ ظَالِمًا . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ثَابِتَ بْنَ يَسَارٍ ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا إِلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا مُضَارَّةً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا ) لِمَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ إِسْلَامَيْهِمَا نَحْوُ شَهْرٍ ، وَأَقَرَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى زَوْجَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ لِإِسْلَامِهِ فِي عِدَّتِهَا ( فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ) قَبْلَ إِسْلَامِهِ ( فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ) بِمَهْرٍ وَوَلِيٍّ وَشُهُودٍ ( لَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ طَلَاقًا ) فَتَبْقَى مَعَهُ عَلَى عِصْمَةٍ كَامِلَةٍ ( وَإِنَّمَا فَسَخَهَا مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ ) فَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَقِيَتْ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
16 - بَاب طَلَاقِ الْمَرِيضِ 1191 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . 16 - بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ 1207 1191 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الْقَاضِي ، ابْنِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يُلَقَّبُ طَلْحَةَ النَّدَى ، ثِقَةٌ ، مُكْثِرٌ ، فَقِيهٌ ، تَابِعِيٌّ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ( قَالَ ) ابْنُ شِهَابٍ ( وَكَانَ ) طَلْحَةُ ( أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ ) الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ( وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) كِلَاهُمَا رَوَى لِلزُّهْرِيِّ ( أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ) تُمَاضِرَ ، بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ فَمِيمٍ فَأَلِفٍ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ ، بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ ، أُمَّ ابْنِهِ أَبِي سَلَمَةَ ( الْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ ) ثُمَّ مَاتَ ( فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ) قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هِيَ أَوَّلُ كَلْبِيَّةٍ نَكَحَهَا قُرَشِيٌّ وَلَمْ تَلِدْ لَهُ غَيْرَ أَبِي سَلَمَةَ . وَرَوَى بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى بَنِي كَلْبٍ وَقَالَ : إِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ أَوْ سَيِّدِهِمْ ، فَلَمَّا قَدِمَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَاسْتَجَابُوا ، وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ مَلِكِهِمْ ثُمَّ قَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ .
1192 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَرَّثَ نِسَاءَ ابْنِ مُكْمِلٍ مِنْهُ ، وَكَانَ طَلَّقَهُنَّ وَهُوَ مَرِيضٌ . 1208 1192 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ) بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، ثِقَةٌ ، مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَرَّثَ نِسَاءَ ابْنِ مُكْمِلٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ فَلَامٌ ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُكْمِلِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ شَبَّةَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَدْرَكَهُ ابْنُ فَتْحُونٍ ، وَقَالَ : أَكْثَرُ مَا يَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّ مُكْمِلًا غَيْرُ مُسَمًّى ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَهُوَ وَهْمٌ إِنَّمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُهُ ، وَهُوَ شَيْخٌ لِلزُّهْرِيِّ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَنِسَاؤُهُ كُنَّ ثَلَاثًا كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ( وَكَانَ طَلَّقَهُنَّ وَهُوَ مَرِيضٌ ) ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ طَلَاقِهِ سَنَتَيْنِ فَوَرَّثَهُنَّ عُثْمَانُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا رَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُنَّ طَلَاقُهُ الْمِيرَاثَ لِوُقُوعِهِ فِي الْمَرَضِ فَقَضَى بِذَلِكَ عُثْمَانُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ .
1194 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ : كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حَبَّانَ امْرَأَتَانِ هَاشِمِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ ، فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ تُرْضِعُ ، فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ عَنْهَا وَلَمْ تَحِضْ ، فَقَالَتْ : أَنَا أَرِثُهُ لَمْ أَحِضْ ، فَاخْتَصَمَتَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ : هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكِ هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ 1210 1194 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْفَقِيهِ ( قَالَ : كَانَتْ عِنْدَ جَدِّي حَبَّانَ ) بْنَ مُنْقِذٍ ، بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الصَّحَابِيِّ ( امْرَأَتَانِ هَاشِمِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ ، فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ مُرْضِعٌ ، فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ هَلَكَ ) مَاتَ ( وَلَمْ تَحِضْ ) لِأَجْلِ الرَّضَاعِ ( فَقَالَتْ : أَنَا أَرِثُهُ ، لَمْ أَحِضْ ، فَاخْتَصَمَا ) أَيْ هِيَ وَالْهَاشِمِيَّةُ ( إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَامَتِ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ ، فَقَالَ : هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكِ ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا ، يَعْنِي ) بِابْنِ عَمِّهَا ( عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ) قَالَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ مَالِكٌ هَذَا الْأَثَرَ هُنَا ، وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْبَابِ وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ فِي جَامِعِ الطَّلَاقِ .
1193 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَقَالَ : إِذَا حِضْتِ ثُمَّ طَهُرْتِ فَآذِنِينِي ، فَلَمْ تَحِضْ حَتَّى مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ أَوْ تَطْلِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ غَيْرُهَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا . 1209 1193 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) تُمَاضِرَ الْكَلْبِيَّةَ ( سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَقَالَ : إِذَا حِضْتِ ثُمَّ طَهُرْتِ فَآذِنِينِي ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَالْمَدِّ ، أَعْلِمِينِي ( فَلَمْ تَحِضْ حَتَّى مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ ) بِمَدِّ الْأَلِفِ ، أَعْلَمَتْهُ ذَلِكَ بِرَسُولٍ بَعَثَتْهُ إِلَيْهِ ( فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ) ثَلَاثًا ( أَوْ تَطْلِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ عَلَيْهَا مِنَ الطَّلَاقِ غَيْرُهَا ) شَكَّ الرَّاوِي ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ) لِاتِّصَالِ مَرَضِهِ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ بِمَوْتِهِ ، وَهَذَا الْبَلَاغُ أَخْرَجَهُ بِنَحْوِهِ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَانَ فِي تُمَاضِرَ سُوءُ خُلُقٍ وَكَانَتْ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَلَمَّا مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْتِينِي الطَّلَاقَ لَأُطَلِّقَنَّكِ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّكَ ، فَقَالَ : أَمَّا لَا فَأَعْلِمِينِي إِذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ إِذًا ، فَلَمَّا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُعْلِمُهُ ، فَمَرَّ رَسُولُهَا بِبَعْضِ أَهْلِهِ ، فَقَالَ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ قَالَ : أَرْسَلَتْنِي تُمَاضِرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُعْلِمُهُ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا : لَا تَفْعَلِي فَوَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَرُدَّ قَسَمَهُ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ وَأَنَا لَا أَرُدُّ قَسَمِي ، فَأَعْلَمَهُ فَطَلَّقَهَا . وَعِنْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَ تُمَاضِرَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ تَطْلِيقَةً ، وَكَانَتْ آخِرَ طَلَاقِهَا . وَعَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهَا : أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، فَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا ، فَكَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ : إِذَا تَزَوَّجَتْ إِحْدَاكُنَّ فَلَا يَغْرُنَّكِ السَّبْعُ بَعْدَ مَا صَنَعَ بِيَ الزُّبَيْرُ .
1195 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ وَالْمِيرَاثُ ، الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ فِي هَذَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ . 1211 1195 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ ) لِقَضَاءِ عُثْمَانَ بِهِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ) كَمَا فِي الْقُرْآنِ ( وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ) كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى . ( وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ ) لِتُكْمِلَهُ بِالدُّخُولِ ( وَالْمِيرَاثُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ فِي هَذَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ ) إِذْ لَا فَرْقَ .
24 - باب مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ الْأَمَةَ إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ ، لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا عِتْقُهَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ يَعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا فَيَعْتِقُهَا : إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ مَا لَمْ يُصِبْهَا ، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا قَبْلَ عِتَاقِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِلَّا الْاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ . 24 - بَابُ عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا - ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ ) وَكَذَا الْحُرُّ ( الْأَمَةَ إِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ عَتَقَتْ بَعْدُ ) بِالضَّمِّ ، أَيْ بَعْدِ الطَّلَاقِ ( فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ لَا يُغَيِّرُ عِدَّتَهَا ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ ( عِتْقُهَا ) سَوَاءٌ ( كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ لَا تَنْتَقِلُ عِدَّتُهَا ) لِعِدَّةِ الْحُرَّةِ بِالْعِتْقِ ( وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدُّ يَقَعُ عَلَى الْعَبْدِ ثُمَّ تعْتِقُ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) أَيْ يَلْزَمُهُ ( فَإِنَّمَا حَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ ) نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ لِلُزُومِهِ لَهُ حَالَ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا يَنْقُلُهُ عِتْقُهُ ( وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ ) لِأَنَّ زَوَاجَ الْحُرِّ لَهَا لَا يَنْقُلُهَا لِحُكْمِ الْحَرَائِرِ ( وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ ( وَالرَّجُلُ يَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ ) أَيْ مُتَزَوِّجًا بِهَا ( ثُمَّ يَبْتَاعُهَا ثُمَّ يُعْتِقُهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ ) لِأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ صَادَفَهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَلَمْ يَنْقُلْهَا الْعِتْقُ بَعْدَهُ لِعِدَّةِ الْحُرَّةِ ( مَا لَمْ يُصِبْهَا ) يُجَامِعْهَا ( فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ مِلْكِهِ إِيَّاهَا قَبْلَ عَتَاقِهَا ) انْهَدَمَتْ عِدَّتُهَا لِفَسْخِ النِّكَاحِ بِالْمِلْكِ ، فَإِذَا أَعْتَقَهَا ( لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ ) وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ .
23 - بَاب مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ 1219 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ ، فَسَخِطَتْهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ، قَالَتْ : فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَتْ : فَكَرِهْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، فَنَكَحْتُهُ ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا ، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ . 23 - بَابُ مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ 1234 1219 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ، الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ الْأَعْوَرِ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ( مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ) الصَّحَابِيِّ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسِ ) بْنِ خَالِدٍ الْقُرَشِيَّةِ الْفِهْرِيَّةِ ، أُخْتِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَتْ أَسَنَّ مِنْهُ ، يُقَالُ بِعَشْرِ سِنِينَ ، كَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ذَاتَ جَمَالٍ وَعَقْلٍ ، وَفِي بَيْتِهَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الشُّورَى لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ ، قَدِمَتْ عَلَى أَخِيهَا الْكُوفَةَ وَهُوَ أَمِيرُهَا فَرَوَى عَنْهَا الشَّعْبِيُّ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ بِطُولِهَا ، فَانْفَرَدَتْ بِهَا مُطَوَّلَةً وَتَابَعَهَا جَابِرٌ وَغَيْرُهُ ( أَنَّ أَبَا عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنَ حَفْصِ ) بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيَّ الْمَخْزُومِيَّ الصَّحَابِيَّ ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : اسْمُهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ : عَبْدُ الْحَمِيدِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، وَأُمُّهُ دُرَّةُ بِنْتُ خُزَاعِيٍّ الثَّقَفِيَّةُ ، خَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ فَمَاتَ هُنَاكَ ، وَيُقَالُ بَلْ رَجَعَ إِلَى أَنْ شَهِدَ فُتُوحَ الشَّامِ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ نَاشِرَةَ بْنِ سُمَيٍّ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : إِنِّي أَعْتَذِرُ لَكُمْ مِنْ عَزْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ : عَزَلْتَ عَنَّا غُلَامًا اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَوْلُهُ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ ، هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَلَبَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَقَالَ : إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ عَمْرٍو ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ ( طَلَّقَهَا ) قَالَ عِيَاضٌ : كَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجَمِيعِ طَلَّقَهَا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ : هَلِ الْبَتَّةَ أَوِ الثَّلَاثَ أَوْ آخِرَةَ الثَّلَاثِ ، وَمَا يُوهِمُهُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا مُؤَوِّلٌ ( الْبَتَّةَ ) قَالَ فِي الْمُفْهِمِ : يَعْنِي بِهَا آخِرَةَ الثَّلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو طَلَّقَهَا آخَرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ طَلَّقَ بِلَفْظِ الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ آخِرَةُ الثَّلَاثِ الْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ بَتَّتِ الْعِصْمَةَ حَتَّى لَمْ تُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا ، وَلَمَّا كَمَّلَتْ هَذِهِ الطَّلْقَةُ الثَّلَاثَةَ عُبِّرَ عَنْهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالثَّلَاثِ ، يَعْنِي رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهَا ، قَالَتْ : طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا ، قَالَ : وَالرِّوَايَةُ الْمُفَسِّرَةُ قَاضِيَةٌ عَلَى غَيْرِهَا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ ( وَهُوَ غَائِبٌ بِالشَّامِ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَسَقَطَ عِنْدَ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِ بِالشَّامِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بقيت مِنْ طَلَاقِهَا ( فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ ؛ لِأَنَّهُ الْمُرْسِلُ ، كَذَا قَالَ السُّيُوطِيُّ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْجَهْمِ : سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ : أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي أَبُو عَمْرٍو عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بِطَلَاقٍ ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ وَخَمْسَةِ آصُعٍ مِنْ شَعِيرٍ ، فَقُلْتُ : أَمَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا هَذَا وَلَا أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ ؟ قَالَ : لَا ، وَصَرِيحُ هَذَا أَنَّ وَكِيلَهُ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ يَعُودُ عَلَى الزَّوْجِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ الْعَمَلُ بِالْوَكَالَةِ وَشُهْرَتُهَا عِنْدَهُمْ ، وَكَانَ إِرْسَالُ هَذَا الشَّعِيرِ مُتْعَةً فَحَسِبَتْهَا هِيَ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ ( فَسَخِطَتْهُ ) وَرَأَتْ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ ، فَأَخْبَرَهَا الْوَكِيلُ بِالْحُكْمِ ( فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ ) فَلَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا ( فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ) وَفِي نُسْخَةٍ : إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ : كَمْ طَلَّقَكِ ؟ فَقُلْتُ : ثَلَاثًا ، قَالَ : صَدَقَ ( لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ) لِأَنَّكِ بَائِنٌ وَلَا حَمْلَ بِكِ ( وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ) الْقُرَشِيَّةِ الْعَامِرِيَّةِ وَقِيلَ الْأَنْصَارِيَّةُ ، اسْمُهَا غُزَيَّةُ وَقِيلَ غُزَيْلَةُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فِيهِمَا ثُمَّ زَايٍ فِيهِمَا وَتَحْتِيَّةٍ وَلَامٍ عَلَى الثَّانِي . وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ) أَيْ يُلِمُّونَ بِهَا وَيَرِدُونَ عَلَيْهَا وَيَزُورُونَهَا لِصَلَاحِهَا ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَعْرُوفِ وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالتَّضْيِيفِ لِلْغُرَبَاءِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الْفَجْأَةِ ؛ إِذْ لَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْ تَكَرُّرِهِمْ إِلَيْهَا ، وَمَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِمَوْضِعٍ يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهِ التَّحَرُّزُ مِمَّنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ لَشَقَّ عَلَيْهَا التَّحَفُّظُ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِمْ إِلَيْهَا وَطُولِ إِقَامَتِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ عِنْدَهَا ، قَالَهُ عِيَاضٌ . ( اعْتَدِّي عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ) الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ ، أَسْلَمَ قَدِيمًا ، وَالْأَشْهَرُ فِي اسْمِ أَبِيهِ قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ ، وَاسْمُ أُمِّهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّةُ ، وَكَانَ اسْمُهُ عَمْرًا ، وَقِيلَ الْحُصَيْنُ ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ اسْمَانِ ، شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ اسْتُشْهِدَ بِهَا ، وَقِيلَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا ( فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ ) وَلَا يَرَاكِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ وَأُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا كَرَأْسِهَا وَمَوْضِعِ الْخَصْرِ مِنْهَا ، وَعُورِضَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا وَلِمَيْمُونَةَ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقَالَتَا : إِنَّهُ أَعْمَى ، فَقَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ ؟ وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ تَغْلِيظٌ عَلَى أَزْوَاجِهِ فِي الْحِجَابِ لِحُرْمَتِهِنَّ ، فَكَمَا غَلَّظَ الْحِجَابَ عَلَى الرِّجَالِ فِيهِنَّ غَلَّظَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى الرِّجَالِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا كَمَا عَلَى الرَّجُلِ غَضُّهُ كَمَا نَصَّ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ، وَإِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ . فَلَا يُخْشَى لِعَمَاهُ مَا يُخْشَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ النَّظَرِ لِتَرَدُّدِهِ لِلْمُجَاوِرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ ، وَلِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي التَّحَرُّزِ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهَا الِاعْتِدَادَ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ لِضَرُورَتِهَا إِلَى ذَلِكَ ، وَلَا ضَرُورَةَ بِأَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 32 ) يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ وَمَنْ وَافَقَهُ . ( فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ ، أَعْلِمِينِي . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ وَفِي أُخْرَى لَهُ : وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ قِيلَ : فِيهِ جَوَازُ التَّعْرِيضِ ، وَاسْتَبْعَدَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ آذِنِينِي وَلَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ غَيْرُ أَمْرِهَا بِالتَّرَبُّصِ دُونَ تَسْمِيَةِ زَوْجٍ ، وَالتَّعْرِيضُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ ، أَمَّا الْمَجْهُولُ فَلَا تَعْرِيضَ فِيهِ وَلَا مُوَاعَدَةَ ، وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْ أَجْنَبِيًّا قَالَ لَهَا : إِذَا حَلَلْتِ زَوَّجْتُكِ أَوْ لَا تَتَزَوَّجِي أَحَدًا حَتَّى تُشَاوِرِينِي ، لَمْ يَكُنْ تَعْرِيضًا وَلَا مُوَاعَدَةً فِي الْعِدَّةِ ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي مَنْعِ التَّعْرِيضِ وَالْمُوَاعَدَةِ وَالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ ؛ إِذْ لَمْ يَفْعَلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَرَدَّهُ الزَّوَاوِيُّ وَالْأَبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ التَّعْرِيضَ فِي الْقُرْآنِ ، قَالَ الزَّوَاوِيُّ : وَالتَّرْكُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَا لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ لِمَعْنًى عَادِيٍّ أَوْ طَبْعِيٍّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَرِهَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَقُولَ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَنَظَرَ فِيهِ الْأَبِيُّ بِأَنَّهُ كَرِهَ هَذَا مِنَ الْخَاطِبِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ وَكَّلَهُ وَلَمْ يَكُنْ صلى الله عليه وسلم خَاطِبًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ ( قَالَتْ : فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيِّ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : غَلَطٌ صَرِيحٌ ( وَأَبَا جَهْمٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ، مُكَبِّرٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَلَا يُنْكَرُ فِيهِ التَّصْغِيرُ ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ القرشي الْعَدَوِيُّ ، وَهُوَ صَاحِبُ الْإَنْبِجَانِيَّةِ ، وَذَكَرَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَلَمْ يَنْسُبُوهُ إِلَّا يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ فَقَالَ : ( ابْنَ هِشَامٍ ) وَهُوَ غَلَطٌ وَلَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ ، وَلَمْ يُوَافِقْ يَحْيَى عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَلَا غَيْرِهِمْ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنُ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ يَحْيَى ( خَطَبَانِي ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَخَطَبَنِي خُطَّابٌ مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ ، وَأَبُو جَهْمٍ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَقَافٍ ، مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ ، أَيْ أَنَّهُ كَثِيرُ الْأَسْفَارِ أَوْ كَثِيرُ الضَّرْبِ لِلنِّسَاءِ ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ ، وَالْقُرْطُبِيُّ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٍ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَفِي أُخْرَى لَهُ : وَأَبُو الْجَهْمِ فِيهِ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ أَوْ نَحْوِ هَذَا ، وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِهِنَّ لِإِخْبَارِهِ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يَنْهَهُ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ يُؤَدِّبُهُنَّ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَضَرْبُهُنَّ الْيَسِيرُ لِلْأَدَبِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَمَّهُ بِكَثْرَتِهِ ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ خُلُقُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا خِلَافَ فِي ضَرْبِهِنَّ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لِلنُّشُوزِ وَمَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِفْرَاطَ وَمُجَاوَزَةَ الْحَدِّ فِي أَدَبِهِنَّ مَمْنُوعٌ وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةٌ ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ؛ إِذْ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُبَالِغَةِ فِي الْكَلَامِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَذِبًا وَلَا تُوجِبُ الْحِنْثَ فِي الْأَيْمَانِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ فِي حَالِ نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَثُرَ حَمْلُهُ لِلْعَصَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظَ مَجَازًا ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . ( وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ، فَقِيرٌ ( لَا مَالَ لَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ بِالْفَوْقِيَّةِ وَالرَّاءِ ، أَيْ فَقِيرٌ ، يُقَالُ : رَجُلٌ تَرِبٌ أَيْ فَقِيرٌ ، وَفِيهِ مُرَاعَاةُ الْمَالِ لَا سِيَّمَا فِي الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ بِحُقُوقِ الْمَرْأَةِ وَجَوَازِ عُيُوبِ الرَّجُلِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِشَارَةِ . ( انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ) الْحِبُّ ابْنُ الْحِبِّ ، الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ ، الْخَلِيقُ كُلُّ مِنْهُمَا لِلْإِمَارَةِ بِالنَّصِّ النَّبَوِيِّ ، قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ إِشَارَةُ الْمُسْتَشَارِ بِغَيْرِ مَنِ اسْتُشِيرَ فِيهِ ، قِيلَ : وَجَوَازُ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُرَاكَنَةَ وَنِكَاحَ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ مَوْلًى وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ ، اهـ . وَيَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ مَنِ اسْتُشِيرَ فِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ ، وَأَبُو جَهْمٍ ، وَأُسَامَةُ ، فَقَالَ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ ، وَلَكِنَّ أُسَامَةَ ( قَالَتْ : فَكَرِهْتُهُ ) لِشِدَّةِ سَوَادِهِ وَلِأَنَّهُ مَوْلًى ، وَلِمُسْلِمٍ : فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ ، أُسَامَةُ ! ( ثُمَّ قَالَ : انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ) وَلِمُسْلِمٍ : فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ ( فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ حَصَلَ لِي مِنْهُ مَا قَرَّتْ عَيْنِي بِهِ وَمَا يُغْبَطُ فِيهِ وَيُتَمَنَّى ؛ لِقَبُولِي نَصِيحَةَ سَيِّدِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَانْقِيَادِي لِإِشَارَتِهِ فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَتَزَوَّجْتُهُ فَشَرَّفَنِي اللَّهُ بِابْنِ زَيْدٍ ، وَكَرَّمَنِي اللَّهُ بِابْنِ زَيْدٍ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَائِنَ الْحَائِلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 6 ) فَمَفْهُومُهُ لَوْ لَمْ يَكُنَّ حَامِلَاتٍ فَلَا نَفَقَةَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا وَهُوَ نَصُّ الْحَدِيثِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَهَا السُّكْنَى عِنْدَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَحْمَدُ : لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ : لَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى وَلِنَقْلِهَا إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَقَالَ عُمَرُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَسْكِنُوهُنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 6 ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ قِيَاسًا عَلَى السُّكْنَى ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ : لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، قَالَ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَوْلُهُ : سُنَّةَ نَبِيِّنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : الَّذِي فِي كِتَابِ رَبِّنَا إِنَّمَا هُوَ النَّفَقَةُ لِأُولَاتِ الْحَمْلِ ، وَبِحَسَبِ الْحَدِيثِ لَهَا السُّكْنَى لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : أَسْكِنُوهُنَّ الْآيَةَ ، فَلَا حُجَّةَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ : وَالنَّفَقَةُ ، انْتَهَى . وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ ، بِأَنَّ حَبْسَهَا صِيَانَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلزَّوْجِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَكَانَ لَهُ إِسْقَاطُهُ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ . وَعَنِ الْقِيَاسِ عَلَى السُّكْنَى بِالْفَرْقِ بِأَنَّ النَّفَقَةَ سَبَبُهَا التَّمْكِينُ وَهُوَ مُنْتَفٍ ، وَالسُّكْنَى سَبَبُهَا الْحَبْسُ عَنِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَإِنَّمَا نَقَلَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ لِأَنَّ مَكَانَهَا كَانَ وَحْشًا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ فَاطِمَةَ نَفْسِهَا : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ ، فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : لِأَنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا بِلِسَانِهَا ، فَأَمَرَهَا بِالِانْتِقَالِ عَنْهُمْ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا ، وَلَوْ سَقَطَتِ السُّكْنَى لَمْ يَقْصُرْهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى بَيْتٍ مُعَيَّنٍ ، قَالَ فِي الْمُفْهِمِ : الْأَوْلَى التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا خَافَتْ عَوْرَةَ الْمَنْزِلِ ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تَنْتَقِلُ لِذَلِكَ ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ رَغِبَ الصَّحَابَةُ فِي زَوَاجِهَا ، وَاخْتَارَهُ الْمُصْطَفَى لِحِبِّهِ وَابْنِ حِبِّهِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرْغَبُوا فِيهَا وَلَا اخْتَارَهَا لِأُسَامَةَ ، حَسْبُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَوْلُهُ : تِلْكَ امْرَأَةٌ لَسِنَةٌ أَيْ سَيِّئَةُ اللِّسَانِ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ سَلِطَةً وَأَنَّهَا اسْتَطَالَتْ بِلِسَانِهَا عَلَى أَحْمَائِهَا ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ ، وَأَنَّ هَذَا الْخَشِنَ مِنَ الْقَوْلِ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَوْقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَذَا قَالَ ، وَقَدِ اسْتَطَالَ عَلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَهُوَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ بِالظَّنِّ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ، بَلْ وَافَقَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، بَلْ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِفَاطِمَةَ : أَخْرَجَكِ هَذَا اللِّسَانُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ الْمُطَّلَقَةِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، أَيْ عَدَمَ السُّكْنَى ، قَالَ الْحَافِظُ : أَخَذَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ ، فَرَتَّبَ الْجَوَازَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا خَشْيَةَ الِاقْتِحَامِ عَلَيْهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ مُطَلِّقِهَا فُحْشٌ فِي الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَارَضَةً لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا مَعًا فِي شَأْنِهَا ، اهـ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَرْوَانَ لِعَائِشَةَ : إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ سَبَبُ خُرُوجِهَا مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ ، نَعَمْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِطَالَتِهَا السَّبَّ وَلَا الشَّتْمَ بَلْ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ الْمُسَامَحَةِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ رَغْبَةَ الصَّحَابَةِ فِي زَوَاجِهَا لِأَنَّهُ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا وَنَسَبِهَا وَسَابِقَتِهَا لِلْإِسْلَامِ ، وَفِي ذَلِكَ كَانُوا يَرْغَبُونَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عن القعنبي كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ أَبُو حَازِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِنَحْوِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ .
1220 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ ، وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1235 1220 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : الْمَبْتُوتَةُ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ ) بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِنَصِّ الْآيَةِ ( وَلَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيُنْفَقُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 6 ) وَدَلِيلُ خِطَابِهِ لَا نَفَقَةَ إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ فَاطِمَةَ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . وَفِي مُسْلِمٍ : أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَ إِلَى فَاطِمَةَ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنِ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ بِهِ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : لَمْ يُسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وُجِدَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) الْآيَةَ ، قَالَتْ : هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ : فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ : لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا ، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا ؟ أَيْ سَنَأْخُذُ بِالْأَمْرِ الَّذِي اعْتَصَمَ النَّاسُ بِهِ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ ، وَرُوِيَ بِالْقَضِيَّةِ وَلَهُ مَعْنًى مُتَّجَهٌ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهَا فِي قَوْلِهَا إنَّ الْآيَةَ فِي الرَّجْعِيَّةِ لِأَنَّهَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ رَجْعِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، وَقَوْلُهُ : لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ، لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَمْ تَأْتِ لِلْإِخْرَاجِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِلنَّهْيِ عَنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ فِي الزِّيَادَةِ فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . قَالَ الزَّوَاوِيُّ : وَفِيهِ تَقْدِيمُ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خَبَرِ الْآحَادِ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا وُجِدَ عَلَيْهِ النَّاسُ عِصْمَةً وَحُجَّةً رَدَّ بِهَا خَبَرَ فَاطِمَةَ ، أَيْ فَهْمَهَا إِيَّاهُ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ إِخْرَاجَهَا كَانَ لِعِلَّةٍ ، وَلِذَا قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَيْرٌ أَنْ نَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
1217 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا ، حَتَّى رَاجَعَهَا . 1232 1217 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فِي مَسْكَنِ حَفْصَةَ ) أُخْتِهِ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ طَرِيقُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ يَسَلُكُ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى مِنْ أَدْبَارِ الْبُيُوتِ كَرَاهِيَةَ - بِخِفَّةِ الْيَاءِ - ( أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا ) مِنْ شِدَّةِ وَرَعِهِ ( حَتَّى رَاجَعَهَا ) لِعِصْمَتِهِ .
1218 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ ، عَلَى مَنْ الْكِرَاءُ ؟ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : عَلَى زَوْجِهَا ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَوْجِهَا ؟ قَالَ : فَعَلَيْهَا ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا ؟ قَالَ : فَعَلَى الْأَمِيرِ . 1233 1218 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ ، عَلَى مَنِ الْكِرَاءُ ؟ ) فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ ( فَقَالَ سَعِيدٌ : عَلَى زَوْجِهَا ، قَالَ ) السَّائِلُ ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ زَوْجِهَا ) شَيْءٌ لِلْكِرَاءِ ( قَالَ ) سَعِيدٌ : ( فَعَلَيْهَا ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا ، قَالَ : فَعَلَى الْأَمِيرِ ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
1216 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ ، فَانْتَقَلَتْ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . 1231 1216 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ نُفَيْلٍ ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، الْعَدَوِيِّ ، أَحَدِ الْعَشَرَةِ ( كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ) الْأُمَوِيِّ ، لَقَبُهُ الْمُطْرَفُ ، بِسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، ثِقَةٌ ، مَاتَ بِمِصْرَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ ( فَطَلَّقَهَا الْبَتَّةَ فَانْتَقَلَتْ ) مِنْ بَيْتِهَا ( فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ) الِانْتِقَالَ ( عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) لِمُخَالَفَةِ الْقُرْآنِ .
22 - بَاب مَا جَاءَ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا إِذَا طُلِّقَتْ فِيهِ 1215 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا ، فَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ : إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي ، وَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ : أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ . 22 - بَابُ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا إِذَا طُلِّقَتْ فِيهِ 1230 1215 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمِلَةٍ خَفِيفَةٍ ( أَنَّهُ ) أَيْ يَحْيَى ( سَمِعَهُمَا ) الْقَاسِمَ ، وَسُلَيْمَانَ ( يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي ) الْأُمَوِيَّ أَخَا عَمْرٍو الْأَشْدَقِ ، تَابِعِيٌّ ، ثِقَةٌ ، مَاتَ فِي حُدُودِ الثَّمَانِينَ ( طَلَّقَ ابْنَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ ) بْنِ الْعَاصِي ، أَخِي مَرْوَانَ ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : هِيَ عَمْرَةُ فِيمَا أَظُنُّ ( الْبَتَّةَ ، فَانْتَقَلَهَا ) أَيْ نَقَلَهَا أَبُوهَا ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ) عَمِّ الْمُطَلَّقَةِ ( وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ) مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ ) يَا مَرْوَانُ ( وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا ) تَعْتَدَّ فِيهِ ( فَقَالَ مَرْوَانُ ) مُجِيبًا لِعَائِشَةَ ( فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ ) بْنِ يَسَارٍ ( إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي ) فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهَا ( وَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ ) مُجِيبًا لِعَائِشَةَ أَيْضًا : ( أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؟ ) حَيْثُ لَمْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَانْتَقَلَتْ إِلَى غَيْرِهِ ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ ) لِمَرْوَانَ ( لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ) لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّعْمِيمِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِعِلَّةٍ ، وَيَجُوزُ انْتِقَالُ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ مَنْزِلِهَا بِسَبَبٍ . وَفِي الْبُخَارِيِّ : عَابَتْ عَائِشَةُ ، أَيْ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَشَدَّ الْعَيْبِ ، وَقَالَتْ : إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا ، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِانْتِقَالِ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ . ( فَقَالَ مَرْوَانُ ) لِعَائِشَةَ : ( إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ ) أَيْ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ ( فَحَسْبُكِ ) أَيْ يَكْفِيكِ فِي جَوَازِ انْتِقَالِ عَمْرَةَ ( مَا بَيْنَ هَذَيْنِ ) عَمْرَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ( مِنَ الشَّرِّ ) الْمُجَوِّزِ لِلِانْتِقَالِ ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1206 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا انْتَقَلَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ : صَدَقَ عُرْوَةُ ، وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ فَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] فَقَالَتْ عَائِشَةُ : صَدَقْتُمْ تَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ ، إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ . 1221 1206 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ ) أَيْ نَقَلَتْ ( حَفْصَةَ ابْنَةَ ) شَقِيقِهَا ( عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) لَمَّا طَلَّقَهَا الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ( حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ) لِتَمَامِ عِدَّتِهَا ؛ إِذِ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةِ ، أَحَدِ الْمُكْثِرِينَ عَنْ عَائِشَةَ ( فَقَالَتْ : صَدَقَ عُرْوَةُ ) فِيمَا رَوَى عَنْ عَائِشَةَ ( وَقَدْ جَادَلَهَا ) خَاصَمَهَا بِشِدَّةٍ ( فِي ذَلِكَ نَاسٌ فَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ تَمْضِي مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ ، جَمْعُ قَرْءٍ ، بِفَتْحِ الْقَافِ ( فَقَالَتْ : صَدَقْتُمْ ) فِي أَنَّهُ قَالَهُ ، وَلَكِنْ ( تَدْرُونَ ) بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ أَتَعْلَمُونَ ( مَا الْأَقْرَاءُ ؟ ) جَمْعُ قُرْءٍ ، بِالضَّمِّ ، مِثْلَ قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ ( إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ تَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ وَلَا الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْقُرْءَ لُغَةً يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضَةِ ، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ فِي الْآيَةِ ، فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : الْأَطْهَارُ ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : الْحَيْضُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ : ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ لِلْعِدَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي طُهْرٍ ، فَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) وَقُرِئَ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ أَيْ لِاسْتِقْبَالِهَا ، وَنَهَى عَنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقْبِلُ الْعِدَّةَ فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْءَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْقُرْءَ مَهْمُوزٌ وَهَذَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَصْلُ الْقَرْءِ الْوَقْتُ ، يُقَالُ : أَقَرَأَتِ النُّجُومُ إِذَا طَلَعَتْ لِوَقْتِهَا . وَقَالَ عِيَاضٌ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ هَلْ هُوَ الْحَيْضُ أَوِ الطُّهْرُ أَوْ مُشْتَرَكٌ ؟ فَتَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا أَوْ حَقِيقَةً فِي الْحَيْضِ مَجَازًا فِي الطُّهْرِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الِانْتِقَالُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ دُونَ كَوْنِهِ اسْمًا لِلطُّهْرِ أَوِ الْحَيْضِ ، فَمَعْنَى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ثَلَاثُ انْتِقَالَاتٍ ، وَإِذَا عُلِمَ مَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ اتَّضَحَ فَقِيلَ : مِنَ الْوَقْتِ ، فَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْجَمْعِ ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَطْهَارِ ، وَقِيلَ : مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، فَيَكُونُ ظَاهِرًا فِي الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا ، لَكِنَّ الثَّلَاثَ انْتِقَالَاتٍ إِنَّمَا تَسْتَقِيمُ بِالِانْتِقَالِ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الْحَيْضِ لَا عَكْسِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَا يَجُوزُ ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالِانْتِقَالِ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الْحَيْضِ ، وَلِذَا كَانَ اسْتِبْرَاءُ الْإِمَاءِ بِالْحَيْضِ لِأَنَّ مَجِيئَهُ غَالِبًا دَلِيلٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَلَا يَدُلُّ مَجِيءُ الطُّهْرِ عَلَى بَرَاءَتِهِ إِذْ قَدْ تَحْمِلُ فِي آخِرِ حَيْضِهَا ، فَكَانَتِ الثَّلَاثُ فِي الْحَرَائِرِ كَالْوَاحِدَةِ فِي اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهُوَ حَسَنٌ دَقِيقٌ .
1209 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا دَخَلَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَ . 1223 1209 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ أَوِ الْعَشَرَةِ ( وَابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا دَخَلَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مَنْ زَوْجِهَا وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ) لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ .
1210 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1225 1210 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا ) فَلَا إِرْثَ وَلَا رَجْعَةَ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ بِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ الْقَوْلَانِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا الْأَطْهَارُ مُخَالَفَةُ الْقُرْآنِ لِاعْتِدَادِهَا عِنْدَهُمْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ قَلَّ فَيَكُونُ عِدَّتُهَا قُرْأَيْنِ وَنِصْفًا ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - جَعَلَهَا ثَلَاثَةً ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَيْضَ كَانَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ كَامِلَةٍ لِحُرْمَةِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَحَمَلَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ ابْنَ شِهَابٍ عَلَى أَنْ قَالَ : الطُّهْرُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ انْفَرَدَ بِهِ دُونَ جَمِيعِ مَنْ قَالَ : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ، وَأَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الِانْتِقَالُ مَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، فَمَا بَقِيَ مِنَ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ فِيهِ الِانْتِقَالُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، فَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْعِدَّةُ بِثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كَامِلَةٍ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ ثَلَاثَةً ، قَالَ تَعَالَى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 197 ) وَمَا الْحَجُّ إِلَّا شَهْرَانِ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ .
21 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ 1205 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ . 21 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ وَطَلَاقِ الْحَائِضِ 1220 1205 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَظَاهِرُهَا الْإِرْسَالُ ؛ إِذْ نَافِعٌ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ ، فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ فِي الْمُوَطَّأِ كَيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِمَا ، مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ( طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ) هِيَ آمِنَةُ ، بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، بِنْتُ غِفَارٍ ، بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ ، كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ نُقْطَةَ وَعَزَاهُ لِابْنِ سَعْدٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ كَذَلِكَ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي الْفُضَيْلِ بْنِ نَاصِرٍ ، أَوْ بِنْتِ عَمَّارٍ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ : اسْمُهَا النَّوَارُ ، فَيُمْكِنُ أَنَّ اسْمَهَا آمِنَةُ وَلَقَبَهَا النَّوَارُ ، صَحَابِيَّةٌ ( وَهِيَ حَائِضٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، زَادَ اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ : جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، قَالَ عِيَاضٌ : يَعْنِي أَنَّهُ حَفِظَ وَأَتْقَنَ مَا لَمْ يُتْقِنْهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يُفَسِّرْ كَمِ الطَّلَاقُ ، وَمِمَّنْ غَلِطَ وَوَهِمَ وَقَالَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ( عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ) عَنْ حُكْمِ طَلَاقِ ابْنِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ سُؤَالَ عُمَرَ لِأَنَّ النَّازِلَةَ لَمْ تَكُنْ وَقَعَتْ فَسَأَلَ لِيَعْلَمَ الْحُكْمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 228 ) وَالْحَيْضُ لَيْسَ بِقُرْءٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانِ الْحُكْمِ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ النَّهْيَ ، وَالْأَوْسَطُ أَقْوَاهَا ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِعُمَرَ ( مُرْهُ ) أَصْلُهُ اأْمُرْهُ بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى لِلْوَصْلِ مَضْمُومَةٌ تَبَعًا لِلْعَيْنِ مِثْلَ افْعَلْ وَالثَّانِيَةُ فَاءُ الْكَلِمَةِ سَاكِنَةٌ تُبْدَلُ تَخْفِيفًا مِنْ جِنْسِ حَرَكَةِ سَابِقَتِهَا فَيُقَالُ أومُرْ ، فَإِذَا وُصِلَ الْفِعْلُ بِمَا قَبْلَهُ زَالَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ وَسَكَنَتِ الْهَمْزَةُ الْأَصْلِيَّةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ( سُورَةُ طه : الْآيَةُ 132 ) لَكِنِ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ بِلَا هَمْزٍ فَقَالُوا مُرْ لِكَثْرَةِ الدَّوْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ حَذَفُوا أَوَّلًا الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ تَخْفِيفًا ثُمَّ حَذَفُوا هَمْزَةَ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا لِتَحَرُّكِ مَا بَعْدَهَا ، أَيْ مُرِ ابْنَكَ عَبْدَ اللَّهِ ( فَلْيُرَاجِعْهَا ) وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَلِلنَّدْبِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ أَبُوهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ الشَّرْعَ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُبَلِّغٌ عَنْهُ ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 2 ) وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ بِالرَّجْعَةِ أَوِ الْفِرَاقِ بِتَرْكِهَا ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَدِيثِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِيهِ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ بِنَاهِضٍ ؛ إِذِ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيُخَصُّ عُمُومُ الْآيَاتِ بِمَنْ لَمْ يُطَلِّقْ فِي الْحَيْضِ ( ثُمَّ يُمْسِكْهَا ) أَيْ يُدِيمُ إِمْسَاكَهَا وَإِلَّا فَالرَّجْعَةُ إِمْسَاكٌ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ : ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا ، وَلِإِسْمَاعِيلَ : ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا بِإِعَادَةِ اللَّامِ مَكْسُورَةً وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا بِقِرَاءَةِ : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ( سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 29 ) فَالْكَسْرُ عَلَى الْأَصْلِ فِي لَامِ الْأَمْرِ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ لَامِ التَّأْكِيدِ وَالسُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ إِجْرَاءً لِلْمُنْفَصِلِ مَجْرَى الْمُتَّصِلِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ لْيَدَعْهَا ( حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ) حَيْضَةً أُخْرَى ( ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ) أَيْ بَعْدَ الطُّهْرِ مِنَ الْحَيْضِ الثَّانِي ( وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : طَلَّقَهَا ( قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ) وَلِإِسْمَاعِيلَ : يَمَسَّهَا أَيْ يُجَامِعَهَا ، فَيُكْرَهُ فِي طُهْرٍ مَسَّ فِيهِ لِلتَّلْبِيسِ إِذْ لَا يَدْرِي أَحَمَلَتْ فَتَعْتَدُّ بِالْوَضْعِ أَوْ لَا فَبِالْأَقْرَاءِ ، وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَمْلُ فَيَنْدَمُ عَلَى الْفِرَاقِ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى جَبْرِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ كَالْمُطَلِّقِ فِي الْحَيْضِ ، فَإِنْ قِيلَ : لِمَ أَمَرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الطَّلَاقَ إِلَى الطُّهْرِ الثَّانِي ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ حَيْضَ الطَّلَاقِ وَالطُّهْرِ التَّالِي لَهُ بِمَنْزِلَةِ قُرْءٍ وَاحِدٍ ، فَلَوْ طَلَّقَ فِيهِ لَصَارَ كَمُوقِعِ طَلْقَتَيْنِ فِي قُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقِ السُّنَّةِ ، وَبِأَنَّهُ عَاقَبَهُ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاقِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ جَزَاءً بِمَا فَعَلَهُ مِنَ الْحَرَامِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ ، وَهَذَا مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ وَلِمَ يَتَحَقَّقْهُ وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِعُقُوبَتِهِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَغَيُّظَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ أَنْ يَعْذِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الظُّهُورِ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ، وَبِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَرَّطَ بِتَرْكِ السُّؤَالِ قَبْلَ الْفِعْلِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ فَعُوقِبَ عَلَى تَرْكِهِ السُّؤَالَ ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّأْخِيرِ لِئَلَّا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الطَّلَاقِ لَوْ طَلَّقَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الطُّهْرِ الثَّانِي ، وَكَمَا يُنْهَى عَنِ النِّكَاحِ لِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ يُنْهَى عَنِ الرَّجْعَةِ لَهُ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُطَلِّقَ أَحَدٌ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمَنْ نَكَحَ لِلطَّلَاقِ لَا لِلنِّكَاحِ ، وَقِيلَ : لِيَطُولَ مُقَامُهُ مَعَهَا ، وَالظَّنُّ بِابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ ، فَلَعَلَّهُ إِذَا وَطِئَ تَطِيبُ نَفْسُهُ وَيُمْسِكُهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِرْصًا عَلَى رَفْعِ الطَّلَاقِ وَحَضًّا عَلَى بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، حَكَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَسَالِمُ بْنُ عُمَرَ بِلَفْظِ : حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، فَلَمْ يَقُولُوا ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ كَمَا قَالَ نَافِعٌ ، نَعَمْ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ نَافِعٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ خُصُوصًا إِذَا كَانَ حَافِظًا . وَلَفْظُ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا . ( فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ) أَيْ أَذِنَ ( أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَقَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَيْ فِي اسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ ، وَهَذِهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى التَّفْسِيرِ لَا عَلَى التِّلَاوَةِ ، وَهِيَ تُصَحِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ الْأَطْهَارُ ، إِذْ لَا يُسْتَقْبَلُ فِي الْحَيْضِ عِدَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَلَا يُجْتَزَى بِهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ فِي الصَّحِيحِ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي الْحَيْضِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالْمُرَاجَعَةِ فَائِدَةٌ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : إِذِ الْمُرَاجَعَةُ لَا تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ طَلَاقٍ يُعْتَدُّ بِهِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَهُمْ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ وَدَاوُدُ فِي قَوْلِهِمْ : لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْحَائِضِ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا وَالَّذِي حَسِبَ حِينَئِذٍ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ شُووِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَفْتَى فِيهَا ، فَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا ابْنُ عُمَرَ طَلْقَةً مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ : أَنَّ إِلْزَامَ الطَّلَاقِ تَغْلِيظٌ وَمَنْعَهُ تَخْفِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَلَا الْمَجْنُونَ وَلَا النَّائِمَ وَيَلْزَمُ السَّكْرَانَ ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ ، فَإِذَا لَزِمَ مَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَانَ إِلْزَامُهُ لِمَنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ أَحْرَى . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ وَإِنْ كَرِهَهُ جَمِيعُهُمْ ، وَلَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْلِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ لَا يَقَعُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَهُوَ شُذُوذٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ : أَيُعْتَدُّ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ ، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ : فَمَهْ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ، أَيْ عَجَزَ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، أَكَانَ يُعْذَرُ ؟ وَكَانَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ : إِنْ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ وَهِيَ حَائِضٌ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَنْ تُرَاجِعَهَا ، وَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَلَاثًا كَانَ أَوْ وَاحِدَةً ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْبِ كَالصَّلَاةِ فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى سَبَبِهَا وَإِنَّمَا هُوَ زَوَالُ عِصْمَةٍ ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى غَيْرِ سَبَبِهِ أَثِمَ وَلَزِمَهُ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَلْزَمَ الْمُطِيعَ الْمُتَّبِعَ لِلسُّنَّةِ طَلَاقُهُ وَلَا يَلْزَمَ الْعَاصِيَ ، فَيَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُطِيعِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ( سُورَةُ الطَّلَاقِ : الْآيَةُ 1 ) أَيْ عَصَى رَبَّهُ وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُطَلِّقُ فِي الْحَيْضِ ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ الْحَائِلِ بِغَيْرِ رِضَاهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ ، وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ : لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً ؛ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْمُرَاجَعَةِ ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ تَكُنْ رَجْعَةٌ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ الرَّجْعَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ الرَّدُّ إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ ، غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَةً ، اهـ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَيُحْتَسَبُ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِيُرَاجِعْهَا ، فَرَدَّهَا ، وَقَالَ : إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ يُمْسِكْ وَزَادَ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِيهِ : وَلَمْ يَرَهَا ، أَعَلَّهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ جَمَاعَةٌ ، وَأَحَادِيثُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَقُلْهَا غَيْرُ أَبِي الزُّبَيْرِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ؟ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : نَافِعٌ أَثْبَتُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَالْأَثْبَتُ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ إِذَا تَخَالَفَا ، وَقَدْ وَافَقَ نَافِعًا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّثَبُّتِ ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ : لَمْ يَرَهَا شَيْئًا ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعِدَّهَا شَيْئًا صَوَابًا ، فَهُوَ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ أَوْ فِي جَوَابِهِ : لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، أَيْ شَيْئًا صَوَابًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَرَهَا شَيْئًا تَحْرُمُ مَعَهُ الْمُرَاجَعَةُ ، وَقَدْ تَابَعَ أَبَا الزُّبَيْرِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ بَعْضِ الثِّقَاتِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ : مُرْهُ ، فَأَمَرَهُ بِأَمْرِهِ وَأَطَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا تَوَجَّهَ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يَأْمُرَ مُكَلَّفًا آخَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ ، فَالْمُكَلَّفُ الْأَوَّلُ مُبَلِّغٌ مَحْضٌ وَالثَّانِي مَأْمُورٌ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ كَمَا هُنَا ، وَإِنْ تَوَجَّهَ مِنَ الشَّارِعِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَحَدِيثِ : مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِالشَّيْءِ ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ الْوُجُوهُ ، وَإِنْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ بِأَمْرِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ لَا أَمْرَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنِ الْآمِرُ بِالشَّيْءِ آمِرًا بِالشَّيْءِ أَيْضًا بَلْ هُوَ مُتَعَدٍّ بِأَمْرِهِ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْمُرَ الثَّانِيَ ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ غَيْرُ مَا ذُكِرَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، وَتَابَعَهُ سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى فِيهِمَا وَفِي غَيْرِهِمَا .
1213 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ . 1228 1213 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْأَقْرَاءُ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ .
1214 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَّ امْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا : إِذَا حِضْتِ فَآذِنِينِي ، فَلَمَّا حَاضَتْ آذَنَتْهُ فَقَالَ : إِذَا طَهُرْتِ فَآذِنِينِي ، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ فَطَلَّقَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 1229 1214 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَوْجُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَأَنَّهُ غَيْرُهُ ( أَنَّ امْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا : إِذَا حِضْتِ فَآذِنِينِي ) بِالْمَدِّ ، أَعْلِمِينِي ( فَلَمَّا حَاضَتْ آذَنَتْهُ ، فَقَالَ : إِذَا طَهُرْتِ فَآذِنِينِي ، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ فَطَلَّقَهَا ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) أَيْ طَلَاقِهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
1208 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ الْأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا . 1223 1208 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) مَوْلَى عُمَرَ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ الْأَحْوَصَ ) بِالْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْنَ عَبْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ ، ذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ ، وَالْبَلَاذُرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى الْبَحْرِينِ ، وَسَعَى لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صُحْبَةٌ وَأَنَّهُ عَمَّرَ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا ، وَمِنْ وَلَدِهِ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَحْوَصِ ، لَهُ ذِكْرٌ بِالشَّامِ فِي أَيَّامِ بَنِي مَرْوَانَ ، وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَامِلًا أَيْضًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى بَعْضِ الشَّامِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْأَحْوَصَ بْنَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانَ بْنَ الْأَحْوَصِ ، قَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ : الْأَقْوَى أَنَّ الْقِصَّةَ لِلْأَحْوَصِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُسَمَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ ، لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ لَا الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ : الْأَحْوَصُ ( هَلَكَ ) مَاتَ ( بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : طَلْقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ( فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ ، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : فَسَأَلَ عَنْهَا فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ فِيهَا عِلْمًا ، فَبَعَثَ رَاكِبًا ( إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيدٌ : أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا ) مِثْلُ سَلِمَ وَزْنًا وَمَعْنًى ، أَيِ انْقَطَعَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا ( وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا ) لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ ، فَفِي هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ .
1207 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا ، يُرِيدُ قَوْلَ عَائِشَةَ . 1221 1207 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ : مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا ) وَفِي نُسْخَةٍ ذَلِكَ ( يُرِيدُ قَوْلَ عَائِشَةَ ) إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَتِلْكَ الْعِدَّةُ ؛ إِذْ لَوْ أَرَادَ الْأَطْهَارَ لَقَالَ : فَذَلِكَ كَمَا زَعَمَ الْمُخَالِفُ ؛ لِأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ أَوِ الْعِدَّةِ .
1211 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا طُلِّقَتْ الْمَرْأَةُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ . 1226 1211 - ( مَالِكٌ ، عَنِ الْفُضَيْلِ ) بِضَمِّ الْفَاءِ ، مُصَغَّرٌ ( ابْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ( مَوْلَى الْمَهْرِيِّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ( أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يَقُولَانِ : إِذَا طُلِّقَتِ الْمَرْأَةُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ ) لِمَنْ يَتَزَوَّجُهَا لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 228 ) إِذْ لَوْ أُرِيدُ الْحَيْضُ لَقَالَ ثَلَاثَ بِلَا تَاءٍ لِأَنَّهَا تُحْذَفُ مِنَ الْمُؤَنَّثِ وَتَدْخُلُ مَعَ الْمُذَكَّرِ ، وَغَلَّطَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْعَرَبَ تُرَاعِي فِي الْعَدَدِ اللَّفْظَ مَرَّةً كَقَوْلِهِمْ : ثَلَاثَةُ مَنَازِلَ ، وَالْمَعْنَى أُخْرَى كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَا كُنْتُ أَتَّقِي ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَأَعْيَانٍ وَجُؤْذَرِ فَأَنَّثَ عَلَى مَعْنَى الشُّخُوصِ ، وَأَكْثَرَ الْإِمَامُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ تَقْوِيَةً لِمَذْهَبِهِ أَنَّهَا الْأَطْهَارُ ، وَاحْتِجَاجُ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا الْحَيْضُ قَالَ بِهِ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَارَضٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا الْأَقْرَاءُ ، وَعَائِشَةُ مُقَدَّمَةٌ فِي الْفِقْهِ لَا سِيَّمَا فِي أَحْوَالِ النِّسَاءِ .
1212 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ . 1226 1212 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ) لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ فَدَخَلَ فِي الْآيَةِ .
20 - بَاب عِدَّةِ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا 1204 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَحِلُّ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَيْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَأَدْرَكْتُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إِذَا جَاءَ فِي صَدَاقِهَا أَوْ فِي امْرَأَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَلَا يَبْلُغُهَا رَجْعَتُهُ وَقَدْ بَلَغَهَا طَلَاقُهُ إِيَّاهَا فَتَزَوَّجَتْ : إنَّهُ إِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الْآخَرُ ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا إِلَيْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذَا وَفِي الْمَفْقُودِ . 20 - بَابُ عِدَّةِ الَّتِي تَفْقِدُ زَوْجَهَا 1219 1204 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَمُضَارِعُهُ بِكَسْرِهَا ، عَدِمَتْ ( زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ) مِنَ الْعَجْزِ عَنْ خَبَرِهِ ؛ لِأَنَّهَا غَايَةُ أَمَدِ الْحَمْلِ ، وَلِأَنَّهَا الْمُدَّةُ الَّتِي تَبْلُغُهَا الْمُكَاتَبَةُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ سَيْرًا وَرُجُوعًا ، وَضُعِّفَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ مَالِكٍ : لَوْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ رَفَعَتْ يُسْتَأْنَفُ لَهَا الْأَجَلُ ، وَبِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوِ الزَّوْجُ صَغِيرًا تُضْرَبُ الْأَرْبَعُ وَلَا حَمْلَ هُنَا . وَالثَّانِي بِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا : تَسْتَأْنِفُ الْأَرْبَعَ مِنْ بَعْدِ الْيَأْسِ وَأَنَّهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ ، وَلَوْ رَجَعَ الْكَاشِفُ بَعْدَ سَنَةٍ انْتَظَرَتْ تَمَامَ الْأَرْبَعِ ، وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ كَوْنَهَا أَمَدَ الْكَشْفِ لَمْ تَنْتَظِرْ تَمَامَهَا ، وَقِيلَ : لَا عِلَّةَ لَهُ إِلَّا الِاتِّبَاعُ ، وَاسْتُحْسِنَ ( ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) سَوَاءٌ كَانَ بَنَى بِهَا أَمْ لَا ( ثُمَّ تَحِلُّ ) لِلْأَزْوَاجِ . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، قِيلَ : وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَيْهَا ) إِذَا جَاءَ أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَبَاحَ لِلْمَرْأَةِ الزَّوَاجَ مَعَ إِمْكَانِ حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يَكْشِفِ الْغَيْبَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَظَنُّ ( قَالَ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) فَالْعَقْدُ بِمُجَرَّدِهِ يُفِيتُهَا ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ هَذَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ ، وَقَالَ : لَا يُفِيتُهَا عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا دُخُولُ الثَّانِي غَيْرَ عَالِمٍ بِحَيَاتِهِ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ . قَالَ فِي الْكَافِي : وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَثَرِ ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ قَلَّدْنَا فِيهَا عُمَرَ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةَ نَظَرٍ . ( وَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ) بِلَا نِزَاعٍ ، وَأَوْلَى إِنْ أَدْرَكَهَا فِي الْعِدَّةِ ( وَأَدْرَكْتُ النَّاسَ ) الْعُلَمَاءَ ( يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَ ) أَيْ تَقَوَّلَ ( بَعْضُ النَّاسِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إِذَا جَاءَ ) فَوَجَدَهَا تَزَوَّجَتْ ( فِي ) أَخْذِ ( صَدَاقِهَا أَوْ فِي امْرَأَتِهِ ) فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْيِيرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَلَا تبْلُغُهَا رَجْعَتُهُ وَقَدْ بَلَغَهَا طَلَاقُهُ إِيَّاهَا فَتَزَوَّجَتْ : إِنَّهُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، مَقُولُ عُمَرَ ( إِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الْآخِرُ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ، أَيِ الثَّانِي ( أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا إِلَيْهَا ) بَلْ تَفُوتُ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الثَّانِي ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذَا وَفِي الْمَفْقُودِ ) أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ فَوْتٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَمَذْهَبُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ : أَنَّهَا إِنَّمَا تَفُوتُ بِدُخُولِ الثَّانِي فِيهِمَا لَا بِعَقْدِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِدُخُولٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ أَمْرٌ وَلَا قَضِيَّةٌ مِنْ حَاكِمٍ بِخِلَافِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ .
17 - بَاب مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ 1196 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ . 17 - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ 1212 1196 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ ) هِيَ تُمَاضِرُ ( فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ ) أَمَةٍ سَوْدَاءَ ، أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ جَدَّتِهِ ، قَالَتْ : لَمَّا طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ امْرَأَتَهُ الْكَلْبِيَّةَ تُمَاضِرَ مَتَّعَهَا بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ : قِيمَتُهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا .
1197 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي تُطَلَّقُ وَقَدْ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ تُمْسَسْ ، فَحَسْبُهَا نِصْفُ مَا فُرِضَ لَهَا . 1212 1197 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ) جَبْرًا لِمَا نَالَهَا مِنْ كَسْرِ الطَّلَاقِ ( إِلَّا الَّتِي تُطَلَّقُ وَقَدْ فُرِضَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَمْ تُمَسَّ ) هِيَ ، أَيْ لَمْ يَطَأْهَا زَوْجُهَا ( فَحَسْبُهَا ) كَافِيهَا ( نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا كَبِيرُ كَسْرٍ وَبُضْعُهَا بَاقٍ .
1198 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لِلْمُتْعَةِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي قَلِيلِهَا وَلَا كَثِيرِهَا . 1213 1198 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 241 ) ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 236 ) ( قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ . ( وَلَيْسَ لِلْمُتْعَةِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي قَلِيلِهَا وَلَا كَثِيرِهَا ) بَلْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ .
19 - بَاب نَفَقَةِ الْأَمَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى حُرٍّ وَلَا عَبْدٍ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةً طَلَاقًا بَائِنًا نَفَقَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِابْنِهِ وَهُوَ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ . 19 - بَابُ نَفَقَةِ الْأَمَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَهِيَ حَامِلٌ - ( مَالِكٌ : ) طَلَاقًا بَائِنًا ( وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةً طَلَاقًا بَائِنًا ) أَيْ بَائِنًا بِالثَّلَاثِ أَوْ بِالْخُلْعِ ( نَفَقَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ) لِأَنَّ إِنْفَاقَ الْعَبْدِ عَلَى وَلَدِهِ إِتْلَافٌ لِمَالِ السَّيِّدِ فِيمَا لَا يَعُودُ عَلَى سَيِّدِهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا ، وَلَيْسَ عَلَى الْحُرِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَلَا يُنْقَضُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ ، فَإِنْ قِيلَ هُنَا مُوجِبَانِ : الْأُبُوَّةُ وَالْمِلْكُ فَلِمَ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ دُونَ الْآخَرِ ؟ أُجِيبُ : بِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْأَخْذَ بِأَقْوَى الْمُوجِبَيْنِ وَإِسْقَاطَ مَا عَدَاهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُوجِبَ الْمِلْكَ أَقْوَى لِأَنَّ السَّيِّدَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مَا لَا يَتَصَرَّفُ الْأَبُ مِنْ تَزْوِيجٍ وَنَزْعِ مَالٍ وَحَوْزِ مِيرَاثٍ وَأَخْذِ قِيمَةِ جِرَاحٍ وَعَفْوٍ عَنْهَا ، وَلَا تَكَلُّمَ لِلْأَبِ مَعَهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَمَحَلُّ عَدَمِ النَّفَقَةِ ( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ) أَيْ زَوْجِ الْأَمَةِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، وَزَوْجِ الْحُرَّةِ الْعَبْدِ ( عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ) فَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ ( وَلَيْسَ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِابْنِهِ وَهُوَ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ ) بَلْ رَضَاعُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ ( وَلَا عَلَى عَبْدٍ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ ) لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لِمَالِهِ بِلَا فَائِدَةٍ ( إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ) فَيَجُوزُ .
1202 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ . 1217 1202 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ثُمَّ يُطَلِّقُهَا وَتَعْتَدُّ ( حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ) لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ الزَّوْجُ ( ثَلَاثُ حِيَضٍ ، حَيْضَتَانِ ) وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ الْمَرْأَةُ .
1201 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ : أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا - كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَفْتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 1216 1201 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَخِي يَحْيَى ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ - النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَفْتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ ) حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ .
1203 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَنْكِحَ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ ، فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ . 1218 1203 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَنْكِحَ ) يَتَزَوَّجَ ( فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِيَدِ غَيْرِهِ ) وَلَوْ سَيِّدُهُ ( مِنْ طَلَاق شَيْءٌ ) لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ ( فَأَمَّا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أَمَةَ غُلَامِهِ أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ ) جَارِيَتِهِ ( فَلَا جُنَاحَ ) لَا إِثْمَ ( عَلَيْهِ ) لِأَنَّ لَهُ انْتِزَاعَ مَالِ رَقِيقِهِ .
18 - بَاب مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ 1199 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَبْدًا لَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُمَا ، فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا فَقَالَا : حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 18 - بَابُ مَا جَاءَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ 1214 1199 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ، الْفَقِيهِ ( أَنَّ نُفَيْعًا ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، مُصَغَّرٌ ( مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَبْدًا لَهَا ) شَكَّ الرَّاوِي ، وَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ ( كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ ( كَالْحُرِّ ، فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَجِيمٍ ، مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ( آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَسَأَلَهُمَا ، فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا ، فَقَالَا : حَرُمَتْ ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ ( عَلَيْكَ ، حَرُمَتْ عَلَيْكَ ) مَرَّتَيْنِ ، بِالتَّأْكِيدِ ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ .
1200 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَاسْتَفْتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ . 1215 1200 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا ( أَنْ نُفَيْعًا مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَاسْتَفْتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، فَقَالَ : حَرُمَتْ عَلَيْكَ ) قَبْلَ زَوْجٍ .
1280 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . 1292 1280 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ ) بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الْأَسَدِيِّ أَبِي الْأَسْوَدِ يَتِيمِ عُرْوَةَ الثِّقَةِ الْعَلَّامَةِ ( قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( عَنْ جُدَامَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ ، كَمَا قَالَ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَنْ قَالَهَا بِالْمُعْجَمَةِ فَقَدْ صَحَّفَ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ رِوَايَةُ يَحْيَى ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ عَنْهُ : سَمَاعِي مِنْهُ مُوَطَّأَ أَبِي مُصْعَبٍ بِالْمُعْجَمَةِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهِيَ لُغَةُ مَا لَمْ يَنْدَقَّ مِنَ السُّنْبُلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِذَا تَحَاتَّ الْبُرُّ فَمَا بَقِيَ فِي الْغِرْبَالِ مِنْ قَصَبَةٍ فَهُوَ جُدَامَةٌ ( بِنْتِ وَهْبِ ) بْنِ مِحْصَنٍ ، وَيُقَالُ : بِنْتُ جَنْدَلٍ ، وَيُقَالُ : بِنْتُ جُنْدَبٍ ( الْأَسَدِيَّةِ ) لَهَا سَابِقَةٌ وَهِجْرَةٌ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أُخْتِ عُكَّاشَةَ ، أَيْ : أُخْتِهِ لِأُمِّهِ عَلَى الْمُخْتَارِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : لَعَلَّهُ أَخِي عُكَّاشَةُ ، فَتَكُونُ بِنْتَ أَخِيهِ ( أَنَّهَا ) أَيِ جُدَامَةَ ( أَخْبَرَتْهَا ) أَيْ عَائِشَةُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ هَكَذَا إِلَّا أَبَا عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ فَجَعَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَذْكُرْ جُدَامَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ فِيهِ كَسَائِرِ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ ، فَفِي رِوَايَتِهَا عَنْهَا حِرْصُ عَائِشَةَ عَلَى الْعِلْمِ وَبَحْثُهَا عَنْهُ ( أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي أُنَاسٍ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَقَدْ هَمَمْتُ ) أَيْ قَصَدْتُ ( أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْهَاءِ اسْمٌ مِنَ الْغَيْلِ بِفَتْحِهَا وَالْغِيَالِ بِكَسْرِهَا ، وَالْغَيْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالْهَاءِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَقِيلَ لَا تُفْتَحُ الْغَيْنُ إِلَّا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ، وَذَكَرَ ابْنُ السَّرَّاجِ الْوَجْهَيْنِ فِي غِيلَةِ الرَّضَاعِ ، أَمَّا غِيلَةُ الْقَتْلِ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ الْغِيَالِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، قَالَهُ عِيَاضٌ ( حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى رُومِ بْنِ عِيصُو بْنُ إِسْحَاقَ ( وَفَارِسَ ) لَقَبُ قَبِيلَةٍ لَيْسَ بِأَبٍ وَلَا أُمٍّ ، وَإِنَّمَا هُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ تَغْلِبَ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا الِاسْمِ ( يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ ، فَإِذَا هُمْ يَغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا ، يَعْنِي لَوْ كَانَ الْجِمَاعُ حَالَ الرَّضَاعِ أَوِ الْإِرْضَاعِ حَالَ الْحَمْلِ مُضِرًّا لَضَرَّ أَوْلَادَ الرُّومِ وَفَارِسَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الْأَطِبَّاءِ فِيهِمْ ، فَلَوْ كَانَ مُضِرًّا لَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ ، فَحِينَئِذٍ لَا أَنْهَى عَنْهُ . قَالَ عِيَاضٌ : فَفِيهِ جَوَازُهُ إِذْ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ رَأْيُ الْجُمْهُورِ لا يضره وَإِنْ أَضَرَّ بِالْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُكْثِرُ اللَّبَنَ وَقَدْ يُغَيِّرُهُ ، وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ اللَّبَنِ إِنَّهُ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَتَّقِيهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْهُ حَمْلٌ وَلَا يُعْرَفُ فَيَرْجِعُ إِلَى إِرْضَاعِ الْحَامِلِ الْمُتَّفِقِ عَلَى مَضَرَّتِهِ ، وَأُخِذَ الْجَوَازُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَعَلَّ الْغِيلَةَ إِنَّمَا تَضُرُّ فِي النَّادِرِ فَلِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهَا رِفْقًا بِالنَّاسِ لِلْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ . قَالَ عِيَاضٌ : وَفِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْأَحْكَامِ ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِرَأْيٍ أَوِ اسْتِفَاضَةٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَارِسَ وَالرُّومَ ، قَاسَ الْعَرَبَ عَلَيْهِمْ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَخَلَفِ بْنِ هِشَامٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا خَرَّجَ عَنْ جُدَامَةَ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ ) أَنْزَلَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ تُنْزِلُ الْمَرْأَةُ فَيُضَرُّ اللَّبَنُ ، وَقِيلَ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَيْسَ بِغِيلَةٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفْسِيرُ مَالِكٍ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : هِيَ إِرْضَاعُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا حَمَلَتْ فَسَدَ اللَّبَنُ فَيُفْسِدُ جِسْمَ الصَّبِيِّ وَيَضْعُفُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ . وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : إِنَّ الْغِيلَةَ لَتُدْرِكُ الْفَارِسَ فَتُعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ قَالَ عَنْ سَرْجِهِ أَيْ يَضْعُفُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَخْفَشُ حَقًّا لَنَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِرْشَادًا ؛ لِأَنَّهُ رَؤُوفٌ بِالْمُؤْمِنِينَ اهـ . وَفِي الْأَبِيِّ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهَا وَطْءُ الْمُرْضِعِ ، بِأَنَّ إِرْضَاعَ الْحَامِلِ مُضِرٌّ وَدَلِيلُهُ الْعِيَانُ ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغِيلَةَ الَّتِي فِيهِ لَا تَضُرُّ وَهَذِهِ تَضُرُّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَالْخَبَرُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - لَا يُنَافِيهِ خَبَرٌ : لَا تَغِيلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فَإِنَّ هَذَا كَالْمَشُورَةِ عَلَيْهِمْ وَالْإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِ مَا يُضْعِفُ الْوَلَدَ وَيُغِيلُهُ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُرْضِعَ إِذَا بَاشَرَهَا الرَّجُلُ حَرَّكَ مِنْهَا دَمَ الطَّمْثِ وَأَهَاجَهُ لِلْخُرُوجِ ، فَلَا يَبْقَى اللَّبَنُ عَلَى اعْتِدَالِهِ وَطِيبِهِ ، وَرُبَّمَا حَمَلَتِ الْمَوْطُوءَةُ فَيَكُونُ مِنْ أَضَرِّ الْأُمُورِ عَلَى الرَّضِيعِ لِأَنَّ جِهَةَ الدَّمِ حِينَئِذٍ تَنْصَرِفُ فِي تَغْذِيَةٍ الجنين فَيَصِيرُ لَبَنُهَا رَدِيئًا فَيَضْعُفُ الرَّضِيعُ ، فَهَذَا وَجْهُ الْإِرْشَادِ لَهُمْ إِلَى تَرْكِهِ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ دَائِمًا لِكُلِّ مَوْلُودٍ .
1281 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ . 1293 1281 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةِ ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ) وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَحَرُّزًا عَمَّا شَكَّ وُصُولُهُ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ( يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ) وَلِابْنٍ وَضَّاحٍ : وَهِيَ ، أَيِ الْخَمْسُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ ( فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ ) الْمَنْسُوخِ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَشْرَ نُسِخَتْ بِخَمْسٍ ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّسْخَ تَأَخَّرَ حَتَّى تُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضُ النَّاسِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ ، فَصَارَ يَتْلُوهُ قُرْآنًا ، فَلَمَّا بَلَغَهُ تَرَكَ ، فَالْعَشْرُ عَلَى قَوْلِهَا مَنْسُوخَةُ الْحَكَمِ وَالتِّلَاوَةِ ، وَالْخَمْسُ مَنْسُوخَةُ التِّلَاوَةِ فَقَطْ كَآيَةِ الرَّجْمِ ، وَمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْعَشَرَةِ يُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا وَيَكُونُ مَنْ يَقْرَؤُهَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ تِلَاوَتَهَا كَانَتْ ثَابِتَةً وَتَرَكُوهَا لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبِهِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ لَا يَقَعُ التَّحْرِيمُ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا وَهِيَ قَدْ أَضَافَتْهُ إِلَى الْقُرْآنِ ، وَاخْتُلِفَ عَنْهَا فِي الْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهَا ، وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ بِالْآحَادِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا لَمْ يَثْبُتُ أَنَّهُ قُرْآنٌ ، بَقِيَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْآحَادِ ، قِيلَ هَذَا وَإِنْ قَالَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ أَنْكَرَهُ حُذَّاقُهُمْ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْفَعْهُ فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَا حَدِيثٍ ، وَأَيْضًا لَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ، وَأَيْضًا وَرَدَ بِطْرِيقِ الْآحَادِ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ التَّوَاتُرُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا لَمْ تَرْفَعْهُ أَوْ لَمْ يَتَوَاتَرْ لِأَنَّهُ نُسِخَ . قُلْنَا : قَدْ أَجَبْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فَالْمَنْسُوخُ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، وَكَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ : وَهِيَ مِمَّا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ ، فَلَوْ أَرَادَتْ مِنَ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ لَاشْتَهَرَ عِنْدَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا اشْتَهَرَ سَائِرُ الْقُرْآنِ ، وَلِذَا قَالَ ( مَالِكٌ : وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا ) بَلْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَوْ بِمَصَّةٍ وَصَلَتْ لِلْجَوْفِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ الرَّضَاعِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، حَتَّى قَالَ اللَّيْثُ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي الْمَهْدِ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ ، حَكَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَجَهَابِذَةُ الْمُحَدِّثِينَ قَدْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِحَدِيثٍ مَعَ رِوَايَتِهِمْ لَهُ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ كَهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّمَا تَرَكُوهُ لِعِلَّةٍ كَنَسْخٍ أَوْ مُعَارِضٍ يُوجِبُ تَرْكَهُ فَيَرْجِعُ إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الْمُطْلَقَةِ وَإِلَى قَاعِدَةٍ هِيَ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَهِيَ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ اشْتِبَاهٌ فِي قِصَّةٍ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهَا أَبْرَأَ لِلذِّمَّةِ ، وَأَنَّهُ مَتَى تَعَارَضَ مَانِعٌ وَمُبِيحٌ قُدِّمَ الْمَانِعُ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ تَشْعِيبُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَالِكٍ فِي عَدَمِ قَوْلِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ ، وَأَطَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ بِمَا رَأَيْتُ الْإِضْرَابَ عَنْ كَلَامَيْهِمَا أَوْلَى لِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الِاسْتِطَالَةِ فِي الْكَلَامِ لِلْحَمِيَّةِ الْمَذْهَبِيَّةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ نَحْوَهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَسْأَلُهُ الْإِعَانَةَ عَلَى التَّمَامِ ، خَالِصًا لِوَجْهِهِ بِجَاهِ أَفْضَلِ الْأَنَامِ .
3 - بَاب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ 1279 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ . 3 - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ 1291 1279 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ) كِلَاهُمَا ( عَنْ عَائِشَةَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا غَلَطٌ مِنْ يَحْيَى أَيْ زِيَادَةُ الْوَاوِ ، لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ) مِنْ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَنَشْرِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا هُوَ وَفُرُوعُهُ مِنْ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ هِيَ وَأَخَوَاتُهَا مِنْ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ وَيَصِيرُ ابْنًا لِزَوْجِهَا صَاحِبِ اللَّبَنِ ، فَيَحْرُمُ هُوَ وَأُصُولُهُ وَفُرُوعُهُ مِنْ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ إِلَى آخِرِ مَا بُيِّنَ فِي الْفِقْهِ ، وَمِنْ جَوَازِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ كَمِيرَاثٍ وَنَفَقَةٍ وَعِتْقٍ بِالْمِلْكِ وَرَدِّ شَهَادَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَمَعْنٍ الْقَزَّازِ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ الْوِلَادَةِ اهـ ، فَلَعَلَّ مَالِكًا حَدَّثَ بِهِ بِاللَّفْظَيْنِ .
2 - بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ 1276 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَكَانَ تَبَنَّى سَالِمًا الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ ، أَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ ، فَقَالَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [ الأحزاب : 5 ] رُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوْلَاهُ ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فُضُلٌ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ، فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا ، وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ ، فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَنَاتِ أَخِيهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ ، وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ، وَقُلْنَ : لَا وَاللَّهِ مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ ، لَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ ، فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ 1288 1276 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ) هَلْ تُؤَثِّرُ التَّحْرِيمَ ( فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ ، أَيِ الْمَوْصُولِ لِلِقَاءِ عُرْوَةَ عَائِشَةَ وَسَائِرَ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلِقَائِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَعْمَرٌ ، وَعُقَيْلٌ ، وَيُونُسُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ ، وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ ) اسْمُهُ مُهَشَّمٌ ، وَقِيلَ هُشَيْمٌ ، وَقِيلَ هَاشِمٌ ( ابْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ) بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ الْقُرَشِيَّ الْعَبْشَمِيَّ ، كَانَ طُوَالًا حَسَنَ الْوَجْهِ ( وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : أَسْلَمَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ إِنْسَانًا ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَصَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ ( وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ) وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً ( وَكَانَ تَبَنَّى سَالِمًا ) الْفَارِسِيَّ الْمُهَاجِرِيَّ الْأَنْصَارِيَّ ( الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : كَانَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يُقَالُ لَهَا لَيْلَى ، وَيُقَالُ ثُبَيْتَةُ ، بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، بِنْتُ يَعَارٍ ، بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ ، ابْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَكَانَتِ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَقِيلَ اسْمُهَا سَلْمَى ، وَقَالَ ابْنُ شَاهِينَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي دَاوُدَ يَقُولُ : هُوَ سَالِمُ بْنُ مَعْقِلٍ مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ يَعَارٍ الْأَنْصَارِيَّةِ ، أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةُ فَوَالَى أَبَا حُذَيْفَةَ فَتَبَنَّاهُ أَيِ اتَّخَذَهُ ابْنًا ، وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ فَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ ، فَقُطِعَتْ فَاعْتَنَقَهُ إِلَى أَنْ صُرِعَ ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ ؟ قِيلَ : قُتِلَ ، قَالَ : فَأَضْجِعُونِي بِجَنْبِهِ ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ مِيرَاثَهُ إِلَى مُعْتِقَتِهِ ثُبَيْتَةَ فَقَالَتْ : إِنَّمَا أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةُ ، فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عُمَرَ أَعْطَى مِيرَاثَهُ لِأُمِّهِ ، فَقَالَ : كُلِيهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ تُرِكَ إِلَى أَنْ تَوَلَّى عُمَرُ ، وَإِلَّا فَالْيَمَامَةُ كَانَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ( كَمَا تَبَنَّى ) أَيِ اتَّخَذَ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ) الْكَلْبِيَّ ابْنًا ( وَأَنْكَحَ ) أَيْ زَوَّجَ ( أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ ) الْمُتَبَنَّى الْمَذْكُورُ ( أَنْكَحَهُ ) أَعَادَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ بِالْفَصْلِ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ إِلَخْ ، وَهَذَا حَسَنٌ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 89 ) فَأَعَادَ لَمَّا جَاءَهُمْ لِطُولِ الْكَلَامِ ، وَقَوْلِهِ : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : الْآيَةُ 35 ) فَأَعَادَ أَنَّكُمْ ( بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ ) وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَشُعَيْبٍ ، وَغَيْرِهِمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ : هِنْدَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالصَّوَابُ فَاطِمَةُ ( بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ) الْفَاضِلَاتِ ( وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ ) جَمْعُ أَيِّمٍ ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ ( فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ بَنُو عَمِّكُمْ ( رُدَّ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ ) الَّذِي وَلَدَهُ ( فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوْلَاهُ ) وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ ( فَجَاءَتْ سَهْلَةُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ( بِنْتُ سُهَيْلٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ، مُصَغَّرٌ ، ابْنِ عَمْرٍو ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ ( وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ ) وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْحَبَشَةِ فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا وَهِيَ ضَرَّةُ مُعْتَقَةِ سَالِمٍ الْأَنْصَارِيَّةُ ( وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ) فَهِيَ قُرَشِيَّةٌ عَامِرِيَّةٌ ، وَأَبُوهَا صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَرَى ) نَعْتَقِدُ ( سَالِمًا وَلَدًا ) بِالتَّبَنِّي ( وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فُضُلٌ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَيْ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ ، وَقِيلَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا إِزَارَ تَحْتَهُ ، وَقِيلَ مُتَوَشِّحَةً بِثَوْبٍ عَلَى عَاتِقِهَا خَالَفَتْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَصَحُّهَا الثَّانِي لِأَنَّ كَشْفَ الْحُرَّةِ الصَّدْرَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَحْرَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ( وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ ) فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَابُ مِنْهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا عَلِمْتَ ( فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ ؟ ) وَلِمُسْلِمٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ . وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا فَقَالَتْ : إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقِلَ مَا عَقَلُوهُ ، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا ، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّ سَهْلَةَ ذَكَرَتِ السُّؤَالَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاوٍ عَلَى وَاحِدٍ . ( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ ( عَشْرَ رَضَعَاتٍ ) ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ : خَمْسَ رَضَعَاتٍ ( فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَقَالَتْ : كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ؟ فَتَبَسَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا . وَفِي لَفْظٍ لَهُ : أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ : إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : صِفَةُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ أَنْ يُحْلَبَ لَهُ اللَّبَنُ وَيُسْقَاهُ ، فَأَمَّا أَنْ تُلْقِمَهُ الْمَرْأَةُ ثَدْيَهَا فَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : وَلَعَلَّ سَهْلَةَ حَلَبَتْ لَبَنَهَا فَشَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ثَدْيَهَا وَلَا الْتَقَتْ بَشْرَتَاهُمَا ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ رُؤْيَةُ الثَّدْيِ وَلَا مَسُّهُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ حَسَنٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَفَا عَنْ مَسِّهِ لِلْحَاجَةِ كَمَا خُصَّ بِالرَّضَاعَةِ مَعَ الْكِبَرِ ، وَأَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا لِأَنَّهُ تَبَسَّمَ وَقَالَ : قَدْ عَلِمْتِ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْحَلْبِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ بَيَانٍ ، وَمُطْلَقُ الرَّضَاعِ يَقْتَضِي مَصَّ الثَّدْيِ فَكَأَنَّهُ أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي نَفْسِهِمَا أَنَّهُ ابْنُهَا وَهِيَ أُمُّهُ ، فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمَا لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَكَأَنَّهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقِفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ سَهْلَةُ تَحْلِبُ فِي مُسْعُطٍ - إِنَاءٍ قَدْرَ رَضْعَتِهِ - فَيَشْرَبُهُ سَالِمٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى مَضَتْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ حَاسِرٌ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَهْلَةَ . ( وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْضِعَيْهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ ( فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ) الْأَجَانِبِ ( فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ مِنَ الْكَلْثَمَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ ( ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَنَاتِ أَخِيهَا ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ ) قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : مَا عَلِمْتُ مَنْ أَخَذَ بِهِ عَامًّا إِلَّا عَائِشَةَ ، وَلَوْ أَخَذَ بِهِ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ آخِذٌ لَمْ أَعِبْهُ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إِلَى الْبَاجِيِّ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ، يَعْنِي وَالْخِلَافُ إِنَّمَا كَانَ أَوَّلًا ، ثُمَّ انْقَطَعَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَامًّا نَظَرٌ ، فَحَدِيثُ الْمُوَطَّأِ نَصٌّ فِي أَنَّهَا أَخَذَتْ بِهِ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ خَاصَّةً ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : مَنْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ اهـ ، وَلَا نَظَرَ ، فَمُرَادُ ابْنِ الْمَوَّازِ بِالْعُمُومِ فِي كُلِّ النَّاسِ لَا خَاصٌّ بِسَهْلَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ذَهَبَ إِلَى قَوْلِهَا أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ عَطَاءٌ ، وَاللَّيْثُ لِحَدِيثِ سَهْلَةَ هَذَا ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّهُ لَقَوِيٌّ وَلَوْ كَانَ خاصا بِسَالِمٍ لَقَالَ لَهَا : وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكِ كَمَا قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي الْجَذَعَةِ اهـ ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، والليث ، وَرَوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ : أَكْرَهُ رَضَاعَ الْكَبِيرِ أَنْ أُحِلَّ مِنْهُ شَيْئًا . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى اللَّيْثِ فَقَالَتْ : أُرِيدُ الْحَجَّ وَلَيْسَ لِي مَحْرَمٌ ، فَقَالَ : اذْهَبِي إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ تُرْضِعُكِ فَيَكُونُ زَوْجُهَا أَبًا لَكِ فَتَحُجِّينَ مَعَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا وَفَتْوَاهَا وَعَمَلُهَا بِهِ ( وَأَبَى ) امْتَنَعَ ( سَائِرُ ) أَيْ بَاقِي ( أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ : حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ ( وَقُلْنَ ) لِعَائِشَةَ ( لَا وَاللَّهِ مَا نَرَى ) نَعْتَقِدُ ( الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ ) لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَمْ تَأْتِ فِي غَيْرِهِ ، وَاحْتَفَّتْ بِهَا قَرِينَةُ التَّبَنِّي وَصِفَاتٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَلَهَا أَنْ تُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ مُتَأَخِّرًا فَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا عَدَاهُ مَعَ مَا لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شِدَّةِ الْحُكْمِ فِي الْحِجَابِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ ، كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى . ( لَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ ، فَعَلَى هَذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ) فَأَجَازَتْهُ عَائِشَةُ وَمَنَعَهُ بَاقِيهُنَّ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّثُ بِهِ رَهْبَةً ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ : حَدِّثْهُ عَنِّي أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ تُرِكَ قَدِيمًا وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَلَا تَلَقَّاهُ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ تَلَقَّوْهُ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ سَهْلَةَ مَنْسُوخًا ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْبَرْقَانِيُّ تَامًّا نَحْوَهُ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ ؟ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ زَيْنَبَ أَنَّ أُمَّهَا قَالَتْ : أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ أَحَدٌ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً إِلَخْ .
1277 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ وَكُنْتُ أَطَؤُهَا فَعَمَدَتْ امْرَأَتِي إِلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : دُونَكَ فَقَدْ وَاللَّهِ أَرْضَعْتُهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَوْجِعْهَا وَأْتِ جَارِيَتَكَ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ . 1289 1277 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ ) لَمْ يُسَمَّ ( إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ ) بِالْمَدِينَةِ ( يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْحَارِثِيُّ الْبَدْرِيُّ ( إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ ) أَمَةٌ ( وَكُنْتُ أَطَؤُهَا فَعَمَدَتِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ قَصَدَتِ ( امْرَأَتِي إِلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا ) لِتُحَرِّمَهَا عَلَيَّ ( فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : دُونَكَ فَقَدَ وَاللَّهِ أَرْضَعْتُهَا ) فَحَرُمَتْ عَلَيْكَ ( فَقَالَ عُمَرُ : أَوْجِعْهَا ) أَيِ امْرَأَتَكَ ( وَائْتِ جَارِيَتَكَ ) طَأْهَا ، وَهَذَا مَعْنَى إِيجَاعِهَا ( فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ ) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَالتَّنْزِيلُ .
1278 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ : إِنِّي مَصِصْتُ عَنْ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا فَذَهَبَ فِي بَطْنِي ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : انْظُرْ مَاذَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا كَانَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . 1290 1278 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : مُنْقَطِعٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا مُوسَى ) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ( الْأَشْعَرِيَّ ) بِالْكُوفَةِ ( فَقَالَ : إِنِّي مَصِصْتُ ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا وَإِسْكَانِ الثَّانِيَةِ ، شَرِبْتُ شُرْبًا رَقِيقًا ( عَنْ ) وَفِي نُسْخَةٍ : مِنِ ( امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا ) مَفْعُولُ مَصِصْتُ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ عَنْ أَوْ مِنْ مُتَعَلِّقُ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ أَيْ لَبَنًا نَاشِئًا عَنْ أَوْ مِنِ امْرَأَتِي ( فَذَهَبَتْ فِي بَطْنِي ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَا أُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، أَظُنُّهَا ( إِلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ ) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ) ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : انْظُرْ ) نَظَرَ تَأَمُّلٍ ( مَا ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ ( ذَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : لَا رَضَاعَةَ ) مُحَرِّمَةً ( إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 233 ) فَجَعْلُ إِتْمَامِهَا حَوْلَيْنِ يَمْنَعُ أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَهُمَا كَحُكْمِهِمَا فَتُنْفَى رَضَاعَةُ الْكَبِيرِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا : إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَفِي الْحَدِيثِ لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ ، أَوْ قَالَ : أَنْشَزَ الْعَظْمَ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَصَحَّحَ أَبُو عُمَرَ رَفْعَهُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ حَسَنٌ مَرْفُوعًا : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَنْفِي رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ لِأَنَّ رَضَاعَهُ لَا يَنْفِي جُوعَهُ وَلَا يَفْتِقُ أَمْعَاءَهُ وَلَا يَشُدُّ عَظْمَهُ إِلَى آخِرِهِ . ( فَقَالَ أَبُو مُوسَى ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ( لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا كَانَ ) أَيْ وُجِدَ ( هَذَا الْحَبْرُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَطَعَ بِهِ ثَعْلَبٌ ، وَبِكَسْرِهَا ، وَقَدَّمَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمَجْدُ ، أَيِ الْعَالِمُ ( بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ) أَيْ بَيْنَكُمْ ، وَأَظْهُرٌ زَائِدٌ ، وَأَتَى الْإِمَامُ بِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ بَعْدَ حَدِيثِ سَهْلَةَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ فَهُوَ خُصُوصِيَّةٌ لَهَا أَوْ مَنْسُوخٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، بَلِ ادَّعَى الْبَاجِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْخِلَافِ كَمَا مَرَّ .
1269 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ أُرْضِعَ فِي الصِّغَرِ ، وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ . 1282 1269 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ أَرْضَعَ فِي الصِّغَرِ ، وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ ) أَيْ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 233 ) فَأَشْعَرَ جَعْلُ تَمَامِهَا إِلَى الْحَوْلَيْنِ أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَهُمَا بِخِلَافِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَسْتَغْنِي غَالِبًا عَنِ اللَّبَنِ وَلَا يُشْبِعُهُ بَعْدَهُمَا إِلَّا اللَّحْمُ وَالْخُبْزُ وَنَحْوُهُمَا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، لَكِنْ رَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ زِيَادَةَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ بَعْدَهُمَا ، وَزِيَادَةَ شَهْرٍ وَشَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةٍ لِافْتِقَارِ الطِّفْلِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إِلَى مُدَّةٍ يُحَالُ فِيهَا فِطَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يُفْطَمُ دُفْعَةً وَاحِدَةً بَلْ عَلَى التَّدْرِيجِ ، فَحُكْمُ رَضَاعِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ حُكْمُ الْحَوْلَيْنِ ، وَلِذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ : إِنَّ الْخِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ الزِّيَادَةِ خِلَافٌ فِي حَالِ الْقَدْرِ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ بِاسْتِغْنَائِهِ بِالطَّعَامِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَقْصَى الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا . وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ( سُورَةُ الْأَحْقَافِ : الْآيَةُ 15 ) يَتَضَمَّنُ أَقَلَّ الْحَمْلِ وَأَكْثَرَ الرَّضَاعِ ، فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ فِي الرَّضَاعِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ زُفَرُ : ثَلَاثُ سِنِينَ .
1270 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضَعُ إِلَى أُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَتْ : أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ ، قَالَ سَالِمٌ : فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ مَرِضَتْ ، فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ ، فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ . 1283 1270 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضَعُ ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَمَاضِيهِ رَضِعَ بِكَسْرِهَا ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَفْتَحُونَ الْمَاضِي وَيَكْسِرُونَ الْمُضَارِعَ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ( إلى أختها أُمِّ كُلْثُومٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ ( بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) التَّيْمِيَّةِ ، تَابِعِيَّةٌ ، مَاتَ أَبُوهَا وَهِيَ حَمْلٌ فَوُضِعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَقِصَّتُهَا بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ ، أَرْسَلَتْ حَدِيثًا فَذَكَرَهَا بِسَبَبِهِ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَابْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ فَوَهِمَا ( فَقَالَتْ : أَرَضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : هَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ النِّسَاءِ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضَعَاتٌ مَعْلُومَاتٌ وَلَيْسَ لِسَائِرِ النِّسَاءِ رَضَعَاتٌ مَعْلُومَاتٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا وَحَدِيثَ حَفْصَةَ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ الْبَاجِيِّ ، وَقَوْلُهُ : لَعَلَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِعَائِشَةَ النَّسْخُ بِخَمْسٍ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ اهـ . وَبِهِ يُرَدُّ إِشَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى شُذُوذِ رِوَايَةِ نَافِعٍ هَذِهِ بِأَنَّ أَصْحَابَ عَائِشَةَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِهَا مِنْ نَافِعٍ وَهُمْ عُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعَمْرَةُ ، رَوَوْا عَنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَوَهِمَ مَنْ رَوَى عَنْهَا عَشْرَ رَضَعَاتٍ ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهَا أَنَّ الْخَمْسَ نَسَخْنَ الْعَشْرَ ، وَمُحَالٌ أَنْ تَعْمَلَ بِالْمَنْسُوخِ ، كَذَا قَالَ ، وَهُوَ سَهْوٌ لِأَنَّ نَافِعًا قَالَ : إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثِقَةٌ حُجَّةٌ حَافِظٌ ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا خُصُوصِيَّةٌ لِلزَّوْجَاتِ الشَّرِيفَاتِ كَمَا قَالَهُ طَاوُسٌ ، فَلَا وَهْمَ وَلَا شُذُوذَ ( قَالَ سَالِمٌ : فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْثُومٍ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ مَرِضَتْ فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنْ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ ) الَّتِي تَجْعَلُنِي مَحْرَمًا لِعَائِشَةَ وَلِلزَّوْجَاتِ الشَّرِيفَاتِ فِي شِدَّةِ الْحِجَابِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِنَّ .
1271 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أُخْتِهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ ، فَفَعَلَتْ ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا . 1284 1271 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ ) الثَّقَفِيَّةَ ، زَوْجَةَ مَوْلَاهُ ( أَخْبَرَتْهُ أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ( إِلَى أُخْتِهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا ) إِذَا بَلَغَ ( وَهُوَ صَغِيرٌ يَرْضَعُ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : أَرْسَلَتْ ، أَوْ بِقَوْلِهِ : تُرْضِعُهُ ، لَا بِـ ( يَدْخُلَ عَلَيْهَا ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا ( فَفَعَلَتْ ) أَيْ أَرْضَعَتْهُ عَشْرًا ( فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ) لِأَنَّهَا خَالَتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ .
1272 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا . 1285 1272 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إِخْوَتِهَا ) لِأَنَّ الْمُرْضِعَ إِنَّمَا هُوَ الْمَرْأَةُ ، وَالرَّجُلُ لَمْ يُرْضِعْ فَلَا يَحْرُمُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ كَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَدُاوُدَ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ قَائِلًا : وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُفْتِي بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي الْقُعَيْسِ ، يَعْنِي وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ قَوْمٍ بِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ إِذَا خَالَفَ مَرْوِيَّهُ ، قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْذَنَ لِمَنْ شَاءَتْ مِنْ مَحَارِمِهَا وَتَحْجُبَ مَنْ شَاءَتْ ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا حَجَبَتْ مِنْ ذَكَرٍ إِلَّا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ كَمَا عَلِمْنَا الْمَرْفُوعَ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِالسُّنَّةِ إِذْ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا اهـ . وَقَدْ نَسَبَ الْمَازِرِيُّ لِعَائِشَةَ الْقَوْلَ بِأَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ ، وَاسْتَبْعَدَهُ الزَّوَاوِيُّ مَعَ مُشَافَهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا بِأَنَّهُ يُحَرِّمُ فِي حَدِيثِ أَفْلَحَ السَّابِقِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهَا مُخَالَفَتُهَا لِأَنَّ التَّأْوِيلَ فِي حَقِّهَا لَا يَصِحُّ مَعَ مُشَافَهَتِهِ ، فَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَدْ يَتَأَوَّلُ لِمُعَارَضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، كَذَا قَالَ ، وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهَا صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ ، وَكَثِيرًا مَا يُخَالِفُ الصَّحَابِيُّ مَرْوِيَّهُ لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا فَهِمَتْ أَنَّ تَرْخِيصَهُ لَهَا فِي أَفْلَحَ لَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْحُكْمِ فِي كُلِّ فَحْلٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخُصَّ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ أَوْ فَهِمَتْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ مَعَ أَنَّهَا رَوَتِ الْقَصْرَ .
1266 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، قَالَتْ : فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ . 1279 1266 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَفْلَحَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، صَحَابِيٌّ ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : عِدَادُهُ فِي بَنِي سُلَيْمٍ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : يُقَالُ إِنَّهُ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي أَبُو الْجَعْدِ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَكَأَنَّهَا كُنْيَةُ أَفْلَحَ ( أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، وَاسْمُهُ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ الْأَشْعَرِيُّ كَمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَقِيلَ اسْمُهُ الْجَعْدُ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَأَخَا بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مَنْ أَفْلَحَ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ ، وَلَا يُخَالِفُهُ رِوَايَةُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْقُعَيْسِ ابْنَ أَبِي الْقُعَيْسِ ، وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُرْوَةَ : اسْتَأْذَنَ أَبُو الْقُعَيْسِ وَأَظُنُّهُ وَهْمًا ، فَابْنُ شِهَابٍ لَا يُقَاسُ بِهِ حِفْظًا وَإِتْقَانًا ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا خَالَفَهُ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( جَاءَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ ) أَيْ أَفْلَحُ ( عَمُّهَا ) أَيْ عَائِشَةَ ( مِنَ الرَّضَاعَةِ ) وَهُوَ الْتِفَاتٌ ، وَإِلَّا فَمُقْتَضَى السِّيَاقِ : عَلَيَّ وَهُوَ عَمِّي . وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ وَكَانَ اسْتِئْذَانُهُ ( بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَ الْحِجَابُ ) أَيْ آيَتُهُ أَوْ حُكْمُهُ ( قَالَتْ ) عَائِشَةُ ( فَأَبَيْتُ ) امْتَنَعْتُ ( أَنْ آذَنَ ) بِالْمَدِّ ( لَهُ ) فِي الدُّخُولِ ( عَلَيَّ ) لِلتَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَغَلَّبَتِ التَّحْرِيمَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، فَقَالَ : أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ ؟ فَقُلْتُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي ( فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ بِالَّذِي صَنَعَتْ ) مِنْ مَنْعِ أَفْلَحَ ، وَقَوْلِهِ : أَتَحْتَجِبِينَ إِلَخْ ( فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ ) بِالْمَدِّ ( لَهُ ) فِي الدُّخُولِ ( عَلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : قُلْتُ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، قَالَ : تَرِبَتْ يَدَاكِ أَوْ يَمِينُكِ ، وَفِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ : صَدَقَ أَفْلَحُ ائْذَنِي لَهُ وَلِمُسْلِمٍ : لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَاسْتُشْكِلَ عَمَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُجَرَّدِ دَعْوَى أَفْلَحَ دُونَ بَيِّنَةٍ ، وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يَحْرُمُ حَتَّى تَثْبُتَ الْحُرْمَةُ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ اللَّبَنِ كَمَا ثَبَتَ فِي جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ ، وَأَنَّ زَوْجَ الْمُرْضِعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ لِلرَّضِيعِ ، وَأَخَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمِّ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَثْبَتَ عُمُومَةَ الرَّضَاعِ وَأَلْحَقَهَا بِالنَّسَبِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ : الرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ) وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَنَاتَ كَمَا ذَكَرَهَا فِي تَحْرِيمِ النَّسَبِ ، وَلَا ذَكَرَ مَنْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَالْعَمَّةِ كَمَا ذَكَرَهَا فِي النَّسَبِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ ، وَذِكْرُ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَاهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْحُرْمَةِ فَهُوَ أَوْلَى ، أَيْ أَحَقُّ أَنْ يُقَدَّمَ اهـ . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْمَرْأَةِ ، فَكَيْفَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى الرَّجُلِ ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ هَذَا الْقِيَاسَ ؛ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ كَمَا مَرَّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ نَحْوَهُ .
1273 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ : أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ : ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . 1286 1273 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ) بِالْقَافِ الْمَدَنِيِّ ( أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ عَنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَ سَعِيدٌ : كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ قَطْرَةً وَاحِدَةً ) وَصَلَتْ لِجَوْفِ الطفل ( فَهُوَ يُحَرِّمُ ) بِشَدِّ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ( وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ) فَلَا يُحَرِّمُ ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ : ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ) لِمُوَافَقَةِ اجْتِهَادِهِ لِاجْتِهَادِهِ .
1274 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ . 1287 1274 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ يَقُولُ : لَا رَضَاعَةَ ) مُحَرَّمَةً ( إِلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ ) وَهُوَ مَا يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ لِيَنَامَ فِيهِ ( وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ ) فَرَضَاعُ الْكَبِيرِ لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّهُ لَا يُنْبِتُ شَيْئًا مِنْهُمَا ، وَلِلْدَارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلِلْتِرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا : إِنَّمَا الرَّضَاعُ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَفَتَقَ الْأَمْعَاءَ .
1275 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا تُحَرِّمُ ، وَالرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ تُحَرِّمُ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إِذَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ تُحَرِّمُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ . 1287 1275 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا تُحَرِّمُ ) تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ ، كَمَا قَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ مَعَ عِلْمِهِمْ حَدِيثَ الْمَصَّتَيْنِ ، وَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَرِبْ أَنَّهُ لِعِلَّةٍ مِنْ نَسْخٍ أَوْ مُعَارِضٍ يُوجِبُ تَرْكَهُ وَإِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ ، وَيَرْجِعُ إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ ، وَلِلْقَاعِدَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ إِشْكَالٌ فِي قِصَّةٍ أَوْ تَعَارُضٌ مُبِيحٌ وَمَانِعٌ فَالْأَخْذُ بِهِ أَحَقُّ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ ( وَالرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ ، أَيْ جِهَتِهِمْ ( تُحَرِّمُ ) تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ لِنَصِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَتَعْلِيلِهِ بِأَنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ، وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ فَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَابْنِ عُلَيَّةَ ( قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَالرَّضَاعَةُ قَلِيلُهَا ) وَلَوْ مَصَّةٌ ( وَكَثِيرُهَا إِذَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ تُحَرِّمُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ) وَلَوْ بِيَوْمٍ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ مَا قَارَبَهُمَا ، وَفِيهِ رِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ تَقَدَّمَتْ ( فَإِنَّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ ) وَهُوَ لَا يُحَرِّمُ .
1268 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا وَأَرْضَعَتْ الْأُخْرَى جَارِيَةً ، فَقِيلَ لَهُ : هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ، فَقَالَ : لَا ، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ . 1281 1268 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ الشَّرِيدِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، الثَّقَفِيِّ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّائِفِيِّ ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ) وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ وَمَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ : جَارِيَتَانِ ( فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَامًا وَأَرْضَعَتِ الْأُخْرَى جَارِيَةً ) أَيْ بِنْتًا صَغِيرَةً ( فَقِيلَ لَهُ : هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ؟ فَقَالَ : لَا ) يَتَزَوَّجُهَا ( اللَّقَاحُ وَاحِدٌ ) بِفَتْحِ اللَّامِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ اللَّيْثُ : اللَّقَاحُ اسْمُ مَاءِ الْفَحْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّقَاحُ بِمَعْنَى الْإِلْقَاحِ ، يُقَالُ : لَقَّحَ النَّاقَةَ إِلْقَاحًا وَلَقَاحًا كَمَا يَقُولُ أَعْطَى إِعْطَاءً وَعَطَاءً ، وَالْأَصْلُ فِيهِ لِلْإِبِلِ ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِلنِّسَاءِ اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 30 - كِتَاب الرَّضَاعِ 1 - بَاب رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ 1264 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُرَاهُ فُلَانًا ، لِعَمٍّ لِحَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 30 - كِتَابُ الرَّضَاعِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ، اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ ، وَهَذَا الْغَالِبُ الْمُوَافِقُ لِلُّغَةِ وَإِلَّا فَهُوَ اسْمٌ لِحُصُولِ لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي جَوْفِ طِفْلٍ ، وَالْأَصْلُ في تحريمه قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ) وَحَدِيثُ : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ . 1 - بَابُ رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا . 1277 1264 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ( أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عِنْدَهَا ) فِي حُجْرَتِهَا ( وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ ( يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْتِ عُمَرَ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرِّ صِفَةُ رَجُلٍ ( قَالَتْ عَائِشَةُ ) مُرِيدَةً عِلْمَ الْحُكْمِ ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ ) الَّذِي فِيهِ حَفْصَةُ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُرَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ : أَظُنُّهُ ( فَلَانًا لِعَمٍّ لِحَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ) مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ وَمُقْتَضَى السِّيَاقِ ، فَقُلْتُ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ ، أَيْ : عَنْ عَمِّهَا ( مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ، أَيْ هَلْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ عَمِّ عَائِشَةَ أَيْضًا ، وَوَهِمَ من فسره بِأَفْلَحَ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ وَالِدِ عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَأَمَّا أَفْلَحَ فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَقَدْ عَاشَ حَتَّى جَاءَ لِيَسْتَأْذِنَ عَلَى عَائِشَةَ فَامْتَنَعَتْ ، فَأَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَأْذَنَ لَهُ كَمَا يَأْتِي ، وَالْمَذْكُورُ هُنَا عَمُّهَا أَخُو أَبِيهَا أَبِي بَكْرٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقِيلَ هُمَا وَاحِدٌ ، وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ عَمَّهَا فِي حَدِيثِ أَبِي الْقُعَيْسِ كَانَ حَيًّا ، وَالْآخَرُ كَانَ مَيِّتًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهَا : لَوْ كَانَ حَيًّا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ فِي الْعَمِّ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا جَوَّزَتْ تَبَدُّلَ الْحُكْمِ فَسَأَلَتْ مَرَّةً أُخْرَى ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُ مَاتَ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ ) أَيْ كَانَ يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلَيْكِ ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَشَدِّ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ( مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ ) أَيْ مِثْلَ مَا تُحَرِّمُهُ ، فَفِيهِ مُضَافٌ مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَفِيهِ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ يُحَرِّمُ إِذْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ عِدَّةِ الرَّضَعَاتِ بَلْ جَعَلَهُ عَامًّا بِلَا تَفْصِيلٍ وَأَطْلَقَ فِي التَّعْلِيلِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1265 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَذَلِكَ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ . 1278 1265 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ ) هُوَ أَفْلَحُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ ( يَسْتَأْذِنُ ) يَطْلُبُ الْإِذْنَ ( عَلَيَّ ) فِي الدُّخُولِ ( فَأَبَيْتُ ) امْتَنَعْتُ ( أَنْ آذَنَ ) بِالْمَدِّ ( لَهُ عَلَيَّ ) لِلتَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، وَغَلَّبَتِ التَّحْرِيمَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ( حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لِأَنَّهَا جَوَّزَتْ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ ، أَوْ نَسِيَتْ ، وَإِلَّا فَكَانَ يَكْفِيهَا سُؤَالُهَا عَنْ عَمِّهَا الْأَوَّلِ فِي قِصَّةِ حَفْصَةَ السَّابِقَةِ ، فَهَذَا مِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ ، وَيَرُدُّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُمَا وَاحِدٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ رَجَّحَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ ، وَأَجَابَ عَنْ هَذَا فَقَالَ : لَعَلَّ عَمَّ حَفْصَةَ بِخِلَافِ عَمِّ عَائِشَةَ أَفْلَحَ ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَقِيقًا وَالْآخَرُ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ فِي الْعُمُومَةِ وَالْآخَرُ أَبْعَدَ ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَرْضَعَتْهُ زَوْجَةُ أَخِيهِ فِي حَيَاتِهِ وَالْآخَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَأَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ حَتَّى سَأَلْتُ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ وَحَقِيقَتِهِ ( عَنْ ذَلِكَ ) سَقَطَتْ فِي نُسْخَةٍ ( فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ ) فِي الدُّخُولِ عَلَيْكِ ( قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ ) أَيِ امْرَأَةُ أَخِيهِ ( وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ) الَّذِي هُوَ أخوه حَتَّى يَكُونَ عَمِّي ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ ( فَقَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ ) بِالْجِيمِ ، يَدْخُلْ عَلَيْكِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّقَاحُ وَاحِدٌ ، كَمَا يَأْتِي . ( قَالَتْ عَائِشَةُ : وَذَلِكَ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ ) آخِرَ سَنَةِ خَمْسٍ ، أَيْ حُكْمُهُ أَوْ آيَتُهُ ( وَقَالَتْ عَائِشَةُ : يُحَرَّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يُحَرَّمُ ) بِفَتْحِ أوله وضم ثَالِثِهِ فِيهِمَا ( مِنَ الْوِلَادَةِ ) كَذَا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا ، وَتَقَدَّمَ مَرْفُوعًا عَنْ عَمْرَةَ عَنْهَا ، وَيَأْتِي عَنْ سُلَيْمَانَ ، وَعُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا . وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَقُولُ عَائِشَةُ ، فَذَكَرَهُ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ بِالْوَجْهَيْنِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ أَفْلَحَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحْتَجِبِي عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ، أَوْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ . قَدْ تَابَعَ مَالِكًا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَلَمْ يُسَمِّ الْعَمَّ ، وَكَذَا تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ أَخَا أَبِي قُعَيْسٍ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نحوه غير أَنَّهُ قَالَ : اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمَعْرُوفُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ ، يَعْنِي الْمُحَدِّثِينَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ وَهْمٌ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، فَقَدْ خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ لِحَدِيثِ هِشَامٍ .
1267 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ . 1280 1267 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ) بِكَسْرِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَهُمَا عِكْرِمَةُ وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِعِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ يُحَرِّمُ ) تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ كَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 23 ) وَالْقِصَّةُ تُوجِبُ تَسْمِيَةَ الْمَرْأَةِ أُمًّا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَتُعِقِّبُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا لَوْ كَانَ اللَّفْظُ : وَاللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ، فَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أُمًّا بِمَا قَلَّ مَنِ الرَّضَاعَةِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَفْهُومَ التِّلَاوَةِ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ مُحَرَّمَاتٌ لِأَجْلِ أَنَّهُنَّ أَرْضَعْنَكُمْ ، فَتَعُودُ إِلَى مَعْنَى مَا قَالُوهُ ، وَتُوجِبُ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمَا يُسَمَّى رَضَاعًا . وَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى اعْتِبَارِ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ وَحَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ مَرْفُوعًا : لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، فَنَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ ، فَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ الْإِطْلَاقُ فَالْحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لَهُ وَبَيَانُهُ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، وَلِحَدِيثِ : إِنَّمَا الرَّضَاعُ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَحَدِيثِ : إِنَّمَا الرَّضَاعُ مَا أَنْشَرَ اللَّحْمَ يُرْوَى بِالرَّاءِ أَيْ شَدَّهُ وَأَبْقَاهُ ، مِنْ نَشْرِ اللَّهِ الْمَيِّتَ إِذَا أَحْيَاهُ ، وَبِالزَّايِ زَادَ فِيهِ وَعَظَّمَهُ ، مِنَ النَّشْزِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ ، وَالْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ لَا يَفْتِقَانِ الْأَمْعَاءَ وَلَا يَنْشُرَانِ الْعَظْمَ ، وَتُعِقِّبُ بِأَنَّ لِلْمَصَّةِ الْوَاحِدَةِ نَصِيبًا فِيهِمَا ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَعَلَّهُ كَانَ حِينَ يُعْتَبَرُ فِي التَّحْرِيمِ الْعَشْرُ وَالْعَدَدُ قَبْلَ نَسْخِهِ . وَأَمَّا دَعْوَى وَقْفِهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمَةٍ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ ، وَأُعِلَّ أَيْضًا بِالِاضْطِرَابِ وَرُدَّ ، فَلَمَّا احْتَمَلَ رَجَعْنَا إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَمَفْهُومِ الْأَخْبَارِ وَتَنْزِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ مُنْزِلَةَ النَّسَبِ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عَدَدٌ إِلَّا مُجَرَّدُ الْوَطْءِ فَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ ، وَقِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بِالصِّهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْرُمُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي وَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ .
1303 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ، فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا . 1315 1303 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمِيمِ ، رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ يُوسُفَ ، وَقَالَ جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ : عَبْدُ الْمَجِيدِ ، بِمِيمٍ تَلِيهَا جِيمٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( ابْنُ سُهَيْلٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، زَوْجُ الثُّرَيَّا بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ عُمَرُ بْنُ رَبِيعَةَ : أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ ، ثِقَةٌ ، حُجَّةٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَلَهُ مَرْفُوعًا فِي الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، سَعْدٍ بِسُكُونِهَا ، ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( الْخُدْرِيِّ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذِكْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعَقَبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اهـ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ غَيْرِ مُنَافِيَةٍ ، فَلَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ كَمَا ادَّعَاهُ بِقَوْلِهِ الْمَحْفُوظِ ؛ إِذْ يُقَابِلُهُ الشَّاذُّ ، وَلِذَا لَمْ يَلْتَفِتِ الشَّيْخَانِ لِذَلِكَ وَرَوَيَا الْحَدِيثَ . وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَدْ قَصَّرَ فَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُمَا ، وَكَأَنَّ أَبَا عُمَرَ اسْتَشْعَرَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا ) هُوَ سَوَادُ ، بِخِفَّةِ الْوَاوِ ، ابْنُ غَزِيَّةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ ، بِوَزْنِ عَطِيَّةَ ، كَمَا سَمَّاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ( عَلَى خَيْبَرَ ) أَيْ جَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَيْهَا ( فَجَاءَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ) بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ مَكْسُورَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ ، نَوْعٌ مِنْ أَعْلَى التَّمْرِ ، قِيلَ الْكَبِيسُ ، وَقِيلَ الطَّيِّبُ ، وَقِيلَ الصُّلْبُ ، وَقِيلَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ حَشَفُهُ وَرُدَّ بِهِ ، وَقِيلَ الَّذِي لَا يُخْلَطُ بِغَيْرِهِ . ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا ) الْجَنِيبِ ( بِالصَّاعَيْنِ ) مِنَ الْجَمْعِ ، كَمَا زَادَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ( وَالصَّاعَيْنِ ) مِنَ الْجَنِيبِ ( بِالثَّلَاثَةِ ) مِنَ الْجَمْعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِالثَّلَاثِ بِدُونِ تَاءٍ ، وَهُمَا جَائِزَانِ لِأَنَّ الصَّاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، التَّمْرُ الرَّدِيءُ الْمَجْمُوعُ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ ( بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ ) اشْتَرِ ( بِالدَّرَاهِمِ ) تَمْرًا ( جَنِيبًا ) لِيَكُونَ صَفْقَتَيْنِ ، فَلَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا ، فَلَيْسَ هَذَا حِيلَةً فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ بَلْ تُوَصِّلُ إِلَى تَحْصِيلِ تَمَلُّكِهِ . وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَقَالَ : لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرَ آخِرَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ سِوَى مَالِكٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءٌ الطَّيِّبُ وَالدُّونُ ، وَأَنَّهُ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْفَسْخُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ ، فَقَالَ : هَذَا الرِّبَا فَرَدَّهُ ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا الرَّدُّ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ اهـ . وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الطَّعَامِ مِنْ رَجُلٍ بِنَقْدٍ وَيَبْتَاعُ مِنْهُ بِذَلِكَ النَّقْدِ طَعَامًا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَبَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ فِيهِ بَائِعَ الطَّعَامِ وَلَا مُبْتَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ لَا يَشْمَلُ مَا ذُكِرَ ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِيمَا عَدَاهَا بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ : وَابْتَعْ مِمَّنِ اشْتَرَى الْجَمْعَ ، بَلْ خَرَجَ الْكَلَامُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَعِينِ الْبَائِعِ مَنْ هُوَ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : بَيْعُ التَّمْرِ الْجَمْعُ بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاءُ الْجَنِيبِ بِهَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَدْخُلُهُ مَا يَدْخُلُ الصَّرْفَ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِدَرَاهِمَ وَيَشْتَرِي بِهَا ذَهَبًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ ، وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَمَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالذَّرَائِعِ كَذَلِكَ وَغَيْرُهُ يُرَاعِي السَّلَامَةَ فِي ذَلِكَ لَا يَفْسَخُ بَيْعًا قَدِ انْعَقَدَ إِلَّا بِيَقِينٍ وَقَصْدٍ اهـ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الْحِيلَةِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا بِأَنْ يَبِيعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ ، أَوْ عَرْضٍ وَيَشْتَرِيَ مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ ، أَوْ يُقْرِضَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَيَبْرِيَهُ ، أَوْ يَتَوَاهَبَا ، أَوْ يَهَبَ الْفَاضِلَ مَالِكُهُ لِصَاحِبِهِ بَعْدَ شِرَائِهِ مِنْهُ مَا عَدَاهُ بِمَا يُسَاوِيهِ ، فَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي بَيْعِهِ وَإِقْرَاضِهِ وَهِبَتِهِ مَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُ ، نَعَمْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ إِذَا نَوَيَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ أَفْسَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ الْعَقْدَ يُكْرَهُ إِذَا نَوَاهُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِشَرْطِ أَنْ يُطَلِّقَ لَمْ يَنْعَقِدْ ، فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ كُرِهَ ، ثُمَّ هَذِهِ الطُّرُقُ لَيْسَتْ حِيَلًا فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُ حَرَامٌ ، بَلْ حِيَلٌ فِي تَمْلِيكِهِ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ فَفِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ تَسَامُحٌ اهـ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَفِي الْوَكَالَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ .
12 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ 1302 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عَامِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ يَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْعُوهُ لِي ، فَدُعِيَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَا يَبِيعُونَنِي الْجَنِيبَ بِالْجَمْعِ صَاعًا بِصَاعٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا . 12 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ 1314 1302 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) مُرْسَلٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَصَلَهُ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، أَيْ مَوْزُونًا ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالرَّفْعِ . ( فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عَامِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ ) سَوَادَ بْنَ غَزِيَّةَ ، كَمَا يَأْتِي ( يَأْخُذُ الصَّاعَ ) مِنَ التَّمْرِ الْجَيِّدِ ( بِالصَّاعَيْنِ ) مِنَ التَّمْرِ الرَّدِيءِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ادْعُوهُ لِي ، فَدُعِيَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَبِيعُونَنِي الْجَنِيبَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ فَمُوَحَّدَةٍ ، نَوْعٌ مِنْ جَيِّدِ التَّمْرِ ( بِالْجَمْعِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، تَمْرٌ رَدِيءٌ ، مَجْمُوعٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ ( صَاعًا بِصَاعٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ) لا تَفْعَلُ ( بِعِ الْجَمْعَ ) التَّمْرَ الرَّدِيءَ ( بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ ابْتَعْ ) اشْتَرِ ( بِالدَّرَاهِمِ ) تَمْرًا ( جَنِيبًا ) فَلَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا ، فَنَهَاهُ عَمَّا فَعَلَ وَعَذَرَهُ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ وَلَمْ يَرُدَّ فِعْلَهُ السَّابِقَ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِاجْتِهَادٍ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَاضُلِ ، وَلِذَا سَأَلَهُ عَنْ فِعْلِهِ لِيُعَلِّمَهُ بِمَا أَحْدَثَ اللَّهُ فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِفَسْخِهِ . وَجَاءَ عَنْ بِلَالٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِرَدِّ هَذَا الْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَيْ بَرَدِّ مِثْلِهِ بَعْدَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنِ التَّفَاضُلِ ، فَلَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ بِنَاءً عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، كَمَا يَأْتِي عَنْهُ فِي تَالِيهِ .
1304 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ سَعْدٌ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ، فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . 1316 1304 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ ، الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ، زَادَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُمَا : مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ( أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ، كُنْيَتُهُ ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَيَّاشٌ الْمَدَنِيُّ ، تَابِعِيٌّ صَدُوقٌ ، نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ ، وَلَمْ يُذْكَرْ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ ، وَقِيلَ بَلْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا عِمْرَانُ بْنُ أَنَسٍ ، وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ ، وَاسْمُهُ عِنْدَ طَائِفَةٍ : زَيْدُ بْنُ الصَّامِتُ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ حَفِظَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَهِدَ مَعَهُ بَعْضَ مَشَاهِدِهِ اهـ . ( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ ) بِيعِ ( الْبَيْضَاءِ ) أَيِ الشَّعِيرِ ، كَمَا وَرَدَ بِوَجْهٍ آخَرَ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَوَهِمَ وَكِيعٌ فَقَالَ عَنْهُ الذُّرَةِ ، وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ ، وَالْبَيْضَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّعِيرُ وَالسُّمْرَةُ عِنْدَهُمُ الْبَرُّ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( بِالسُّلْتِ ) بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ ، حَبٌّ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَلَا قِشْرَ لَهُ كَقِشْرِ الشَّعِيرِ ، فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ فِي مَلَاسَتِهِ وَكَالشَّعِيرِ فِي طَبْعِهِ وَبُرُودَتِهِ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قِيلَ إِنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ ، وَيَكُونُ فِي الْغَوْرِ وَالْحِجَازِ ( فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ ؟ ) قَالَ مَالِكٌ : أَيْ أَكْثَرُ فِي الْكَيْلِ ، وَيَدُلُّ لَهُ احْتِجَاجُ سَعْدٍ ( فَقَالَ : الْبَيْضَاءُ ) أَيِ الشَّعِيرُ ( فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ بَيْعِهَا مُتَفَاضِلًا لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْخِلْقَةِ وَغَيْرِهِمَا . ( وَقَالَ سَعْدٌ ) مُحْتَجًّا لِفَتْوَاهُ بِالْمَنْعِ ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لِمَنْ حَوْلَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ ( أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ) لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ ، فَقَاسَ سَعْدٌ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِنَ الشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ عَلَى مَا سُئِلَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى التَّمْرُ بِالرُّطَبِ بِجَامِعِ تَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ .
1298 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْجَائِحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي الثُّلُثُ فَصَاعِدًا ، وَلَا يَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ جَائِحَةً . 1309 1298 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَالْجَائِحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي الثُّلُثُ فَصَاعِدًا ، وَلَا يَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ جَائِحَةً ) لِدُخُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى رَمْيِ الْهَوَاءِ وَأَكْلِ الطَّيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْيَسِيرُ مَا دُونَ الثُّلُثِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا .
10 - بَاب الْجَائِحَةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ 1297 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ . 10 - بَابُ الْجَائِحَةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ الْجَائِحَةُ لُغَةً : الْمُصِيبَةُ الْمُسْتَأْصَلَةُ ، جَمْعُهَا جَوَائِحُ ، وَعُرْفًا مَا أُتْلِفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ . 1309 1297 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ) لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ عَشَرَةٌ رِجَالًا كَامِلِينَ ، وَكُنْيَتَهُ فِي الْأَصْلِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةِ ( أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ ) مُرْسَلٌ ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي عَنْ عَائِشَةَ ( ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ ، فَسَأَلَ ) مُبْتَاعُ الثَّمَرَةِ ( رَبَّ الْحَائِطِ ) الْبُسْتَانِ ، وَلَمْ يُسَمَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ( أَنْ يَضَعَ ) يُسْقِطَ ( لَهُ ) لِأَجْلِ النَّقْصِ شَيْئًا مِنْ ثَمَنِهِ ( أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ) الْوَضْعَ وَلَا الْإِقَالَةَ ( فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَأَلَّى ) بِالْهَمْزِ وَشَدِّ اللَّامِ ، حَلَفَ ، مُبَالِغًا فِي النَّهْيِ ( أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ ، فَأَتَى ) هُوَ ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ لَهُ ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ : لَا أَدْرِي قَوْلَهُ : هُوَ لَهُ ، هَلِ الْوَضِيعَةُ أَوِ الْإِقَالَةُ ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَصَلَهُ الشَّيْخَانِ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُمْ ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَلَهُ ، أَيْ ذَلِكَ أَحَبُّ وَجَمَعَ عِيَاضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ بِأَنْ يَكُونَ سَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا وَلَمْ يَتَبَيَّنْ كَلَامَهُمَا ، فَجَاءَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي فَأَخْبَرَتْهُ فَخَرَجَ .
1301 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ : أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ : أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا وَيُسَمِّي عَدَدَهَا فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ إِنَّمَا اسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْ ثَمَرِ حَائِطِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ احْتَبَسَهُ مِنْ حَائِطِهِ وَأَمْسَكَهُ لَمْ يَبِعْهُ وَبَاعَ مِنْ حَائِطِهِ مَا سِوَى ذَلِكَ . 1313 1301 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ : أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا ) وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَسْتَثْنِي ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ لَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ ) يَتَعَدَّاهُ ( وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَأَمَّا الرَّجُلُ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا وَيُسَمِّي عَدَدَهَا ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ) شِدَّةً أَيْ يَجُوزُ ( لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ إِنَّمَا اسْتَثْنَى شَيْئًا من ثمر حائط نَفْسِهِ ) فَهُوَ عَالِمٌ بِهِ ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ احْتَبَسَهُ ) أَيْ مَنَعَهُ ( مِنْ حَائِطِهِ وَأَمْسَكَهُ لَمْ يَبِعْهُ وَبَاعَ مِنْ حَائِطِهِ مَا سِوَى ذَلِكَ ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبْقِيٌّ .
11 - بَاب مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ 1299 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ . 11 - بَابُ مَا يَجُوزُ فِي اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ 1311 1299 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ ، ثُمَّ يَسْتَثْنِي مِنْهُ ) وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ مَا كَانَ يَسْتَثْنِي .
1300 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْأَفْرَقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ تَمْرًا . 1312 1300 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ ) أَيْ يُسَمَّى الْحَائِطُ ( الْأَفْرَقُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَآخِرُهُ قَافٌ ، مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ ( بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ تَمْرًا ) وَهِيَ دُونَ الثُّلُثِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 31 - كِتَاب الْبُيُوعِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ 1282 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ تَكَارَى مِنْهُ : أُعْطِيكَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى أَنِّي إِنْ أَخَذْتُ السِّلْعَةَ أَوْ رَكِبْتُ مَا تَكَارَيْتُ مِنْكَ فَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَوْ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ ، وَإِنْ تَرَكْتُ ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ فَمَا أَعْطَيْتُكَ لَكَ بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ الْفَصِيحَ بِالْأَعْبُدِ مِنْ الْحَبَشَةِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ وَالنَّفَاذِ وَالْمَعْرِفَةِ لَا بَأْسَ بِهَذَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ أَوْ بِالْأَعْبُدِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إِذَا اخْتَلَفَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا بِيعَتْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى ، أَحَسَنٌ أَمْ قَبِيحٌ ، أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ ، أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيْتٌ ، وَذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَنْدَمُ الْبَائِعُ فَيَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ أَنْ يُقِيلَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ وَيَمْحُو عَنْهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ الَّتِي لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَوْ الْعَبْدِ وَيَزِيدَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الَّذِي اشْتَرَى إِلَيْهِ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ لَهُ إِلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِجَارِيَةٍ وَبِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْ السَّنَةٍ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنْ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي بَاعَهَا إِلَيْهِ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ يَبِيعُهَا بِثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ ، فَصَارَ إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا وَأَعْطَاهُ صَاحِبُهُ ثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 31 - كِتَابُ الْبُيُوعِ جَمْعُ بَيْعٍ ، وَجُمِعَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ وَبَيْعِ الْمَنْفَعَةِ وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ لُغَةٌ : الْمُبَادَلَةُ . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الشِّرَاءِ . قَالَ الْفَرَزْدَقُ : إِنَّ الشَّبَابَ الرَّابِحُ مَنْ بَاعَهُ وَالشَّيْبُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ تِجَارُ يَعْنِي مَنِ اشْتَرَاهُ ، وَيُطْلَقُ الشِّرَاءُ أَيْضًا عَلَى الْبَيْعِ وَمِنْهُ : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 20 ) سُمِّي الْبَيْعُ بَيْعًا لِأَنَّ الْبَائِعَ يَمُدُّ بَاعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي حَالَةَ الْعَقْدِ غَالِبًا ، كَمَا يُسَمَّى صَفْقَةً ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَصْفِقُ يَدَهُ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ ، لَكِنْ رَدَّ الْأَخْذَ بِأَنَّ الْبَيْعَ يَائِيٌّ وَالْبَاعَ وَاوِيٌّ . تَقُولُ : بِعْتُ الشَّيْءَ بِالضَّمِّ أَبُوعَهُ بَوْعًا إِذَا قَسَّمْتَهُ بِالْبَاعِ ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ بَاعَ بَائِعٌ بِالْهَمْزِ وَتَحْرِيكُهُ لَحْنٌ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ مَبِيعٌ وَأَصْلُهُ مَبْيُوعٌ فَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ وَاوُ مَفْعُولٍ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ فَهِيَ أَوْلَى بِالْحَذْفِ ، قَالَهُ الْخَلِيلُ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْمَحْذُوفُ عَيْنُ الْكَلِمَةِ ، الْأَزْهَرِيُّ : كِلَاهُمَا صَوَابٌ ، الْمَازِنِيُّ : كِلَاهُمَا حَسَنٌ ، وَقَوْلُ الْأَخْفَشِ أَقْيَسُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ : الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ عَقْدَانِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْغِذَاءِ مُفْتَقِرًا إِلَى النِّسَاءِ ، وَخَلَقَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى يَتَصَرَّفُ بِاخْتِيَارِهِ كَيْفَ شَاءَ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ : يَكْفِي رُبْعُ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِذْ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ . 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعُرْبَانِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَيُقَالُ عُرْبُونٌ وَعَرْبُونٌ ، بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَبِالْهَمْزَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ فِي الثَّلَاثِ وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ فِي الْكُلِّ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ إِعْرَابًا لِعَقْدِ الْبَيْعِ أَيْ إِصْلَاحًا وَإِزَالَةَ فَسَادٍ لِئَلَّا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ بِاشْتِرَائِهِ . وَفِي الذَّخِيرَةِ : الْعُرْبَانُ لُغَةً أَوَّلُ الشَّيْءِ . 1282 - ( مَالِكٌ ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الثِّقَةِ هُنَا ، وَالْأَشْبَهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، أَوِ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرٍو وَسَمِعَهُ مِنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ اهـ . وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : الْأَشْبَهُ أَنَّهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لِهَيْعَةَ ، عَنْ عَمْرٍو بِهِ ، وَقَالَ : رَوَاهُ حَبِيبٌ كَاتِبُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ عَمْرٍو بِهِ ، وَحَبِيبٌ مَتْرُوكٌ كَذَّبُوهُ اهـ . وَرِوَايَةُ حَبِيبٍ عند ابْنِ مَاجَهْ ، وَأَشْبَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ الْهَيْثَمِ بْنِ يَمَانٍ أَبِي بِشْرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، صَدُوقٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) شُعَيْبٍ ، تَابِعِيٌّ صَدُوقٌ ( عَنْ جَدِّهِ ) أَيْ شُعَيْبٍ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْهُ أَوْ ضَمِيرُهُ لِعَمْرٍو ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى وَهُوَ الصَّحَابِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَلِذَا احْتَجَّ الْأَكْثَرُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ لِأَنَّ جَدَّ عَمْرٍو مُحَمَّدًا لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ بِنَاءً عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ لِعَمْرٍو وَأَنَّهُ الْجَدُّ الْأَدْنَى . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ ، وَمَنْ قَالَ : حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ أَوْ ضَعِيفٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا بِحَالٍ ؛ إِذْ هُوَ مَا سَقَطَ مِنْهُ الرَّاوِي قَبْلَ الصَّحَابِيِّ أَوْ مَا لَمْ يَتَّصِلْ ، وَهَذَا متصل غير أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا ( قَالَ مَالِكٌ : وَ ) تَفْسِيرُ ( ذَلِكَ فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ ، نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ) أَوِ الْمَرْأَةُ ( الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ ) الْأَمَةَ ( أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ) ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ تَكَارَى مِنْهُ : أُعْطِيكَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى أَنِّي إِنْ أَخَذْتُ السِّلْعَةَ الْمُبْتَاعَةَ ( أَوْ رَكِبْتُ مَا تَكَارَيْتُ مِنْكَ فَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ هُوَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَوْ مِنْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ ، وَإِنْ تَرَكْتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ ( ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ أَوْ كِرَاءَ الدَّابَّةِ فَمَا أَعْطَيْتُكَ لَكَ بَاطِلٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ ) أَيْ لَا رُجُوعَ لِي بِهِ عَلَيْكَ ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ وَالْغَرَرِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ فَإِنْ فَاتَ مَضَى لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَقَدْ أَجَازَهُ أَحْمَدُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِجَازَتُهُ ، وَيُرَدُّ الْعُرْبَانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا يَصِحُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِجَازَتِهِ ، فَإِنْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَى الْبَائِعِ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبْتَاعَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيِ الْمُبْتَاعُ الْمَفْهُومُ مِنْ يَبْتَاعُ وَلِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ : ( الْعَبْدَ التَّاجِرَ الْفَصِيحَ ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ( بِالْأَعْبُدِ مِنَ الْحَبَشَةِ أَوْ مِنْ جِنْسٍ مِنَ الْأَجْنَاسِ ، لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَلَا فِي التِّجَارَةِ وَالنَّفَاذِ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، الْمُضِيُّ فِي أَمْرِهِ ( وَالْمَعْرِفَةِ ) بِالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ ( لَا بَأْسَ بِهَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْعَبْدَ بِالْعَبْدَيْنِ أَوْ بِالْأَعْبُدِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إِذَا اخْتَلَفَ فَبَانَ ) ظَهَرَ ( اخْتِلَافُهُ ، فَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا حَتَّى يَتَقَارَبَ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُمْ ) بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَنَحْوِهِمَا ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ) أَيْ تَقْبِضَهُ ( إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ ) لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ( وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى جَنِينٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ إِذَا بِيعَتْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى ، أَمْ حَسَنٌ أَمْ قَبِيحٌ ، أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ ، أَوْ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ ؟ وَذَلِكَ يَضَعُ ) يُنْقِصُ ( مَنْ ثَمَنِهَا ) وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَنْدَمُ فَيُسْأَلُ الْمُبْتَاعَ ) الْمُشْتَرِيَ ( أَنْ يُقِيلَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ وَيَمْحُو ) يُزِيلُ ( عَنْهُ الْمِائَةَ دِينَارٍ الَّتِي لَهُ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ وَإِقَالَةٌ لَا تُهْمَةَ فِيهَا لِرُجُوعِ سِلْعَتِهِ إِلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ذَهَبٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا إِلَى أَجَلٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَوِ الْعَبْدِ وَيَزِيدُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي اشْتَرَى إِلَيْهِ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ لَهُ إِلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ ) السَّنَةُ ( بِجَارِيَةٍ وَبِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ السَّنَةِ ) لِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ ( فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ ) وَهُوَ مَمْنُوعٌ ( وَالرَّجُلُ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي بَاعَهَا إِلَيْهِ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ ( وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الرِّجْلُ الْجَارِيَةَ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ يَبِيعُهَا بِثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ ، فَصَارَ ) آلَ أَمْرُهُ ( إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا وَأَعْطَاهُ صَاحِبُهُ ) الَّذِي كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ ( ثَلَاثِينَ دِينَارًا إِلَى شَهْرٍ بِسِتِّينَ دِينَارًا إِلَى سَنَةٍ أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي ) أَيْ يَحْرُمُ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ لِلرِّبَا ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ بِنَاءً عَلَى قَطْعِ الذَّرَائِعِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنَ قَصَدَا إِلَيْهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْأَكْثَرُ وَالشَّافِعِيُّ حَيْثُ لَا قَصْدَ لِأَنَّ تُهْمَةَ الْمُسْلِمِ بِمَا لَا يَحِلُّ حَرَامٌ ، فَلَا يُفْسَخُ مَا ظَاهِرُهُ حَلَالٌ بِالظَّنِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ : إِنَّ أُمَّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنِّي بِعْتُ لِزَيْدٍ عَبْدًا إِلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةٍ فَاحْتَاجَ إِلَى ثَمَنِهِ فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا شَرَيْتِ وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ ، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أُبْطِلَ جِهَادُهُ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ لَمْ يَتُبْ ، فَقُلْتُ : إِنْ أَخَذْتُ السِّتَّمِائَةِ ، قَالَتْ : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 275 ) وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 279 ) فَضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ مُنْكَرٌ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَا يُحْبِطُهُ الِاجْتِهَادُ بَلِ الرِّدَّةُ ، وَمُحَالٌ أَنَّ عَائِشَةَ تُلْزِمُ زَيْدًا التَّوْبَةَ بِرَأْيِهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ لَا يَصِحُّ ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ احْتَمَلَ أَنَّهَا أَنْكَرَتِ الْبَيْعَ إِلَى الْعَطَاءِ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَجَعَ إِلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ مَعَ زَيْدٍ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرَاةَ إِلَى أَجَلٍ مَالٌ لِلْمُشْتَرِي فَلَهُ بَيْعُهَا بِمَا شَاءَ مِمَّنْ شَاءَ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ مُلَخَّصًا .
2 - بَاب مَا جَاءَ فِي مَالِ الْمَمْلُوكِ 1283 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِنْ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا يُعْلَمُ أَوْ لَا يُعْلَمُ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ كَانَ ثَمَنُهُ نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إِيَّاهَا ، وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ وَلَمْ يُتَّبَعْ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَالِ الْمَمْلُوكِ 1295 1283 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ) أَبَاهُ ( عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ) أَيْ لِلْعَبْدِ فَفِي إِضَافَتِهِ الْمَالَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَمْلِكُ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ ، لَكِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ ( فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ) نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ كُلَّهُ مَالٌ فَبَاعَ بَعْضُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا أَصْلًا لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا ، وَقَالُوا : الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِانْتِفَاعِ لَا لِلْمِلْكِ كَجُلِّ الدَّابَّةِ وَسَرْجِ الْفَرَسِ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ : فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، فَأَضَافَ الْمِلْكَ إِلَيْهِ وَإِلَى الْبَائِعِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ كُلُّهُ مَمْلُوكًا لِاثْنَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَثَبَتَ أَنَّ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى الْعَبْدِ مَجَازٌ أَيْ لِلِاخْتِصَاصِ ، وَإِلَى الْمَوْلَى حَقِيقَةٌ أَيْ لِلْمِلْكِ ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ : ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ) فَيَكُونُ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ ، وَهَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ مَوْقُوفًا . وَرَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا سَالِمٌ وَنَافِعٌ فَرَفَعَهَا سَالِمٌ وَوَقَّفَهَا نَافِعٌ اهـ ، وَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ . وَالثَّانِي : وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا ، أَيْ يَدَيْهِ . وَالثَّالِثُ : النَّاسُ كَإِبِلِ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . وَالرَّابِعُ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعَشْرُ ، فَرَفَعَ الْأَرْبَعَةَ سَالِمٌ ، وَوَقَّفَهَا نَافِعٌ ، وَرَجَّحَ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ رِوَايَةَ نَافِعٍ هُنَا وَإِنْ كَانَ سَالِمٌ أَحْفَظَ مِنْهُ ، نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمَا ، وَكَذَا رَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ . وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رِوَايَةَ سَالِمٍ أَصَحُّ . وَفِي التَّمْهِيدِ : إِنَّهَا لَصَوَابٌ . وَفِي الْعِلَلِ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحُهُمَا جَمِيعًا ، وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ إِذَا رَفَعَهُ لَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ وَهِيَ رِوَايَةُ سَالِمٍ ، وَإِذَا وَقَفَهُ ذَكَرَ أَبَاهُ وَهِيَ رِوَايَةُ نَافِعٍ ، فَتَحْصُلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثَ بِهِ سَالِمًا ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عُمَرَ مَوْقُوفًا فَحَدَّثَ بِهِ نَافِعًا ، فَصَحَّتْ رِوَايَةُ سَالِمٍ ، وَنَافِعٍ جَمِيعًا ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْهُمَا . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَسُفْيَانُ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْمِزِّيُّ : وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا وَاسِطَةَ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( أَنَّ الْمُبْتَاعَ ) الْمُشْتَرِيَ ( إِنِ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ نَقْدًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا ) عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ . وَقَالَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمَا الْحَدِيثُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ( يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ ) عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا . ( وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ ) مُبَالَغَةً فَأَوْلَى إِنْ كَانَ قَدْرَهُ أَوْ أَقَلَّ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ( نَقْدًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا وَ ) دَلِيلُ ( ذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ ) فَهُوَ يَمْلِكُ ( وَ ) إِنَّهُ ( إِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إِيَّاهَا ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ مِلْكِ الْغَيْرِ . ( وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ كَاتَبَ تَبِعَهُ مَالُهُ ) إِنْ لَمْ يَنْتَزِعْهُ السَّيِّدُ قَبْلَهُمَا ( وَإِذَا أَفْلَسَ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ ) أَصْحَابُ الدُّيُونِ ( مَالَهُ وَلَمْ يُتَّبَعْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ ) وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمَا أَفَادَهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْمَدِينَةِ ، وَمُرَادُهُ التَّقْوِيَةُ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عِنْدَهُ .
1307 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ ، وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الْجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ النَّوَى أَوْ الْقَضْبِ أَوْ الْعُصْفُرِ أَوْ الْكُرْسُفِ أَوْ الْكَتَّانِ أَوْ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ السِّلَعِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ : كِلْ سِلْعَتَكَ هَذِهِ ، أَوْ : مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ : زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ : عُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُعَدُّ ، فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ لَكَ حَتَّى أُوفِيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ ، وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سُمِّيَ مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مِنْ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الثَّوْبُ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثَوْبِكَ هَذَا كَذَا وَكَذَا ظِهَارَةَ قَلَنْسُوَةٍ قَدْرُ كُلِّ ظِهَارَةٍ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوفِيَكَ وَمَا زَادَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثِيَابِكَ هَذِي كَذَا وَكَذَا قَمِيصًا ذَرْعُ كُلِّ قَمِيصٍ كَذَا وَكَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْجُلُودُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ : أُقَطِّعُ جُلُودَكَ هَذِهِ نِعَالًا عَلَى إِمَامٍ يُرِيهِ إِيَّاهُ فَمَا نَقَصَ مِنْ مِائيةِ زَوْجٍ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي بِمَا ضَمِنْتُ لَكَ ، وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عِنْدَهُ حَبُّ الْبَانِ : اعْصُرْ حَبَّكَ هَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا فَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَهُ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي ، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَوْ ضَارَعَهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْخَبَطُ أَوْ النَّوَى أَوْ الْكُرْسُفُ أَوْ الْكَتَّانُ أَوْ الْقَضْبُ أَوْ الْعُصْفُرُ : أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْخَبَطَ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ خَبَطٍ يُخْبَطُ مِثْلَ خَبَطِهِ أَوْ هَذَا النَّوَى بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ نَوًى مِثْلِهِ ، وَفِي الْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَضْبِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ . 1319 1307 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَتْحِ الْمِيمِ ( التَّمْرِ ) بِالْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، فَهِيَ فِي النَّخْلِ ( وَالْمُحَاقَلَةُ : اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ ) أَيِ الْقَمْحِ ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ( وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ) أَيِ الْقَمْحِ ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي مُسْلِمٍ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، فَهُوَ مُتَابِعٌ لِمَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ عَنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكُلُّهُمْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُهَا مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، اهـ . وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَيْبَةَ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ الْجُرْجَانِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا ، وَالْجُرْجَانِيُّ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا لَكِنْ لَهُ إِفْرَادٌ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) الْفِضَّةَ ( فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ، وَعَلَيْهِ نَصَّ الْحَدِيثُ كَمَا رَأَيْتَ . ( قَالَ مَالِكٌ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ ) فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، قَالَ عِيَاضٌ : مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ ، الْمُزَابَنَةُ هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِهَا ، وَفَسَّرَهَا الْمُوَطَّأُ بِمَا هُوَ أَوْسَعُ فَقَالَ : ( وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ كَيْلًا خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى النَّخْلِ ( ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ ) فَحَاصِلُهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهَا بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ وَبَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَيَشْمَلُ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ رِبَوِيًّا حُرِّمَ الْبَيْعُ لِلرِّبَا وَالْمُزَابَنَةِ ، أَمَّا الرِّبَا فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ وَالشَّكُّ فِي الرِّبَا كَتَحَقُّقِهِ ، وَأَمَّا الْمُزَابَنَةُ فَلِوُجُودِ مَعْنَاهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ الْآخَرَ ، وَلِذَا شُرِطَ اتِّحَادُ الْجِنْسِ لِأَنَّ بِهِ يَنْصَرِفُ الْغَرَضُ إِلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ مَا أَخَذْتُ أَكْثَرَ وَقَدْ غَبَنْتُ صَاحِبِي ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ غَيْرَ رِبَوِيٍّ حَرُمَ الْبَيْعُ لِلْمُزَابَنَةِ فَقَطْ ، لَكِنْ إِنْ تَحَقَّقَ الْفَضْلُ فِيمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ جَازَ ، وَيُقَدَّرُ أَنَّ الْمَغْبُونَ وَهَبَ الْفَضْلَ لِظُهُورِهِ لَهُ ، وَتَعَقَّبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِيُّ قَوْلَ عِيَاضٍ : تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ أَحَدُ أَنْوَاعِهِ الْمُزَابَنَةُ بِأَنَّهُ إِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا بَيْعَ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِقَوْلِهِ كَيْلًا رُدَّ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلَ بَيْعَ الْمَجْهُولِ بِالْمَجْهُولِ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى ، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الرِّبَوِيَّ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لِتَقَرُّرِ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمِ ، فَتَفْسِيرُ الْعُلَمَاءِ الْمُزَابَنَةَ لَيْسَ بِأَعَمَّ مِنْ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ ، بَلْ هُوَ مُسَاوٍ لَهُ ، وَهُوَ إِمَّا مَرْفُوعٌ فَلَا مُعْدِلَ عَنْهُ ، أَوْ مِنَ الرَّاوِي وَلَهُ مَزِيَّةٌ ، وَبَسَطَ الْإِمَامُ هَذَا فَقَالَ : ( وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّر ) بِشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ الْمَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ( الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنَ الْخَبْطِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ ( أَوِ النَّوَى ) لِلْبَلَحِ ( أَوِ الْقَضْبِ أَوِ الْعُصْفُرِ ) نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ( أَوِ الْكُرْسُفِ ) بِالضَّمِّ ، الْقُطْنُ ( أَوِ الْكَتَّانِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَعْرُوفٌ ، وَلَهُ بِزْرٌ يَعْتَصِرُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : الْكَتَّانُ عَرَبِيٌّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُكْتَنُّ أَيْ يَسْوَدُّ إِذَا أُلْقِيَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ( أَوِ الْقَزِّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالزَّايِ ، مُعَرَّبٌ ، قَالَ اللَّيْثُ : هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمُ : الْقَزُّ وَالْإِبْرَيْسَمُ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ . ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السِّلَعِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ كِلْ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( سِلْعَتَكَ هَذِهِ ) بِنَفْسِكَ ( أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ عُدَّ مِنْهَا مَا كَانَ يُعَدُّ فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا صَاعًا لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ، أَيْ دَفْعُهُ ( لَكَ حَتَّى أُوَفِّيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا ) شَرْعِيًّا جَائِزًا ( وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ ) الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ لَفْظِ الْمُزَابَنَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الزَّبْنُ الْخَطَرُ ، وَقِيلَ : الدَّفْعُ كَأَنَّهُ دَفَعَ عَنِ الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَعَنْ مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي ( وَالْغَرَرُ ) مُسَاوٍ لِمَا قَبْلَهُ ، فَهُوَ لُغَةً الْخَطَرُ ( وَالْقِمَارُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، الْمُغَالَبَةُ ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( يَدْخُلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمَّى مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ مِنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَا هِبَةٍ طَيَّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ ) فَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ( فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الثَّوْبُ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثَوْبِكَ هَذَا كَذَا وَكَذَا ظِهَارَةَ ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَظْهَرُ لِلْعَيْنِ ، وَهِيَ خِلَافُ بِطَانَةٍ ( قَلَنْسُوَةٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، مُفْرَدُ قَلَانِسَ ( قَدْرُ كُلِّ ظِهَارَةٍ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوفِيَكَهُ وَمَا زَادَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثِيَابِكَ هَذَيْنِ كَذَا وَكَذَا قَمِيصًا ذَرْعُ ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، قَدْرُ ( كُلِّ قَمِيصٍ كَذَا وَكَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْجُلُودُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ أَوِ الْإِبِلِ : أُقَطِّعُ جُلُودَكَ هَذِهِ نِعَالًا عَلَى إِمَامٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ مِثَالٍ ( يُرِيهِ إِيَّاهُ فَمَا نَقَصَ مِنْ مَائِيَّةِ ) أَيْ حَقِيقَةٍ وَصِفَةٍ ( زَوْجٍ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي بِمَا ضَمِنْتُ لَكَ ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ حَبُّ الْبَانِ ) شَجَرٌ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الْخِلَافُ ، بِخِفَّةِ اللَّامِ ، قَالَ الصَّغَانِيُّ : وَشَدُّهَا مِنْ لَحْنِ الْعَوَامِّ ( اعْصُرْ حَبَّكَ هَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا فَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي ، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ ضَارَعَهُ ) شَابَهَهُ فَهُوَ مُسَاوٍ ، وَحَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ( مِنَ الْمُزَابَنَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْخَبَطُ أَوِ النَّوَى أَوِ الْكُرْسُفُ أَوِ الْكَتَّانُ أَوِ الْقَضْبُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ( أَوِ الْعُصْفُرُ : أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْخَبَطَ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ نَوًى مِثْلِهِ ، وَفِي الْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَضْبِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ) فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِدُخُولِهِ تَحْتَ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ لُغَةُ الْعَرَبِ فِي الْمُزَابَنَةِ مِنَ الزَّبْنِ وَهُوَ الْمُقَامَرَةُ وَالدَّفْعُ وَالْمُغَالَبَةُ ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ : الْقَمَرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِمَارِ لِزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ ، فَالْمُزَابَنَةُ : الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ ، شَيْءٌ مُتَدَاخِلُ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ .
13 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ 1305 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . 13 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ مُفَاعَلَةٌ ، مِنَ الزَّبْنِ ، وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ ، وَمِنْهُ الزَّبَانِيَةُ مَلَائِكَةُ النَّارِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْبِنُونَ الْكَفَرَةَ فِيهَا أَيْ يَدْفَعُونَهُمْ ، وَيُقَالُ لِلْحَرْبِ زَبُونٌ لِأَنَّهَا تَدْفَعُ أَبْنَاءَهَا لِلْمَوْتِ ، وَنَاقَةٌ زَبُونٌ إِذَا كَانَتْ تَدْفَعُ حَالِبَهَا عَنِ الْحَلْبِ ، سُمِّيَ بِهِ هَذَا الْبَيْعُ الْمَخْصُوصُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَزْبِنُ أَيْ يَدْفَعُ الْآخَرَ عَنْ حَقِّهِ بِمَا يَزْدَادُ مِنْهُ ، فَإِذَا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى مَا يَكْرَهُ تَدَافَعَا فَيَحْرِصُ أَحَدُهُمَا عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ وَالْآخَرُ عَلَى إِمْضَائِهِ . وَالْمُحَاقَلَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ الْحَرْثُ ، وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ : اسْمٌ لِلزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ وَلِلْأَرْضِ الَّتِي يُزْرَعُ فِيهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ : مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ ؟ أَيْ بِمَزَارِعِكُمْ . 1317 1305 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ الْقَزَّازُ : أَصْلُهُ أَنَّ الْمَغْبُونَ يُرِيدُ فَسْخَ الْبَيْعِ وَالْغَابِنَ لَا يُرِيدُ فَسْخَهُ فَيَتَزَابَنَانِ عَلَيْهِ أَيْ يَتَدَافَعَانِ ، زَادَ ابْنُ بُكَيْرٍ وَحْدَهُ : وَالْمُحَاقَلَةُ ( وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ ، الرُّطَبُ عَلَى النَّخْلِ ، وَلِابْنِ بُكَيْرٍ : بَيْعُ الرُّطَبِ ( بِالتَّمْرِ ) بِالْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، الْيَابِسُ ( كَيْلًا ) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلِ ، وَلَيْسَ قَيْدًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ جَرَى عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، أَوْ لَهُ مَفْهُومٌ وَلَكِنَّهُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَنْطُوقِ . ( وَبَيْعُ الْكَرْمِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، شَجَرُ الْعِنَبِ ، وَالْمُرَادُ الْعِنَبُ نَفْسُهُ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ : وَبَيْعُ الْعِنَبِ ( بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ : وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا مِنْ بَابِ الْقَلْبِ ، فَالْأَصْلُ إِدْخَالُ الْبَاءِ عَلَى الزَّبِيبِ كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ : إِنْ زَادَ فَلِي ، وَإِنَّ نَقَصَ فَعَلَيَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا التَّفْسِيرُ إِمَّا مَرْفُوعٌ أَوْ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي ، فَيُسَلَّمُ لَهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ ، وَعَبَّرَ بِهِ هُنَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، قِيلَ : وَهَذَا عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مَرْفُوعٌ ، أَمَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَلَا . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَاللَّيْثُ ، وَيُونُسُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوَهُ .
1306 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . 1318 1306 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ) وَهْبٍ أَوْ قُزْمَانَ ، بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الزَّايِ ( مَوْلَى ) عَبْدِ اللَّهِ ( بْنِ أَبِي أَحْمَدَ ) عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَقَافٍ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ الْحَرْثُ وَمَوْضِعُ الزَّرْعِ ( وَالْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ الثمر ) بِالْمُثَلَّثَةِ ( بِالتَّمْرِ ) بِالْفَوْقِيَّةِ ( فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ ) زَادَ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : كَيْلًا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَوْقَهُ وَمَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ ( وَالْمُحَاقَلَةُ : كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الطَّعَامِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَتَفْسِيرُهَا بِذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى أَنَّ الْحَقْلَ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ ، كَخَبَرِ : مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ أَيْ بِمَزَارِعِكُمْ ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ : لَا تُنْبِتُ الْبَقْلَةُ إِلَّا الْحَقْلَةُ . وَهَذَا التَّفْسِيرُ إِمَّا مَرْفُوعٌ أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ فَيُسَلَّمُ لَهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
3 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ 1284 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ ، وَهِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ الْوَلِيدَةُ وَعُهْدَةَ السَّنَةِ . قَالَ مَالِكٌ : مَا أَصَابَ الْعَبْدُ أَوْ الْوَلِيدَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَيَانِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ ، وَإِنَّ عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَقَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنْ الْعُهْدَةِ كُلِّهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا ، وَلَا عُهْدَةَ عِنْدَنَا إِلَّا فِي الرَّقِيقِ . 3 1296 1284 بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعُهْدَةِ - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( أَنَّ أَبَانَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنَ عُثْمَانَ ) بْنِ عَفَّانَ الْأُمَوِيَّ الْمَدَنِيَّ ( وَهِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ) بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ ، وَلِي الْمَدِينَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ( كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا ) أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ إِذَا خَطَبَ ( عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوِ الْوَلِيدَةُ ) أَيِ الْأَمَةُ ( وَعُهْدَةَ السَّنَةِ ) فَالْعَمَلُ بِهِمَا أَمْرٌ قَائِمٌ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَالْقُضَاةُ مُنْذُ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ بِهَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا : عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا : عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ ، عَنْ عُقْبَةَ ، وَفِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ خِلَافٌ ، وَلِذَا ضَعَّفَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ عُقْبَةَ لَكِنِ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَبِعَمَلِ الْمَدِينَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : مَا أَصَابَ الْعَبْدُ أَوِ الْوَلِيدَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ) مِنْ كُلِّ حَادِثٍ ( مِنْ حِينِ يَشْتَرِيَانِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الثَّلَاثَةُ ، فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ ) أَيْ ضمانه عَلَيْهِ ، فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ ( وَإِنَّ عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ) فَهِيَ قَلِيلَةُ الضَّمَانِ كَثِيرَةُ الزَّمَانِ ، عَكْسُ الْأُولَى ( فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَقَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنَ الْعُهْدَةِ كُلِّهَا ) وَإِنَّمَا يَقْضِي بِهِمَا إِنْ شَرَطَا أَوِ اعْتِيدَا فِي رِوَايَةِ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْهُ : يَقْضِي بِهِمَا مُطْلَقًا ( وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ) عَنِ الْمُشْتَرِي ( فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ الْبَرَاءَةُ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا ) أَيْ لَهُ رَدُّهُ ( وَلَا عُهْدَةَ عِنْدَنَا إِلَّا فِي الرَّقِيقِ ) وَالْمُرَادُ بِهَا كَوْنُهُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ .
4 - بَاب الْعَيْبِ فِي الرَّقِيقِ 1285 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ : لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ ، فَصَحَّ عِنْدَهُ فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ كُلَّ مَنْ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَحَمَلَتْ أَوْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَكُلَّ أَمْرٍ دَخَلَهُ الْفَوْتُ حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ رَدُّهُ ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ إِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ ، فَيُرَدُّ مِنْ الثَّمَنِ قَدْرُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ ثُمَّ يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ يَرُدُّهُ مِنْهُ ، وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِدًا مِثْلُ الْقَطْعِ أَوْ الْعَوَرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ ، فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وُضِعَ عَنْهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَغْرَمَ قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنْ الْعَيْبِ عِنْدَهُ ثُمَّ يَرُدُّ الْعَبْدَ فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ أُقِيمَ الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ ثَمَانُونَ دِينَارًا وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتُرِيَ الْعَبْدُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ رَدَّ وَلِيدَةً مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ بِهَا وَكَانَ قَدْ أَصَابَهَا ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِصَابَتِهِ إِيَّاهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَانًا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ : فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِيمَا بَاعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ تَبْرِئَتُهُ وَكَانَ مَا بَاعَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ بِالْجَارِيتَيْنِ ثُمَّ يُوجَدُ بِإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ ، قَالَ : تُقَامُ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ قِيمَةَ الْجَارِيَتَيْنِ ، فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا ، ثُمَّ تُقَامُ الْجَارِيتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا ، تُقَامَانِ صَحِيحَتَيْنِ سَالِمَتَيْنِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِيعَتْ بِالْجَارِيتَيْنِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ ثَمَنِهِمَا ، حَتَّى يَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَفِعَةِ بِقَدْرِ ارْتِفَاعِهَا وَعَلَى الْأُخْرَى بِقَدْرِهَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ فَيُرَدُّ بِقَدْرِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ، وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبْضِهِمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيُؤَاجِرُهُ بِالْإِجَارَةِ الْعَظِيمَةِ أَوْ الْغَلَّةِ الْقَلِيلَةِ ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْهُ : إِنَّهُ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَتَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ وَغَلَّتُهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِبَلَدِنَا ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا فَبَنَى لَهُ دَارًا قِيمَةُ بِنَائِهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ أَضْعَافًا ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْهُ رَدَّهُ ، وَلَا يُحْسَبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ إِجَارَةٌ فِيمَا عَمِلَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ إِذَا آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ ابْتَاعَ رَقِيقًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ عَبْدًا مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِعَبْدٍ مِنْهُمْ عَيْبًا ، إِنَّهُ يُنْظَرُ فِيمَا وُجِدَ مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ أَوْ أَكْثَرَهُ ثَمَنًا أَوْ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ، كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مَسْرُوقًا أَوْ وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ اشْتُرِيَ وَلَا فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ، رُدَّ ذَلِكَ الَّذِي وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ أَوْ وُجِدَ مَسْرُوقًا بِعَيْنِهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ . 4 - بَابُ الْعَيْبِ فِي الرَّقِيقِ 1297 1285 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ ) مِنَ الْعُيُوبِ ( فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : بِالْغُلَامِ دَاءٌ ) بِالْمَدِّ ، مَرَضٌ ( لَمْ تُسَمِّهِ لِي ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : بَاعَنِي ) ابْنُ عُمَرَ ( عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ : لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدُ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ ، فَصَحَّ ) الْعَبْدُ ( عِنْدَهُ ، فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ) عَوَّضَهُ اللَّهُ لِإِجْلَالِهِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ضَعُفَ ثَمَنُهُ أَوْ لَا ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَحَمَلَتْ ) مِنْهُ ( أَوْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَكُلَّ أَمْرٍ دَخْلَهُ الْفَوْتُ ) مَصْدَرُ فَاتَ ( حَتَّى لَا يُسْتَطَاعَ رَدُّهُ ) كَالْعِتْقِ وَالْإِيلَاءِ الْمَذْكُورَيْنِ لإفَاتَتْهُ الْمَقْصُودُ ( فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ ، أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الَّذِي بَاعَهُ أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافٍ مِنَ الْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ ) كَشَهَادَةِ ذِي الْمَعْرِفَةِ بِقَدَمِهِ ( فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ يُقَوَّمُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ فَيُرَدُّ ) مِنَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي ( مِنَ الثَّمَنِ قَدْرُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ وَبِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ ) لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ ثُمَّ يَظْهَرُ ) يَطَّلِعُ ( مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ يَرُدُّهُ مِنْهُ ) أَيْ يُوجِبُ لَهُ رَدُّهُ ( وَقَدْ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ إِنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مُفْسِدًا مِثْلَ الْقَطْعِ أَوِ الْعَوَرِ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، فَقَدْ بَصُرَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَفْسَدَةِ ) الْمُتَوَسِّطَةِ ( فَإِنَّ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ ( إِنَّ أَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِالْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وُضِعَ عَنْهُ ) وَلَزِمَهُ ( وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَغْرَمَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ، يَدْفَعَ ( قَدْرَ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنَ الْعَيْبِ ) الْحَادِثِ ( ثُمَّ يَرُدُّ الْعَبْدَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ) وَخَيْرُ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِسَبْقِ عَيْبِهِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ أُقِيمَ ) أَيْ قُوِّمَ ( الْعَبْدُ وَبِهِ الْعَيْبُ الَّذِي كَانَ بِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ ) وَبَيَّنَ صِفَةَ التَّقْوِيمِ بِقَوْلِهِ : ( فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ ثَمَانُونَ دِينَارًا ، وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ) وَهِيَ الْعِشْرُونَ فِي مِثَالِهِ ( وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتُرِيَ الْعَبْدُ ) وَلَوْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ بَعْدَهُ . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ رَدَّ وَلِيدَةً مِنْ ) أَجْلِ ( عَيْبٍ وَجَدَهُ بِهَا ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهَا ) قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ( أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِصَابَتِهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهَا ) وَإِصَابَةُ الثَّيِّبِ مِنَ الْخَفِيفِ . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ ) مِنَ الْعُيُوبِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ ( مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ ، فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِيمَا بَاعَ ) عَائِدٌ عَلَى الْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ ، قَالَ أَشْهَبُ : إِنَّكَ ذَكَرْتَ الْبَرَاءَةَ فِي الْحَيَوَانِ ، قَالَ : إِنَّمَا أُرِيدُ الْعَبْدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ مَالِكٌ أَنَّ الْحَيَوَانَ دَخَلَ فِي دَرَجِ الْكَلَامِ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَفْتَى بِهِ مَرَّةً فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تَخْصِيصِهَا بِالرَّقِيقِ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ ) عَنِ الْمُشْتَرِي ( لَمْ يَنْفَعْهُ تَبْرِئَتُهُ ، وَكَانَ مَا بَاعَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ ) أَيْ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ وَأَعَادَ هَذَا ، وَإِنْ قَدَّمَهُ قَرِيبًا لِنِسْبَتِهِ لِعَمَلِ الْمَدِينَةِ فَلَا تَكْرَارَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ بِالْجَارِيَتَيْنِ ثُمَّ يُوجَدُ بِإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ ، قَالَ : تُقَامُ ) أَيْ تُقَوَّمُ ( الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ قِيمَةَ الْجَارِيَتَيْنِ فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا ، ثُمَّ تُقَامُ ) تُقَوَّمُ ( الْجَارِيَتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا تُقَامَانِ صَحِيحَتَيْنِ سَالِمَتَيْنِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِيعَتْ بِالْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ ثَمَنِهِمَا حَتَّى يَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهَا عَلَى الْمُرْتَفِعَةِ ) الَّتِي لَا عَيْبَ فِيهَا ( بِقَدْرِ ارْتِفَاعِهَا ) زِيَادَتِهَا فِي الثَّمَنِ لِعَدَمِ الْعَيْبِ ( وَعَلَى الْأُخْرَى ) الْمَعِيبَةِ ( بِقِدْرِهَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ فَيُرَدُّ بِقَدْرِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ) يَعْنِي لَا فَرْقَ ( إِنَّمَا يَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبْضِهِمَا . قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيُؤَاجِرُهُ بِالْإِجَارَةِ الْعَظِيمَةِ أَوِ الْغَلَّةِ الْقَلِيلَةِ ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا يُرَدُّ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ أَجْلِهِ ( إِنَّهُ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ الْعَيْبِ ، وَيَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ وَغَلَّتُهُ ) وَلَوْ كَثُرَتْ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْقَلِيلَةِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي السُّؤَالِ ( وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ ) الْعُلَمَاءُ ( بِبَلَدِنَا ) الْمَدِينَةِ ( وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا فَبَنَى لَهُ دَارًا قِيمَةُ بِنَائِهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ أَضْعَافًا ، ثُمَّ يُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ يَرُدُّهُ مِنْهُ رَدَّهُ ، وَلَا يُحْسَبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ إِجَارَةٌ ) أَيْ أُجْرَةٌ ( فِيمَا عَمِلَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ إِذَا آجَرَهُ مَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ ) وَمَنْ عَلَيْهِ الْغُرْمُ لَهُ الْغُنْمُ ( وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : قَدِ اسْتَغَلَّ غُلَامِي ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنِ ابْتَاعَ ) اشْتَرَى ( رَقِيقًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ) أَيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ ( فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ عَبْدًا مَسْرُوقًا ، أَوْ وَجَدَ بِعَبْدٍ مِنْهُمْ عَيْبًا ، أَنَّهُ يَنْظُرُ فِيمَا وُجِدَ مَسْرُوقًا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهَ ) أَيْ أَعْلَى وَأَحْسَنَ ( ذَلِكَ الرَّقِيقِ أَوْ أَكْثَرَهُ ثَمَنًا أَوْ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَضْلُ ) الزِّيَادَةُ لَوْ سَلِمَ مِنَ الْعَيْبِ ( فِيمَا يَرَى النَّاسُ ، كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا كُلُّهُ ) وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ( وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مَسْرُوقًا أَوْ وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ ، لَيْسَ هُوَ وَجْهَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ اشْتُرِيَ وَلَا فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ ) أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ ( رُدَّ ذَلِكَ الَّذِي وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ أَوْ وُجِدَ مَسْرُوقًا بِعَيْنِهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ ) وَتَمَسَّكَ بِالْبَاقِي بِثَمَنِهِ .
5 - بَاب مَا يُفْعَلُ فِي الْوَلِيدَةِ إِذَا بِيعَتْ وَالشَّرْطُ فِيهَا 1286 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَودٍ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنْ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبِيعُهَا بِهِ ، فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ . 5 - بَابُ مَا يُفْعَلُ فِي الْوَلِيدَةِ إِذَا بِيعَتْ وَالشَّرْطُ فِيهَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ فِيهَا الشَّرْطُ . 1298 1286 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ: أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنِ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ ) بِنْتِ مُعَاوِيَةَ أَوِ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَيُقَالُ : بِنْتُ أَبِي مُعَاوِيَةَ ( الثَّقَفِيَّةِ ) صَحَابِيَّةٌ ، وَلَهَا رِوَايَةٌ عَنْ زَوْجِهَا ( وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ : أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبِيعُهَا بِهِ ، فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) مَفْعُولُ سَأَلَ ( فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ ) مُنَاقِضٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَمْلِكْهَا فَلَا يَحِلُّ لَكَ قُرْبَانُهَا .
1287 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إِلَّا وَلِيدَةً إِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ : فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا ، فَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا مِلْكًا تَامًّا لِأَنَّهُ قَدْ اسْتُثْنِيَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا مَلَكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَصْلُحْ وَكَانَ بَيْعًا مَكْرُوهًا . 1299 1287 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إِلَّا وَلِيدَةً إِنْ شَاءَ بَاعَهَا وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ ) كَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَشُوبُ مِلْكَهَا شَيْءٌ . ( قَالَ مَالِكٌ فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ) مِنَ الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِعَقْدِ الْبَيْعِ ( فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا أَنْ يَهَبَهَا ، فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَمْ يَمْلِكْهَا مَلِكًا تَامًّا لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُثْنِيَ ) اشْتُرِطَ ( عَلَيْهِ فِيهَا مَا مَلَكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّرْطُ ) فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ( لَمْ يَصْلُحْ ) مِنَ الصَّلَاحِ ضِدُّ الْفَسَادِ ( وَكَانَ بَيْعًا مَكْرُوهًا ) أَيْ مَمْنُوعًا لِفَسَادِهِ بِالشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ لِلْمُوَطَّأِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِشَرْطٍ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ فَلِلْبَائِعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ بَاعَهَا وَتَحِلُّ لِسَيِّدِهَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُ .
14 - بَاب جَامِعِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى ثَمَرًا مِنْ نَخْلٍ مُسَمَّاةٍ أَوْ حَائِطٍ مُسَمًّى أَوْ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ مُسَمَّاةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ يُؤْخَذُ عَاجِلًا ، يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَاوِيَةِ زَيْتٍ يَبْتَاعُ مِنْهَا رَجُلٌ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ وَيُعْطِيهِ ذَهَبَهُ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَ لَهُ مِنْهَا فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنْ انْشَقَّتْ الرَّاوِيَةُ فَذَهَبَ زَيْتُهَا فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إِلَّا ذَهَبُهُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَاضِرًا يُشْتَرَى عَلَى وَجْهِهِ مِثْلُ اللَّبَنِ إِذَا حُلِبَ ، وَالرُّطَبِ يُسْتَجْنَى ، فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنْ فَنِيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً بِمَا بَقِيَ لَهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا وَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَأْخُذَهَا ، فَإِنْ فَارَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، فَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ وَلَا يَصْلُحُ إِلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا فِي غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ الْحَائِطَ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ النَّخْلِ مِنْ الْعَجْوَةِ وَالْكَبِيسِ وَالْعَذْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ ، فَيَسْتَثْنِي مِنْهَا ثَمَرَ النَّخْلَةِ أَوْ النَّخَلَاتِ يَخْتَارُهَا مِنْ نَخْلِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ تَرَكَ ثَمَرَ النَّخْلَةِ مِنْ الْعَجْوَةِ وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَأَخَذَ مَكَانَهَا ثَمَرَ نَخْلَةٍ مِنْ الْكَبِيسِ وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا عَشَرَةُ أَصْوُعٍ أَوْ أَخَذَ الْعَجْوَةَ الَّتِي فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَتَرَكَ الَّتِي فِيهَا عَشْرَةُ أَصْوُعٍ مِنْ الْكَبِيسِ ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَجْوَةَ بِالْكَبِيسِ مُتَفَاضِلًا ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْهِ صُبَرٌ مِنْ التَّمْرِ قَدْ صَبَّرَ الْعَجْوَةَ فَجَعَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْكَبِيسِ عَشَرَةَ آصُعٍ ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْعَذْقِ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا ، فَأَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ دِينَارًا عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ فَيَأْخُذُ أَيَّ تِلْكَ الصُّبَرِ شَاءَ . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الرُّطَبَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيُسْلِفُهُ الدِّينَارَ مَاذَا لَهُ إِذَا ذَهَبَ رُطَبُ ذَلِكَ الْحَائِطِ ؟ قَالَ مَالِكٌ : يُحَاسِبُ صَاحِبَ الْحَائِطِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ ، إِنْ كَانَ أَخَذَ بِثُلُثَيْ دِينَارٍ رُطَبًا أَخَذَ ثُلُثَ الدِّينَارِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارِهِ رُطَبًا أَخَذَ الرُّبُعَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَتَرَاضَيَانِ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مَا بَدَا لَهُ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً سِوَى التَّمْرِ أَخَذَهَا بِمَا فَضَلَ لَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً أُخْرَى فَلَا يُفَارِقْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا أَوْ يُؤَاجِرَ غُلَامَهُ الْخَيَّاطَ أَوْ النَّجَّارَ أَوْ الْعَمَّالَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ ، أَوْ يُكْرِيَ مَسْكَنَهُ وَيَسْتَلِفَ إِجَارَةَ ذَلِكَ الْغُلَامِ أَوْ كِرَاءَ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ أَوْ تِلْكَ الرَّاحِلَةِ ، ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ حَدَثٌ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَرُدُّ رَبُّ الرَّاحِلَةِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْمَسْكَنِ إِلَى الَّذِي سَلَّفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ أَوْ إِجَارَةِ الْعَبْدِ أَوْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ يُحَاسِبُ صَاحِبَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ اسْتَوْفَى نِصْفَ حَقِّهِ رَدَّ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ؛ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ التَّسْلِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يُسَلَّفُ فِيهِ بِعَيْنِهِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُسَلِّفُ مَا سَلَّفَ فِيهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوْ الرَّاحِلَةَ أَوْ الْمَسْكَنَ ، أَوْ يَبْدَأُ فِيمَا اشْتَرَى مِنْ الرُّطَبِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا أَجَلٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أُسَلِّفُكَ فِي رَاحِلَتِكَ فُلَانَةَ أَرْكَبُهَا فِي الْحَجِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ أَجَلٌ مِنْ الزَّمَانِ ، أَوْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْمَسْكَنِ ، فَإِنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ كَانَ إِنَّمَا يُسَلِّفُهُ ذَهَبًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ تِلْكَ الرَّاحِلَةَ صَحِيحَةً لِذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّى لَهُ فَهِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْكِرَاءِ ، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ رَدَّ عَلَيْهِ ذَهَبَهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ عِنْدَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْقَبْضُ مَنْ قَبَضَ مَا اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَكْرَى فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْغَرَرِ وَالسَّلَفِ الَّذِي يُكْرَهُ وَأَخَذَ أَمْرًا مَعْلُومًا ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ فَيَقْبِضَهُمَا وَيَنْقُدَ أَثْمَانَهُمَا ، فَإِنْ حَدَثَ بِهِمَا حَدَثٌ مِنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ أَخَذَ ذَهَبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَبِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ تَكَارَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إِلَى أَجَلٍ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوْ الرَّاحِلَةَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَقَدْ عَمِلَ بِمَا لَا يَصْلُحُ ، لَا هُوَ قَبَضَ مَا اسْتَكْرَى أَوْ اسْتَأْجَرَ ، وَلَا هُوَ سَلَّفَ فِي دَيْنٍ يَكُونُ ضَامِنًا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 14 - بَابُ جَامِعِ بَيْعِ الثَّمَرِ ( قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى ثَمَرًا مِنْ نَخْلٍ مُسَمَّاةٍ أَوْ حَائِطٍ مُسَمًّى أَوْ لَبَنًا مَنْ غَنَمٍ مُسَمَّاةٍ ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( إِذَا كَانَ يُؤْخَذُ عَاجِلًا ، يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ ) بَيَانٌ لِلتَّعْجِيلِ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَاوِيَةِ زَيْتٍ يَبْتَاعُ مِنْهَا رَجُلٌ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ وَيُعْطِيهِ ذَهَبَهُ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكِيلَ لَهُ مِنْهَا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنِ انْشَقَّتِ الرَّاوِيَةُ فَذَهَبَ زَيْتُهَا فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إِلَّا ذَهَبُهُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَاضِرًا يُشْتَرَى عَلَى وَجْهِهِ مِثْلُ اللَّبَنِ إِذَا حُلِبَ ، وَالرُّطَبِ يُسْتَجْنَى ) بِسِينِ التَّأْكِيدِ ، أَيْ يُجْنَى ( فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ يَوْمًا بِيَوْمٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنْ فَنِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى رَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ مِنْ ذَهَبِهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً بِمَا بَقِيَ لَهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهَا وَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَأْخُذَهَا ، فَإِنْ فَارَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ نُهِيَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ) بِالْهَمْزِ ، وَهُوَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ ( فَإِنْ وَقَعَ فِي بَيْعِهِمَا أَجَلٌ ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحِلُّ فِيهِ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ، تَأْخِيرٌ ( وَلَا يَصْلُحُ إِلَّا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ ، وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي حَائِطٍ بِعَيْنِهِ وَلَا فِي غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الْحَائِطَ فِيهِ أَلْوَانٌ ) أَنْوَاعٌ ( مِنَ النَّخْلِ مِنَ الْعَجْوَةِ ) نَوْعٌ مِنْ أَجْوَدِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ ( وَالْكَبِيسِ ) نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ ، وَيُقَالُ مَنْ أَجْوَدِهِ ( وَالْعَذْقِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ وَقَافٍ ، أَنْوَاعٌ مِنَ التَّمْرِ ، وَمِنْهُ عَذْقُ ابْنِ الْحَبِيقِ وَعَذْقُ ابْنِ طَابَ وَعَذْقُ ابْنِ زَيْدٍ ، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ . ( وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ ، فَيَسْتَثْنِي الْبَائِعُ مِنْهَا تَمْرَ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخَلَاتِ يَخْتَارُهَا مِنْ نَخْلِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ تَرَكَ تَمْرَ النَّخْلَةِ مِنَ الْعَجْوَةِ ، وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَأَخَذَ مَكَانَهَا ثَمَرَ نَخْلَةٍ مِنَ الْكَبِيسِ ، وَمَكِيلَةُ ثَمَرِهَا عَشْرَةُ أَصْوُعٍ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِصَاعٍ وَيُجْمَعُ كَثْرَةً عَلَى صِيعَانٍ ، وَفِي نُسْخَةٍ : آصُعٍّ جَمْعٌ أَيْضًا لِصَاعٍ عَلَى الْقَلْبِ ، كَمَا قِيلَ : دَارٌ وَآدُرُ بِالْقَلْبِ ، قَالَهُ الْفَاسِيُّ ، وَجَعَلَهُ أَبُو حَاتِمٍ مِنْ خَطَأِ الْعَوَامِّ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَلَيْسَ بِخَطَأٍ فِي الْقِيَاسِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ ، لَكِنَّهُ قِيَاسٌ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ نَقْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْعَيْنِ إِلَى مَوْضِعِ الْيَاءِ ، فَيَقُولُونَ أَبْآرٌ وَآبَارٌ . ( وَإِنْ أَخَذَ الْعَجْوَةَ الَّتِي فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَتَرَكَ الَّتِي فِيهَا عَشْرَةُ أَصْوُعٍ ) وَفِي نُسْخَةٍ : آصُعٍ ( مِنَ الْكَبِيسِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَجْوَةَ بِالْكَبِيسِ مُتَفَاضِلًا ) فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ( وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ عِنْدَهُ ( صُبْرَةٌ مِنَ التَّمْرِ قَدْ صَبَّرَ ) بِالتَّشْدِيدِ ( الْعَجْوَةَ فَجَعَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْكَبِيسِ عَشْرَةَ آصُعٍ ، وَجَعَلَ صُبْرَةَ الْعَذْقِ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا ، فَأَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ دِينَارًا عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ فَيَأْخُذُ أَيَّ تِلْكَ الصُّبَرِ شَاءَ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ) لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الرُّطَبَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيُسْلِفُهُ الدِّينَارَ مَاذَا لَهُ إِذَا ذَهَبَ رُطَبُ ذَلِكَ الْحَائِطِ ؟ قَالَ مَالِكٌ : يُحَاسِبُ صَاحِبَ الْحَائِطِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ إِنْ كَانَ أَخَذَ بِثُلُثَيْ دِينَارِهِ رَطْبًا ، أَخَذَ ثُلُثَ الدِّينَارِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ ثَلَاثَةَ ) نُصِبَ عَلَى التَّوَسُّعِ ، أَيْ بِثَلَاثَةٍ ( أَرْبَاعِ دِينَارِهِ رُطَبًا ) مَفْعُولُ أَخَذَ ( أَخَذَ الرُّبُعَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ، أَوْ يَتَرَاضَيَانِ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِينَارِهِ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَائِطِ مَا بَدَا لَهُ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً سِوَى التَّمْرِ أَخَذَهَا بِمَا فَضَلَ لَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ تَمْرًا أَوْ سِلْعَةً أُخْرَى فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهُ ) لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ( وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ رَاحِلَتَهُ بِعَيْنِهَا ، أَوْ يُؤَاجِرُ غُلَامَهُ الْخَيَّاطَ أَوِ النَّجَّارَ أَوِ الْعَمَّالَ ) بِالتَّشْدِيدِ ( لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، أَوْ يُكْرِيَ مَسْكَنَهُ وَيَتَسَلَّفَ إِجَارَةَ ذَلِكَ الْغُلَامِ أَوْ كِرَاءَ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ أَوْ تِلْكَ الرَّاحِلَةِ ، ثُمَّ يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ حَدَثٌ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَرُدُّ رَبُّ الرَّاحِلَةِ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الْمَسْكَنِ إن الَّذِي سَلَّفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ أَوْ إِجَارَةِ الْعَبْدِ أَوْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ يُحَاسِبُ صَاحِبَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ اسْتَوْفَى نِصْفَ حَقِّهِ رَدَّ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِي الَّذِي عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ لَهُ ) وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ غَنِيٌّ عَنْ شَرْحِهِ ( وَلَا يَصْلُحُ التَّسْلِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يُسَلَّفُ فِيهِ بِعَيْنِهِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُسَلِّفُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ( مَا سَلَّفَ فِيهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوِ الرَّاحِلَةَ أَوِ الْمَسْكَنَ أَوْ يَبْدَأُ فِيمَا اشْتَرَى مِنَ الرُّطَبِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ عِنْدَ دَفْعِهِ الذَّهَبَ إِلَى صَاحِبِهِ ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَجَلٌ وَلَا تَأْخِيرٌ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أُسَلِّفُكَ فِي رَاحِلَتِكَ فُلَانَةَ ) الْمُعَيَّنَةَ ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى غَيْرِ الْإِنْسِ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَاتَتْ فُلَانَةٌ لِشَاةٍ ( أَرْكَبُهَا فِي الْحَجِّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ أَجَلٌ ) أَيْ مُدَّةٌ ( مِنَ الزَّمَانِ أَوْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ أَوِ الْمَسْكَنِ ، فَإِنَّهُ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ كَانَ إِنَّمَا يُسَلِّفُهُ ذَهَبًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ تِلْكَ الرَّاحِلَةَ صَحِيحَةً لِذَلِكَ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّيَ لَهُ فَهِيَ لَهُ بِذَلِكَ الْكِرَاءِ ، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ رَدَّ عَلَيْهِ ذَهَبَهُ ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ عِنْدَهُ . وَإِنَّمَا فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْقَبْضُ ) فَاعِلُ فَرَقَ ( مَنْ قَبَضَ مَا اسْتَأْجَرَ أَوِ اسْتَكْرَى فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْغَرَرِ وَالسَّلَفِ الَّذِي يُكْرَهُ وَأَخَذَ أَمْرًا مَعْلُومًا ) بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ فَيَقْبِضَهُمَا ) بِالنَّصْبِ ( وَيَنْقُدَ أَثْمَانَهُمَا ) بِالْجَمْعِ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ ( فَإِنْ حَدَثَ بِهِمَا حَدَثٌ مِنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ أَخَذَ ذَهَبُهُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَبِهَذَا مَضَتِ السُّنَّةُ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ ، وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ تَكَارَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إِلَى أَجَلٍ يَقْبِضُ الْعَبْدَ أَوِ الرَّاحِلَةَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَقَدْ عَمِلَ بِمَا لَا يَصْلُحُ ، لَا هُوَ قَبَضَ مَا اسْتَكْرَى أَوِ اسْتَأْجَرَ ، وَلَا هُوَ سَلَّفَ فِي دَيْنٍ يَكُونُ ضَامِنًا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ) بَيَانٌ لِنَفْيِ الصَّلَاحِ .
1289 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا . 1301 1289 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً ) جَارِيَةً مِنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ كَمَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ( فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ فَرَدَّهَا ) لِأَنَّهُ عَيْبٌ .
6 - بَاب النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَلَهَا زَوْجٌ 1288 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَهْدَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ جَارِيَةً وَلَهَا زَوْجٌ ابْتَاعَهَا بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : لَا أَقْرَبُهَا حَتَّى يُفَارِقَهَا زَوْجُهَا ، فَأَرْضَى ابْنُ عَامِرٍ زَوْجَهَا فَفَارَقَهَا . 6 - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَلَهَا زَوْجٌ 1300 1288 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ ) بْنِ كُرَيْزِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ القرشي ، وُلِدَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ فَتَفَلَ عَلَيْهِ وَعَوَّذَهُ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهُ صُحْبَةٌ ، وَكَانَ جَوَّادًا شُجَاعًا مَيْمُونًا ، وَلَّاهُ ابْنُ خَالِهِ عُثْمَانُ الْبَصْرَةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَافْتَتَحَ خُرَاسَانَ وَكِرْمَانَ وَغَيْرَهُمَا ، وَلَهُ فِي الْجُودِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَعَاشَ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ أَمِيرُهَا ( أَهْدَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ذِي النُّورَيْنِ ( جَارِيَةً وَلَهَا زَوْجٌ ، ابْتَاعَهَا ) عَبْدُ اللَّهِ ( بِالْبَصْرَةِ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : لَا أَقْرَبُهَا ) لِحُرْمَتِهِ ( حَتَّى يُفَارِقَهَا زَوْجُهَا ، فَأَرْضَى ابْنَ عَامِرٍ زَوْجَهَا فَفَارَقَهَا ) طَلَّقَهَا فَحَلَّتْ لِعُثْمَانَ بَعْدَ الْعِدَّةِ .
15 - بَاب بَيْعِ الْفَاكِهَةِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ الْفَاكِهَةِ مِنْ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يَيْبَسُ فَيَصِيرُ فَاكِهَةً يَابِسَةً تُدَّخَرُ وَتُؤْكَلُ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَصْلُحُ إِلَى أَجَلٍ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ رَطْبًا كَهَيْئَةِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ وَالْمَوْزِ وَالرُّمَّانِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَإِنْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُدَّخَرُ وَيَكُونُ فَاكِهَةً ، قَالَ : فَأَرَاهُ حَقِيقًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَجَلِ : فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . 15 - بَابُ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنِ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنَ الْفَاكِهَةِ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا ) بِخَفْضِهِمَا ( فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ) لِأَنَّهُ مِنَ الطَّعَامِ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ كَمَا يَأْتِي . ( وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ) بَدَلٌ مِنَ الشَّيْءِ ( إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ) لِئَلَّا يَدْخُلَهُ رِبَا النَّسَاءِ ( وَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يَيْبَسُ فَيَصِيرُ فَاكِهَةً يَابِسَةً يُدَّخَرُ ، وَيُؤْكَلُ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ) مُنَاجَزَةً ( وَمِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيْ مُتَسَاوِيًا ( إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ) لِدُخُولِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ ( فَإِنْ كَانَا مِنْ صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً ( وَلَا يَصْلُحُ إِلَى أَجَلٍ ) لِرِبَا النَّسَاءِ ( وَمَا كَانَ مِنْهَا لَا يَيْبَسُ وَلَا يُدَّخَرُ ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ رَطْبًا كَهَيْئَةِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَزَايٍ آخِرَهُ ، نَوْعٌ مِنَ الْبِطِّيخِ ( وَالْجَزَرِ وَالْأُتْرُجِّ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْجِيمِ ، فَاكِهَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، الْوَاحِدَةُ أُتْرُجَّةُ ، وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ تُرُنْجِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَالْأَوْلَى هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْفُصَحَاءُ وَارْتَضَاهُ النَّحْوِيُّونَ . ( وَالْمَوْزِ ) الْفَاكِهَةُ الْمَعْرُوفَةُ ، الْوَاحِدَةُ مَوْزَةٌ . ( وَالرُّمَّانِ ) فَعَّالٌ ، وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ ، وَلِذَا يَنْصَرِفُ ، فَإِنْ سُمِّي بِهِ امْتَنَعَ حَمْلًا عَلَى الْأَكْثَرِ ، الْوَاحِدَةُ رُمَّانَةٌ . ( وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَإِنْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَاكِهَةً بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا ) وَفِي نُسْخَةٍ : مِثْلَ مَا ( يُدَّخَرُ ، وَيَكُونُ فَاكِهَةً ، فَأَرَاهُ خَفِيفًا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ .
7 - بَاب مَا جَاءَ فِي ثَمَرِ الْمَالِ يُبَاعُ أَصْلُهُ 1290 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . 7 - بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَمَرِ الْمَالِ يُبَاعُ أَصْلُهُ 1302 1290 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَالتَّأْبِيرُ : التَّلْقِيحُ ، وَهُوَ أن يُشَقُّ طَلْعُ الْإِنَاثِ وَيُؤْخَذُ مِنْ طَلْعِ الذَّكَرِ فَيُذَرُ فِيهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَجْوَدَ مِمَّا لَمْ يُؤَبَّرُ وَهُوَ خَاصٌّ بِالنَّخْلِ ، وَالْحَقُّ بِهِ مَا انْعَقَدَ مِنْ ثَمَرِ غَيْرِهَا ( فَثَمَرُهَا ) بِمُثَلَّثَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَثَمَرَتُهَا بِمُثَلَّثَةٍ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ ( لِلْبَائِعِ ) لَا لِلْمُشْتَرِي ، وَيُتْرَكُ فِي النَّخْلِ إِلَى الْجُذَاذِ وَلِكِلَيْهِمَا السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرُّ بالآخر ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ الثَّمَرَ مَا دَامَ مُسْتَسْكِنًا فِي الطَّلْعِ ، كَالْوَلَدِ فِي بَطْنِ الْحَامِلِ إِذَا بِيعَتْ كَانَ الْحَمْلُ تَابِعًا لَهَا ، فَإِذَا ظَهَرَ تَمَيُّزُ حُكْمِهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ثَمَرٍ بَارِزٍ يُرَى فِي شَجَرِهِ إِذَا بِيعَتْ أُصُولُ الشَّجَرِ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الثِّمَارُ فِي الْبَيْعِ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ) أَيِ الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَرَةَ تَكُونُ لَهُ وَيُوَافِقُهُ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنْ قِيلَ اللَّفْظُ مُطْلَقٌ ، فَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَطَ الثَّمَرَةَ لِنَفْسِهِ ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ تَحْقِيقَ الِاسْتِثْنَاءِ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ ، وَبِأَنَّ لَفْظَ الِافْتِعَالِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ كَسَبَ لِعِيَالِهِ وَاكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ . وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ إِنْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَالثَّمَرُ لِلْمُشْتَرِي ، وَفِي جَوَازِ شَرْطِهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ وَمَنَعَهُ قَوْلَا الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ لِلْبَائِعِ أُبِرَتْ أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ ، وَلِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَتُهُ بِقَلْعِهَا عَنِ النَّخْلِ فِي الْحَالِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إِلَى الْجِذَاذِ ، وَإِنْ شَرَطَ إِبْقَاءَهُ إِلَيْهِ فَسَدَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، قَالَ : وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْإِبَارِ إِمَّا لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى مَا لَمْ يُؤَبَّرْ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَى الْمَذْكُورِ ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَقَدْ رَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ التَّنْبِيهَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَبِالْمُشْكِلِ عَلَى الْوَاضِحِ ، وَمَا ذُكِرَ خَارِجٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَرَدَّهُ الْأَبِيُّ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، وَحَاصِلُ مَأْخَذِ الْمُذَهَّبَيْنِ أَنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ اسْتَعْمَلَا الْحَدِيثَ لَفْظًا وَدَلِيلًا أَيْ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا ، وَيُسَمَّى فِي الْأُصُولِ دَلِيلَ الْخُطَّابِ ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ الثَّابِتُ مِنْهُ نَقِيضُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَعْمَلَهُ بِلَا تَخْصِيصٍ ، وَمَالِكًا مُخَصِّصًا بِالْمُشْتَرِي كَمَا مَرَّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ اسْتَعْمَلَهُ لَفْظًا وَمَعْقُولًا ، وَتُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ : مَعْقُولَ الْخِطَابِ ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى مُسَاوَاةِ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْمَنْطُوقِ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَذْكِيرِ النَّخْلِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ : لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، فَتَرَكُوا التَّذْكِيرَ فَنَقَصَتِ الثِّمَارُ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَمَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا ، وَفِي الشُّرُوطِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الشُّرُوطِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي التِّجَارَاتِ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
1314 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ ، وَالرَّمَاءُ : هُوَ الرِّبَا . 1328 1314 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيْ مُتَسَاوِيًا ( وَلَا تُشِفُّوا ) أَيْ تُفَضِّلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيُطْلَقُ الشِّفُّ لُغَةً أَيْضًا عَلَى النَّقْصِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ ( وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ) أَيِ الْفِضَّةَ ( إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِيهِمَا ( وَلَا تُشِفُّوا ) تَزِيدُوا ( بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ ) عَنِ الْمَجْلِسِ ( وَالْآخَرُ نَاجِزٌ ) أَيْ حَاضِرٌ ، وَهَذَا تَقَدَّمَ مَرْفُوعًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَذِكْرُ هَذَا الْمَوْقُوفِ إِشَارَةٌ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ بِهِ وَلِزِيَادَةِ قَوْلِهِ : ( وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ ) يَدْخُلَ ( بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ) لَا تُؤَخِّرْهُ ( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءُ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ وَالْمَدِّ ( وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا ) أَيِ الزِّيَادَةُ وَالتَّأْخِيرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ الْإِرْمَاءُ ، يُقَالُ : أَرَمَى عَلَى الشَّيْءِ وَأَرْبَى إِذَا زَادَ عَلَيْهِ .
1312 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ . 1325 1312 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ( مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ) فَيَحْرُمُ رِبَا الْفَضْلِ وَلَوْ قَلَّ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَّغَهُ ابْنُ وَهْبٍ أَوْ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ .
1318 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا ، إِذَا كَانَ تِبْرًا أَوْ حَلْيًا قَدْ صِيغَ ، فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَعْدُودَةُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَعْدُودَةُ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جِزَافًا حَتَّى يُعْلَمَ وَيُعَدَّ ، فَإِنْ اشْتُرِيَ ذَلِكَ جِزَافًا فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ حِينَ يُتْرَكُ عَدُّهُ وَيُشْتَرَى جِزَافًا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَّا مَا كَانَ يُوزَنُ مِنْ التِّبْرِ وَالْحَلْيِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ جِزَافًا ، وَإِنَّمَا ابْتِيَاعُ ذَلِكَ جِزَافًا كَهَيْئَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُبَاعُ جِزَافًا وَمِثْلُهَا يُكَالُ ، فَلَيْسَ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ جِزَافًا بَأْسٌ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، فَإِنَّ مَا اشْتُرِيَ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ الثُّلُثَ فَذَلِكَ جَائِزٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ، وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَرِقِ مِمَّا فِيهِ الْوَرِقُ نُظِرَ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْوَرِقِ الثُّلُثَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا . 1332 1318 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ) وَجَاءَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 48 ) أَنَّ إِفْسَادَهُمْ كَانَ قَطْعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ( سُورَةُ هُودٍ : الْآيَةُ 87 ) قَالَ : قَطْعُ الدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : وَهُوَ الْبَخْسُ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِسْنَادُهُ لَيِّنٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ) أَوِ الْمَرْأَةُ ( الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا إِذَا كَانَ تِبْرًا أَوْ حَلْيًا ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مُفْرَدُ حُلِيٍّ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ( قَدْ صِيغَ ، فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَعْدُودَةُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَعْدُودَةُ فَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَحِلُّ ( لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ذَلِكَ جِزَافًا حَتَّى يُعْلَمَ وَيُعَدَّ ) كُلٌّ مِنْهُمَا ( فَإِنِ اشْتُرِيَ ذَلِكَ جِزَافًا فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ حِينَ يُتْرَكُ عَدُّهُ وَيُشْتَرَى جِزَافًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ ) فَيَحْرُمُ لِحُصُولِ الْغَرَرِ مِنْ جِهَتَيِ الْكِمِّيَّةِ وَالْآحَادِ لِأَنَّهُ يُرْغَبُ فِي كَثْرَةِ آحَادِهِ لِيَسْهُلَ الشِّرَاءُ بِهَا ، هَكَذَا عَلَّلَهُ الْأَبْهَرِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ بِكَثْرَةِ ثَمَنِ الْعَيْنِ فَيَكْثُرُ الْغَرَرُ ، وَرُدَّ بِجَوَازِ بَيْعِ الْحُلِيِّ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِهِ جِزَافًا كَمَا قَالَ . ( فَأَمَّا مَا كَانَ يُوزَنُ مِنَ التِّبْرِ وَالْحَلْيِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ جِزَافًا ) وَإِنَّمَا يُبْتَاعُ ذَلِكَ جِزَافًا حَالَ كَوْنِهِ ( كَهَيْئَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُبَاعُ جِزَافًا وَمِثْلُهَا يُكَالُ فَلَيْسَ بِابْتِيَاعِ ذَلِكَ جِزَافًا بَأْسٌ ) أَيْ يَجُوزُ إِذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ لِعَدَمِ قَصْدِ إِفْرَادِهِ حِينَئِذٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَى ( فَإِنَّ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ الثُّلُثُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ) بَيَانٌ لِيَدٍ بِيَدٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الثُّلُثِ وَغَيْرِهِ إِلَى قِيمَةِ الْمُحَلَّى مَصُوغًا ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ بِالْوَزْنِ . ( وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَرِقِ مِمَّا فِيهِ الْوَرِقُ نُظِرَ إِلَى قِيمَتِهِ ) مَصُوغًا ( فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْوَرِقِ الثُّلُثَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ) تَأْكِيدٌ لِجَائِزٍ أَوْ مَعْنَاهُ بِلَا كَرَاهَةٍ ( إِذَا كَانَ ذَلِكَ يدا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً ( وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ .
1316 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ وَالصَّاعُ بِالصَّاعِ وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ . 1329 1316 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( أَنَّهُ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ وَالصَّاعُ ) الْمِكْيَالُ الْمَعْرُوفُ ( بِالصَّاعِ ) مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ كَالْقَمْحِ ( وَلَا يُبَاعُ كَالِئٌ ) بِالْهَمْزِ أَيْ مُؤَجَّلٌ ( بِنَاجِزٍ ) أَيْ حَاضِرٍ .
16 - بَاب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ تِبْرًا وَعَيْنًا 1308 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعْدَيْنِ : أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا . 16 - بَابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ عَيْنًا وَتِبْرًا حَالَانِ مِنَ الذَّهَبِ ، فَالتِّبْرُ مَا كَانَ مِنَ الذَّهَبِ غَيْرَ مَضْرُوبٍ ، فَإِنْ ضُرِبَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَيْنٌ . 1322 1308 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ ) مُرْسَلًا . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَهُ ، قِيلَ : إِنَّ شَيْخَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، هُوَ الْهُذَلِيُّ ، يَرْوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَزَعَمَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ وَالِدُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّعْدَيْنِ ) سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، كَمَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ فَضَالَةَ قَالَ : كُنَّا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْغَنَائِمِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ( أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ الْمَغَانِمِ ) أَيْ مَغَانِمَ خَيْبَرَ ( مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا ) شَكَّ الرَّاوِي ( فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا ) مَا بِعْتُمَا ، وَفِيهِ أَمْرُ الْإِمَامِ بِبَيْعِ الْمَغَانِمِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ وَيُقَسِّمُ الثَّمَنَ ، وَإِنَّمَا رَدَّ الْبَيْعَ وَلَمْ يَأْمُرْ عَامِلَهُ عَلَى خَيْبَرَ لَمَّا بَاعَ صَاعَيْنِ يَجْمَعُ بِصَاعٍ مِنْ جَنِيبٍ بِالرَّدِّ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُبْتَاعَ الْآنِيَةِ مَوْجُودٌ مَعْلُومٌ بِخِلَافِ مُبْتَاعِ الْجَمْعِ ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ قَبْلَ بَيْعِ الْجَنِيبِ فَلَا يُفْسَخُ ، بِخِلَافِ الْآنِيَةِ ، وَإِنَّمَا بِيعَتْ قَبْلَ كَسْرِهَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَسْرِهَا وَلَا يُبْقِيهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لِحَدِيثِ : الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ .
1311 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ صَائِغٌ فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيْءَ مِنْ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَأَسْتَفْضِلُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي ، فَنَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ الصَّائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى دَابَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَهَا ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ . 1311 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ) أَبِي صَفْوَانَ الْقَارِّيِّ الْأَعْرَجِ مِنْ رِجَالِ الْجَمَاعَةِ ( مُجَاهِدِ ) بْنِ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيِّ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي الْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ( أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) بْنِ الْخَطَّابِ ( فَجَاءَهُ صَائِغٌ ) هُوَ وَرْدَانُ الرُّومِيُّ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ وَرْدَانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ( فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ ( إِنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ ) أَجْعَلُهُ حُلِيًّا ( ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيْءَ ) الْمَصُوغَ ( بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَأَسْتَفْضِلُ ) أَسْتَبْقِي ، وَالسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ( مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي فَنَهَاهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ) لِلرِّبَا ( فَجَعَلَ الصَّائِغُ يُرَدِّدُ ) يُعِيدُ ( عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ ) الْمَذْكُورَةَ ( وَعَبْدُ اللَّهِ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى دَابَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَهَا ) شَكَّ الرَّاوِي ( ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ ) زِيَادَةَ ( بَيْنَهُمَا هَذَا عَهْدُ ) أَيْ وَصِيَّةُ ( نَبِيِّنَا ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَيْنَا وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ ) وَقَدْ بَلَّغْنَاكُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ إِلَخْ ، إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْأَصْلِ لَا إِلَى الْمَضْرُوبِ دُونَ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ إِشَارَةِ ابْنِ عُمَرَ الْحَدِيثِ عَلَى سُؤَالِ الصَّائِغِ لَهُ عَنِ الذَّهَبِ الْمَصُوغِ ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا حَرَّمَ التَّفَاضُلَ فِي الْمَضْرُوبِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُدَرْهَمَةِ دُونَ التِّبْرِ وَالْمَصُوغِ مِنْهُمَا إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ . قَالَ : وَفِي قَوْلِهِ : نَبِيِّنَا تَصْرِيحٌ بِالْمُرَادِ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا عَهْدُ صَاحِبِنَا ، فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي بِهِ أَبَاهُ عُمَرَ غَلَطٌ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّ صَاحِبَنَا مُجْمَلٌ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُمَرَ ، فَلَمَّا قَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : عَهْدُ نَبِيِّنَا فَسَّرَ مَا أُجْمِلَ ، وَوَرَدَ أَنَّ هَذَا أَصْلُ مَا يَعْتَمِدُهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْآثَارِ لَكِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الدَّاخِلَةُ عَلَى النَّاسِ مِنْ جِهَةِ التَّقْلِيدِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ الْعَالِمُ عِنْدَ مَنْ لَا يُنْعِمُ النَّظَرَ بِشَيْءٍ كَتَبَهُ وَجَعَلَهُ دِينًا يَرُدُّ بِهِ مَا خَالَفَهُ دُونَ مَعْرِفَةِ وَجْهِهِ فَيَقَعُ الْخَلَلُ ، اهـ .
1310 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ . 1324 1310 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيِ إِلَّا حَالَ كَوْنِهِمَا مُتَمَاثِلَيْنِ أَيْ مُتَسَاوِيَيْنِ أَيْ مَعَ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ( وَلَا تُشِفُّوا ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنَ الْإِشْفَافِ أَيْ : لَا تُفَضِّلُوا ( بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ) وَالشِّفُّ بِالْكَسْرِ : الزِّيَادَةُ . ( وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ فِيهِمَا ، الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ ( إِلَّا ) حَالَ كَوْنِهِمَا ( مِثْلًا بِمِثْلٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مُتَمَاثِلَيْنِ ( وَلَا تُشِفُّوا ) أَيْ لَا تُفَضِّلُوا ( بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا ) أَيْ مُؤَجَّلًا ( بِنَاجِزٍ ) بِنُونٍ وَجِيمٍ وَزَايٍ أَيْ بِحَاضِرٍ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَفِيهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَإِنْ قَلَّتْ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّ الشُّفُوفَ الزِّيَادَةُ الْقَلِيلَةُ ، وَمِنْهُ شُفَافَةُ الْإِنَاءِ وَهِيَ الْبَقِيَّةُ الْقَلِيلَةُ مِنَ الْمَاءِ ، وَلَا خِلَافَ فِي المَنْعِ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ إِلَّا فِي دِينَارٍ فِي ذِمَّةِ آخِذٍ صَرَفَهُ الْآنَ ، أَوْ فِي دِينَارٍ فِي ذِمَّةٍ وَصَرْفُهُ فِي ذِمَّةٍ أُخْرَى فَيَتَقَاصَّانِ مَعًا ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى جَوَازِ الصُّورَتَيْنِ بِشَرْطِ حُلُولِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَأَنْ يَتَنَاجَزَ فِي الْمَجْلِسِ ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ مَا فِي الذِّمَّةِ فِيهِمَا مُرَاعَاةً لِبَرَاءَةِ الذِّمَمِ ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ لِلصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ .
1313 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ ، أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ : أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ . 1327 1313 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ( أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ ( بَاعَ سِقَايَةً ) بِكَسْرِ السِّينِ قِيلَ : هِيَ الْبَرَّادَةُ يُبَرَّدُ فِيهَا الْمَاءُ تُعَلَّقُ ( مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ) فِضَّةٍ ( بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : زَعَمَ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّ السِّقَايَةَ قِلَادَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا جَوْهَرٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا ، فَالْقِلَادَةُ لَا تُسَمَّى سِقَايَةً بَلْ هِيَ كَأْسٌ كَبِيرَةٌ يُشْرَبُ بِهَا وَيُكَالُ بِهَا . وَأَمَّا الْقِلَادَةُ وَهِيَ الْعِقْدُ الَّتِي تُعَلِّقُهَا الْمَرْأَةُ عَلَى نَحْرِهَا فَغَيْرُهَا ابْتَاعَهَا مُعَاوِيَةُ بِسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ فِيهَا تِبْرٌ وَجَوْهَرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ فَنَهَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ( فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ) عُوَيْمِرٌ ، وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ عَابِدٌ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، وَقِيلَ : عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيْ سَوَاءً فِي الْقَدْرِ ( فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا ) إِمَّا لِأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَسْبُوكِ الَّذِي بِهِ التَّعَامُلُ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ أَوْ كَانَ لَا يَرَى رِبَا الْفَضْلِ كَابْنِ عَبَّاسٍ ( فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَنْ يَعْذِرُنِي ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ( مِنْ مُعَاوِيَةَ ) أَيْ مَنْ يَلُومُهُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يَلُومُنِي عَلَيْهِ ؟ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِعُذْرِي إِذَا جَازَيْتُهُ بِصُنْعِهِ وَلَا يَلُومُنِي عَلَى مَا أَفْعَلُهُ بِهِ ؟ أَوْ مَنْ يَنْصُرُنِي ؟ يُقَالُ عَذَرْتُهُ إِذَا نَصَرْتَهُ ( أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ ) أَنِفَ مِنْ رَدِّ السُّنَّةِ بِالرَّأْيِ ، وَصُدُورُ الْعُلَمَاءِ تَضِيقُ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَهُوَ عِنْدَهُمْ عَظِيمٌ رَدُّ السُّنَنِ بِالرَّأْيِ ( لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا ) وَجَائِزٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَهْجُرَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَمْ يُطِعْهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْهِجْرَةِ الْمَكْرُوهَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ لَا يُكَلِّمُوا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهَذَا أَصْلٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي مُجَانَبَةِ مَنِ ابْتَدَعَ وَهِجْرَتِهِ وَقَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ ، وَقَدْ رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ) مِنَ الشَّامِ ( عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) الْمَدِينَةَ ( فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ) بَيَانٌ لِلْمِثْلِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَرَضَتْ لِمُعَاوِيَةَ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْفُوظَةٌ لِمُعَاوِيَةَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَالطُّرُقُ مُتَوَاتِرَةٌ بِذَلِكَ عَنْهُمَا اهـ ، وَالْإِسْنَادُ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَهُوَ مِنَ الْأَفْرَادِ الصَّحِيحَةِ ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ عُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ .
1315 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ ، وَالرَّمَاءُ : هُوَ الرِّبَا . 1329 1315 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ) أَعَادَهُ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ وَلَمْ يَجْمَعْهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) فَإِنَّ نَافِعًا قَالَ : وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ إِلَخْ ، وَمَالِكٌ يُحَافِظُ عَلَى أَلْفَاظِ شُيُوخِهِ وَإِنِ اتَّحَدَ مَعْنَاهَا ، وَاللَّفْظُ الثَّانِي طِبْقُ الْمَرْفُوعِ السَّابِقِ وَالْأَوَّلُ بِمَعْنَاهُ ( وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ ) طَلَبَ تَأْخِيرَكَ ( إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ ) بِالْمَدِّ ( وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنَ ابْنِ عُمَرَ لِاتِّفَاقِ نَافِعٍ وَابْنِ دِينَارٍ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ حُرْمَةُ رِبَا النَّسَاءِ أَيِ التَّأْخِيرِ وَإِنْ قَلَّ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَخَفَّفَ الْقَلِيلَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ .
1317 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا رِبًا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِي فِضَّةٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ . 1331 1317 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا رِبًا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ) كَمَا أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ .
1309 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا . 1323 1309 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ ) الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا ، هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ أَبِي الْحُبَابِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحِّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ( سَعِيدِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ ( ابْنِ يَسَارٍ ) الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مُتْقَنٌ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ) أَيْ زِيَادَةٌ فَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِعِلَّةِ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ ، فَالرِّبَوِيَّانِ الْمُتَّحِدُ جِنْسُهُمَا كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِفِضَّةٍ يَحْرُمُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَكَذَا النَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ ، وَقَدْ زَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَقِبَ قَوْلِهِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا : فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِوَرِقٍ فَيَصْرِفُهَا بِذَهَبٍ ، وَمَنْ كَانَتْ حَاجَةٌ بِذَهَبٍ فَلْيَصْرِفْهَا بِالْوَرِقِ وَالصَّرْفُ هَاءَ وَهَاءَ وَهَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ مُوسَى بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
1293 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . 1305 1293 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ ، الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، مُرْسَلًا ، وَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ ) وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا ( قَالَ مَالِكٌ : وَبَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَبَاحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْعَهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلِمَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ الْغَرَرِ ، وَالْغَالِبُ حِينَئِذٍ سَلَامَتُهَا ، فَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَهِيَ نَادِرَةٌ لَا حُكْمَ لَهَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
1292 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ ، فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا تُزْهِيَ ؟ فَقَالَ : حِينَ تَحْمَرُّ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ . 1304 1292 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) تَحْرِيمًا ( عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ ، مِنْ أَزْهَى بِالْيَاءِ ، قَالَ الْخَلِيلُ : أَزْهَى النَّخْلُ بَدَا صَلَاحُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ تَزْهُو بِالْوَاوِ ، وَصَوَّبَهَا بَعْضُهُمْ ، وَأَنْكَرَ الْيَاءَ ، وَصَوَّبَ الْخَطَّابِيُّ الْيَاءَ وَنَفَى تَزْهُوَ بِالْوَاوِ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَالصَّوَابُ الرِّوَايَتَانِ عَلَى اللُّغَتَيْنِ ، يُقَالُ : زَهَا يَزْهُو إِذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ ، وَأَزْهَى يُزْهِي إِذَا احْمَرَّ وَاصْفَرَّ . ( فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِيَ ؟ فَقَالَ : حِينَ تَحْمَرُّ ) بِشَدِّ الرَّاءِ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّفْعِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ وَالصَّوَابُ رَفْعُهُ . وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : حَتَّى تُزْهِيَ ، قَالَ : حَتَّى تَحْمَارَّ ، بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ فَمِيمٍ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ( وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ) بِأَنْ تَلِفَتْ ( فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ ) بِحَذْفِ أَلِفِ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ مِثْلَ قَوْلِهِمْ : فِيمَ وَعَلَامَ وَحَتَّامَ ، وَلَمَّا كَانَتِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْهَمْزَةِ وَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ ، انْبَغَى أَنْ يُقَدَّرَ أَبِمَ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ ، فَالْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَلَفِتَ الثَّمَرَةُ لَا يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ مَا دَفَعَهُ شَيْءٌ ، وَفِيهِ إِجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّلَفِ إِلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ ، وَعَدَمُ تَطَرُّقِهِ إِلَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مُمْكِنٌ ، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ فِي الْحَالَيْنِ ، وَصَرَّحَ مَالِكٌ بِرَفْعِ هَذَا ، وَتَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : خَالَفَ مَالِكًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَهُشَيْمٌ ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فَقَالُوا فِيهِ : قَالَ أَنَسٌ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ إِلَخْ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا ؛ لِأَنَّ مَعَ الَّذِي رَفَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ عَلَى مَا عِنْدَ الَّذِي وَقَفَهُ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَنْ وَقَفَهُ مَا يَنْفِي رِوَايَةَ مَنْ رَفَعَهُ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَا يُقَوِّي رِوَايَةَ الرَّفْعِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي الْمَنَامِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَرْفُوعٌ اهـ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا بِدُونِ قَوْلِهِ : وَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ إِلَخْ ، فَكَأَنَّ مَالِكًا حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَهُ .
1294 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِرْبِزِ وَالْجَزَرِ : إِنَّ بَيْعَهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ حَلَالٌ جَائِزٌ ، ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَمَرُهُ وَيَهْلِكَ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ يُؤَقَّتُ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ ، وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ فَقَطَعَتْ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ بِجَائِحَةٍ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنْ الَّذِي ابْتَاعَهُ . 1306 1294 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ ) أَبِيهِ ( زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) الصَّحَابِيِّ ( أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا ، النَّجْمُ الْمَعْرُوفُ ، لِأَنَّهَا تَنْجُو مِنَ الْعَاهَةِ حِينَئِذٍ ) وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلْدَةٍ . وَالنَّجْمُ الثُّرَيَّا . وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يُؤْمَنَ عَلَيْهَا الْعَاهَةُ ، فَقِيلَ : وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : إِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا وَطُلُوعُهَا صَبَاحًا يَقَعُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّيْفِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ وَابْتِدَاءِ نُضْجِ الثِّمَارِ ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَطُلُوعُ النَّجْمِ عَلَامَةٌ لَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ عَنْ أَبِيهِ ، فَزَادَ عَلَى مَا هُنَا فَيَتَبَيَّنُ الْأَصْفَرُ مِنَ الْأَحْمَرِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتَقْدِيمِ الطَّاءِ عَلَيْهَا لُغَةً ( وَالْقِثَّاءِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَقُولُ لَهُ النَّاسُ : الْخِيَارُ وَالْعَجُّورُ وَالْفَقُّوسُ ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُهُ عَلَى نَوْعٍ يُشْبِهُ الْخِيَارَ ( وَالْخِرْبِزِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَزَايٍ ، صِنْفٌ مِنَ الْبِطِّيخِ مَعْرُوفٌ شَبِيهٌ بِالْحَنْظَلِ ، أَمْلَسُ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ رَقِيقُ الْجِلْدِ ، قَالَهُ الْبُونِيُّ . ( وَالْجَزَرِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَةً ، الْوَاحِدَةُ جَزَرَةٌ مَعْرُوفٌ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْجَزَرُ لَيْسَ فِي أَكْثَرِ الْمُوَطَّآتِ لِأَنَّهُ بَابٌ آخَرُ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ وَالْمَغِيبِ فِي الْأَرْضِ ( أَنَّ بَيْعَهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ حَلَالٌ جَائِزٌ ) هُمَا بِمَعْنًى ، حَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ ( ثُمَّ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا يَنْبُتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَمَرُهُ وَيَهْلِكَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ( وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ يُؤَقَّتُ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ ، وَرُبَّمَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ فَقَطَعَتْ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ) الْمَعْلُومُ لِلنَّاسِ ( فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْعَاهَةُ بِجَائِحَةٍ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ ) اشْتَرَاهُ ، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ الثُّلُثِ لَمْ يُوضَعْ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ أَنَّ الْهَوَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَرْمِيَ بَعْضَ الثَّمَرَةِ وَيَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَقَدْ دَخَلَ الْمُبْتَاعُ عَلَى إِصَابَةِ الْيَسِيرِ ، وَالْيَسِيرُ الْمُحَقِّقُ مَا دُونَ الثُّلُثِ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ مَرْفُوعًا : إِذَا بَاعَ الْمَرْءُ الثَّمَرَةَ فَأَصَابَتْهَا عَاهَةٌ فَذَهَبَتْ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ الضَّيَاعُ وَعَمِلَ بِهِ . وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَضْعَ الْجَائِحَةِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
8 - بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا 1291 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ . 8 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا 1303 1291 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ ) مُنْفَرِدًا عَنِ النَّخْلِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ ( حَتَّى يَبْدُوَ ) بِلَا هَمْزٍ ، أَيْ يَظْهَرَ ( صَلَاحُهَا ) وَيَقَعُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْأَلِفِ فِي الْخَطِّ وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهَا تُحْذَفُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلنَّاصِبِ ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي مِثْلِ زَيْدٍ يَبْدُو ، وَالِاخْتِيَارُ حَذْفُهَا أَيْضًا ، قَالَهُ عِيَاضٌ ( نَهَى الْبَائِعَ ) لِئَلَّا يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ إِذَا هَلَكَتِ الثَّمَرَةُ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُ ( وَ ) نَهَى ( الْمُبْتَاعَ ) أَيِ الْمُشْتَرِيَ ، وَفِي نُسْخَةٍ : الْمُشْتَرِيَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ ، فَإِنْ بَدَا الصَّلَاحُ جَازَ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَصَحَّحَ الْحَنَفِيُّ الْبَيْعَ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ ، وَأَبْطَلَ شَرْطَ الْإِبْقَاءِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي بَيْعِ جَمِيعِهِ ، وَفِي بَيْعِ مَا جَاوَرَهُ لَا مَا بَعُدَ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَإِنَّمَا كَفَى بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ لِأَنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلَيْنَا بِجَعْلِ الثِّمَارِ لَا تَطِيبُ دُفْعَةً وَاحِدَةً إِطَالَةَ زَمَنِ التَّفَكُّهِ ، فَلَوِ اعْتُبِرَ الْجَمِيعُ لَأَدَّى إِلَى أَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ قَبْلَ كَمَالِ صَلَاحِهِ أَوْ تُبَاعُ الْحَبَّةُ بَعْدَ الْحَبَّةِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَرَجٌ عَظِيمٌ ، وَيَجُوزُ الْبَيْعُ قَبْلَ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ إِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ كَالْحِصْرِمِ إِجْمَاعًا ، فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّبْقِيَةِ مُنِعَ إِجْمَاعًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِهِ ، وَأَيُّوبُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ نَافِعٍ ، نَحْوُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
1296 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ : خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يُتَحَرَّى ذَلِكَ وَيُخْرَصُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالشِّرْكِ ، وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي طَعَامِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ . 1308 1296 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ، مُصَغَّرٌ ، الْأُمَوِيِّ ، مَوْلَاهُمْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، إِلَّا فِي عِكْرِمَةَ ، وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْعِجْلِيُّ ، وَكَفَى بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ تَوْثِيقًا ( عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ) قِيلَ اسْمُهُ وَهْبٌ ، وَقِيلَ قَزْمَانُ ( مَوْلَى ) عَبْدِ اللَّهِ ( بْنِ أَبِي أَحْمَدَ ) اسْمُهُ عَبْدٌ بِلَا إِضَافَةٍ ، ابْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ الصَّحَابِيِّ ، أَخِي زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ ) بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ السَّاكِنَةِ مِنَ الْإِرْخَاصِ ، وَفِي رِوَايَةٍ رَخَّصَ بِشَدِّ الْخَاءِ مِنَ التَّرْخِيصِ ( فِي بَيْعِ ) ثَمَرِ ( الْعَرَايَا ) جَمْعُ عَرِيَّةٍ ( بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ) جَمْعُ وَسَقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى الْأَفْصَحِ ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا ( أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، يَشُكُّ دَاوُدُ ) شَيْخُ الْإِمَامِ ، هَلْ ( قَالَ ) شَيْخُهُ أَبُو سُفْيَانَ ( خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ) وَبِسَبَبِ هَذَا الشَّكِّ اخْتَلَفَ قَوْلُ الْإِمَامِ ، فَقَصَرَ فِي الْمَشْهُورِ الْحُكْمَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ اتِّبَاعًا لِمَا وُجِدَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَلِأَنَّ الْخَمْسَةَ أَوَّلُ مَقَادِيرِ الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، فَقَصَرَ الرِّفْقَ عَلَى شِرَائِهَا فَمَا زَادَ عَلَيْهَا خَرَجَ إِلَى الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ التَّجْرُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَنْهُ أَيْضًا قَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَأَقَلَّ عَمَلًا بِالْمُحَقِّقِ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ شَكٌّ فِيهَا وَالْعَرَايَا رُخْصَةٌ أَصْلُهَا الْمَنْعُ ، فَيَقْصُرُ الْجَوَازُ عَلَى الْمُحَقِّقِ ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَقَعَ مَقْرُونًا بِالرُّخْصَةِ فِي الْعَرَايَا ، فَفِي الصَّحِيحِ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَرَخَصَّ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ لِلشَّكِّ فِي رَفْعِ التَّحْرِيمِ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ لِلشَّكِّ فِي قَدْرِ التَّحْرِيمِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَالتَّحْدِيدُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا اشْتَرَيْتَ بِخَرْصِهَا إمَّا بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ فَجَائِزٌ لِرَبِّهَا وَلِغَيْرِهِ وَإِن أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ ، قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يُكَالُ ، فَيُحْتَجُّ بِهِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، يَعْنِي الْمَشْهُورَ بِتَعْمِيمِهَا فِي التَّمْرِ وَكُلُّ مَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ كَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّمْرِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِلْحَاقِ الزَّبِيبِ بِهِ وَلَا سَبَبَ لِإِلْحَاقِهِ إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فَيَلْحَقُ بِهِ كُلَّمَا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ . وَرَوَى مُحَمَّدٌ قَصْرُهَا عَلَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيِّ ، وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ ، وَمُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَيَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ ، يُتَحَرَّى ذَلِكَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( وَيُخْرَصُ ) يُحْزَرُ ( فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ) بِأَنْ يَقُولَ الْخَارِصُ : هَذَا الرُّطَبُ الَّذِي عَلَى النَّخْلِ إِذَا يَبِسَ يَصِيرُ ثَلَاثَةَ أَوْسُقٍ مَثَلًا ، فَيَشْتَرِيهَا الْمُعَرَّى مِمَّنْ أَعْرَاهَا لَهُ بِثَلَاثَةٍ تَمْرًا يُعْطِيهَا لَهُ عِنْدَ الْجُذَاذِ ، عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالنَّقْدِ . ( وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ ) وَإِنْ مُنِعَ أَصْلُهُ فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ عِيَاضٌ : مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ أَرْبَعَةٍ مَمْنُوعَةِ الْمُزَابَنَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ ، وَرِبَا الْفَضْلِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ ( لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ ) لِمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ( وَالْإِقَالَةِ ) لِلْبَيْعِ ( وَالشِّرْكِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ، أَيْ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ، وَكُلٌّ مِنَ الثَّلَاثَةِ مَعْرُوفٌ ، فَكَذَا الْعُرْيَةُ تَجُوزُ لِلْمَعْرُوفِ أَيْ لِلتَتْمِيمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّى ، بِالْفَتْحِ ، يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا وَحِرَاسَتُهَا وَجَمْعُ سَوَاقِطِهَا وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ ، فَرَخَّصَ لِمُعَرِّيهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَكْفِيَهُ تِلْكَ الْمُؤَنَ ، وَقِيلَ : عِلَّةُ ذَلِكَ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُعَرِّي لِتَضَرُّرِهِ بِدُخُولِ الْمُعَرَّى عَلَيْهِ فِي بُسْتَانِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى أَهْلِهِ ، وَعَلَّلَهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : يَجُوزُ لِلْمُعَرِّي شِرَاءُ عَرِيَّتِهِ لِوَجْهَيْنِ : إِمَّا لِرَفْعِ الضَّرَرِ ، وَإِمَّا لِلرِّفْقِ فِي كِفَايَتِهِ ، وَقِيلَ : عِلَّتُهُ اسْتِخْلَاصُ الرَّقَبَةِ . ( وَلَوْ كَانَ ) مَا ذَكَرَ مِنَ الثَّلَاثِ مَسَائِلَ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا ( بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ ، مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أَحَدًا فِي طَعَامِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ( وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ وَلَا وَلَّاهُ أَحَدًا حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ ) لِلنَّهْيِ الْآتِي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَجَوَازُ الْمَذْكُورَاتِ لِلْمَعْرُوفِ .
9 - بَاب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ 1295 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا . 9 - بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِزِنَةِ فَعِيلَةٍ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ؛ لِأَنَّهَا عُرِّيَتْ بِإِعْرَاءِ مَالِكِهَا ، أَيْ إِفْرَادِهِ لَهَا مِنْ بَاقِي النَّخْلِ ، فَهِيَ عَارِيَةٌ ، وَقِيلَ : بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ ، مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَتَاهُ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا يَعْرُوهَا أَيْ يَأْتِيهَا فَهِيَ مَعْرُوَّةٌ وَجَمْعُهَا عَرَايَا وَهِيَ لُغَةُ النَّخْلَةِ ، وَفَسَّرَهَا مَالِكٌ فَقَالَ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخْلَةً ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ ، فَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ ، أَسْنَدَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبُ ثَمَرُهَا . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : الْعَرَايَا تَمْرٌ يُوهَبُ نَخْلُهَا ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَإِطْلَاقُ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ بِإِضَافَةِ الْبَيْعِ إِلَيْهَا يَمْنَعُ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا هِبَةٌ الثمر أَوْ أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَالصَّوَابُ تَفْسِيرُهَا بِأَنَّهَا مَا مُنِحَ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْبَاجِيِّ . 1307 1295 ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ ، مِنَ الْإِرْخَاصِ ( لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ ، الرُّطَبُ أَوِ الْعِنَبُ عَلَى الشَّجَرِ ( أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا ، فَمَنْ فَتَحَ قَالَ : هُوَ مَصْدَرٌ أَيِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ ، وَمَنْ كَسَرَهَا قَالَ : هُوَ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمَخْرُوصِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الرِّوَايَةُ بِالْكَسْرِ ، فَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ يُرْوَى بِالْوَجْهَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَمُهْمَلَةٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : كَيْلًا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ : رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رَطْبًا ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَأَيُّوبُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، وَفِيهِ مِنْ لَطَائِفِ الْإِسْنَادِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ .
1376 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ : أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِنْ بَاعَ ، سَمْحًا إِنْ ابْتَاعَ ، سَمْحًا إِنْ قَضَى ، سَمْحًا إِنْ اقْتَضَى . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْإِبِلَ أَوْ الْغَنَمَ أَوْ الْبَزَّ أَوْ الرَّقِيقَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ جِزَافًا : إِنَّهُ لَا يَكُونُ الْجِزَافُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُعَدُّ عَدًّا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ وَقَدْ قَوَّمَهَا صَاحِبُهَا قِيمَةً فَقَالَ : إِنْ بِعْتَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ فَلَكَ دِينَارٌ أَوْ شَيْءٌ يُسَمِّيهِ لَهُ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا سَمَّى ثَمَنًا يَبِيعُهَا بِهِ وَسَمَّى أَجْرًا مَعْلُومًا إِذَا بَاعَ أَخَذَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى غُلَامِي الْآبِقِ أَوْ جِئْتَ بِجَمَلِي الشَّارِدِ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَصْلُحْ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يُعْطَى السِّلْعَةَ فَيُقَالُ لَهُ : بِعْهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا فِي كُلِّ دِينَارٍ لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَدْرِي كَمْ جَعَلَ لَهُ . 1395 1376 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ الْمَدَنِيَّ الْفَاضِلَ التَّابِعِيَّ الثِّقَةَ ( يَقُولُ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( أَحَبَّ اللَّهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ : رَحِمَ اللَّهُ ؛ لَكِنْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : أَحَبَّ اللَّهُ ( عَبْدًا ) أَيْ إِنْسَانًا ( سَمْحًا ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مِنَ السَّمَاحَةِ وَهِيَ الْجُودُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ ( إِنْ بَاعَ ) بِأَنْ يَرْضَى بِقَلِيلِ الرِّبْحِ ( سَمْحًا إِنِ ابْتَاعَ ، سَمْحًا إِنْ قَضَى ) أَيْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ ، وَيَقْضِي أَفْضَلَ مَا يَجِدُ وَيُعَجِّلُ الْقَضَاءَ ( سَمْحًا إِنِ اقْتَضَى ) أَيْ طَلَبَ قَضَاءَ حَقِّهِ بِرِفْقٍ وَلِينٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : رَتَّبَ الْمَحَبَّةَ عَلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلَى السُّهُولَةِ وَالتَّسَامُحِ فِي التَّعَامُلِ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَحَبَّةِ وَلِكَوْنِهِ أَهْلًا لِلرَّحْمَةِ ، وَفِيهِ فَضْلُ الْمُسَامَحَةِ وَعَدَمِ احْتِقَارِ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ ، فَلَعَلَّهَا تَكُونُ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِلسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، ثُمَّ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ : رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا قَضَى وإذا اقتضى ، وَبِمِثْلِ لَفْظِ الْمُوَطَّأِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، لَكِنْ بِلَفْظِ : رَحِمَ ، بَدَلَ : أَحَبَّ ، وَبِلَفْظِ إِذَا بَدَلَ إِنْ فِي الْكُلِّ ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الدُّعَاءَ وَالْخَبَرَ كَمَا مَرَّ . وَيُؤَيِّدُ الْخَبَرَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ لَكِنْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ : قَرِينَةُ الِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ إِذَا تَجْعَلُهُ دُعَاءً وَتَقْدِيرُهُ يَكُونُ رَجُلًا سَمْحًا ، وَقَدْ يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالشَّرْطِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَقَالُوا : أَعْمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ ، قِيلَ : انْظُرْ ، قَالَ : كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ ، قَالَ : فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ اللَّهُ : أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي . وَلَهُمَا أَيْضًا : فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ : تُسْتَحَبُّ الْمُسَامَحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَيْسَ هِيَ تَرْكَ الْمُكَايَسَةِ فِيهِ إِنَّمَا هِيَ تَرْكُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُضَاجَرَةِ وَالْكَزَازَةِ وَالرِّضَا بِيَسِيرِ الرِّبْحِ وَحُسْنِ الطَّلَبِ ، قَالَ : وَيُكْرَهُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فِي التَّبَايُعِ ، وَلَا يُفْسَخُ بِهِ وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ لِشِبْهِهِ بِالْخَدِيعَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْإِبِلَ أَوِ الْغَنَمَ أَوِ الْبَزَّ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ ( أَوِ الرَّقِيقَ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْعُرُوضِ جُزَافًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْجُزَافُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُعَدُّ عَدًّا ) وَفِي نُسْخَةٍ : عَدَدًا . قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ مَا الْغَالِبُ أَنْ يَسْهُلَ عَدَدُهُ لِقِلَّتِهِ وَلَا يَتَقَدَّرُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِتَعَذُّرِ آلَتِهِمَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْمَعْدُودِ الْمَقْصُودِ آحَادُهُ كَالرَّقِيقِ وَالْأَنْعَامِ ، وَمَا تَقَارَبَ جَازَ الْجُزَافُ فِي كَثِيرِهِ لِمَشَقَّةِ عَدَدِهِ دُونَ يَسِيرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ وَ ) الْحَالُ أَنَّهُ ( قَدْ قَوَّمَهَا صَاحِبُهَا قِيمَةً فَقَالَ : إِنْ بِعْتَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ فَلَكَ دِينَارٌ أَوْ شَيْءٌ يُسَمِّيهِ يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ . وَقَوْلُهُ : ( إِذَا سَمَّى ثَمَّنَا يَبِيعُهَا بِهِ وَسَمَّى أَجْرًا مَعْلُومًا إِذَا بَاعَ أَخَذَهُ وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ ) زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لِمَا قَبْلَهُ . ( وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى غُلَامِي الْآبِقِ أَوْ جِئْتَ بِجَمَلِي الشَّارِدِ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا ) لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ ( فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُعْلِ ) الَّذِي قَالَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِهِ فِي الْإِبَاقِ وَالضَّوَالِّ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةَ 72 ) ( وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَصْلُحْ ) بَلْ يَفْسُدُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا عِلْمَ الثَّمَنِ ، وَأَوْضَحَ ذَلِكَ فَقَالَ : ( فَأَمَّا الرَّجُلُ يُعْطَى السِّلْعَةَ فَيُقَالُ لَهُ بِعْهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا فِي كُلِّ دِينَارٍ لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ ) كَأَنْ يَقُولُ : لَكَ فِي كُلِّ دِينَارٍ دِرْهَمَانِ ( فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ نَقَصَ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ ) وَفِي نُسْخَةٍ سَمَّاهُ ( فَهَذَا غَرَرٌ ) لِأَنَّهُ ( لَا يَدْرِي كَمْ جُعِلَ لَهُ ) وَالْإِجَارَةُ بَيْعُ مَنَافِعٍ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ فِيهَا إِلَّا مَعْلُومًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ وَبَعْضُ السَّلَفِ : يَجُوزُ جَهْلُ الْبَدَلِ فِيهَا كَمَنْ يُعْطِي حِمَارَهُ لِمَنْ يَسْقِي عَلَيْهِ أَوْ يَعْمَلُ بِهِ بِنِصْفِ مَا يُرْزَقُ بِسَقْيِهِ عَلَى ظَهْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ ، قَالُوا : وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِجَوَازِ الرَّضَاعِ ، وَمَا يَأْخُذُهُ الصَّبِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ لَبَنِهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لِاخْتِلَافِ أحوال الصبيان وَاخْتِلَافِ أَلْبَانِ النِّسَاءِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
1377 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ثُمَّ يُكْرِيهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا تَكَارَاهَا بِهِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 1395 1377 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ ثُمَّ يُكْرِيهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا تَكَارَاهَا بِهِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَالِكٌ مَنَافِعَ الْأَصْلِ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ .
1375 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِذَا جِئْتَ أَرْضًا يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَطِلْ الْمُقَامَ بِهَا ، وَإِذَا جِئْتَ أَرْضًا يُنَقِّصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَقْلِلْ الْمُقَامَ بِهَا . 1394 1375 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ يَقُولُ : إِذَا جِئْتَ أَرْضًا يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَطِلِ الْمُقَامَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ : الْإِقَامَةَ ( بِهَا ، وَإِذَا جِئْتَ أَرْضًا يُنْقِصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ فَأَقْلِلِ الْمُقَامَ بِهَا ) لِأَنَّ ظُهُورَ الْمُنْكَرِ وَعُمُومَهُ مِمَّا يُحْذَرُ تَعْجِيلُ عُقُوبَتِهِ . قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ فَكَيْفَ مَعَ قِلَّةِ الصَّالِحِينَ أَوْ عَدَمِهِمْ ؟ قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَفِي الِاسْتِذْكَارِ : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْمُقَامَ بِأَرْضٍ يَظْهَرُ فِيهَا الْمُنْكَرُ ظُهُورًا لَا يُطَاقُ ، وَالْمُقَامُ بِمَوْضِعٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْحَقُّ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الْأَغْلَبِ إِذَا وُجِدَ مَرْغُوبٌ فِيهِ ، وَأَمَّا بَخْسُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ فَحَرَامٌ ، قَالَ تَعَالَى : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةَ 85 ) وَقَالَ تَعَالَى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : الْآيَةَ 1 ) الْآيَاتِ . قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ : ابْنَ آدَمَ أَوْفِ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُوفَى لَكَ ، وَاعْدِلْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُعْدَلَ عَلَيْكَ . وَمَرَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى رَجُلٍ يَكِيلُ كَيْلًا يَعْتَدِي فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ : وَيْلَكَ مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : أَمَرَنَا اللَّهُ بِالْوَفَاءِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَنَهَى عَنِ الْعُدْوَانِ . وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : بَخْسُ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ سَوَادُ الْوَجْهِ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ، إِنَّ التُّجَّارَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : التُّجَّارُ هُمُ الْفُجَّارُ ، قَالُوا : أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فَيَأْثَمُونَ وَيَخُونُونَ فَيَكْذِبُونَ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ مَعَكُمْ فَشَوِّبُوهُ بِالصَّدَقَةِ رَوَى الْأَرْبَعَةَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ بِأَسَانِيدِهِ .
46 - بَاب جَامِعِ الْبُيُوعِ 1374 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ ، قَالَ : فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ لَا خِلَابَةَ . 46 - بَابُ جَامِعِ الْبُيُوعِ 1393 1374 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا ، وَصَدَّرَ بِهِ عِيَاضٌ ، وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ، وَمُنْقِذٌ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ قَبْلَهَا قَافٌ مَكْسُورَةٌ الْأَنْصَارِيُّ ، وَقِيلَ : هُوَ أَبُو مُنْقِذِ بْنُ عَمْرٍو كَمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ وَتَارِيخِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ أَصَحُّ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي مُبْهَمَاتِهِ ( ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُخْدَعُ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يُرَادُ بِهِ الْمَكْرُوهُ ( فِي الْبُيُوعِ ) مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ ، وَيُبْدَى لَهُ غَيْرُ مَا يُكْتَمُ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْقِدِ التَّمْيِيزَ وَالنَّظَرَ لِنَفْسِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ يَعْتَرِيهِ أَحْيَانًا وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ اهـ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ حَبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ ضَرِيرًا ، وَكَانَ قَدْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ وَقَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ . وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ أَنَّ جَدَّهُ مُنْقِذَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ سَبْعُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ ، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ غُبِنَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ، الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ مُنْقِذًا سُفِعَ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَخَبَلَتْ لِسَانَهُ ، فَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ . ( فَقَالَ ) لَهُ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ اللَّامِ وَمُوَحَّدَةٍ ، أَيْ : لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، فَلَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ ، وَخَبَرُ لَا خِلَابَةَ مَحْذُوفٌ ، قَالَ التُّورِبِشَتِيُّ : لَقَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ لِيَلْفِظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ لِيُطْلِعَ بِهِ صَاحِبَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ فِيهَا لِيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ ، وَكَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِخْوَانًا لَا يَغْبِنُونَ أَخَاهُمُ الْمُسْلِمَ ، وَيَنْظُرُونَ لَهُ أَكْثَرَ مَا يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمُ اهـ . زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ : ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ بَيْعِكَ ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ : جَعْلُهُ لَهُ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُبَايَعَتِهِ كَانَتْ فِي الرَّقِيقِ لِيَتَبَصَّرَ وَيَثْبُتَ عَيْبُهُ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ خِيَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ . ( فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ لَا خِلَابَةَ ) أَيْ مَعْنَاهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ النُّطْقِ . فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ يَقُولُ : لَا خِيَابَةَ ، قَالَ عِيَاضٌ : بِالتَّحْتِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْثَغَ يُخْرِجُ اللَّامَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهَا ، وَلِبَعْضِهِمْ : لَا خِنَابَةَ بِالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : لَا خِذَابَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ اهـ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا بَاعَ لَا خِذَابَةَ لَا خِذَابَةَ . وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ ، فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، فَكَانَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ غُبِنْتَ فِيهِ ، رَجَعَ بِهِ فَيَشْهَدُ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ وَكَانَ يُبَايِعُ ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : احْجُرْ عَلَيْهِ ، فَدَعَاهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَصْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ ، فَقَالَ : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، وَأَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ وَحْدَهُ ، جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، اشْتَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ مَعَ ضَعْفِ عَقْلِهِ وَلِسَانِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ أَنْ يُشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثًا مَعَ قَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ ، فَيَكُونَ عَامًّا كَسَائِرِ مُشْتَرِطِي الْخِيَارِ اهـ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ وَالْبَغْدَادِيُّونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ وَحَدُّوهُ بِالثُّلُثِ لَا أَقَلَّ ، لِأَنَّهُ غَبْنٌ يَسِيرٌ انْتَصَبَ لَهُ التُّجَّارُ فَهُوَ كَالْمَدْخُولِ عَلَيْهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَقَالُوا : لَا رَدَّ بِالْغَبْنِ لَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ وَتَجَاذَبَ الطَّرِيقَانِ ، قَوْلَهُ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 188 ) فَقَالَ : الْأَقَلُّ الْغَبْنُ الْمُخَالِفُ لِلْعَادَةِ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : قَدِ اسْتَثْنَى مِنْهُ التِّجَارَةَ عَنْ تَرَاضٍ ، وَهَذَا عَنْ تَرَاضٍ ، وَكَذَلِكَ تَجَاذَبُوا فَهْمَ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ وَأَحْمَدُ : فِيهِ الْخِيَارُ لِلْمَغْبُونِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَحِكَايَةُ حَالٍ لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْخِيَارَ إِلَّا بِشَرْطٍ ، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ إِذْ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ لَا خِلَابَةَ ، فَلَوْ قِيلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْيَوْمَ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ ظَهَرَ الْغَبْنُ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ : لَا يُوجِبُ قَوْلُهَا قِيَامًا بِالْغَبْنِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِأَنَّهَا كَانَتْ خَاصَّةً بِذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ ، وَيُصَدِّرُهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَضًّا لِمَنْ عَامَلَهُ عَلَى النَّصِيحَةِ وَالتَّحَرُّزِ مِنَ الْخِلَابَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : قُلْ لَا خِلَابَةَ وَاشْتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلِيُعْلِمَ صَاحِبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصِيرَةِ فِي الْبَيْعِ فَيَنْظُرَ لَهُ كَمَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : تُوجِبُ الْقِيَامَ بِالْغَبْنِ لِقَائِلِهَا إِذْ كَأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَزِيدَ الثَّمَنُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَلَا أَنْ تَنْقُصَ السِّلْعَةُ عَنْهُ ، وَإِنْ قَالَهَا الْبَائِعُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَرَطَ وَصْفًا فِي الْمَبِيعِ فَبَانَ خِلَافُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِإِمْضَاءِ بَيْعِ مَنْ لَا يُحْسِنُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَشِرَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، الثَّلَاثَةُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
45 - بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ 1371 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ . 45 - بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُبَايَعَةِ 1390 1371 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَبِعْ ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَبِيعُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ مُرَادًا بِهِ النَّهْيُ ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ ( بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) عُدِّيَ بِعَلَى لِأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِالسَّوْمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : لَا يَسِمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْمُسْلِمِ وَذِكْرُ الْمُسْلِمِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ ، بَلْ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ امْتِثَالًا ، فَذِكْرُ الْمُسْلِمِ أَوِ الْأَخِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ لِمَا ذُكِرَ ، أَوْ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ . قَالَ الْأُبِّيُّ : النِّكَاحُ إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا تَجُوزُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ . قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : وَكَذَا عِنْدِي فِي الصَّوْمِ إِذَا كَانَ كسب الْأَوَّلُ حَرَامًا جَازَ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِهِ ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي النَّجْشِ أَنَّ السِّلْعَةَ إِذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا جَازَ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : يُفَرَّقُ بِأَنَّ الثَّانِيَ فِي السَّوْمِ سَلَمٌ حَقُّهُ فِي الزِّيَادَةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ النَّجْشِ فَلَمْ يُقْبَلِ الْفَرْقُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مُخْتَصَرًا ، وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ : وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ قَالَ : وَهِيَ زِيَادَةٌ مَحْفُوظَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ اهـ ، وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوْا ، فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَالسِّلَعُ بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ سِلْعَةٍ وَهِيَ الْمُبَاعُ ، وَيُهْبَطُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ أَيْ يُنْزَلُ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ مُخْتَصَرًا ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ تَامًّا .
1372 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ ، وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ ، فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا ، أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ الْمَكْرُوهُ ، وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا . 1391 1372 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَلَقَّوُا ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ ، وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوْا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوا ( الرُّكْبَانَ ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْمَتَاعَ إِلَى الْبَلَدِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِمُوا ( لِلْبَيْعِ ) أَيْ لِمَحَلِّ بَيْعِهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ : ، وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ قُرْبَ الْمِصْرِ وَأَطْرَافِهِ وَفِي حَدِّهِ بِمِيلٍ وَفَرْسَخَيْنِ وَيَوْمَيْنِ ، رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهَا فِي الْمُعَارَضَةِ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَعِيَاضٌ ، عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَالْمَذْهَبُ مَنَعَهُ كما يفيده كَلَامُ شَيْخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يَمْتَنِعُ التَّلَقِّي فِيمَا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : النَّهْيُ عَنْهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ ، وَلَا يُعَارِضُهُ : لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ الْمُقْتَضي عَدَمُ الِاسْتِقْصَاءِ لِلْجَالِبِ ، وَالتَّلَقِّي يَقْتَضِي الِاسْتِقْصَاءَ لَهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَلِذَا قُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْوَاحِدِ الْجَالِبِ فَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ مُتَعَارِضَانِ . أَبُو عُمَرَ : أُرِيدَ بِالنَّهْيِ نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ لَا رَبِّ السِّلْعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَكْسُهُ ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ التَّلَقِّي إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ . ( وَلَا يَبِعْ ) مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَبِيعُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ ( بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ لَا يَشْتَرِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ : لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ زِيَادَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرِي . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِذَا رَكَنَ الْمُشْتَرِي لَهُ ، وَإِنَّمَا حُمِلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ ، فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يُمْنَعْ ، وَقَدْ مُنِعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ ، وَفِيهِ إِرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ إِغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ هُمْ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلِلضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي . وَقَالَ عِيَاضٌ : الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ سِلْعَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِرُخْصٍ لِيَزِيدَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةِ الْآخَرِ الرَّاكِنِ إِلَى شِرَائِهَا ، قَالَ الْأُبِّيُّ : الْبَيْعُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ إِذَا انْعَقَدَ الْأَوَّلُ ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ حُمِلَ عَلَى أَقْرَبِ الْمَجَازِ إِلَيْهَا وَهُوَ الْمُرَاكَنَةُ ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَالْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَهِيَ أَنْ يَعْرِضَ بَائِعٌ سِلْعَتَهُ عَلَى مُشْتَرٍ رَاكِنٍ لِلْأَوَّلِ ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ الْيَوْمَ ، يَرَاكِنُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ الْمُشْتَرِي فَيَنْشُرُ الْآخَرُ بِحَانُوتِهِ سِلْعَةً نَظِيرَهَا بِحَيْثُ يَرَاهَا الْمُشْتَرِي ( وَلَا تَنَاجَشُوا ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، يَأْتِي تَفْسِيرُهُ . ( وَلَا يَبِعْ ) بِالْجَزْمِ نَهْيًا ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَبِيعُ بِالرَّفْعِ نَفْيًا بِمَعْنَاهُ ( حَاضِرٌ لِبَادٍ ) أَيْ لَا يَكُونُ سِمْسَارًا لَهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ خَاصَّةً الْبَعِيدِينَ عَنِ الْحَاضِرَةِ الْجَاهِلِينَ بِالسِّعْرِ فِيمَا يَجْلِبُونَهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَادِيَةِ دُونَ شِرَاءٍ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَدِيثِ إِرْفَاقُ أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقُيُودِ ، وَبَيَانُهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ عَمُودٍ فَهُمْ أَهْلُ بِلَادٍ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ السِّعْرَ ، فَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى تَحْصِيلِهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الَّذِي جَلَبُوهُ اشْتَرَوْهُ فَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ يَقْصِدُونَ الرِّبْحَ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، وَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِ بِالسَّمَاسِرَةِ وَغَيْرِهِمْ . وَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ الْمَوْصُوفُونَ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ بَاعَ لَهُمُ السَّمَاسِرَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْحَضَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ غَايَةِ الثَّمَنِ فِيمَا أَصْلُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ بِلَا ثَمَنٍ ، وَقَصَدَ الشَّارِعُ إِرْفَاقَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ بِهِ ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بِيعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لِحَدِيثِ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ خَاصٌّ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ فَيُسْتَعْمَلُ الْحَدِيثَانِ . ( وَلَا تُصَرُّوا ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ ، وَالرَّاءُ الْمُشَدَّدَةُ بَعْدَهَا وَاوُ الْجَمْعِ ، وَنَصْبُ ( الْإِبِلَ ) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ( وَالْغَنَمَ ) عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِضَبْطِ الْمُتْقِنِينَ مِنْ شُيُوخِهِ ، قَالَ : وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَتَّابٍ يُقَرِّبُهُ لِلطَّلَبَةِ فَيَقُولُ : هُوَ مِثْلُ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وَهُوَ حَسَنٌ ، وَقَيَّدْنَاهُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَنَصْبِ الْإِبِلِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْضًا ، وَبِضَمِّ التَّاءِ وَحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ الْإِبِلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَاشْتِقَاقُهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ التَّصْرِيَةِ مَصْدَرِ صَرَّى بِشَدِّ الرَّاءِ وَبِالْأَلْفِ يُصْرِي تَصْرِيَةً إِذَا جُمِعَ ، يُقَالُ : صَرَّيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ ، وَمِنْهُ صَرَّى الْمَاءَ فِي الظَّهْرِ إِذَا حَبَسَهُ سِنِينَ لَا يَتَزَوَّجُ ، فَالتَّصْرِيَةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ ، وَالْمُصَرَّاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الشَّاةُ الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُحَفَّلَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، يُقَالُ : ضَرْعٌ حَافِلٌ أَيْ : عَظِيمٌ . وَأَمَّا عَلَى الضَّبْطِ الثَّانِي فَهُوَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّصْرِيَةِ لَا مِنَ الصَّرِّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِذْ لَوْ كَانَ مِنَ الصَّرِّ لَقِيلَ : نَاقَةٌ أَوْ شَاةٌ مَصْرُورَةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُصَرَّاةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّصْرِيَةُ أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ وَيُتْرَكَ حَلْبُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ ، فَيُزِيدُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ جَيِّدٌ ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْمَحْلُوبَاتِ أَيْ تَرْبُطُهَا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرِّبَاطُ صِرَارًا ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ : الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ ، وَبِقَوْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ : فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُصَرَّاةٌ مُصَرَّرَةً ، أُبْدِلَ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ( سُورَةُ الشَّمْسِ : الْآيَةَ 10 ) كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْرِيَةِ ، وَلِذَا أَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الْغَيْرِ . ( فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَذَا النَّهْيِ ( فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) أَفْضَلِ الرَّأْيَيْنِ ( بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ) بِضَمِّ اللَّامِ مِنْ بَابِ نَصَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يَحْتَلِبَهَا ، بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ ( إِنْ رَضِيَهَا ) أَيِ الْمُصَرَّاةَ ( أَمْسَكَهَا ) وَلَا شَيْءَ لَهُ ( وَإِنْ سَخِطَهَا ) كَرِهَهَا ( رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ) نُصِبَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ ، أَوْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا مَفْعُولًا مَعَهُ ؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا نَحْوَ جِئْتُ أَنَا وَزَيْدًا ، وَالْجُمْلَتَانِ شَرْطِيَّتَانِ عُطِفَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى فَلَا مَحَلَّ لَهُمَا مِنَ الْإِعْرَابِ ، إِذْ هُمَا تَفْسِيرِيَّتَانِ أُتِيَ بِهِمَا لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّظَرَيْنِ مَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، إِنَّمَا خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ عَيْشِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِنَّمَا يُقْضَى بِالصَّاعِ مِنْ غَالِبِ عَيْشِهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَمُسْلِمٍ : وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ : وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْغَالِبِ ، وَهُوَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى ثَلَاثِ حَلْبَاتٍ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الدُّلْسَةُ ، وَبِالثَّانِيَةِ ظَهَرَتْ ، وَبِالثَّالِثَةِ تَحَقَّقَتْ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ يُظَنُّ أَنَّهَا لِاخْتِلَافِ الْمَرْعَى وَالْمَرَاحِ ، أَوْ لِاخْتِلَالٍ فِي الضَّرْعِ بِإِمْسَاكِهَا مُدَّةَ التَّسَوُّقِ بِهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ وَالدُّلْسَةِ بِالْعَيْبِ ، وَأَصْلٌ فِي الرَّدِّ بِهِ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْمَعِيبَ صَحِيحٌ وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي ، وَمِمَّنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَوْ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْعُتَبِيَّةِ عَنْهُ لَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأُ عَلَيْهِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ عَنْ مَالِكٍ . وَرَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْحَدِيثَ وَأَتَوْا بِأَشْيَاءَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى فَقَالُوا : إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةِ بِالضَّمَانِ ، قَالُوا : وَالْمُسْتَهْلَكَاتُ إنما تضمن بِالْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهَذَا يُبَيِّنُ نَسْخَهُ . وَقَوْلُهُ : وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي حَدِيثِ : التَّمْرُ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِي فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْوِيمُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْهُ ، لِأَنَّ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، فَحَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ كَحُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ بِغِرَّةٍ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا حِينَ ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ ، أَوْ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، فَقَطَعَ النِّزَاعَ بِالْغُرَّةِ ، وَكَحُكْمِهِ فِي الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ بِأَنَّ الصَّغِيرَ فِيهَا كَالْكَبِيرِ ؛ إِذْ لَا تُوقَفُ لِصِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَكَذَا الْمُوضِحَةُ حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ اهـ . وَفِي الْمُعَلِّمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ : إِنَّهُ مَنْسُوخٌ لِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَبِالْأُصُولِ الَّتِي خَالَفَتْهُ ، وَهِيَ أَنَّ اللَّبَنَ مِثْلِيٌّ فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقِيمَتُهُ ، وَالْمِثْلُ هُنَا تَعَذَّرَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ ، فَكَانَ فِيهِ الْقِيمَةُ بِالْعَيْنِ لَا مِثْلُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الْمِثْلِ إِلَى غَيْرِهِ نَحَّى بِهِ عَنِ الْبَيْعِ فَهُوَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ؛ وَلِأَنَّ لَبَنَ النَّاقَةِ أَثْقَلُ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ ، وَلَبَنُ النُّوقِ فِي نَفْسِهِ يَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَالصَّاعُ مَحْدُودٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَلْزَمَ مُتْلِفَ الْقَلِيلِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ مُتْلِفَ الْكَثِيرِ ؟ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ غَلَّةٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي كَسَائِرِ الْغَلَّاتِ ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ فِي الْعَيْبِ ، فَالْحَدِيثُ إِمَّا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ أَوْ مَرْجُوحٌ لِمُعَارَضَتِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَ قَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةِ . وَالْجَوَابُ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ اللَّبَنَ خَرَاجٌ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ ، وَبِأَنَّهُ عَامٌّ وَالْمُصَرَّاةُ خَاصٌّ ، وَالْعَامُّ يُرَدُّ إِلَى الْخَاصِّ ، فَلَا تَعَارُضَ وَلَا نَسْخَ ، وَعَنِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَنَّ اللَّبَنَ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْقُوتِ ، وَغَالِبُ قُوتِهِمُ التَّمْرُ ، فَلِذَا حَكَمَ بِهِ ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ غَالِبَ قُوتِ بَلَدِ غَيْرِهِ لَقَضَى بِذَلِكَ الْغَيْرِ ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ الْإِبِلَ ، وَالذَّهَبِ الذَّهَبَ ، وَالْوَرِقِ الْوَرِقَ ، مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ غَالِبُ كَسْبِهِمْ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمَرْدُودُ لَبَنًا لَدَخَلَ التَّفَاضُلُ وَالْمُزَابِنَةُ ، إِذْ مَا فِي الضَّرْعِ لَا يَتَحَقَّقُ تَقْدِيرُهُ بِالصَّاعِ ، وَلَوْ رُدَّ جَمِيعُ مَا حُلِبَ لَخِيفَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ غَلَّةٌ وَحَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ ؟ وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُبَايَعَةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى يُقَالَ إِنَّهَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمَا فَيُتَّهَمَانِ . وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا قَضَى بِالصَّاعِ الْمَحْدُودِ عَنِ اللَّبَنِ الْمُخْتَلِفِ قَدْرُهُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ رِفْقًا لِلْخِصَامِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّنَازُعِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلَى رَفْعِ التَّنَازُعِ عَنْ أُمَّتِهِ كَقَضَائِهِ بِالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الدِّيَةِ ، وَحَدَّ دِيَةَ الْجَرَّاحِ بِقَدْرٍ مَحْدُودٍ مَعَ اخْتِلَافِ قَدْرِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، فَقَدْ تَعُمُّ الْمُوضِحَةُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ ، وَقَدْ تَكُونُ مَدْخَلَ مِسَلَّةٍ ، وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ الْغَلَّةَ مَا نَشَأَ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَهَذَا كَانَ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَكَانَ الْأَصْلُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ ، لَكِنْ لَمَّا اسْتَحَالَ رَدُّ عَيْنِهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ رُدَّ الْعِوَضِ وَقُدِّرَ بِمَعْلُومٍ رَفْعًا لِلنِّزَاعِ ، اهـ مُلَخَّصًا . وَفِي الْمُفْهِمِ : قَدْ يُجَابُ عَنِ الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا اسْتُثْنِيَ ضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَدِيَةِ الْجَنِينِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْقَرَاضِ مِنْ أَصُولٍ مَمْنُوعَةٍ لِلْحَاجَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ ، وَلَوْ سُلِّمَ مُعَارَضَتُهُ بِأُصُولِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ فَلَا نُسَلِّمُ تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي اهـ . وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا مَرَّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا نَرَى ) بِضَمِّ النُّونِ ، فَظَنَّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) بِمُرَادِ رَسُولِهِ ( لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) أَيْ يَحْرُمُ ( أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ) فَفَسَّرَهُ بِالسَّوْمِ مِنَ الْمُشْتَرِي لِلرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ وَخَيْرُ مَا فَسَّرَتْهُ بِالْوَارِدِ ، وَإِنْ كَانَ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ الْبَائِعُ أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ دَفْعُ الضَّرَرِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ وَالسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَبِمَا قَيَّدَهُ ( إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ ) أَيِ الْمُشْتَرِي ( وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ ) أَوِ الْفِضَّةِ وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْعُيُوبِ ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) لَا قَبْلَ الرُّكُونِ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَ . ( وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ ، فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الرَّكْنِ جَازَ هَذَا وَهُوَ الْمُزَايَدَةُ . ( وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمُ الْمَكْرُوهُ ) وَهُوَ الْبَخْسُ وَنَقْصُ الثَّمَنِ ( وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا ) أَيْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ قَبْلَ الرُّكُونِ ، وَبِنَحْوِهِ فَسَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي خَيْرٌ مِنْهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ يَبْتَاعَ فَيَقْبِضَهَا وَلَمْ يَفْتَرِقَا وَهُوَ مُغْتَبِطُهَا ، فَيَأْتِيهِ مَنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ سلعة أَرْشَدَ أَيْ أَحْسَنَ مِنْهَا فَيَفْسَخُ بَيْعَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَمَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، فَحَمَلَاهُ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ لِلْبَائِعِ ، لَكِنَّ تَفْسِيرَ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ بِخِيَارِ الْمَجَالِسِ .
1373 - قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّجْشِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ . 1392 1373 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ) تَحْرِيمًا ( عَنِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ لُغَةً : تَنْفِيرُ الصَّيْدِ وَاسْتِثَارَتُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِيُصَادَ ، يُقَالُ : نَجَشْتُ الصَّيْدَ أَنْجُشُهُ نَجْشًا ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّائِدِ : نَاجِشٌ لِأَنَّهُ يُثِيرُ الصَّيْدَ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : فَكَأَنَّ غَيْرَهُ لِلسِّلْعَةِ يُثِيرُ الزِّيَادَةَ فِيهَا ، وَشَرْعًا ( قَالَ ) مَالِكٌ : ( وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ بِسِلْعَتِهِ ) أَيْ فِيهَا ( أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا فَيَقْتَدِي بِكَ غَيْرُكَ ) وَقَالَ الْأَكْثَرُ : وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ لِيَغْتَرَّ بِهِ غَيْرُهُ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِ مَالِكٍ لِدُخُولِ إِعْطَائِهِ مِثْلَ ثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ وَخُرُوجِهِ مِنْ تَفْسِيرِ مَالِكٍ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَالْمَذْهَبُ النَّهْيُ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَعِنْدِي إِنْ بَلَّغَهَا لِنَاجِشِ قِيمَتَهَا وَرَفَعَ الْغَبْنَ عَنْ صَاحِبِهَا جَازَ وَهُوَ مَأْجُورٌ ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ إِتْلَافٌ لِمَالِ الْمُشْتَرِي ، ابْنُ عَرَفَةَ وَكَانَ يَسُوقُ الْكُتُبِيِّينَ بِتُونُسَ رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالصَّلَاحِ عَارِفٌ بِقِيمَةِ الْكُتُبِ يَسْتَفْتِحُ لِلدَّلَّالِينَ مَا يَبْنُونَ عَلَيْهِ وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ ، وَهَذَا الْفِعْلُ جَائِزٌ عَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ وَقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ ، لَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عن القعنبي ، وَفِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1370 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ فَهُوَ رِبًا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ مَنْ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَلَائِدِ ، فَإِنَّهُ يُخَافُ فِي ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إِلَى إِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ فَلَا يَصْلُحُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَيُصِيبُهَا مَا بَدَا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدٍ . 1388 1370 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ أَفْضَلَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ ) مَا يُعْلَفُ لِلْبَهَائِمِ ( فَهُوَ رِبًا ) وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَطُ شَيْئًا قَلِيلًا جِدًّا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا رِبَا فِي الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنْ تُشْتَرَطَ ، وَالْوَأْيُ وَالْعَادَةُ مِنْ قَطْعِ الذَّرَائِعِ . وَفِي الْحَدِيثِ : دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : اتْرُكُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ ، فَالْوَأْيُ وَالْعَادَةُ هُنَا مِنَ الرِّيبَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنِ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ ) عَطْفٌ مُسَاوٍ ( مَعْلُومَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْوَلَائِدِ ) الْإِمَاءِ جَمْعِ وَلِيدَةٍ ، وَهِيَ الْأَمَةُ ( فَإِنَّهُ يُخَافُ فِي ذَلِكَ الذَّرِيعَةُ ) الْوَسِيلَةُ ( إِلَى إِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ ) مِنْ عَارِيَةِ الْفُرُوجِ ( فَلَا يَصْلُحُ ) سَلَفُ الْإِمَاءِ . ( وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ فَيُصِيبُهَا مَا بَدَا لَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا ) لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يُنَافِي رَدَّ الْعَيْنِ ، فَلِلْمُقْتَرِضِ رَدُّ عَيْنِ مَا اقْتَرَضَ ( فَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصْلُحُ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدٍ ) فَإِنْ أُمِنَ ذَلِكَ جَازَ ، كَإِقْرَاضِهَا لِذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا ، أَوْ لِامْرَأَةٍ أَوْ لِصَغِيرٍ اقْتَرَضَهَا لَهُ وَلَيُّهُ ، أَوْ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ لَا تُشْتَهَى ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى عَكْسِ الْعِلَّةِ ، وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ انْعِكَاسُهَا إِذَا كَانَتْ بَسِيطَةً غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ ، وَانْعِكَاسُهَا هُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَائِهَا ، فَإِنْ وَقَعَ قَرْضُ الْجَارِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنْ لَمْ يَطَأْ فُسِخَ وَرُدَّتْ إِلَى رَبِّهَا ، وَإِنْ وُطِئَتْ فَقِيلَ : تَجِبُ الْقِيمَةُ ، وَقِيلَ : الْمِثْلُ ، قَالَهُ الْأُبِّيُّ ، وَاقْتَصَرَ أَبُو عُمَرَ عَن مَالِكٍ عَلى الْقِيمَةِ قَالَ : وَيُمْنَعُ قَرْضُ الْإِمَاءِ ، قَالَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ بِعِقْدٍ لَازِمٍ ، وَالْقَرْضُ لَيْسَ بِعِقْدٍ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَرُدُّ مَتَى شَاءَ ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَاةَ بِالْخِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِإِجْمَاعٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ ، فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ فِيهَا ، وَأَجَازَ دَاوُدُ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ اسْتِقْرَاضَ الْإِمَاءِ ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمُقْتَرِضِ صَحِيحٌ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ كُلُّهُ ، وَكَمَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ قَرْضُهُ ، وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ اسْتِقْرَاضَ الْحَيَوَانِ وَالسَّلَمَ فِيهِ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ وَإِيجَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةَ الْخَطَأِ وَدِيَةَ الْعَمْدِ وَدِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ الْمُجْتَمِعِ عَلَى ثُبُوتِهَا ، وَذَلِكَ إِثْبَاتُ الْحَيَوَانِ بِالصِّفَةِ فِي الذِّمَّةِ ، فَكَذَلِكَ الْقَرْضُ وَالسَّلَمُ ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ وَصْفِهِ ، وَادَّعَوْا نَسْخَ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ نِصْفَ عَبْدٍ مِثْلِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ ، وَلِحَدِيثِ : مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَخَصَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِنْ سَائِرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِعِ . وَقَالَ الْحِجَازِيُّونَ : مَعْنَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَعْيَانِ وَأَمَّا الْمَضْمُونُ فَلَا . وَقَدْ أَجَازَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى مَمْلُوكٍ بِصِفَةٍ ، وَأَجَازَ الْجَمِيعُ النِّكَاحَ عَلَى حَيَوَانٍ مَوْصُوفٍ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ . اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَلَالَةٌ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا ، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ : لَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا دَلِيلٍ .
44 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ 1367 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ : فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ : فَأَيْنَ الْحَمْلُ يَعْنِي حُمْلَانَهُ . 44 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ 1388 1367 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ : فَأَيْنَ الْحَمْلُ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( يَعْنِي حُمْلَانَهُ ) يُرِيدُ أَنَّهُ ازْدَادَ عَلَيْهِ فِي الْقَرْضِ حَمْلَهُ ، فَيُمْنَعُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً ، وَيُرْوَى : فَأَيْنَ الْحِمَالُ ؟ يُرِيدُ الضَّمَانَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
1368 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلًا سَلَفًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَذَلِكَ الرِّبَا ، قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا ، قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ ، فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ ، وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ ، وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ . 1388 1368 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلًا سَلَفًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَذَلِكَ الرِّبَا ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ ( فَقَالَ : كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ ) فِيمَا فَعَلْتُ ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ) أَيِ الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ ( فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ ) الْمُتَسَلَّفِ ، أَيِ التَّحَبُّبَ إِلَيْهِ وَالْحُظْوَةَ ( فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ ) أَيْ حَرَامًا بَدَلَ حَلَالٍ ( فَذَلِكَ الرِّبَا ) الْمُحَرَّمُ بِالْقُرْآنِ ( قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ ) الَّتِي كَتَبْتَ عَلَى الرَّجُلِ الْمُتَسَلَّفِ ( فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 279 ) ( وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ ) لِأَنَّهُ حُسْنُ اقْتِضَا ( وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ ) فِي الصِّفَةِ ( طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ ) أَخَّرْتَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : مَنْ شَرَطَ زِيَادَةً فِي السَّلَفِ وَكَانَ مُؤَجِّلًا فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ الْقَرْضَ جُمْلَةً وَيَتَعَجَّلَ قَبْضَ مَالِهِ ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ الشَّرْطَ وَيُبْقِيَهُ عَلَى أَجَلِهِ دُونَ شَرْطٍ .
1369 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ . 1388 1369 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ ) أَيْ يُمْنَعُ أَنْ يَشْتَرِطَ غَيْرَهُ .
36 - بَاب بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ - حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْبَزِّ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ ثُمَّ يَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا آخَرَ فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً ، إِنَّهُ لَا يَحْسِبُ فِيهِ أَجْرَ السَّمَاسِرَةِ وَلَا أَجْرَ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ وَلَا النَّفَقَةَ وَلَا كِرَاءَ بَيْتٍ ، فَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حُمْلَانِهِ ، فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، فَإِنْ رَبَّحُوهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الْقِصَارَةُ وَالْخِيَاطَةُ وَالصِّبَاغُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ ، يُحْسَبُ فِيهِ الرِّبْحُ كَمَا يُحْسَبُ فِي الْبَزِّ ، فَإِنْ بَاعَ الْبَزَّ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا سَمَّيْتُ : إِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ ، فَإِنْ فَاتَ الْبَزُّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ ، فَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْبَزُّ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بَيْنَهُمَا ، إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ ، وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ ، فَيَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً ، أَوْ يَبِيعُهُ حَيْثُ اشْتَرَاهُ مُرَابَحَةً عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ : فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِدَرَاهِمَ وَبَاعَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ وَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ ، وَكَانَ الْمَتَاعُ لَمْ يَفُتْ ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ ، فَإِنْ فَاتَ الْمَتَاعُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ ، وَيُحْسَبُ لِلْبَائِعِ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ عَلَى مَا رَبَّحَهُ الْمُبْتَاعُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا وَقَدْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ ، خُيِّرَ الْبَائِعُ فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِهِ الْبَيْعُ أَوَّلَ يَوْمٍ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وَعَشْرَةُ دَنَانِيرَ ، وَإِنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى التِّسْعِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَيُخَيَّرُ فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ ، وَفِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مُرَابَحَةً فَقَالَ : قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا : خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابِ مَا رَبَّحَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَقِّصَ رَبَّ السِّلْعَةِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَضِيَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ بِأَنْ يَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ . 36 - بَابُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْبَزِّ ) بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَزَايٍ الثِّيَابُ أَوْ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنَ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَبَائِعُهُ الْبَزَّازُ ( يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ ثُمَّ يَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا آخَرَ فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً ، أَنَّهُ لَا يَحْسِبُ فِيهِ أَجْرَ السَّمَاسِرَةِ ) جَمْعُ سِمْسَارٍ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي ( وَلَا أَجْرَ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ وَلَا النَّفَقَةَ وَلَا كِرَاءَ الْبَيْتِ ) لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَبِيعِ غَالِبًا . ( فَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حُمْلَانِهِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ حَمْلِهِ ( فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ فِيهِ رِبْحٌ ) لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ ( إِلَّا أَنْ يُعْلِمَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُخْبِرَ ( الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنْ رَبَّحُوهُ ) بِالتَّثْقِيلِ وَالْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى مَنْ ( بَعْدِ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَأَمَّا الْقِصَارَةُ وَالْخِيَاطَةُ وَالصِّبَاغُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ) كَطَرْزٍ وَفَتْلٍ وَكَمَدٍّ وَتَطْرِيَةٍ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فِي الْمَبِيعِ وَيَخْتَصُّ بِهِ غَالِبًا ( فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ يُحْسَبُ فِيهِ الرِّبْحُ كَمَا يُحْسَبُ فِي الْبَزِّ ) لِزِيَادَتِهِ بِذَلِكَ . ( فَإِنْ بَاعَ الْبَزَّ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا سَمَّيْتُ ) بِضَمِّ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ( أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ ، فَإِنْ فَاتَ الْبَزُّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ ، فَإِنْ لَمْ يَفُتِ الْبَزُّ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا ) فَلَا يُفْسَخُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ ) الْفِضَّةِ ( وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَيَقْدَمُ بِهِ بَلَدًا فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً أَوْ يَبِيعُهُ حَيْثُ اشْتَرَاهُ ) أَيْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي اشْتَرَاهُ ( بِهِ مُرَابَحَةً عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّرْفُ فِي وَقْتِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ( فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِدَرَاهِمَ وَبَاعَهُ بِدَنَانِيرَ أَوِ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ وَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ وَكَانَ الْمُبْتَاعُ لَمْ يَفُتْ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ ) وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَهُ إِيَّاهُ بِمَا نَقَدَ ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ لَمْ يُرِدِ الشِّرَاءَ بِهَذِهِ . ( وَإِنْ فَاتَ الْمَتَاعُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ وَيُحْسَبُ لِلْبَائِعِ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ عَلَى مَا رَبِحَهُ الْمُبْتَاعُ ) وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : يُضْرَبُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ لِلْمُشْتَرِي . وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِلَّا أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا رَضِيَ بِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ فِي هَذَا قِيمَةً كَمَا جَعَلَ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ . ( وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ ) صِفَةُ سِلْعَةٍ مُرَابَحَةً ( بعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا وَقَدْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ خُيِّرَ الْبَائِعُ ، فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ ) أَيْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ كَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَرَوَى فِيهَا عَلِيٌّ ، عَنْ مَالِكٍ : لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ بَاعَهَا أَيْ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِهِ الْبَيْعُ أَوَّلَ يَوْمٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ ) الَّذِي وَقَعَ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَيْهَا فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا . ( وَإِنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى التِسْعِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ مِنَ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَةِ ) فَيُخَيَّرُ ( فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ ، وَفِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ وَذَلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا ) لَا يُزَادُ عَلَيْهَا . ( وَإِنْ فَقَالَ : قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ) غَلَطًا عَلَى نَفْسِهِ ( ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ) الْعِلْمُ ( أَنَّهَا قَامَتْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابِ مَا رَبِحَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ رَبَّ السِّلْعَةِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ ) فَيَلْزَمُهُ مَا رَضِيَ بِهِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ . ( وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ ) الزَّائِدَ الَّذِي غَلِطَ فِيهِ ( فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ بِأَنْ يَضَعَ ) يُسْقِطَ ( مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي بِهِ ابْتَاعَ عَلَى الْبَرْنَامِجِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : كَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرِوَايَةُ عَلِيٍّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى لَفْظِ التَّخْيِيرِ وَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْدُبُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ لَا يُنْقِصَهُ شَيْئًا ، فَإِنَّ السِّلْعَةَ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا أَوْ يُضْرَبُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِنْ فَاتَتْ فَالْقِيمَةُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَقَلَّ مِنَ الْمِائَةِ وَرِبْحِهَا فَلَا يَنْقُصُ أَوْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَرِبْحِهَا فَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ .
43 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ 1365 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . 43 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ - 1384 1365 ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ الْمَدَنِيِّ الْعَالِمِ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ) أَسْلَمَ أَوْ إِبْرَاهِيمَ أَوْ ثَابِتٍ أَوْ هُرْمُزٍ أَوْ سِنَانٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَسَارٍ أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ قُزْمَانَ ، أَقْوَالٌ عَشَرَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَشْهَرُ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ أَسْلَمُ الْقِبْطِيُّ ( مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَقِيلَ كَانَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ ، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ عَلَى الصَّحِيحِ . ( أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ الْأُبِّيُّ : السِّينُ فِي اسْتَسْلَفَ لِلطَّلَبِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ ( بَكْرًا ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ ، وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ كَالْغُلَامِ مِنَ الذُّكُورِ ، وَالْقَلُوصُ الْفِتْيَةُ مِنَ النُّوقِ كَالْجَارِيَةِ مِنَ الْإِنَاثِ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الدَّيْنِ لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا فَقَدْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ التَّقْلِيلَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ وَفِي الْمُفْهِمِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ عَمَرَ ذِمَّتَهُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ : إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ شَيْنٌ وَفِي آخَرَ : فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَعَوَّذُ مِنْهُ حَتَّى قِيلَ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَدَايَنَ لِضَرُورَةٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لَهَا . فَإِنْ قِيلَ : لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ أَنْ تَكُونَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لَهُ ذَهَبًا ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ الضَّرُورَةُ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا خَيَّرَهُ اخْتَارَ الْإِقْلَالَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، وَمَا عَدَلَ عَنْهُ زُهْدًا فِيهِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَالضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ ، وَأَيْضًا فَالدَّيْنُ إِنَّمَا هُوَ مَذْمُومٌ لِتِلْكَ اللَّوَازِمِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهَا وَقَدْ يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كُرِهَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْمَذَلَّةِ . وَأَمَّا السَّلَفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُعْطِيهِ فَمُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْخَيْرِ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَرْضٌ مَرَّتَيْنِ يَعْدِلُ صَدَقَةً مَرَّتَيْنِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : دِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ ، وَدِرْهَمُ الْقَرْضِ بِسَبْعِينَ . ( فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ) أَيِ الزَّكَاةِ ( قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ) أَيْ بَكْرًا مِثْلَ بَكْرِهِ الَّذِي تَسَلَّفَهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ . وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ ، لَكِنْ فِي النَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ ، فَكَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيٍّ وَوَقَعَ نَحْوُهَا لِلْعِرْبَاضِ . ( فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَةٌ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : إِذَا أَلْقَى الْبَعِيرَ رَبَاعِيَتَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ فَهُوَ رَبَاعِيٌ ، وَرَبَاعِيَاتُ الْأَسْنَانِ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَلِي الثَّنَايَا مِنْ جَانِبِهَا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْطِهِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الطَّاءِ ( إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ) لِلدَّيْنِ ، قَالَ الْبَوْنِيُّ : أَظُنُّهُ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُ لِهَذَا خِيَارَ النَّاسِ اهـ . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : وَهُوَ الْكَرَمُ الْخَفِيُّ اللَّاحِقُ بِصَدَقَةِ السِّرِّ ، فَإِنَّ الْمُعْطَى لَهُ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ صَدَقَةُ سِرٍّ فِي عَلَانِيَةٍ ، وَيُورِثُ ذَلِكَ صُحْبَةً وَوِدَادًا فِي نَفْسِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَتَخْفَى نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَا يُشْكِلُ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَقْضِي مِنْهَا ؟ إِمَّا لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ كَمَا قِيلَ ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، ثُمَّ صَارَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ اسْتِقْرَاضَهُ إِنَّمَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ مِنَ الْغَارِمِينَ ، فَيَكُونُ فَضْلُ الشَّيْءِ صَدَقَةً عَلَيْهِ ، فَلَا يُقَالُ : كَيْفَ قَضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ أَجْوَدَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْغَرِيمُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرِ الصَّدَقَاتِ تَبَرُّعُهُ مِنْهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ، ثُمَّ قَالَ : أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ ، قَالَ : اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَحَفِظَ أَبُو رَافِعٍ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَحَفِظَ أَبُو هُرَيْرَةَ الشِّرَاءَ ، اهـ مُلَخَّصًا . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، وَفِيهِ جَوَازُ قَرْضِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْكَافَّةِ فِيهِ ، وَمَنَعَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا دَلِيلٍ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ زَيْدٍ بِمِثْلِهِ غير أَنَّهُ قَالَ : فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَيْضًا .
1366 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَضَاهُ دَرَاهِمَ خَيْرًا مِنْهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْتُ ، وَلَكِنْ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقْبِضَ مَنْ أُسْلِفَ شَيْئًا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الْحَيَوَانِ مِمَّنْ أَسْلَفَهُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفَهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ مِنْهُمَا أَوْ عَادَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ أَوْ وَأْيٍ أَوْ عَادَةٍ ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى جَمَلًا رَبَاعِيًا خِيَارًا مَكَانَ بَكْرٍ اسْتَسْلَفَهُ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اسْتَسْلَفَ دَرَاهِمَ فَقَضَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى طِيبِ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْتَسْلِفِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ وَلَا وَأْيٍ وَلَا عَادَةٍ ، كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ . 1385 1366 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ ) بْنِ جَبْرٍ الْمَكِّيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَضَى دَرَاهِمَ خَيْرًا مِنْهَا ) أَفْضَلَ صِفَةً ( فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ ( هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُكَ ) أَيْ : فَهَلْ عَلِمْتَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ لِي أَخْذُهُ ؟ ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْتُ ) أَنَّهَا خَيْرٌ ( وَلَكِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ ) فَيَحِلُّ لَكَ ، وَهَذَا حُسْنُ قَضَاءٍ وَمَعْرُوفٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقْبِضَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَقْبَضَ ( مَنْ أُسْلِفَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الْحَيَوَانِ مِمَّنْ ) أَيْ لِمَنْ ( أَسْلَفَهُ ذَلِكَ أَفْضَلَ ) مَفْعُولُ يُقْبِضَ ( مِمَّا أَسْلَفَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ مِنْهُمَا ) وَقْتَ التَّسَلُّفِ ( أَوْ عَادَةٍ ) جَارِيَةً بِذَلِكَ ( فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ أَوْ وَأْيٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ فَتَحْتِيَّةٍ أَيْ مُوَاعَدَةٍ ( أَوْ عَادَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ) أَيْ حَرَامٌ ( وَلَا خَيْرَ فِيهِ ) لِمَنْعِهِ ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى جَمَلًا رَبَاعِيًا خِيَارًا مَكَانَ بَكْرٍ اسْتَسْلَفَهُ ) فَأَفَادَ جَوَازَ الْقَضَاءِ بِأَفْضَلِ صِفَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ كَانَتْ قِيمَةُ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ قِيمَةَ الْجَمَلِ الْمَوْصُوفِ بِمَا ذُكِرَ أَزْيَدُ بِكَثِيرٍ مِنْ قِيمَةِ الْبَكْرِ ( وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اسْتَسْلَفَ دَرَاهِمَ فَقَضَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى طِيبِ نَفْسٍ مِنَ الْمُتَسَلَّفِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ وَلَا وَأْيٍ وَلَا عَادَةٍ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ ) مَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ نَقْصٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، كَأَنْ يُسْلِفَهُ عَشَرَةً رِدِيَّةً فَيَقْضِيَهُ ثَمَانِيَةً جَيِّدَةً ، أَوْ يَكُونَ لَهُ عَشَرَةٌ مَسْكُوكَةٌ رِدِيَّةٌ فَيَقْضِيَهُ عَشَرَةً جَيِّدَةً فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَايَعَةٌ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
42 - بَاب مَا جَاءَ فِي إِفْلَاسِ الْغَرِيمِ 1363 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا ، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا ، فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . 42 - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْلَاسِ الْغَرِيمِ يُقَالُ : أَفْلَسَ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ صَارَ إِلَى حَالٍ لَيْسَ لَهُ فُلُوسٌ كَمَا يُقَالُ لَهُ أَقْهَرَ إِذَا صَارَ إِلَى حَالٍ يُقْهَرُ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : صَارَ ذَا فُلُوسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ ، فَهُوَ مُفْلِسٌ وَالْجَمْعُ مَفَالِيسُ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . وَفِي الْمُفْهِمِ : الْمُفْلِسُ لُغَةً : مَنْ لَا عَيْنَ لَهُ وَلَا عَرَضَ ، وَشَرْعًا : مَنْ قَصَّرَ مَا بِيَدِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ . 1382 1363 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ) القرشي الْمَخْزُومِيِّ الْفَقِيهِ التَّابِعِيِّ الْوَسَطِ ، وَلِأَبِيهِ رُؤْيَةٌ فَهُوَ صَحَابِيٌّ مِنْ حَيْثُهَا ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ ، وَجَدُّهُ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ كَمَا مَرَّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ وَلِجَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا إِلَّا عَبْدَ الرَّزَّاقِ بِخُلْفٍ عَنْهُ فَوَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ ، وَرِوَايَةُ مَنْ وَصَلَهُ صَحِيحَةٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَشِيرُ بْنُ نُهَيْكٍ ، وَهُشَامُ بْنُ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الثَّلَاثَةُ فِي الْفَلْسِ دُونَ ذِكْرِ حُكْمِ الْمَوْتِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ فِيمَا عَلِمْتُ ، اهـ مُلَخَّصًا . ( قَالَ : أَيُّمَا ) مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَيٍّ وَهِيَ اسْمٌ يَنُوبُ مَنَابَ حَرْفِ الشَّرْطِ ، وَمِنْ مَا الْمُبْهَمَةِ الْمَزِيدَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مِنَ الْمُقْحَمَاتِ الَّتِي يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ تَفْصِيلٍ غَيْرِ حَاصِرٍ أَوْ عَنْ تَطْوِيلٍ غَيْرِ مُمِلٍّ ( رَجُلٍ ) بِجَرِّهِ بِإِضَافَةِ أَيٍّ إِلَيْهِ وَرَفْعِهِ بَدَلٌ مِنْ أَيٍّ ، وَلَيْسَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ عَلَى نِيَّةِ الطَّرْحِ ، وَمَا زَائِدَةٌ ، وَذِكْرُهُ غَالِبِيٌّ وَالْمُرَادُ إِنْسَانٌ ( بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ) اشْتَرَاهُ ، وَقَوْلُهُ : ( مِنْهُ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ ( وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ ) أَيْ مَتَاعَهُ ( بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) مِنَ الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُمْكِنُ أَنْ تَطْرَأَ لَهُ ذِمَّةٌ ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ ، وَلِذَا قَالَ : ( وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ لِنَصِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ ، وَهُوَ قَاطِعٌ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَيْسَ أَحَقَّ بِهِ فِيهِمَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَحَقُّ بِهِ فِيهِمَا لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أبي المعتمر عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ ، قَالَ : أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ أَبَا الْمُعْتَمِرِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَ رِوَايَتِهِ : مَنْ يَأْخُذُ بِهَذَا أَبُو الْمُعْتَمِرِ مَنْ هُوَ ؟ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ ، وَفِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ ، فَحَدِيثُ التَّفْرِيقِ أَرْجَحُ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَتَقْدِيمُهُ ، وَلَوْ سُلِّمَ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْحُجِّيَّةِ فَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَيْعًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْوَدَائِعِ أَوْ غَصْبًا أَوْ تَعَدِّيًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لَفْظُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ ذَكَرَهُ لَأَمْكَنَ فِيهِ التَّأْوِيلُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَعَلَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ فَلَسُهُ قَامَ وَطَلَبَ فَلَسَهُ فَبَادَرَ الْمَوْتَ . وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي عُيِّنَتْ فِي الْفَلَسِ فَصَارَ الْبَائِعُ بِمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهَا وَاسْتِرْجَاعُ شَيْئِهِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ لِبَقَاءِ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي ، وَفِي الْمَوْتِ وَإِنْ عُيِّنَتِ الذِّمَّةُ أَيْضًا لَكِنَّهَا ذَهَبَتْ رَأْسًا ، فَلَوِ اخْتَصَّ الْبَائِعُ بِسِلْعَتِهِ عَظُمَ الضَّرَرُ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ لِخَرَابِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَذَهَابِهَا ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِرَبِّ السِّلْعَةِ اسْتِرْجَاعُهَا فِي الْفَلَسِ إِذَا لَمْ يُعْطِهِ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ ، فَإِنْ أَعْطَوْهُ فَذَلِكَ لَهُمْ ، لِأَنَّ اسْتِرْجَاعَهَا إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ وَقَدْ زَالَتْ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي اسْتِرْجَاعِهَا ، وَلَوْ دَفَعَ لَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ غَرِيمٌ فَلَا يَرْضَى مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ اهـ . وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُفْلِسِ وَلَا وَرَثَتِهِ أَخْذُهَا ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَعَلَ صَاحِبَهَا أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ ، فَالْغُرَمَاءُ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَحَاصَصَ بِثَمَنِهَا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ ، وَأَجْمَعَ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَتِهِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ فُرُوعِهِ ، وَدَفَعَهُ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي رَدُّوهَا بِغَيْرِ سُنَّةٍ صَارُوا إِلَيْهَا وَأَدْخَلُوا النَّظَرَ حَيْثُ لَا مَدْخَلَ لَهُ مَعَ صَحِيحِ الْأَثَرِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ السِّلْعَةَ مَالُ الْمُشْتَرِي ، وَثَمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَغُرَمَاؤُهُ أَحَقُّ بِهَا كَسَائِرِ مَالِهِ ، وَهَذَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ لَوْلَا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ جَعَلَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا أَخَذَهَا وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةَ 36 ) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةَ 65 ) الْآيَةَ . وَلَوْ جَازَ مِثْلُ رَدِّ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ بِإِمْكَانِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ فِيهَا لَجَازَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَبْقَى سُنَّةٌ إِلَّا قَلِيلٌ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ أَصْلٌ بِرَأْسِهَا ، فَلَا سَبِيلَ أَنْ تُرَدَّ إِلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ لَا تَنْقَاسُ ، وَإِنَّمَا تَنْقَاسُ الْفُرُوعُ رَدًّا عَلَى أُصُولِهَا ، وَلَا أَعْلَمُ لِلْكُوفِيِّينَ سَلَفًا إِلَّا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ خِلَاسِ ابْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : هُوَ فِيهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا . وَأَحَادِيثُ خِلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ضَعِيفَةٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا انْفَرَدَ حُجَّةٌ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى الْجُمْهُورِ ؛ إِذِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ يُقَلَّدُ وَيُتْبَعُ ؟
1364 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ ، فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ : فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ وَفَرَّقَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا فَأَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ ، وَيَكُونَ فِيمَا لَمْ يَجِدْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ، فَذَلِكَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ غَزْلًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ بُقْعَةً مِنْ الْأَرْضِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَى عَمَلًا ، بَنَى الْبُقْعَةَ دَارًا أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ ثَوْبًا ثُمَّ أَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَبُّ الْبُقْعَةِ : أَنَا آخُذُ الْبُقْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْبُنْيَانِ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الْبُقْعَةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا أَصْلَحَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُ الْبُقْعَةِ ، وَكَمْ ثَمَنُ الْبُنْيَانِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ ، ثُمَّ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْبُنْيَانِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَتَكُونُ قِيمَةُ الْبُقْعَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَةُ الْبُنْيَانِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ الثُّلُثُ ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ الثُّلُثَانِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الْغَزْلُ وَغَيْرُهُ مِمَّا أَشْبَهَهُ إِذَا دَخَلَهُ هَذَا وَلَحِقَ الْمُشْتَرِيَ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ عِنْدَهُ وَهَذَا الْعَمَلُ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا مَا بِيعَ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا الْمُبْتَاعُ شَيْئًا ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ نَفَقَتْ وَارْتَفَعَ ثَمَنُهَا ، فَصَاحِبُهَا يَرْغَبُ فِيهَا ، وَالْغُرَمَاءُ يُرِيدُونَ إِمْسَاكَهَا ، فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا رَبَّ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ وَلَا يُنَقِّصُوهُ شَيْئًا ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ سِلْعَتَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ نَقَصَ ثَمَنُهَا ، فَالَّذِي بَاعَهَا بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَلَا تِبَاعَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ : فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ بِحَقِّهِ وَلَا يَأْخُذُ سِلْعَتَهُ فَذَلِكَ لَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي : فَإِنَّ الْجَارِيَةَ أَوْ الدَّابَّةَ وَوَلَدَهَا لِلْبَائِعِ ، إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَيُعْطُونَهُ حَقَّهُ كَامِلًا وَيُمْسِكُونَ ذَلِكَ . 1383 1364 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ ( عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) بْنِ مَرْوَانَ الْأُمَوِيِّ الْخَلِيفَةِ الْعَادِلِ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ) بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ، وَفِي هَذَا السَّنَدِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّمَا ) أَيْ وَجَدَ ( الرَّجُلُ ) الَّذِي بَاعَهُ وَأَقْرَضَهُ ( مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ) مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا : إِنَّهُ كَالْغُرَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 280 ) فَاسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إِلَيْهَا بِالْآيَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ الطَّلَبُ قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ الدَّيْنُ ، وَذَلِكَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ قَبْضُهُ ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِي وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَالُهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَيْسَ الْمَبِيعُ مَالَ الْبَائِعِ وَلَا مَتَاعًا لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْمُشْتَرِي ، إِذْ هُوَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَعَنْ ضَمَانِهِ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ أَوْ ضَاعَ لَهُ مَتَاعٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ كَثِيرُ الْخَطَأِ وَالتَّدْلِيسِ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَإِنْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فَمَقْرُونٌ بِغَيْرِهِ ، وَلَنَا أَنَّهُ وَقَعَ النَّصُّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْغُرَمَاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ : فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَعْدَمُ إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُعَرِّفْهُ إِنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا أَحَقُّ بِهَا ، سَوَاءٌ وَجَدَهَا عِنْدَ الْمُفْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ شَرَطَا الْإِفْلَاسَ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالسِّلْعَةِ تَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى الْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِي وَالْمَغْصُوبِ مَعَ تَعْلِيقِهِ إِيَّاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِالْإِفْلَاسِ اهـ . وَأَيْضًا فَصَاحِبُ الشَّرْعِ جَعَلَ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الرُّجُوعَ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ ، وَالْمُودِعُ أَحَقُّ بِعَيْنِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ عَنْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَإِذَا تَغَيَّرَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ ، وَأَيْضًا لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ إِلَّا إِذَا عُدِمَتِ السُّنَّةُ ، فَإِنْ وُجِدَتْ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ ) إِذَا وَجَدَهُ كُلَّهُ ( وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ وَفَرَّقَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ ) بِنَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَنِ ( بِعَيْنِهِ ) لِصِدْقِ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ ، وَيُحَاصِصَ بِنَصِيبِ الْغَائِبِ ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مَا وَجَدَ وَحَاصَّ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنَ الثَّمَنِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذِ السِّلْعَةَ ، فَكَذَا هُنَا . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهَذَا لَا يَلْزَمُنَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَبَضَ جَمِيعَ الثَّمَنِ فَقَدْ سَلِمَ الْعَقْدُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ ، وَإِذَا قَبَضَ بَعْضَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ عَيْبُ الْفَلَسِ ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ بِتَقَسُّطٍ عَلَى الْمَبِيعِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهِ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَ عَبْدًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ جُزْءٌ مِنْهُ لَحِقَهُ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ . ( فَإِنِ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئًا ) قَبْلَ الْفَلَسِ ( فَأَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ وَيَكُونَ فِيمَا لَمْ يَجِدْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ ) وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَأْخُذُ مَا وَجَدَ وَيُحَاصَّ بِمَا بَقِيَ لَهُ فَلَهُ ذَلِكَ أَيْضًا . ( وَمَنِ اشْتَرَى سلعة مِنَ السِّلَعِ غَزْلًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ بُقْعَةً ) بِضَمِّ الْبَاءِ قِطْعَةً ( مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَى عَمَلًا ) كَمَا إِذَا ( بَنَى الْبُقْعَةَ دَارًا أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ ثَوْبًا ثُمَّ أَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبُّ الْبُقْعَةِ أَنَا آخُذُ الْبُقْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْبُنْيَانِ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ ( وَلَكِنْ تَقُومُ الْبُقْعَةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا أَصْلَحَ الْمُشْتَرِي ) فَيُقَالُ : مَا قِيمَةُ هَذِهِ الدَّارِ مَبْنِيَّةً ( ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُ الْبُقْعَةِ ) بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهَا بَرَاحًا ( وَكَمْ ثَمَنُ الْبُنْيَانِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ ، ثُمَّ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْبُنْيَانِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُهُ بِالْمِثَالِ ( أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَتَكُونَ قِيمَةُ الْبُقْعَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَةُ الْبُنْيَانِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَيَكُونَ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ الثُّلُثُ ، وَيَكُونَ لِلْغُرَمَاءِ الثُّلُثَانِ ) وَالتَّقْوِيمُ يَوْمَ الْحُكْمِ ( وَكَذَلِكَ الْغَزْلُ وَغَيْرُهُ مِمَّا أَشْبَهَهُ إِذَا دَخَلَهُ هَذَا وَلَحِقَ الْمُشْتَرِي دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ ) عِنْدَهُ وَ ( هَذَا الْعَمَلُ فِيهِ ، فَأَمَّا مَا بِيعَ مِنَ السِّلَعِ الَّتِي لَمْ يُحْدِثُ فِيهَا الْمُبْتَاعُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ نَفَقَتْ ) رَاجَتْ ( وَارْتَفَعَ ) زَادَ ( ثَمَنُهَا فَصَاحِبُهَا يَرْغَبُ فِيهَا وَالْغُرَمَاءُ يُرِيدُونَ إِمْسَاكَهَا ، فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا رَبَّ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ وَلَا يُنَقِّصُونَ شَيْئًا ) وَتَكُونُ لَهُمُ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ فِيهَا ( وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ سِلْعَتَهُ ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَاعَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَلَمْ يَجُزْ تَنْقِيصُهُ عَنْهُ ( وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَصَ ثَمَنُهَا فَالَّذِي بَاعَهَا بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَلَا تِبَاعَةَ ) بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ بِزِنَةِ كِتَابَةَ الشَّيْءُ الَّذِي لَكَ فِيهِ بَقِيَّةُ شِبْهِ ظَلَامَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا لَا رُجُوعَ ( لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ غَرِيمًا مِنَ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ بِحَقِّهِ وَلَا يَأْخُذُ سِلْعَتَهُ فَذَلِكَ لَهُ ) فَخِيَرَتُهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْجَارِيَةَ أَوِ الدَّابَّةَ وَوَلَدَهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَيُعْطُونَهُ ) حَقَّهُ ( كَامِلًا وَيُمْسِكُونَ ذَلِكَ ) فَإِنْ فَاتَ الْوَلَدُ بِبَيْعٍ فَلِمَالِكٍ فِي الْمُوَازِيَةِ : لَهُ أَخْذُ الْأُمِّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُسَلِّمُهَا وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ ، وَلَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ : يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى الْأُمِّ وَالْوَلَدِ ، فَيَأْخُذُ الْأُمَّ بِحِصَّتِهَا ، وَيُحَاصُّ بِمَا أَصَابَ الْوَلَدَ .
41 - بَاب مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا : إِنَّهُ إِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى ، فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، قَبَضَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا وَضِيعَةٌ وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا ، يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزًّا أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ ، وَنَقَدَا الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ، ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا ، فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ يَأْخُذُ مِنْ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ ، وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ : أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ مِنْهُ ، وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ ، فَشَرْطُ الْآخَرِ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ : انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ ، وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ ، فَهَذَا مِنْ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً فَوَجَبَتْ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا ، كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ . 41 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشِّرْكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ قَالَ الْمَجْدُ : الشِّرْكُ وَالشِّرْكَةُ بِكَسْرِهِمَا وَضَمِّ الثَّانِي بِمَعْنًى ، وَقَدِ اشْتَرَكَا وَتَشَارَكَا وَشَارَكَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَالشِّرْكُ بِالْكَسْرِ وَكَأَمِيرٍ : الْمُشَارِكُ ، وَالْجَمْعُ أَشَرَاكٌ وَشُرَكَاءُ ، وَهِيَ شَرِيكَةٌ جَمْعُهَا شَرَائِكُ ، وَشَرِكَهُ فِي الْبَيْعِ وَالْمِيرَاثِ كَعَلِمَهُ شَرِكَةً بِالْكَسْرِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ : الْمَجْمُوعُ مِنْ أَصْنَافٍ ( وَيَسْتَثْنِي ثِيَابًا بِرُقُومِهَا ) جَمْعُ رَقْمٍ ( أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّقْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَكْثَرَ ( وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى فَإِنِّي أَرَاهُ ) أَعْتَقِدُهُ ( شَرِيكًا فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ ) فَإِنْ كَانَ ثَلَاثِينَ ثَوْبًا وَاسْتَثْنَى مِنْهَا عَشَرَةً كَانَ لَهُ ثُلُثُهَا وَلِلْمُبْتَاعِ الثُّلُثَانِ ( وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ ) فَلِذَا جُعِلَ شَرِيكًا ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِهِ ، أَيِ التَّشْرِيكِ لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ( وَالتَّوْلِيَةِ ) لِغَيْرِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ( وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَبَضَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَقْبِضْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ ) أَيْ زِيَادَةٌ ( وَلَا وَضِيعَةٌ ) أَيْ نَقْصٌ ( وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ ) لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ عُقُودِ الْمُكَارَمَةِ ، فَاسْتُثْنِيَتْ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا اسْتُثْنِيَ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَلِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِاسْتِثْنَائِهَا كَمَا مَرَّ . ( فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ ، وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ ) حِينَ دَخَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَسَاوَى الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي . ( وَمَنِ ) بَزًّا ( أَوْ رَقِيقًا فَبَتَّ بِهِ ) وَفِي نُسْخَةٍ : فَبَتَّ شِرَاءَهُ ، وَأُخْرَى بِيعَهُ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَيْعِ عَلَى الشِّرَاءِ ( ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ وَنَقَدَا ) بِالتَّثْنِيَةِ أَيِ الْمُشْتَرِي وَمَنْ شَرَّكَهُ ( الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ جَمِيعًا ) تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ ( ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا ) بِأَنِ اسْتُحِقَّتْ ( فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ ) بِلَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ ( يَأْخُذُ مِنَ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ ) لِأَنَّ عُهْدَةَ الشَّرِيكِ عَلَى مَنْ شَرَّكَهُ ( وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الثَّقِيلَةِ بِمَعْنَى بَائِعِهِ ( الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ) لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكُ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ أَنَّ عُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ ) بِضَمِّ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ( مِنْهُ ) فَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْمُشَرِّكِ بِالْكَسْرِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ . ( وَإِنْ تَفَاوَتَ ذَلِكَ وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ فَشَرْطُ الْآخَرِ ) الَّذِي أَشْرَكَ غَيْرَهُ ( بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ ) وَوَافَقَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا أَصْبَغَ ، وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : الْعُهْدَةُ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ إِذَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ أَنَّهَا أَبَدًا عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، وقيل غير ذَلِكَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ حِينَ قَالَ انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ ، إِنَّمَا ذَلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : فَإِنْ وَقَعَ هَذَا فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُ حَظِّ الْمُسْلِفِ مِنَ السِّلْعَةِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا صَحِيحًا مُسْتَأْنَفًا ، وَعَلَيْهِ مَا أَسْلَفَهُ نَقْدًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِ نَصِيبِ الْمُسْلِفِ ، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّقْدِ لَأَمْسَكَ الْمُسْلِفُ فَلَمْ يَنْقُدْ عَنْهُ ، وَهُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ يَبِيعُ كُلٌّ نَصِيبَهُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ عَلَى بَيْعِهِ . ( وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ أَوْ فَاتَتْ أَخَذَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ فَهَذَا مِنَ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً ) فَلِذَا مُنِعَ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَسْلَفَ رَجُلًا سَلَفًا لِيُشَارِكَهُ ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ ، فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ مَرَّةً ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، فَإِنْ كَانَ لِنَفَادِ بَصِيرَتِهِ بِالتِّجَارَةِ امْتَنَعَ ، لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا . ( وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ فَوَجَبَتْ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَا بَأْسَ بِهِ ) لَا شِدَّةَ وَلَا حَرَجَ لِحِلِّهِ ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُهُ ( أَنَّ هَذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ ) وَاجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اللُّزُومِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ ، وَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِنْدَهُمْ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُهُ مِنْ مَبْلَغِ ثَمَنِ الْإِجَارَةِ حِينَ الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ فَصَارَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ .
40 - بَاب جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ 1361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . 40 - بَابُ جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْحِوَلِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ أَيِ التَّحَوُّلِ لِلدَّيْنِ على غير الْمَدِينِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةُ 108 ) أَيْ تَحَوُّلًا ، يُقَالُ : حَالَ مِنْ مَكَانِهِ حِوَلًا ، وَعَادَ فِي حُبِّهَا عِوَدًا 1379 1361 ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ) الْقَادِرِ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ فَقِيرًا . قَالَ عِيَاضٌ : الْمَطْلُ مَنْعُ قَضَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ ، زَادَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ وَطَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ ، وَإِنَّ الْغَنِيَّ هُوَ الْمَمْطُولُ . عِيَاضٌ : وَهُوَ بَعِيدٌ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَعَلَيْهِ فَالتَّقْدِيرُ أَنْ يُمْطِلَ بِضَمِّ الْيَاءِ ، فَالْمَصْدَرُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، وَفِي صِحَّةِ بِنَائِهِ كَذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، انْتَهَى . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ وَفَاءُ الدَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَنِيًّا وَلَا يَكُونُ غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَالْفَقِيرُ أَوْلَى ، وَأَصْلُ الْمَطْلِ الْمَدُّ ، تَقُولُ : مَطَلْتُ الْحَدِيدَةَ أَمْطُلُهَا مَطْلًا إِذَا مَدَدْتَهَا لِتَطُولَ ، قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْمَطْلُ الْمُدَافَعَةُ . ( ظُلْمٌ ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ ، وَالْمَاطِلُ وَضَعَ الْمَنْعَ مَوْضِعَ الْقَضَاءِ اهـ . وَخَرَجَ بِالْغَنِيِّ الْمُعْسِرُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ مَا يَجِبُ مِنْ إِنْظَارِهِ ، قَالَ سَحْنُونٌ ، وَأَصْبَغُ : تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمَاطِلِ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا تُرَدُّ . وَفِي الْإِكْمَالِ : اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ جُرْحَةٌ أَوْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً . وَفِي الْفَتْحِ : لَفْظُ ( مَطْلُ ) يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ الطَّلَبِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْغَنِيَّ لَوْ أَخَّرَ الدَّفْعَ مَعَ عَدَمِ طَلَبِ صَاحِبِهِ الْحَقَّ لَهُ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَضِيَّةَ كَوْنِهِ ظُلْمًا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ : مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اعْتِبَارُ تَكْرَارِهِ ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ عَدَمُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ وَانْتِفَاءَ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ ، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَطْلِ . ( وَإِذَا أُتْبِعَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ رِوَايَةً وَلُغَةً ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَعِيَاضٌ ، وَقَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ : أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ ، وَالصَّوَابُ التَّخْفِيفُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : شَدَّدَهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالْوَجْهُ إِسْكَانُهَا ، يُقَالُ : تَبِعْتُ فُلَانًا بِحَقِّي أَتْبَعُهُ تَبَاعَةً بِالْفَتْحِ إِذَا طَلَبْتَهُ ، وَأَنَا لَهُ تَبِيعٌ بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْمَعْنَى إِذَا أُحِيلَ ( أَحَدُكُمْ ) فَضَمِنَ مَعْنَى أُحِيلَ فَعُدِّيَ بِعَلَى فِي قَوْلِهِ ( عَلَى مَلِيءٍ ) بِالْهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِمْلَاءِ ، يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ : صَارَ مَلِيئًا ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَلِيٌّ كَغَنِيٍّ لَفْظًا وَمَعْنًى ، قَالَ الْحَافِظُ : فَاقْتَضَى أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ وَمَنْ رَوَاهُ بِتَرْكِهَا فَقَدْ سَهَّلَهُ ، انْتَهَى . وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْوَجْهَيْنِ . ( فَلْيَتْبَعْ ) بِإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ رِوَايَةً وَلُغَةً ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَدِّهَا ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ : إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِ يَعْلَى بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كَمَا تَرَى ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا بِالْمَعْنَى ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ الْجَادَّةِ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : إِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتَّبِعْهُ ، وَهَذِهِ بِشَدِّ التَّاءِ خِلَافٌ ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَوَهِمَ مَنْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَقِيلَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الصَّارِفَ لَهُ عَنْهُ إِلَى النَّدْبِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُحِيلِ بِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ عَنْهُ ، وَتَرْكُ تَكْلِيفِهِ التَّحْصِيلَ وَالْإِحْسَانَ مُسْتَحَبٌّ ، وَبِأَنَّ الصَّارِفَ كَوْنُهُ أَمْرًا بَعْدَ نَهْيٍ ، وَهُوَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فَيَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الْأُصُولِ ، وَإِذَا أُتْبِعَ بِالْوَاوِ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَلَا تَعَلُّقَ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْأُولَى ، وَلِلتِّنِّيسِيِّ وَغَيْرِهِ : فَإِذَا أُتْبِعَ بِالْفَاءِ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمًا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ ظُلْمٌ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرِ الْمَطْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلِيءَ لَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ إِذَا امْتَنَعَ ، بَلْ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ قَهْرًا عَلَيْهِ وَيُوَفِّيهِ ، فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ فِي الْحَقِّ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ ، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ الْعِلَّةُ عَدَمُ وَفَاءِ الْحَقِّ لَا الظُّلْمُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَدْ يُدَّعَى أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بَقَاءَ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَذْفٍ بِهِ يَحْصُلُ الِارْتِبَاطُ فَيُقَدَّرُ فِي الْأَوَّلِ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالْمُسْلِمُ فِي الظَّاهِرِ يَجْتَنِبُهُ فَمَنْ أُتْبِعَ إِلَخْ . وَفِي الثَّانِي : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالظُّلْمُ تُزِيلُهُ الْحُكَّامُ وَلَا تُقِرُّهُ ، فَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ وَلَا يَخْشَى مِنَ الْمَطْلِ ، انْتَهَى . وَالظُّلْمُ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَأَعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( سُورَةُ لُقْمَانَ : الْآيَةَ 13 ) . كُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ ذُو كَرَمٍ لَا تَجْزَعَنَّ فَمَا فِي ذَاكَ مِنْ بَاسِ إِلَّا اثْنَتَانِ فَلَا تَقْرَبْهُمَا أَبَدًا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْإِضْرَارُ لِلنَّاسِ وَقَالَ تَعَالَى : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( سُورَةُ طه : الْآيَةُ 111 ) أَيْ خَابَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِحَسَبَ مَا ارْتَكَبَ مِنَ الظُّلْمِ . وَقَالَ : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةَ 19 ) وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ : يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَيْكُمْ فَلَا تَظَالَمُوا . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ ، أَيْ مَطْلُ الْغَنِيِّ يُبِيحُ التَّظَلُّمَ مِنْهُ بِأَنْ يُقَالَ : ظَلَمَنِي وَمَطَلَنِي وَعُقُوبَتُهُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَنَحْوِهِمَا إِذَا لَدَّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ .
1362 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهَا فِيهِ ، وَإِمَّا لِحَاجَةٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ ، وَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، لَمْ يُكْرَهْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدْ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ ، فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ : إِنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا ، وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ ، وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ ، قَالَ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ ، أَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ ، فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا . قَالَ مَالِكٌ : وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ ، أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ ، وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلُهُ ، أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ : هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا ، فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الدُّخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ . 1380 1362 - ( مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا تَبِعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يُدَايِنُ النَّاسَ خَافَ عَلَيْهِ الْعِينَةَ لِذَرِيعَةٍ ، أَنْ يَبِيعَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ أَوْ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ مُوَافَقَةِ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ عَلَى بَيْعِهِ بِثَمَنٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا يُوَلَّى قَبْضَهُ هَذَا الْمُبْتَاعُ الْأَخِيرُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ ثَمَنَهُ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فِي ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ بِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ رَوَاجَهُ لِيَرْبَحَ فِي السِّلْعَةِ ، وَفِي نُسْخَةٍ نَفَاقَهَا ، أَيِ السِّلْعَةِ بِهِ ( وَإِمَّا لِحَاجَةٍ ) لَهُ بِالسِّلْعَةِ ( فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ) أَنْ يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ فِيهِ ( ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي ، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ ) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ ( وَأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ ) أَيْ يُجْبَرِ ( الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا ) لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي التَّأْخِيرِ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَيُخْبِرُ ) أَيْ يُعْلِمُ ( الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدِ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ ) قَبْضَهُ ( فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ أَنَّهُ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ ) أَيْ مُعَجَّلًا ( فَلَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ ، وَمِثْلُ الْكَيْلِ الْوَزْنُ . ( وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ لِنَفْسِهِ ) وَفِي الْحَدِيثِ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ . ( وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ : وَسِيلَةٌ ( إِلَى الرِّبَا ) يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْأَجَلِ ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ لِلْأَجْلِ ثَمَنًا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( وَتَخَوُّفٌ ) بِفَوْقِيَّةِ وَالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ذَرِيعَةٍ ( أَنْ يُدَارَ ) مِنَ الْإِدَارَةِ ( ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ) فَيُؤَدِّي إِلَى تَعْدَادِ الْبَيْعِ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ( فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ) أَيْ مَمْنُوعٌ ( وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ ) إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ غَرَرٌ كَشِرَاءِ الْآبِقِ ، وَلَعَلَّهُ يُنْكِرُ فَيَبْطُلُ ، وَإِنْ نَقَدَ كَانَ أَشَدَّ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ : ( وَلَا حَاضِرَ إِلَّا بِإِقْرَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذَلِكَ غَرَرٌ ) لِأَنَّهُ ( لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُ وَإِيضَاحُ وَجْهِ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ ( أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يَدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ بِهِ ، فَإِنْ لَحِقَ الْمَيِّتَ ) أَيْ كَانَ عَلَيْهِ ( دَيْنٌ ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلًا ) وَقَدْ نُهِيَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ( وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ ) فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ ( وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ ) وَيُمْنَعُ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ( وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّفَ ) أَيْ يُسَلِّمَ ( الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ ) فَيَجُوزَ ( أَصْلُهُ ) أَيْ بِنَاؤُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ ( أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالنُّونِ ( إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا فَيَقُولُ هَذِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا ؟ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْدًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا ) سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ( وَإِنَّمَا تِلْكَ الداخِلَةُ ) مُثَلَّثَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونَ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، أَيِ النِّيَّةُ إِلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الرِّبَا ( وَالدُّلْسَةُ ) بِضَمِّ الدَّالِ التَّدْلِيسُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : رَوَى جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ مِنَ السُّوقِ فَقَالَ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا السَّلَمُ فَلَهُ حُكْمُهُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مُؤَجَّلًا ، وَإِذَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ الْحَالَّ حُمِلَ الْحَدِيثُ أَنَّ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَيَضْمَنَ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ رَبِّهِ .
1360 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إِلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ، قَالَ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ، فَإِنْ قَضَى أَخَذَ ، وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ وَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْأَجَلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَضَعُ عَنْهُ الطَّالِبُ وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبُ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحِلِّهِ عَنْ غَرِيمِهِ وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ فِي حَقِّهِ ، قَالَ : فَهَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا حَلَّتْ قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ : بِعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَجَلٍ : هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ آخِرَ مَرَّةٍ ، وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُ ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَصْلُحُ ، وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ قَالُوا لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ : إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ ، فَإِنْ قَضَى أَخَذُوا ، وَإِلَّا زَادُوهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ . 1378 1360 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقُّ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ تُزِيدُ حَتَّى أَصْبِرَ عَلَيْكَ ( فَإِذَا قَضَى أَخَذَ ، وَإِلَّا زَادَهُ فِي حَقِّهِ وَأَخَّرَ عَنْهُ ) بِمَعْنَى زَادَ لَهُ ( فِي الْأَجَلِ ) وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ الرِّبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ ، وَزَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا وَحَرَّمَ رِبَا الْفَضْلِ كَمَا مَرَّ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ الطَّالِبُ وَيُعَجِّلُهُ الْمَطْلُوبُ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُؤَخِّرُ دَيْنَهُ بَعْدَ مَحِلِّهِ ) أَيْ حُلُولِهِ ( عَنْ غَرِيمِهِ وَيَزِيدُهُ الْغَرِيمُ ) الْمَدِينُ ( فِي حَقِّهِ ، فَهَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ لَا شَكَّ فِيهِ ) لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ وَالتَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَمَا مَرَّ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّتْ قَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ : بِعْنِي سِلْعَةً يَكُونُ ثَمَنُهَا مِائَةَ دِينَارٍ نَقْدًا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَجَلٍ ، هَذَا بَيْعٌ لَا يَصْلُحُ ) أَيْ فَاسِدٌ ( وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ وَيُؤَخِّرُ عَنْهُ الْمِائَةَ الْأُولَى إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ آخِرَ مَرَّةٍ وَيَزْدَادُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا فِي ) أَيْ بِسَبَبِ ( تَأْخِيرِهِ عَنْهُ ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ) أَيْ حَرَامٌ ( لَا يَصْلُحُ ) لِفَسَادِهِ ( وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَلَّتْ دُيُونُهُمْ قَالُوا لِلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ : إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ ، فَإِنْ قَضَى أَخَذُوا ، وَإِلَّا زَادُوهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ وَزَادُوهُمْ فِي الْأَجَلِ ) وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَيْعٌ وَسَلَفٌ ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ وَخَمْسِينَ مُؤَجَّلَةٍ لِيُؤَخِّرَهُ الَّتِي حَلَّتْ ، وَوُجُوهٌ مِنَ الْفَسَادِ كَثِيرَةٌ ، فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ قَالَ بِقَطْعِ الذَّرَائِعِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا ، وَمَنْ قَالَ : لَا يَلْزَمُ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِمَا وَلَمْ يَظُنَّ بِهَا السُّوءَ أَجَازَهُ .
39 - بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ 1358 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى السَّفَّاحِ أَنَّهُ قَالَ : بِعْتُ بَزًّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ بَعْضَ الثَّمَنِ وَيَنْقُدُونِي ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا وَلَا تُوكِلَهُ . 39 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّبَا فِي الدَّيْنِ 1376 1358 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ ( عَنْ بُسْرِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنِ سَعِيدٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمَدَنِيِّ الْعَابِدِ الْحَافِظِ الثِّقَةِ التَّابِعِيِّ الصَّغِيرِ ( عَنْ عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْبَاءِ بِلَا إِضَافَةٍ ( أَبِي صَالِحٍ ) كُنْيَتُهُ ( مَوْلَى السَّفَّاحِ ) لَقَبُ أَوَّلِ خُلَفَاءَ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّهُ قَالَ : بِعْتُ بَزًّا لِي مِنْ أَهْلِ دَارِ نَخْلَةَ ) مَحَلٌّ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ الْبَزَّازُونَ ( إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ أَضَعَ عَنْهُمْ ) أُسْقِطَ ( بَعْضَ الثَّمَنِ وَيَنْقُدُونِي ) يُعَجِّلُوا لِي بَاقِيَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ الْأَجَلِ ( فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ) الصَّحَابِيَّ الْعَالِمَ الشَّهِيرَ ( فَقَالَ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا ) أَنْتَ ( وَلَا تُؤْكِلَهُ ) لِلَّذِينِ اشْتَرَوْهُ لِمَنْعِ ( ضَعْ وَتَعَجَّلْ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : مَنْ لَهُ مِائَةٌ مُؤَجَّلَةٌ فَأَخَذَ خَمْسِينَ قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يَضَعَ خَمْسِينَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِائَةً مُؤَجَّلَةً بِخَمْسِينَ مُعَجَّلَةٍ فَدَخَلَهُ النَّسَاءُ وَالتَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ .
1359 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَلْدَةَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيُعَجِّلُهُ الْآخَرُ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَنَهَى عَنْهُ . 1377 1359 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَلْدَةَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيِّ الزُّرَقِيِّ الثِّقَةِ الصَّالِحِ قَاضِي الْمَدِينَةِ ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ شَيْخِ الْإِمَامِ رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ ( عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ) أَبِيهِ ( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيُعَجِّلُهُ الْآخَرُ ) الْبَاقِيَ بَعْدَ الْوَضْعِ ( فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَنَهَى عَنْهُ ) لِمَنْعِ : ضَعْ وَتَعَجَّلْ ، وَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرَآهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ ، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ ابْنُ زُرْقُونَ : وَأُرَاهُ وَهْمًا . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّافِعِيِّ الْقَوْلَانِ ، وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ ، قَالُوا : لَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ ، فَقَالَ : ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الرِّبَا .
17 - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ 1319 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ ، أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، قَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا اصْطَرَفَ الرَّجُلُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَأَرَادَ رَدَّهُ ، انْتَقَضَ صَرْفُ الدِّينَارِ وَرَدَّ إِلَيْهِ وَرِقَهُ وَأَخَذَ إِلَيْهِ دِينَارَهُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : وَإِنْ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ، وَهُوَ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ صَرْفٍ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوْ الشَّيْءِ الْمُتَأَخِّرِ ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذَلِكَ ، وَانْتَقَضَ الصَّرْفُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلًا بِآجِلٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ كَانَ مُخْتَلِفَةً أَصْنَافُهُ . 17 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ 1333 1319 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُثَلَّثَةِ ابْنِ عَوْفٍ ( النَّصْرِيِّ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ لَهُ رُؤْيَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : إِنَّ لِمَالِكٍ صُحْبَةً ، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ : رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ فَعَدَّهُ فِيهِمْ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَرَوَى أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَجَبَتْ وَجَبَتْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ فِي الِاسْتِيعَابِ : لَا أَحْفَظُ لَهُ خَيْرًا فِي صُحْبَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا . وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ عُمَرَ فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَرَوَى عَنِ الْعَشَرَةِ وَالْعَبَّاسِ اهـ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ، وَابْنُ حَبَّانَ : لَا يَصِحُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، قَالَ ابْنُ حَبَّانَ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً فَقَدْ وَهِمَ ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : وَحَدِيثُ سَلَمَةَ عَنْهُ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْمٌ ، صَوَابُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيْ كَمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْبَرْقِيِّ فِيمَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ ، وَابْنُ سَعْدٍ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ وَرَآهُ وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ : كَانَ قَدِيمًا وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ لَهُ رُؤْيَةً وَلَا رِوَايَةً ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، قِيلَ سَنَةَ إِحْدَى وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ( أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مِنَ الدَّرَاهِمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ : أَنَا . وَلِمُسْلِمٍ : مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ ( بِمِائَةِ دِينَارٍ ) ذَهَبًا كَانَتْ مَعَهُ ( قَالَ ) مَالِكٌ : ( فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ ( فَتَرَاوَضْنَا ) بِإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَجَارَيْنَا حَدِيثَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَوْمًا بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُرَوِّضُ صَاحِبَهُ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمُوَاضَعَةُ بِالسِّلْعَةِ بِأَنْ يَصِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا سِلْعَتَهُ لِلْآخَرِ ( حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي ) مَا كَانَ مَعِي ( فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ) وَالذَّهَبُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنَّهُ ضَمَّنَ الذَّهَبَ مَعْنَى الْعَدَدِ وَهُوَ الْمِائَةُ فَأَنَّثَهُ لِذَلِكَ ( ثُمَّ قَالَ : حَتَّى ) أَيِ اصْبِرْ إِلَى أَنْ ( يَأْتِيَنِي خَازِنِي ) لَمْ يُسَمَّ ( مِنَ الْغَابَةِ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ ، مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ بِهِ أَمْوَالٌ لِأَهْلِهَا ، وَكَانَ لِطَلْحَةَ بِهَا مَالٌ وَنَخْلٌ وَغَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ طَلْحَةُ لِظَنِّهِ جَوَازَهُ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ وَمَا كَانَ بَلَغَهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى جَوَازَ الْمُوَاعَدَةِ فِي الصَّرْفِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ عِنْدَنَا أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا وَإِنَّمَا أَخَذَهَا يُقَلِّبُهَا ( وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ ) ذَلِكَ ( فَقَالَ عُمَرُ ) لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ : ( وَاللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ) عِوَضَ الذَّهَبِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ ، وَهَذَا خِطَابٌ لِطَلْحَةَ ، وَفِيهِ تَفَقُّدُ عُمَرَ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ فِي دِينِهِمْ وَالِاهْتِمَامُ بِهِمْ وَتَأْكِيدُ الْأَمْرِ بِالْيَمِينِ ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ أَوِ السُّلْطَانَ إِذَا سَمِعَ أَوْ رَأَى مَا لَا يَجُوزُ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْهُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى الْحَقِّ . ( ثُمَّ قَالَ ) مُسْتَدِلًّا عَلَى الْمَنْعِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّهَا الْحُجَّةُ عَنِ التَّنَازُعِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ الْفِضَّةِ ، هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، كَمَالِكٍ ، وَمَعْمَرٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ لَمْ يَقُولُوا الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ فِي كُلِّ حَدِيثِ عُمَرَ وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَا خَالَفَهُمْ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِ الْقِصَّةِ ( رِبًا ) فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ( إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ ، يُقَالُ هَاءَ دِرْهَمًا أَيْ خُذْ دِرْهَمًا ، فَنُصِبَ دِرْهَمًا بِاسْمِ الْفِعْلِ كَمَا يُنْصَبُ بِالْفِعْلِ ، وَبِالْقَصْرِ يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ وَأَنْكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ : الصَّوَابُ الْمَدُّ ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْهَمْزَةِ نَحْوُ هَاتِ وَسُكُونُهَا نَحْوُ خَفْ وَأَصْلُهَا هَاكَ بِالْكَافِ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَصْلُهَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَهِيَ حَرْفُ خِطَابٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَحَقُّهَا أَنْ لَا تَقَعَ بَعْدَ إِلَّا كَمَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا خُذْ ، فَإِذَا وَقَعَ قُدِّرَ قَوْلٌ قَبْلَهُ يَكُونُ بِهِ مَحْكِيًّا أَيِ إِلَّا مَقُولًا عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ هَاءَ وَهَاءَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِذَا مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُقَدَّرٌ يَعْنِي بَيْعَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ رِبًا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ إِلَّا حَالَ الْحُضُورِ وَالتَّقَابُضِ فَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ هَاءَ وَهَاءَ لِأَنَّهُ لَازَمَهُ ، وَقَالَ الْأَبِيُّ : مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ( وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الْقَمْحُ وَهِيَ الْحِنْطَةُ أَيْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ( رِبًا إِلَّا ) مَقُولًا عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ( هَاءَ ) مِنْ أَحَدِهِمَا ( وَهَاءَ ) مِنَ الْآخَرِ أَيْ خُذْ . ( وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ) أَيْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ( رِبًا ) بِالتَّنْوِينِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ( إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ) مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ . ( وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ) بِفَتْحِ الشِّينِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ تُكْسَرُ ، قَالَ ابْنُ مَكِّيٍّ : كُلُّ فَعِيلٍ وَسَطُهُ حَرْفُ حَلْقٍ مَكْسُورٍ يَجُوزُ كَسْرُ مَا قَبْلَهُ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ ، قَالَ : وَزَعَمَ اللَّيْثُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ حَرْفَ حَلْقٍ نَحْوَ كَبِيرٍ وَجَلِيلٍ وَكَرِيمٍ أَيْ بَيْعُ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ( رِبًا إِلَّا ) مَقُولًا عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ( هَاءَ وَهَاءَ ) أَيْ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ خُذْ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ صِنْفَانِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَمُعْظَمُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، فَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ النَّسَاءَ يَمْتَنِعُ فِي وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا إِجْمَاعًا وَنَصًّا ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ بِوَرِقٍ لِحُرْمَةِ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا إِجْمَاعًا وَنَصًّا ، أَيْ فَلَيْسَ حَدِيثُ عُمَرَ بِقَاصِرٍ عَنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ فَتَجِبُ الْمُنَاجَزَةُ فِي الصَّرْفِ ، وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ وَلَوْ كَانَا بِالْمَجْلِسِ لَمْ يَتَفَرَّقَا عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَحْمَلٌ قَوْلِ عُمَرَ عِنْدَهُ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاءَ وَهَاءَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ وَانْتَقَلَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ وَجَعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا رَوَاهُ وَبِقَوْلِهِ : وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ، قَالُوا : فعلم مِنْهُ أَنَّ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . قَالَ الْأَبِيُّ : الْمُنَاجَزَةُ قَبْضُ الْعِوَضَيْنِ عَقِبَ الْعَقْدِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الصَّرْفِ لَا فِي عَقْدِهِ ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْجِعَ وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا : شَرْطُ الْمَازِرِيِّ ، وَابْنِ مُحْرِزٍ ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا - يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ - أَنَّهَا رُكْنٌ لِتَوَقُّفِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ مَانِعٌ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَصِحُّ أَنَّهَا شَرْطٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَقْلِيًّا كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ أَوْ شَرْعِيًّا كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ شَرْطُهُ أَنْ يُوجَدَ دُونَ الْمَشْرُوطِ ، وَالْمُنَاجَزَةُ لَا تُوجَدُ دُونَ عَقْدِ الصَّرْفِ فَمَا صُورَةُ تَأْخِيرِهَا ؟ أُجِيبُ بِأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الصَّرْفِ الصَّحِيحِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا ، هَذَا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا اخْتَصَّ بِالسِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ الْمَعْنَى فِيهَا فَيُقَاسُ عَلَيْهَا مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : الْعِلَّةُ فِي النَّقْدَيْنِ الثَّمَنِيَّةُ لِأَنَّهُمَا أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنَ الْمَوْزُونِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَالْقِيَاسُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْعِلَّةِ لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ ، وَالْعِلَّةُ فِي الْأَرْبَعِ عِنْدَ مَالِكٍ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ وَالْإِصْلَاحُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمِيَّةُ ، فَنَصَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْلَى الْقُوتِ وَهُوَ الْبُرِّ وَعَلَى أَدْنَاهُ وَهُوَ الشَّعِيرُ تَنْبِيهًا بِالطَّرَفَيْنِ عَلَى الْوَسَطِ الَّذِي بَيْنَهُمَا كَسُلْتٍ وَأُرْزٍ وَدُخْنٍ وَذُرَةٍ ، وَإِذَا أُرِيدَ ذِكْرُ شَيْءٍ جُمْلَةً فَرُبَّمَا كَانَ ذِكْرُ طَرَفَيْهِ أَدَلَّ عَلَى اسْتِيعَابِهِ مِنَ اللَّفْظِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِهِ كَقَوْلِهِمْ : مَطَرَنَا السَّهْلُ وَالْجَبَلُ ، وَضَرَبْتُهُ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ ، وَذَكَرَ التَّمْرَ وَإِنْ كَانَ مُقْتَاتًا لِأَنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَّفَكُّهِ حَتَّى أَنَّهُ يُؤْكَلُ لَا عَلَى جِهَةِ الِاقْتِيَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجُهُ عَنْ بَابِهِ وَلِإِدْخَالِ مَا شَابَهَهُ وَهُوَ الزَّبِيبُ ، وَلِمَا عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَاتَ لَا يَصْلُحُ اقْتِيَاتُهَا بِلَا مُصْلِحٍ حَتَّى أَنَّهَا دُونَهُ تَكَادُ أَنْ تَلْحَقَ بِالْعَدَمِ ذَكَرَ الْمِلْحَ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْإِصْلَاحِ وَلَا يُقْتَاتُ مُنْفَرِدًا ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ عِنْدَهُمْ . ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا ) وَفِي نُسْخَةٍ بِدَنَانِيرَ ( ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا ) أَيْ رَدِيئًا ( فَأَرَادَ رَدَّهُ انْتَقَضَ صَرْفُ الدِّينَارِ وَرَدَّ إِلَيْهِ وَرِقَهُ ) فِضَّتَهُ ( وَأَخَذَ إِلَيْهِ دِينَارَهُ ، وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ) أَيْ خُذْ ( وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) رَاوِي الْحَدِيثِ ( وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ وَهُوَ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ صَرْفٍ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوِ الشَّيْءِ الْمُتَأَخِّرِ فَلِذَلِكَ كُرِهَ ) أَيْ مُنِعَ ( ذَلِكَ وَانْتَقَضَ الصَّرْفُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلًا بِآجِلٍ ) أَيْ مُؤَخَّرٍ ( فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ ) أَيْ تَأْخِيرٌ فَحَسَّنَ الْعَطْفُ اخْتِلَافَ الْعِبَارَةِ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ( وَإِنْ كَانَ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ كَانَ مُخْتَلِفَةً أَصْنَافُهُ ) لِحُرْمَةِ رِبَا النَّسَاءِ إِجْمَاعًا وَنَصًّا .
1357 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً ، فَقَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ مُوَاجَبَةِ الْبَيْعِ : أَبِيعُكَ عَلَى أَنْ أَسْتَشِيرَ فُلَانًا ، فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَرِهَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا ، فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَشِيرَ الْبَائِعُ فُلَانًا : إِنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفَا ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ ، إِنْ أَحَبَّ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنْ يُجِيزَهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ : بِعْتُكَهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ : ابْتَعْتُهَا مِنْكَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ ، إِنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِهَا لِلْمُشْتَرِي بِمَا قَالَ ، وَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ بِاللَّهِ : مَا بِعْتَ سِلْعَتَكَ إِلَّا بِمَا قُلْتَ ، فَإِنْ حَلَفَ ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي : إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ : مَا اشْتَرَيْتَهَا إِلَّا بِمَا قُلْتَ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ . 1374 1357 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا ) زِيدَتْ مَا عَلَى أَيِّ لِزِيَادَةِ التَّعْمِيمِ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ ( بَيِّعَيْنِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ تَثْنِيَةُ بَيِّعٍ ( تَبَايَعَا ) ثُمَّ تَخَالَفَا ( فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَعَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ كَالْمُفَسِّرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ قَدْ يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، وَالتَّرَادُّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : لَعَلَّهُ مِمَّا تُرِكَ وَلَمْ يَعْمَلُ بِهِ ، قَالَ : وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعٌ لَا يَكَادُ يَتَّصِلُ ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ مُنْقَطِعَةٍ ، انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ : عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ مَسْعُودٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ فَقَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ مُوَاجَبَةِ الْبَيْعِ : أَبِيعُكَ عَلَى أَنْ تَسْتَشِيرَ فُلَانًا ، فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَرِهَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا ، فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَشِيرَ الْبَائِعُ فُلَانًا ) الَّذِي أَرَادَهُ ( أَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُمَا عَلَى مَا وَصَفَا ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ ، وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ إِنْ أَحَبَّ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ ) الْخِيَارَ ( أَنْ يُجِيزَهُ ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ ، فَإِنْ بَعُدَتْ فَسَدَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَحِقُّ قَبْضُهُ إِلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ ) قَبْلَ قَبْضِ السِّلْعَةِ وَفَوَاتِهَا ( فَيَقُولُ الْبَائِعُ : بِعْتُكَهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ : ابْتَعْتُهَا مِنْكَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِهَا الْمُشْتَرِيَ بِمَا قَالَ ، وَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ بِاللَّهِ مَا بعت سِلْعَتِكَ إِلَّا بِمَا قُلْتَ ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي : إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتَهَا إِلَّا بِمَا قُلْتَ ) فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ : أَيْ وَجْهُ حَلِفِهِمَا جَمِيعًا ( أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ ) فَيَبْدَأُ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ ، وَقِيلَ يَبْدَأُ الْمُبْتَاعُ وَهُوَ شُذُوذٌ ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ قَبْضِ السِّلْعَةِ وَقَبْلَ فَوَاتِهَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا ، رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، فَإِنْ فَاتَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ ، رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
38 - بَاب بَيْعِ الْخِيَارِ 1356 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ . 38 - بَابُ بَيْعِ الْخِيَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ طَلَبُ الخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ . 1374 1356 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُتَبَايِعَانِ ) تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِ مَالِكٍ : الْبَيِّعَانِ تَثْنِيَةُ بَيِّعٍ ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ ) خَبَرُ كُلُّ أَيْ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ الْمُتَبَايِعَانِ . ( مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ) بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ الْفَاءِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ يَفْتَرِقَا بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ ، وَنَقَلَ ثَعْلَبٌ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ سَلَمَةَ افْتَرَقَا بِالْكَلَامِ وَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ( سُورَةُ الْبَيِّنَةِ : الْآيَةُ 4 ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لِأَنَّهُ بِالِاعْتِقَادِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْ لَازَمَهُ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ آخَرَ فِي عَقِيدَتِهِ كَانَ مُسْتَدْعِيًا لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُ بِبَدَنِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْجَوَابِ ، وَالْحَقُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُفَضَّلِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ بِالْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ اتِّسَاعًا ( إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ) مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ : مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : يَعْنِي بِالْمُطْلَقِ الْمَسْكُوتَ عَنْ تَعْيِينِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ ، وَبِالْمُقَيَّدِ مَا عُيِّنَ فِيهِ أَمَدُ الْخِيَارِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَصْلًا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ مَفْهُومِ الْغَايَةِ أَيْ فَإِنْ تَفَرَّقَا فَلَا خِيَارَ إِلَّا فِي بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ ، وَقِيلَ إِنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْحُكْمِ ، وَالْمَعْنَى الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا فِي بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ عَدَمُ الْخِيَارِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى إِلَّا بَيْعًا جَرَى فِيهِ التَّخَايُرُ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ فِي الْمَجْلِسِ : اخْتَرْ فَيَخْتَارُ فَيُلْزَمُ بِالْعَقْدِ ويسقط خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَعَلَى هَذَيْنِ لَا يَكُونُ أَصْلًا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ ، انْتَهَى . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْخِيَارَ إِذَا أُطْلِقَ شَرْعًا فُهِمَ مِنْهُ إِثْبَاتُهُ لَا قَطْعُهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ ، وَرَدَّهُ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَدَّهُ غَيْرَهُمْ . قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : رَفَعَهُ مَالِكٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَذَلِكَ عِنْدَهُ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : إِذَا رَأَيْتَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَصِحُّ هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنَ شِهَابٍ رُوِيَ عَنْهُمَا نَصًّا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهُمَا مِنْ أَجَلِّ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا نَصًّا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا عَنْ مَالِكٍ ، وَرَبِيعَةَ بِخَلَفٍ عَنْهُ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهُوَ مِنْ فُقَهَائِهَا فِي عَصْرِ مَالِكٍ عَلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ حَتَّى جَرَى مِنْهُ فِي مَالِكٍ قَوْلٌ خَشِنٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْغَضَبُ لَمْ يُسْتَحْسَنْ مِثْلُهُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَنْ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا اسْتُتِيبَ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنَّ يَدَّعِيَ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ قَالَ هَذَا الْبَعْضُ وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا ( قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ ) أَيْ لَيْسَ لِلْخِيَارِ عِنْدَنَا حَدٌّ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا حَدَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ بَلْ هُوَ عَلَى حَالِ الْمَبِيعِ ، انْتَهَى . وَفِي قَوْلِهِ : لَا أَعْلَمُ مَنْ رَدَّهُ غَيْرَهُمْ قُصُورٌ كَبِيرٌ مِنْ مِثْلِهِ ، فَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعْظَمِ السَّلَفِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَائِهَا السَّبْعَةِ ، وَقِيلَ إِلَّا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَقِيلَ لَهُ قَوْلَانِ نَفْيُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ إِذْ هِيَ أَسْبَابٌ لِتَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَتَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا هُوَ الْأَصْلُ ، فَالْبَيْعُ لَازِمٌ تَفَرَّقَا أَمْ لَا . وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْمُتَشَاغِلَيْنِ بِالْبَيْعِ ، فَإِنَّ بَابَ الْمُفَاعَلَةِ شَأْنُهَا اتِّحَادُ الزَّمَانِ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَيَكُونُ الِافْتِرَاقُ بِالْأَقْوَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 130 ) وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطَّلَاقِ التَّفَرُّقُ بِالْأَدْيَانِ ، فَكَمَا أَنَّ الْمُتَضَارِبَيْنِ صَدَقَ عَلَيْهِمَا حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ الْمُتَبَايِعَانِ ، وَيَكُونُ الِافْتِرَاقُ مَجَازًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ؛ وَلِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ ، فَوَصْفُ الْمُفَاعَلَةِ هُوَ عِلَّةٌ لِلْخِيَارِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ بَطَلَ الْخِيَارُ لِبُطْلَانِ سَبَبِهِ ، وَحَمْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْبَيْعُ مَجَازٌ ، كَتَسْمِيَةِ الْخُبْزِ قَمْحًا وَالْإِنْسَانِ نُطْفَةً ، وَلَا يَرِدُ أَنَّا تَمَسَّكْنَا بِالْمَجَازِ وَهُوَ حَمْلُ الِافْتِرَاقِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ لِأَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الْمَجَازِ الثَّانِي لِاعْتِضَادِهِ بِالْقِيَاسِ وَالْقَوَاعِدِ سَلَّمْنَا عَدَمَ التَّرْجِيحِ فَلَيْسَ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ، فَالْحَدِيثُ مُجْمَلٌ فَيَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَهَذَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهَذَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهُ هَلِ الثَّمَنُ أَوِ الْمَثْمُونُ ، وَهُوَ أَيْضًا خِيَارٌ مَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ فَيَبْطُلُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 1 ) لِلْوُجُوبِ وَهُوَ يُنَافِي الْخِيَارَ ، وَقَوْلُ أَبِي عُمَرَ لَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْوَفَاءِ بِهِ مِنَ الْعُقُودِ مَا وَافَقَ السُّنَّةَ لَا مَا خَالَفَهَا كَمَا لَوْ عَقَدَا عَلَى الرِّبَا فِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا خَالَفَهَا ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَأْخُذْ بِالْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُسْقِطُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ إِذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَمْ يَحْتَجْ لِلِاسْتِقَالَةِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَجْوِبَةِ ، وَقَوْلُ عِيَاضٍ : الزِّيَادَةُ قَوِيَّةٌ فِي وُجُوبِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ رَدَّهُ الْأَبِيُّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ قِيَامُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَصَدَ أَخْذَ الْخِيَارِ حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً فِي إِثْبَاتِهِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْقِيَامُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ طَلَبِ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ ، فَالزِّيَادَةُ تُسْقِطُ خِيَارَهُ إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَلَبِ الْإِقَالَةِ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا قَالَ بِعْتُكَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَقُلِ الْمُشْتَرِي : قَدْ قَبِلْتُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ سِجْنٍ كَيْفَ يَفْتَرِقَانِ . وَقَدْ أَكْثَرَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْحَدِيثِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ أَنْ يَتَوَارَى أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : هُوَ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا ، وَقَالَ الْبَاقُونَ : هُوَ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : كَانَ إِذَا ابْتَاعَ بَيْعًا وَهُوَ قَاعِدٌ قَامَ لِيُجِيبَ لَهُ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : إِذَا بَاعَ انْصَرَفَ لِيَجِبَ الْبَيْعُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِعْلُهُ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَفْعَلُ ، انْتَهَى . وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بِحَسَبِ فَهْمِهِ مِنَ اللَّفْظِ لَا مِنْ نَفْسِ الْمُصْطَفَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَأَيُّوبُ والليث فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ ، وَتَابَعَ نَافِعًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .
18 - بَاب الْمُرَاطَلَةِ 1320 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ : أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، فَيُفْرِغُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَيُفْرِغُ صَاحِبُهُ الَّذِي يُرَاطِلُهُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى ، فَإِذَا اعْتَدَلَ لِسَانُ الْمِيزَانِ أَخَذَ وَأَعْطَى . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ مُرَاطَلَةً : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدًا بِيَدٍ إِذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً عَيْنًا بِعَيْنٍ ، وَإِنْ تَفَاضَلَ الْعَدَدُ وَالدَّرَاهِمُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ رَاطَلَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ فَكَانَ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فَضْلُ مِثْقَالٍ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ قِيمَتَهُ مِنْ الْوَرِقِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَأْخُذُهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ وَذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَتِهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ مِرَارًا ؛ لِأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْمِثْقَالَ مُفْرَدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ ؛ لِأَنْ يُجَوِّزَ لَهُ الْبَيْعَ ؛ فَذَلِكَ الذَّرِيعَةُ إِلَى إِحْلَالِ الْحَرَامِ وَالْأَمْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُرَاطِلُ الرَّجُلَ وَيُعْطِيهِ الذَّهَبَ الْعُتُقَ الْجِيَادَ وَيَجْعَلُ مَعَهَا تِبْرًا ذَهَبًا غَيْرَ جَيِّدَةٍ ، وَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَبًا كُوفِيَّةً مُقَطَّعَةً ، وَتِلْكَ الْكُوفِيَّةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَتَبَايَعَانِ ذَلِكَ مِثْلًا بِمِثْلٍ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الذَّهَبِ الْجِيَادِ أَخَذَ فَضْلَ عُيُونِ ذَهَبِهِ فِي التِّبْرِ الَّذِي طَرَحَ مَعَ ذَهَبِهِ ، وَلَوْلَا فَضْلُ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِ صَاحِبِهِ لَمْ يُرَاطِلْهُ صَاحِبُهُ بِتِبْرِهِ ذَلِكَ إِلَى ذَهَبِهِ الْكُوفِيَّةِ فَامْتَنَعَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ بِصَاعَيْنِ وَمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ كَبِيسٍ ، فَقِيلَ لَهُ هَذَا لَا يَصْلُحُ ؛ فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ بَيْعَهُ ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْعَجْوَةِ لِيُعْطِيَهُ صَاعًا مِنْ الْعَجْوَةِ بِصَاعٍ مِنْ حَشَفٍ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْكَبِيسِ ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : بِعْنِي ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنْ الْبَيْضَاءِ بِصَاعَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ ، فَيَقُولُ : هَذَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَيَجْعَلُ صَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الصَّاعُ مُفْرَدًا ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لِفَضْلِ الشَّامِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنْ التِّبْرِ . قَالَ مَالِكٌ : فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الصِّنْفِ الْجَيِّدِ مِنْ الْمَرْغُوبِ فِيهِ الشَّيْءُ الرَّدِيءُ الْمَسْخُوطُ ؛ لِيُجَازَ الْبَيْعُ وَلِيُسْتَحَلَّ بِذَلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِذَا جُعِلَ ذَلِكَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُ ذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ بِذَلِكَ فَضْلَ جَوْدَةِ مَا يَبِيعُ ، فَيُعْطِي الشَّيْءَ الَّذِي لَوْ أَعْطَاهُ وَحْدَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَهْمُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ مِنْ أَجْلِ الَّذِي يَأْخُذُ مَعَهُ لِفَضْلِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الرَّدِيءِ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِهِ فَلْيَبِعْهُ عَلَى حِدَتِهِ ، وَلَا يَجْعَلُ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ . 18 - بَابُ الْمُرَاطَلَةِ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرِّطْلِ وَلَمْ أَجِدْ لُغَوِيًّا ذَكَرَهَا ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ الرِّطْلَ وَهِيَ عُرْفًا بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ الْحَدِيثَ ، قَالَهُ الْأَبِيُّ . 1334 1320 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ) بِقَافٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا ( أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ) وَبَيَّنَ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِ : ( فَيُفْرِغُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَالضَّمُّ لُغَةٌ ، وَأَمَّا فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كُلُّ مُسْتَدِيرٍ فَبِالْكَسْرِ نَحْوُ كِفَّةِ اللِّغةِ وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنْهَا ، وَكِفَّةِ الصَّائِدِ وَهِيَ حِبَالَتُهُ ، وَكُلُّ مَا اسْتُطِيلَ فَبِالضَّمِّ نَحْوُ كُفَّةِ الثَّوْبِ حَاشِيَتُهُ وَكُفَّةِ الرَّمْلِ وَقِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي الْجَمِيعِ . ( وَيُفْرِغُ صَاحِبُهُ الَّذِي يُرَاطِلُهُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى فَإِذَا اعْتَدَلَ لِسَانُ الْمِيزَانِ أَخَذَ وَأَعْطَى ) فَتَجُوزُ الْمُرَاطَلَةُ بِالْكِفَّتَيْنِ . وَفِي حَدِيثِ الْقِلَادَةِ فِي مُسْلِمٍ : انْزِعْ ذَهَبَهَا وَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَفِي جَوَازِهَا بِالصَّنْجَةِ قَوْلَانِ وَالْجَوَازُ أَصْوَبُ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِالصَّنْجَةِ فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ ، ابْنُ رُشْدٍ هُوَ أَصْوَبُ لِيُتْقِنَ الْمُسَاوَاةَ بِهَا مِنَ الْكِفَّتَيْنِ إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْمِيزَانِ غَبْنٌ ، وَسَمِعَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ نَافِعٍ لَا بَأْسَ فِي الْمُرَاطَلَةِ بِالشَّاهِينِ إِذَا كَانَ عَدْلًا . وَنَقَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يَجُوزُ فِي الْمُرَاطَلَةِ أَنْ يَزِنَ ذَهَبَهُ فِي الشَّاهِينِ بِمِثْقَالٍ ثُمَّ تَزِنُ ذَهَبَكَ وَزْنَةً ثَانِيَةً بِذَلِكَ الْعِيَارِ وَفِي تِلْكَ الْكِفَّةِ بِعَيْنِهَا ، قَالَ الْأَبِيُّ : فَهَذَا نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الشَّاهِينَ الصَّنْجَةُ . وَأَمَّا أَنَّهُ مِيزَانُ الْعُودِ الْمُسَمَّى بِالْفَرَسْطُونِ فَلَا ، وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا إِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالشَّاهِينِ فَإِنَّ اللُّغَةَ لَا تُفَسَّرُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَيَبْعُدُ أَيْضًا تَفْسِيرُ الشَّاهِينِ بِالْوَزْنِ الْمُسَمَّى بِالرُّمَّانَةِ عُرْفًا . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ مُرَاطَلَةً ) أَيْ وَزْنًا ( أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يدا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً ( إِذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً عَيْنًا بِعَيْنٍ ) لِانْتِفَاءِ التَّفَاضُلِ ( وَإِنْ تَفَاضَلَ ) أَيْ زَادَ ( الْعَدَدُ ) فَاعِلُ تَفَاضَلَ ( وَالدَّرَاهِمُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ ) إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى وَزْنِهَا إِذَا بِيعَتْ مُرَاطَلَةً . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ رَاطَلَ ذَهَبَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ فَكَانَ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فَضْلُ ) أَيْ زِيَادَةُ ( مِثْقَالٍ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ قِيمَتَهُ مِنَ الْوَرِقِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ) أَنَّثَهُ عَلَى مَعْنَى الْوَرِقِ وَهُوَ الْفِضَّةُ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْفِضَّةِ كَالْعَرْضِ ( فَلَا يَأْخُذُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَبِيحٌ ) لَيْسَ بِحَسَنٍ لِحُرْمَتِهِ ( وَذَرِيعَةٌ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَسِيلَةٌ ( إِلَى الرِّبَا لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَتِهِ ) أَيْ وَحْدَهُ ( جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ مِرَارًا ) قَصْدًا ( لَأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْمِثْقَالَ مُفْرَدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِمُفْرَدٍ ( لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ لِأَنْ ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ ( يُجَوِّزَ لَهُ الْبَيْعَ فَذَلِكَ الذَّرِيعَةُ ) الْوَسِيلَةُ ( إِلَى إِحْلَالِ الْحَرَامِ وَالْأَمْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ) فَلِذَلِكَ مُنِعَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ ) مَثَلًا ( يُرَاطِلُ الرَّجُلَ وَيُعْطِيهِ الذَّهَبَ الْعُتُقَ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَتِيقٍ كَبُرُدٍ وَبَرِيدٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ ( الْجِيَادَ وَيَجْعَلُ مَعَهَا تِبْرًا ذَهَبًا غَيْرَ جَيِّدَةٍ وَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَبًا كُوفِيَّةً مُقَطَّعَةً وَتِلْكَ الْكُوفِيَّةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيَتَبَايَعَانِ ذَلِكَ مِثْلًا بِمِثْلٍ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ) لِحُرْمَتِهِ ( وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُ وَجْهِ مَنْعِهِ ( أَنَّ صَاحِبَ الذَّهَبِ الْجِيَادِ أَخَذَ فَضْلَ ) أَيْ زِيَادَةَ ( عُيُونِ ذَهَبِهِ فِي التِّبْرِ الَّذِي طَرَحَ مَعَ ذَهَبِهِ ، وَلَوْلَا فَضْلُ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبِ صَاحِبِهِ لَمْ يُرَاطِلْهُ صَاحِبُهُ بِتِبْرِهِ ذَلِكَ إِلَى ذَهَبِهِ الْكُوفِيَّةِ فَامْتَنَعَ ) لِدَوَرَانِ الْفَضْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ) أَيْ صِفَتُهُ بِمَعْنَى قِيَاسِهِ ( كَمَثَل رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ ) وَفِي نُسْخَةٍ آصُعٍ وَكُلٌّ جَمْعٌ لِصَاعٍ ( مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ بِصَاعَيْنِ وَمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ كَبِيسٍ فَقِيلَ لَهُ هَذَا لَا يَصْلُحُ ) لِلتَّفَاضُلِ ( فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ ) رَدِيءِ التَّمْرِ ( يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ بَيْعَهُ ) لِاتِّحَادِ الْكَيْلِ ( فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْعَجْوَةِ لِيُعْطِيَهُ صَاعًا مِنَ الْعَجْوَةِ بِصَاعٍ مِنْ حَشَفٍ وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْكَبِيسِ ) فَاغْتُفِرَ ذَلِكَ لِلْفَضْلِ فَمُنِعَ ( وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْنِي ثَلَاثَةَ أَصْوُعٍ مِنَ الْبَيْضَاءِ ) أَيِ الْحِنْطَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ بَاقِي الْكَلَامِ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الشَّعِيرَ وَإِنْ سَبَقَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اسْمٌ لَهُ عِنْدَ الْعَرَبِ فَمُرَادُهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ نَفْسُهُ ، عَبَّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ عَرَبُ الْحِجَازِ اهـ . فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُمْ يُطْلِقُ الْبَيْضَاءَ عَلَى الْحِنْطَةِ ، وَفِي الْقَامُوسِ الْبَيْضَاءُ الْحِنْطَةُ ( بِصَاعَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ ) وَهِيَ السَّمْرَاءُ ( فَيَقُولُ : هَذَا لَا يَصْلُحُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَيَجْعَلُ صَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الصَّاعُ مُنْفَرِدًا ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لِفَضْلِ الشَّامِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاءِ ) فَاغْتُفِرَ أَخْذُ الشَّعِيرِ لِلْفَضْلِ ( فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنَ التِّبْرِ فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي ) لَا يَصْلُحُ ( أَنْ يُبْتَاعَ ) وَفِي نُسْخَةٍ يُبَاعَ ( إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ ) نَائِبُ فَاعِلِ يُجْعَلُ ( الرَّدِيءُ الْمَسْخُوطُ لِيُجَازَ ) بِالْجِيمِ ( الْبَيْعُ وَلِيُسْتَحَلَّ بِذَلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِذَا جُعِلَ ذَلِكَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُ ذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ ) يَصِلَ ( بِذَلِكَ فَضْلَ جَوْدَةِ مَا يَبِيعُ فَيُعْطِي الشَّيْءَ الَّذِي لَوْ أَعْطَاهُ وَحْدَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَهْمُمْ ) بِفَكِّ الْإِدْغَامِ بِذَلِكَ ( وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ مِنْ أَجْلِ الَّذِي يَأْخُذُ مَعَهُ لِفَضْلِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ فَلَا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ ) نَهْي لَهَا وَالْمُرَادُ أَصَابَهَا وَهُوَ مِنَ الْبَلَاغَةِ ( أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ) فَهُوَ حَرَامٌ ( فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الرَّدِيءِ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِهِ فَلْيَبِعْهُ عَلَى حِدَتِهِ وَلَا يَجْعَلْ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ) لِعَدَمِ الرِّبَا .
37 - بَاب الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ السِّلْعَةَ الْبَزَّ أَوْ الرَّقِيقَ ، فَيَسْمَعُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ : الْبَزُّ الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ ، فَهَلْ لَكَ أَنْ أُرْبِحَكَ فِي نَصِيبِكَ كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُرْبِحُهُ وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْقَوْمِ مَكَانَهُ ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ رَآهُ قَبِيحًا وَاسْتَغْلَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ ، إِذَا كَانَ ابْتَاعَهُ عَلَى بَرْنَامَجٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ لَهُ أَصْنَافٌ مِنْ الْبَزِّ وَيَحْضُرُهُ السُّوَّامُ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَرْنَامَجَهُ وَيَقُولُ : فِي كُلِّ عِدْلٍ كَذَا وَكَذَا مِلْحَفَةً بَصْرِيَّةً ، وَكَذَا وَكَذَا رَيْطَةً سَابِرِيَّةً ذَرْعُهَا كَذَا وَكَذَا ، وَيُسَمِّي لَهُمْ أَصْنَافًا مِنْ الْبَزِّ بِأَجْنَاسِهِ وَيَقُولُ : اشْتَرُوا مِنِّي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَيَشْتَرُونَ الْأَعْدَالَ عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ ، ثُمَّ يَفْتَحُونَهَا فَيَسْتَغْلُونَهَا وَيَنْدَمُونَ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ الَّذِي بَاعَهُمْ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامَجِ وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ . 37 - بَابُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامِجِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ السِّلْعَةَ الْبَزَّ أَوِ الرَّقِيقَ فَيَسْمَعُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لِرَجُلٍ مِنْهُمُ : الْبَزُّ الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ فَهَلْ لَكَ أَنْ أُرْبِحَكَ فِي نَصِيبِكَ كَذَا وَكَذَا ؟ ) لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ ( فَيَقُولُ نَعَمْ ، فَيُرْبِحُهُ وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْقَوْمِ ) بِحِصَّةِ مَنْ بَاعَ مِنْهُمْ ( مَكَانَهُ ) أَيْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ قَبْلَ فَتْحِ الْمَتَاعِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ : ( فَإِذَا نَظَرُوا إِلَيْهِ رَأَوْهُ قَبِيحًا وَاسْتَغْلَوْهُ ) وَفِي نُسْخَةٍ بِإِفْرَادِ نَظَرَ وَرَأَى وَاسْتَغْلَى وَهِيَ أَنْسَبُ . ( قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إِذَا كَانَ ابْتَاعَهُ عَلَى بَرْنَامِجٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ) يَذْكُرُهَا ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَدَّعِيَ مِنَ الصِّفَةِ مَا شَاءَ وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَفِيهِ اخْتِصَارٌ قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَالِاخْتِصَارُ إِنَّمَا وَقَعَ فِيمَا هُوَ صُورَةُ سُؤَالٍ وَإِلَّا فَالْإِمَامُ قَيَّدَ اللُّزُومَ وَنَفَى الْخِيَارَ بِقَوْلِهِ : إِذَا كَانَ ابْتَاعَهُ إِلَخْ ، وَهُوَ حَاصِلُ مَعْنَى مَا بَسَطَهُ الْبَاجِيُّ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ لَهُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ( أَصْنَافٌ مِنَ الْبَزِّ وَيَحْضُرُهُ السُّوَّامُ ) جَمْعُ سَائِمٍ ( وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَرْنَامِجَهُ وَيَقُولُ فِي كُلِّ عَدْلٍ كَذَا وَكَذَا مِلْحَفَةً ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مُلَاءَةٌ يُلْتَحَفُ بِهَا ( بَصْرِيَّةً ) بِفَتْحٍ الباء وكسرها نِسْبَةً إِلَى الْبَصْرَةِ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ ( وَكَذَا وَكَذَا رَيْطَةً ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مُلَاءَةٍ لَيْسَتْ لِفْقَتَيْنِ أَيْ قِطْعَتَيْنِ وَالْجَمْعُ رِيَاطٌ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ ، وَرَيْطٌ أَيْضًا مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ ، وَقَدْ يُسَمَّى كُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ رَيْطَةً ( سَابَرِيَّةً ) بِمُهْمَلَةٍ فَأَلِفٍ فَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ نَوْعٌ رَقِيقٌ مِنَ الثِّيَابِ ، قِيلَ إِنَّهُ نِسْبَةٌ إِلَى سَابُورَ كُورَةٍ مِنْ كُوَرِ فَارِسَ . ( ذَرْعُهَا ) قِيَاسُهَا ( كَذَا وَكَذَا وَيُسَمِّي لَهُمْ أَصْنَافًا مِنَ الْبَزِّ بِأَجْنَاسِهِ ، وَيَقُولُ : اشْتَرُوا مِنِّي عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ) عَلَى وَجْهِ الْمُرَابَحَةِ ( فَيَشْتَرُونَ الْأَعْدَالَ عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ ثُمَّ يَفْتَحُونَهَا فَيَسْتَغْلُونَهَا ) يَسْتَكْثِرُونَ ثَمَنَهَا ( وَيَنْدَمُونَ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامِجِ الَّذِي بَاعَهُمْ عَلَيْهِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ وَقَدِ اشْتَرَوْا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمُرَابَحَةِ ، فَأَمَّا على غير وَجْهُهَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَهَذَا يَدْخُلُهُ الْخَدِيعَةُ . ( وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُوَافِقًا لِلْبَرْنَامِجِ وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَيْعُ الْبَرْنَامِجِ مِنْ بُيُوعِ الْمُرَابَحَةِ وَهُوَ بَيْعُ الْمُشَاعِ عَلَى الصِّفَةِ الْعَشَرَةُ أَحَدَ عَشَرَ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ لِأَنَّ الصِّفَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَضْمُونِ وَهُوَ السَّلَمُ .
19 - بَاب الْعِينَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا 1321 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ . 19 - بَابُ الْعِينَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْبَيْعُ الْمُتَحَيَّلُ بِهِ عَلَى دَفْعِ عَيْنٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَمَا يَرَى أَحَدٌ مِنَّا أَنَّهُ أَحَقُّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا النَّاسُ تَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يَرْفَعُهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ . 1335 1321 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ ) اشْتَرَى ( طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ ) مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَا يَبِيعُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ ( حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ) أَيْ يَقْبِضَهُ ، وَأَلْحَقَ مَالِكٌ بِالِابْتِيَاعِ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَارَضَةِ كَأَخْذِهِ مَهْرًا أَوْ صُلْحًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَوْ مَلَكَ بِلَا مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَسَلَفٍ جَازَ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَلْحَقَ بِالْبَيْعِ دَفَعَهُ عِوَضًا كَدَفْعِهِ مَهْرًا أَوْ خُلْعًا أَوْ هِبَةَ ثَوَابٍ أَوْ إِجَارَةً أَوْ صُلْحًا عَنْ دَمٍ فَيُمْنَعُ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَمَّا دَفْعُهُ قَرْضًا أَوْ قَضَاءً عَنْ قَرْضٍ فَيَجُوزُ ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ طَعَامًا يَشْمَلُ الرِّبَوِيَّ وَغَيْرَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَفِي أَنَّ الْمَنْعَ مُعَلَّلٌ بِالْعِينَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِدْخَالُ مَالِكٍ أَحَادِيثَهُ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ . وَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ نُهِيَ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؟ قَالَ : أَلَا تَرَاهُمْ يَبْتَاعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامِ مُرْجَأً بِالْهَمْزِ وَعَدَمِهِ أَيْ مُؤَخَّرًا يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ إِلَى دَفْعِ ذَهَبٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَالطَّعَامُ مُعَلَّلٌ أَوْ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مُعَلَّلٍ قَوْلَانِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَيَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ بِهِ .
1322 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ . 1336 1322 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ) لِلْعِينَةِ أَوْ لِأَنَّ لِلشَّارِعِ غَرَضًا فِي ظُهُورِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ تَقْوِيَةِ قُلُوبِ النَّاسِ لَا سِيَّمَا زَمَنُ الشِّدَّةِ وَالْمَسْغَبَةِ وَانْتِفَاعِ الْكَيَّالِ وَالْحَمَّالِ ، فَلَوْ أُبِيحَ لَبَاعَهُ أَهْلُ الْأَمْوَالِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْغَرَضُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ تَعْبُدِيٌّ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى الطَّعَامِ رِبَوِيًّا كَانَ أَمْ لَا ، وَعَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ فَيَجُوزُ فِيمَا عَدَاهُ ، إِذْ لَوْ مُنِعَ فِي الْجَمِيعِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الطَّعَامِ فَائِدَةٌ ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ كَالنَّصِّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا فِيمَا لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ فَاسْتُثْنِيَ مَا لَا يُنْقَلُ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ فِيهِ ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ كُلِّ مُشْتَرًى قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ فَعَمَّ ، وَأُجِيبَ بِقَصْرِهِ عَلَى الطَّعَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ دَلَّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ بِخِلَافِهِ وَبِحَمْلِهِ عَلَى بَيْعِ الْخِيَارِ فَلَا يَبِيعُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ أَيِ الطَّعَامَ فَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ رَأْيِهِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ ، وَشَذَّ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَلِلْحَدِيثِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
1323 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ . 1337 1323 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَاعُ ) نَشْتَرِي ( الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا ) مَحَلُّهُ نَصْبُ مَفْعُولِ يَبْعَثُ ( بِانْتِقَالِهِ ) أَيْ نَقْلِهِ ( مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ ) أَيْ غَيْرِهِ ( قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ ) لِأَنَّ بِنَقْلِهِ يَحْصُلُ قَبْضُهُ ، وَهَذَا قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَالْمُرَادُ الْقَبْضُ ، وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ بَيْنَ فَأَجَازَ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ مَرْئِيٌّ فَيَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ وَبَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنِ اشْتَرَى بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ فَفِي قَوْلِهِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا خَالَفَهُ بِخِلَافِهِ ، وَجَعَلَ مَالِكٌ رِوَايَةَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ تَفْسِيرًا لِرِوَايَةِ حَتَّى يَقْبِضَهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ عَلَى الْمَعْرُوفِ لُغَةً ، قَالَ تَعَالَى : الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ( سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : الْآيَةُ 2 ، 3 ) وَقَالَ : فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 88 ) وَقَالَ : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 35 ) وَالْحَدِيثُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1325 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَانِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ مِنْ طَعَامِ الْجَارِ ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ، فَدَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَا : أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ ؟ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ ! وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَا : هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَتْبَعُونَهَا ، يَنْزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا . 1338 1325 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَصَلَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ صُكُوكًا ) جَمْعُ صَكٍّ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى صِكَاكٍ وَهُوَ الْوَرَقَةُ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ بِرِزْقٍ مِنَ الطَّعَامِ لِمُسْتَحِقِّهِ ( خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَانِ ) إِمَارَةِ ( مَرْوَانَ بْنِ الْحُكْمِ ) عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( مِنْ طَعَامِ الْجَارِ ) بِجِيمٍ فَأَلِفٍ فِرَاءٍ مَوْضِعٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ يُجْمَعُ فِيهِ الطَّعَامُ ثُمَّ يُفَرَّقُ عَلَى النَّاسِ بِصِكَاكٍ . ( فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ) يَقْبِضُوهَا ( فَدَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ( فَقَالَا : أَتُحِلُّ ) تُجِيزُ ( بَيْعَ الرِّبَا ) وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَحَلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا ( يَا مَرْوَانُ ؟ ) وَفِيهِ أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّهْيَ وَهَذَا إِغْلَاظٌ فِي الْإِنْكَارِ ، وَقَدْ كَانَ زَيْدٌ ممن يفتي فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مُفْتِيًا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ مُفْتِيًا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ بَاطِلٌ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُفْتِيًا وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ مُلَازَمَةً لِخِدْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْفَظِهِمْ لِحَدِيثِهِ وَأَغْزَرِهِمْ عِلْمًا ؟ ( فَقَالَ مَرْوَانُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ ) أَعْتَصِمُ بِهِ مِنْ أَنْ أُحِلَّ الرِّبَا ، وَلِمُسْلِمٍ فَقَالَ مَرْوَانُ : مَا فَعَلْتُ ( وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَا : هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا ) وَلِمُسْلِمٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى . ( فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَتْبَعُونَهَا يَنْتَزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ وَيَرُدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا ) أَصْحَابِهَا . وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي فَقَطْ لَقَالَ : وَيَرُدُّونَهَا إِلَى مَنِ ابْتَاعَهَا مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِأَهْلِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ بَيْعِهِ مِنْ مُشْتَرِيهِ لَا عَنْ بَيْعِهِ مِمَّنْ كُتِبَ لَهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَفَعَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ مَنْ وُهِبَ لَهُ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ فَنَهَاهُمْ عَنْ بَيْعِهَا . قَالَ سُلَيْمَانُ : فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ .
1326 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَامًا مِنْ رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ الطَّعَامَ إِلَى السُّوقِ ، فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ وَيَقُولُ لَهُ : مِنْ أَيِّهَا تُحِبُّ أَنْ أَبْتَاعَ لَكَ ؟ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ : أَتَبِيعُنِي مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ؟ فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِلْمُبْتَاعِ : لَا تَبْتَعْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَقَالَ لِلْبَائِعِ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . 1338 1326 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَامًا مِنْ رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ الطَّعَامَ إِلَى السُّوقِ فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الْبَاءِ جَمْعُ صُبْرَةٍ ( وَيَقُولُ لَهُ : مِنْ أَيِّهَا تُحِبُّ أَنْ أَبْتَاعَ ) أَشْتَرِيَ ( لَكَ ؟ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ ) أَيِ الذِي يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ ( أَتَبِيعُنِي مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ) وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ( فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِلْمُبْتَاعِ : لَا تَبِيعُ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَقَالَ لِلْبَائِعِ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ) وَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، أَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ ، فَقَالَ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .
1327 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيلَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنْ الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُعْطَى النَّاسُ بِالْجَارِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : أَتُرِيدُ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَعْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ : أَنَّهُ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ ذُرَةً أَوْ دُخْنًا ، أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ الْقِطْنِيَّةِ ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ الْقِطْنِيَّةَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأُدُمِ كُلِّهَا الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ وَالشِّيرِقِ وَاللَّبَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُدْمِ ، فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ . 1341 1327 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيلَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَلَامٍ ( ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمُؤَذِّنَ الْمَدَنِيَّ أُمُّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَعْدِ الْقَرَظِ وَكَانَ يُؤَذِّنُ وَسَمِعَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَنْهُ مَالِكٌ بِوَاسِطَةِ يَحْيَى وَبِلَالٌ وَاسِطَةٌ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا هُنَا ، وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْدٍ أَوْ سَوَادَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ ( يَقُولُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُعْطَى ) بِتَحْتِيَّةٍ أَوْ فَوْقِيَّةٍ ( النَّاسُ ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلِ يُعْطَى بِتَحْتِيَّةٍ وَالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِتُعْطَى بِفَوْقِيَّةٍ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ هِيَ النَّاسُ ( بِالْجَارِ ) بِجِيمٍ مَحَلٌّ مَعْلُومٌ بِالسَّاحِلِ ( مَا شَاءَ اللَّهُ ) فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ : أَتُرِيدُ أَنْ تُوَفِّيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَعْتَ ؟ فَقَالَ نَعَمْ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) زَادَ غَيْرُ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ رَأْيِي أَيْ خَوْفًا مِنَ التَّسَاهُلِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِلذَّرِيعَةِ الَّتِي يُخَافُ مِنْهَا التَّطَرُّقُ إِلَى الْمَحْذُورِ وَإِنْ قَلَّتْ ، قَالَهُ الْبُونِيُّ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ) تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ ( أَنَّهُ مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ ذُرَةً ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ( أَوْ دُخْنًا ) بِمُهْمَلَةٍ ( أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحُبُوبِ الْقُطْنِيَّةِ ) السَّبْعَةِ ( أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ الْقُطْنِيَّةَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ) كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَزَيْتُونٍ ( أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأُدُمِ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ إِدَامٍ بِزِنَةِ كِتَابٍ وَكُتُبٍ ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَوْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ : ( كُلِّهَا ) دُونَ كُلِّهِ ( الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْبَاءِ عَلَى الْأَجْوَدِ وَضَمِّهَا لِلْإِتْبَاعِ وَالتَّثْقِيلِ وَهِيَ أَقَلُّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالشِّعْرِ ( وَاللَّبَنِ وَالشِّيرِقِ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ بَدَلُهَا نُسْخَتَانِ دُهْنُ السِّمْسِمِ ، قَالَ الْبُونِيُّ : وَهُوَ السِّيرَجُ أَيْضًا بِالْجِيمِ ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُدُمِ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ ) عَمَلًا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ رِوَايَةٍ أَفَادَتْ مَعْنًى لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْفِيهِ بِالْكَيْلِ بِأَنْ يَكِيلَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي بَلْ يَحْبِسُهُ عِنْدَهُ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ مَثَلًا ، أَوْ أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ أَكْثَرُ مَعْنًى مِنَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ إِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَحَبَسَ الْبَعْضَ لِأَجْلِ الثَّمَنِ صَدَقَ عَلَيْهِ الْقَبْضُ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ .
1324 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَامًا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ ، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا تَبِعْ طَعَامًا ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ . 1338 1324 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ابْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى القرشي الْأَسَدِيَّ ابْنِ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَحِبَ ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً ثُمَّ عَاشَ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ أَوْ بَعْدَهَا ، وَكَانَ عَالِمًا بِالنَّسَبِ . ( ابْتَاعَ طَعَامًا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ) يَقْبِضَهُ ( فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا تَبِعْ طَعَامًا ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ ) وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْمَرْفُوعِ مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ اتِّصَالُ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ نَسْخٍ .
35 - بَاب الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ 1355 - حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُلَامَسَةُ : أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرُهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهِ أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا وَلَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ ، وَالْمُنَابَذَةُ : أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْهُمَا ، وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذَا بِهَذَا ، فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ . قَالَ مَالِكٌ : فِي السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ أَوْ الثَّوْبِ الْقُبْطِيِّ الْمُدْرَجِ فِي طَيِّهِ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا حَتَّى يُنْشَرَا وَيُنْظَرَ إِلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُمَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهُوَ مِنْ الْمُلَامَسَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ مُخَالِفٌ لِبَيْعِ السَّاجِ فِي جِرَابِهِ وَالثَّوْبِ فِي طَيِّهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، وَمَا مَضَى مِنْ عَمَلِ الْمَاضِينَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ الْجَائِزَةِ وَالتِّجَارَةِ بَيْنَهُمْ الَّتِي لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى غَيْرِ نَشْرٍ لَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُلَامَسَةَ . 35 - بَابُ 1371 1355 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ( وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ كِلَاهُمَا ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ) بَيْعِ ( الْمُلَامَسَةِ ) مُفَاعَلَةٌ مِنَ اللَّمْسِ ( وَ ) عَنِ ( الْمُنَابَذَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَلْمُسَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابَيْ نَصَرَ وَضَرَبَ أَيْ يَمَسَّ ( الرَّجُلُ الثَّوْبَ ) بِيَدِهِ ( وَلَا يَنْشُرُهُ ) يُفْرِدُهُ ( وَلَا يَتَبَيَّنُ ) يَظْهَرُ لَهُ ( مَا فِيهِ أَوْ يَبْتَاعُهُ لَيْلًا وَلَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ يَطْرَحَ ( الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ إِلَيْهِ الْآخَرُ ثَوْبَهُ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْهُمَا ) بِنَظَرٍ وَلَا تَقْلِيبٍ ( وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا بِهَذَا ) عَلَى الْإِلْزَامِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ بَلْ بِمَا فَعَلَاهُ مِنْ مُنَابَذَةٍ أَوْ مُلَامَسَةٍ ( فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ) فَلَوْ جَعَلَاهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إِذَا زَالَ الظَّلَامُ وَنَشَرَ الثَّوْبَ فَإِنْ رَضِيَهُ أَمْسَكَهُ جَازَ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبَيْعِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَنَصَّ عَلَى جَوَازِهِ الْإِمَامُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْبَاجِيِّ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْبَائِعُ مِنْ تَقْلِيبِهِ وَقَنِعَ الْمُشْتَرِي بِلَمْسِهِ بِيعَ مُلَامَسَةً وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ اهـ . وَتَفْسِيرُ مَالِكٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ . وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : نهى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ أَمَّا الْمُلَامَسَةُ : فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ ، وَالْمُنَابَذَةُ : أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَقْعَدُ بِلَفْظِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ لِأَنَّهُمَا مُفَاعَلَةٌ فَتَسْتَدْعِي وُجُودَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، لَكِنْ لِلنَّسَائِيِّ مَا يَشْعِرُ بِأَنَّهُ كَلَامُ مَنْ دُونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُهُ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الْآخَرِ وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ : أَنْبِذُ مَا مَعِي وَتَنْبِذُ مَا مَعَكَ لِيَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ زَعَمَ ، وَقِيلَ : الْمُنَابَذَةُ نَبْذُ الْحَصَاةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَفْسِيرُ مَالِكٍ وَتَفْسِيرُ غَيْرِهِ قَرِيبٌ مِنَ السَّوَاءِ ، وَكَانَ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَبَيْعُ الْحَصَاةِ بُيُوعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، قَالَ : وَالْحَصَاةُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابٌ مَبْسُوطَةً فَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ لِلْبَائِعِ : أَيُّ ثَوْبٍ مِنْ هَذِهِ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِي بِهَا فَهُوَ لِي بِكَذَا فَيَقُولُ الْبَائِعُ : نَعَمْ ، فَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ غَرَرٌ وَقِمَارٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ بِدُونِ تَفْسِيرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي السَّاجِ ) بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ الطَّيْلَسَانُ الْأَخْضَرُ أَوِ الْأَسْوَدُ ( الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَلَا تُفْتَحُ أَوْ فَتْحُهَا لُغَةٌ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْمِزْوَدُ أَوِ الْوِعَاءُ ( أَوِ الثَّوْبُ الْقُبْطِيُّ ) بِضَمِّ الْقَافِ ثِيَابٌ تُنْسَبُ إِلَى الْقِبْطِ بِالْكَسْرِ نَصَارَى مِصْرَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَقَدْ تُكْسَرُ الْقَافُ فِي النِّسْبَةِ عَلَى الْقِيَاسِ ( الْمُدْرَجِ فِي طَيِّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا حَتَّى يُنْشَرَ أَوْ يُنْظَرَ إِلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا ) أَيْ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا حَالَةَ الطَّيِّ تَشْبِيهًا بِجَوْفِ الْحَيَوَانِ ( وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُمَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهُوَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ ) الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فَيُمْنَعُ اتِّفَاقًا ، فَإِنْ عَرَفَ طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَنَظَرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَاشْتَرَى عَلَى ذَلِكَ جَازَ ، فَإِنْ خَالَفَ كَانَ لَهُ الْقِيَامُ كَالْعَيْبِ . ( وَبَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامِجِ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِكَسْرِهِمَا . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عِيَاضٌ غَيْرَ الْكَسْرِ مُعَرَّبُ بَرْنَامَهْ بِالْفَارِسِيَّةِ مَعْنَاهُ الْوَرَقَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا مَا فِي الْعَدْلِ ( مُخَالِفٌ لِبَيْعِ السَّاجِ فِي جِرَابِهِ وَالثَّوْبِ فِي طَيِّهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ في الحكم ) الْأَمْرُ ( الْمَعْمُولُ بِهِ وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) أَيْ مُتَقَدِّمِيهِمْ ( وَمَا مَضَى مِنْ عَمَلِ الْمَاضِينَ فِيهِ وَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ ) أَيِ اسْتَمَرَّ ( مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ الْجَائِزَةِ وَالتِّجَارَةِ بَيْنَهُمُ الَّتِي لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا ) شِدَّةً لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ ( لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامِجِ عَلَى غَيْرِ نَشْرٍ لَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُلَامَسَةَ ) لِكَثْرَةِ ثِيَابِ الْأَعْدَالِ وَعِظَمِ الْمَئُونَةِ فِي فَتْحِهَا وَنَشْرِهَا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ بَيْعَ الْبَرْنَامِجِ بَيْعٌ عَلَى صِفَةٍ وَالسَّاجُ فِي الْجِرَابِ وَالْقُبْطِيُّ الْمَطْوِيُّ بَيْعٌ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ وَلَا رُؤْيَةٍ ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ .
34 - بَاب بَيْعِ الْغَرَرِ 1354 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ : أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ وَثَمَنُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارًا ، فَيَقُولُ رَجُلٌ : أَنَا آخُذُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ ذَهَبَ مِنْ الْبَائِعِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ذَهَبَ الْبَائِعُ مِنْ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : وَفِي ذَلِكَ عَيْبٌ آخَرُ ، إِنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إِنْ وُجِدَتْ لَمْ يُدْرَ أَزَادَتْ أَمْ نَقَصَتْ أَمْ مَا حَدَثَ بِهَا مِنْ الْعُيُوبِ ، فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ اشْتِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ مِنْ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيَخْرُجُ أَمْ لَا يَخْرُجُ ، فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يُدْرَ أَيَكُونُ حَسَنًا أَمْ قَبِيحًا أَمْ تَامًّا أَمْ نَاقِصًا أَمْ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَفَاضَلُ إِنْ كَانَ عَلَى كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْإِنَاثِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِي بُطُونِهَا ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : ثَمَنُ شَاتِي الْغَزِيرَةِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ ، فَهِيَ لَكَ بِدِينَارَيْنِ وَلِي مَا فِي بَطْنِهَا ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، وَلَا الْجُلْجُلَانِ بِدُهْنِ الْجُلْجُلَانِ ، وَلَا الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَدْخُلُهُ ؛ وَلِأَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْحَبَّ وَمَا أَشْبَهَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ ، فَهَذَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ ، فَذَلِكَ غَرَرٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ هُوَ السَّلِيخَةُ ، وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ ، لِأَنَّ الْبَانَ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنُشَّ وَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِ السَّلِيخَةِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ : إِنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحٍ إِنْ كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ ، وَإِنْ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَذَهَبَ عَنَاؤُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ مَا عَالَجَ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ رِبْحٍ فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ وَبِيعَتْ ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً يَبُتُّ بَيْعَهَا ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ : ضَعْ عَنِّي فَيَأْبَى الْبَائِعُ وَيَقُولُ : بِعْ فَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَضَعَهُ لَهُ وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَا بَيْعَهُمَا ، وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 34 - بَابُ بَيْعِ الْغَرَرِ الْغَرَرُ اسْمٌ جَامِعٌ لِبِيَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ ، كَجَهْلِ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ ، وَسَمَكٍ فِي مَاءٍ ، وَطَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ . وَعَرَّفَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَالْعَطَبِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْغَرَرِ الَّذِي فِي فَاسِدِ بَيْعِ الْجِزَافِ وَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ مَا شُكَّ فِي حُصُولِ أَحَدِ عِوَضَيْهِ وَالْمَقْصُودِ مِنْهُ غَالِبًا . 1370 1354 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) سَلَمَةَ ( بْنِ دِينَارٍ ) الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْأَعْلَامِ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) مُرْسَلًا بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ . وَرَوَاهُ أَبُو حُذَافَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا مُنْكَرٌ وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ خَطَأٌ ، وَلَيْسَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ بِحُجَّةٍ إِذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِحَافِظٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ مِنْ كِبَارِ رُوَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ) لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْمَبِيعُ ، وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ : أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَقِيلَ عِلَّتُهُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ صُوَرِ بَيْعِ الْغَرَرِ عَرِيٌّ مِنَ التَّنَازُعِ كَبَيْعِ الْآبِقِ وَالثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَقِيلَ الْعِلَّةُ الْغَرَرُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حِكْمَةٍ هِيَ عَجْزُ الْبَائِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمَازِرِيُّ مِنْ ذَهَابِ الْمَالِ بَاطِلًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْحُصُولِ ، وَهَذَا كَتَعْلِيلِ الْقَصْرِ بِوَصْفِ السَّفَرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حِكْمَةِ دَرْءِ الْمَشَقَّةِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ عَلَى فُقَهَاءِ وَقْتِهِ يَقُولُ : تُعَلِّلُوهُ بِالْغَرَرِ وَلَا تَعْرِفُونَ وَجْهَ الْعِلَّةِ فِيهِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ بَيْعِ الْغَرَرِ كَجَنِينٍ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، وَعَلَى صِحَّةِ بَعْضِهَا كَبَيْعِ الْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ وَإِنْ كَانَ حَشْوُهَا لَا يُرَى ، وَكِرَاءِ الدَّارِ شَهْرًا مَعَ احْتِمَالِ نُقْصَانِهِ وَتَمَامِهِ ، وَدُخُولِ الْحَمَّامِ مَعَ اخْتِلَافِ لُبْثِهِمْ فِيهِ ، وَالشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الشُّرْبِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا مَنَعُوا مَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِهِ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ وَكَوْنِهِ مَقْصُودًا ، وَإِنَّمَا أَجَازُوا مَا أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ لِيَسَارَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ وَتَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ مَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ وَجَبَ رَدُّ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَيْهَا ، فَالْمُجِيزُ رَأَى الْغَرَرَ قَلِيلًا لَمْ يُقْصَدْ ، وَالْمَانِعُ رَآهُ كَثِيرًا مَقْصُودًا اهـ . وَسَبَقَهُ لِنَحْوِهِ الْبَاجِيُّ ، فَإِنْ شَكَّ فِي يَسَارَةِ الْغَرَرِ فَالْمَنْعُ أَقْرَبُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ عِلْمُ صِفَةِ الْمَبِيعِ وَالْغَرَرُ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، فَالشَّكُّ فِي يَسَارَتِهِ شَكٌّ فِي الشَّرْطِ قَادِحٌ ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مَانِعٌ ، وَالشَّكُّ فِي الْمَانِعِ لَا يَقْدَحُ ، وَيَرُدُّ الْجَوَازَ أَنَّ أَكْثَرَ الْبِيَاعَاتِ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ غَرَرٍ ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ إِذَا شُكَّ فِي صُورَةٍ أَنْ تَلْحَقَ بِأَكْثَرِ نَوْعِهَا ، وَأَكْثَرُ نَوْعِهَا الْيَسِيرُ الْمُغْتَفَرُ يُعَارِضُهُ أَنَّ أَكْثَرَ صُوَرِ الْفَاسِدِ لَا يَخْلُو عَنْ غَرَرٍ كَثِيرٍ ، فَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِصُورَةِ الْجَوَازِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِصُورَةِ الْمَنْعِ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التُّونُسِيُّ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمَازِرِيِّ فِي قَيْدِ الْيَسَارَةِ بِالضَّرُورَةِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِمَا فِي إِيرَادِهِ طُولٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَمِنَ وَالْمُخَاطَرَةِ أَنْ يَعْمِدَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ يَقْصُدَ ( الرَّجُلُ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ وَثَمَنُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ مِنْ دَابَّةٍ وَغُلَامٍ ( خَمْسُونَ دِينَارًا ، فَيَقُولُ رَجُلٌ : أَنَا آخُذُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ ذَهَبَ مِنَ الْبَائِعِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ذَهَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ) وَذَلِكَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ . ( وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا عَيْبٌ آخَرُ أَنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إِنْ وُجِدَتْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَكَذَا ( لَمْ يُدْرَ أَزَادَتْ أَمْ نَقَصَتْ أَمْ مَا حَدَثَ بِهَا مِنَ الْعُيُوبِ فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ ) فَلِذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ وَيُفْسَخُ وَإِنْ قَبَضَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ اشْتِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ مِنَ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيَخْرُجُ أَمْ لَا يَخْرُجُ ؟ فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يُدْرَ أَيَكُونُ حَسَنًا أَمْ قَبِيحًا ، أَمْ تَامًّا أَمْ نَاقِصًا ، أَمْ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ؟ وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَفَاضَلُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا وَإِنْ كَانَ عَلَى ) صِفَةِ ( كَذَا فَقِيمَتُهُ كَذَا ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ مَجْهُولٌ ، وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْحَصَاةِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَفِي حَدِيثٍ : وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْإِنَاثِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِي بُطُونِهَا وَذَلِكَ ) أَيْ وَجْهُ الْمَنْعِ ( أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : ثَمَنُ شَاتِي الْغَزِيرَةِ ) كَثِيرَةِ اللَّبَنِ ( ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ بِدِينَارَيْنِ وَلِي مَا فِي بَطْنِهَا ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ) أَيْ حَرَامٌ ( لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ ) أَمَّا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ فَبَيِّنٌ ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مُبْقًى فَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَرْئِيَّةَ إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهَا مَجْهُولٌ مُتَنَاهِي الْجَهَالَةِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي بَاقِي الْجُمْلَةِ جَهَالَةً تَمْنَعُ صِحَّةَ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَيْهَا ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَلَا الْجُلْجُلَانِ ) بِضَمِّ الْجِيمَيْنِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ فَأَلِفٌ فَنُونٌ السِّمْسِمُ فِي قِشْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ ( بِدُهْنِ الْجُلْجُلَانِ وَلَا الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَدْخُلُهُ ) إِذْ لَا يُدْرَى هَلْ يَخْرُجُ مِثْلُ مَا أَعْطَى أَمْ لَا . ( وَلِأَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْحَبَّ وَمَا أَشْبَهَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ فَهَذَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ ) وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ . ( وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ الْمَجْدُ : دُهْنُ ثَمَرِ الْبَانِ قَبْلَ أَنْ يُزَيَّتَ ( فَذَلِكَ غَرَرٌ لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ هُوَ السَّلِيخَةُ ) وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ( وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ ; لِأَنَّ الْبَانَ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنُشَّ ) بِضَمِّ النُّونِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خُلِطَ ، يُقَالُ : دُهْنٌ مَنْشُوشٌ أَيْ مَخْلُوطٌ ( وَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِ السَّلِيخَةِ ) أَيْ صِفَتِهَا فَيَجُوزُ كَلَحْمٍ طُبِخَ بِتَابِلٍ فَيَجُوزُ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، إِنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ ) أَيِ الْغَرَرِ . ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحٍ إِنْ كَانَ ) أَيْ وُجِدَ ( فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ وَإِنْ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَذَهَبَ عَنَاؤُهُ ) بِالْمَدِّ تَعَبُهُ ( بَاطِلًا فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَلِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ ) وَفِي نُسْخَةٍ بِقَدْرِ ( مَا عَالَجَ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ( وَمَا كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ رِبْحٍ فَهُوَ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ ) لِبَقَاءِ السِّلْعَةِ عَلَى مِلْكِهِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ . ( وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ وَبِيعَتْ فَإِنْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ) لِفَسَادِهِ بِجَهْلِ الثَّمَنِ ( وَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً يَبُتُّ بَيْعَهُمَا ) أَيْ عَقْدَاهُ عَلَى اللُّزُومِ وَالْقَطْعِ ( ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ : ضَعْ ) أَسْقِطْ ( عَنِّي فَيَأْبَى ) يَمْتَنِعُ ( الْبَائِعُ وَيَقُولُ بِعْ فَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ ) لِوُقُوعِهِ بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ ( وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَصَفَهُ لَهُ ) أَيْ لِأَجْلِهِ ( وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَا بَيْعَهُمَا وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) وَهُوَ عِدَّةٌ ، اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَضَاءِ بِهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ : وَذَلِكَ لَهُ لَزِمَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَمَلَهُ بِمَا وَعَدَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَتِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَنْقُصُهُ بِحَسَبِ مَا يُشْبِهُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ إِنْ نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَقَالَ أَشْهَبُ : يُرْضِيهِ بِحَسَبِ مَا نَوَى ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : جَعَلَهُ مَالِكٌ مَرَّةً إِجَارَةً فَاسِدَةً أَيْ كَمَا هُنَا وَمَرَّةً بَيْعًا فَاسِدًا . وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَصْبَغُ وَبِهِ أَقُولُ وَهُوَ الْقِيَاسُ ، إِذْ لَوْ وَطِئَهَا لَمْ يُحَدَّ ، وَلَوْ كَانَ إِجَارَةً لَحُدَّ وَهِيَ فِي ضَمَانِهِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ ، وَأَجَابَ ابْنُ زَرْقُونَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ عَلَى أَنَّهَا إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ إِنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَلِاسْمِ الْبَيْعِ الَّذِي قَصَدَاهُ .
1352 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ : ابْتَعْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ حَتَّى أَبْتَاعَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَرِهَهُ وَنَهَى عَنْهُ . 1352 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ : ابْتَعْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ حَتَّى أَبْتَاعَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَرِهَهُ وَنَهَى عَنْهُ ) أُدْخِلَ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ مُبْتَاعَهُ بِالنَّقْدِ إِنَّمَا ابْتَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مُبْتَاعَهُ لِأَجَلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، فَتَضَمَّنَ بَيْعَتَيْنِ : بَيْعَةَ النَّقْدِ وَبَيْعَةَ الْأَجَلِ ، وَفِيهَا مَعَ ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ لِأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ الْبَعِيرَ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ وَسَلَّفَ بِزِيَادَةٍ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ مَا نَقَدَهُ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَالْعِينَةُ فِيهَا أَظْهَرُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
33 - بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ 1351 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . 33 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ 1351 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الرِّوَايَةُ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى إِرَادَةِ الْهَيْئَةِ ، وَقِيلَ إِنَّهُ الْأَحْسَنُ ( فِي بَيْعَةٍ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ عَقْدُ الْبَيْعِ بَيْعَتَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَتِمَّ مِنْهُمَا إِلَّا وَاحِدَةٌ مَعَ لُزُومِ الْعَقْدِ كَشُرْبٍ بِدِينَارٍ وَآخَرَ بِدِينَارَيْنِ يختار أَيُّهُمَا شَاءَ وَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ أَحَدَهُمَا فَهَذَا لَا يَجُوزُ كَانَ أَحَدُهُمَا بِنَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِنَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَعْنَى الْفَسَادِ فِيهِ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّهُ أَخَذَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ ثُمَّ تَرَكَهُ ، وَأَخَذَ الثَّانِيَ بِدِينَارَيْنِ فَصَارَ إِلَى أَنْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبَيْنِ وَدِينَارَيْنِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَ هَذَيْنِ النوعين يختار أَيَّهُمَا شَاءَ وَقَدْ أَلْزَمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ أَحَدُهُمَا فَيَجُوزُ .
1353 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ نَقَدَ الْعَشَرَةَ كَانَ إِنَّمَا اشْتَرَى بِهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إِلَى أَجَلٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ : إِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَنْبَغِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ : أَشْتَرِي مِنْكَ هَذِهِ الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، أَوْ الصَّيْحَانِيَّ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ ، أَوْ الْحِنْطَةَ الْمَحْمُولَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، أَوْ الشَّامِيَّةَ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ قَدْ وَجَبَتْ لِي إِحْدَاهُمَا : إِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ صَيْحَانِيًّا ، فَهُوَ يَدَعُهَا وَيَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ الْعَجْوَةِ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ الْحِنْطَةِ الْمَحْمُولَةِ فَيَدَعُهَا وَيَأْخُذُ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ ، فَهَذَا أَيْضًا مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّعَامِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ . 1353 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ ) مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ كَمَا أَوْضَحَهُ حَيْثُ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا أَوِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ ) حَالَ كَوْنِهَا ( قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ نَقَدَ الْعَشَرَةَ كَانَ إِنَّمَا اشْتَرَى بِهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي إِلَى أَجَلٍ ) لِجَوَازِ أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ اخْتَارَ أَوَّلًا إِنْفَاذَ الْبَيْعِ بِأَخْذِ الثَّمَنَيْنِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَلَمْ يُظْهِرْهُ وَعَدَلَ إِلَى الْآخَرِ ، وَهَذَا لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَى التَّرْجِيحِ فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ فَمُنِعَ لِلذَّرِيعَةِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى الْإِلْزَامِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ بِالْخِيَارِ لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ إِلَى أَجَلٍ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ ) أَيْ لَزِمَهُ ( بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ إِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَنْبَغِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ) فَيُمْنَعُ لِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ : أَشْتَرِي مِنْكَ هَذِهِ الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوِ الصَّيْحَانِيَّ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ عَلَى لُزُومِ الْبَيْعِ بِأَحَدِهِمَا ( أَوِ الْحِنْطَةَ الْمَحْمُولَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوِ الشَّامِيَّةَ عَشَرَةَ أَصْوُعٍ بِدِينَارٍ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ وَجَبَتْ لِي إِحْدَاهُمَا ) أَيْ لَزِمَتْ ( أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لَهُ عَشَرَةَ آصعٍ صَيْحَانِيًّا فَهُوَ يَدَعُهَا وَيَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنَ الْعَجْوَةِ ) وَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ عُدَّ مُنْتَقِلًا ( أَوْ يجِبُ عَلَيْهِ ) وَفِي نُسْخَةٍ لَهُ : ( خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنَ الْحِنْطَةِ الْمَحْمُولَةِ فَيَدَعُهَا وَيَأْخُذُ عَشَرَةَ آصُعٍ مِنَ الشَّامِيَّةِ فَهَذَا أَيْضًا مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ ) لِجَوَازِ أَنَّهُ رَضِيَ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْآخَرِ فَبَاعَ الْأَوَّلَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ( وَهُوَ أَيْضًا يُشْبِهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ) وَالشَّبَهُ ظَاهِرٌ ( وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّعَامِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ) لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُخَيَّرَ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا .
32 - بَاب بَيْعِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُوزَنُ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ النُّحَاسِ وَالشَّبَهِ وَالرَّصَاصِ وَالْآنُكِ وَالْحَدِيدِ وَالْقَضْبِ وَالتِّينِ وَالْكُرْسُفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ رِطْلُ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ وَرِطْلُ صُفْرٍ بِرِطْلَيْ صُفْرٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا خَيْرَ فِيهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ ذَلِكَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْاسْمِ مِثْلُ الرَّصَاصِ وَالْآنُكِ وَالشَّبَهِ وَالصُّفْرِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ إِذَا قَبَضْتَ ثَمَنَهُ ، إِذَا كُنْتَ اشْتَرَيْتَهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ، فَإِنْ اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ وَزْنًا حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ مِثْلُ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْخَبَطِ وَالْكَتَمِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى إِذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا وَإِنْ كَانَتْ الْحَصْبَاءَ وَالْقَصَّةَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا ، وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا . 32 - بَابُ بَيْعِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُوزَنُ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ النُّحَاسِ وَالشَّبَهِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَعْلَى النُّحَاسِ يُشْبِهُ الذَّهَبَ ( وَالرَّصَاصِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ رَصَاصَةٌ . ( وَالْآنُكِ ) بِهَمْزَةٍ وَنُونٍ وَكَافٍ وِزَانُ أَفْلُسٍ : الرَّصَاصُ الْخَالِصُ وَيُقَالُ الْأَسْوَدُ ، وَقِيلَ : وَزْنُ فَاعِلٍ إِذْ لَيْسَ فِي الْعَرَبِيِّ فَاعُلٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَأَمَّا الْآنُكُ وَالْآجُرُ فِيمَنْ خَفَّفَ وَآمُلٌ وَكَابُلٌ فَأَعْجَمِيَّاتٌ ، ( وَالْحَدِيدِ ) الْمَعْدِنُ الْمَعْرُوفُ ، ( وَالْقَضْبِ ) بِإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، ( وَالتِّينِ ) الْمَأْكُولُ ، ( وَالْكُرْسُفِ ) الْقُطْنُ ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بِأَسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ رِطْلُ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ وَرِطْلُ صُفْرٍ بِرِطْلَيْ صُفْرٍ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَتُكْسَرُ : النُّحَاسُ الْجَيِّدُ . ( وَلَا خَيْرَ فِيهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ مِنْ ذَلِكَ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ مِنْهُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ مِثْلُ الرَّصَاصِ وَالْآنُكِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَإِسْكَانِ الثَّانِيَةِ وَضَمِّ النُّونِ ( وَالشَّبَهِ وَالصُّفْرِ ) فَإِنَّهُمَا شَدِيدَا الشَّبَهِ ( فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ) لِاتِّحَادِ الصِّنْفِ حَقِيقَةً . ( وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَها قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ إِذَا قَبَضْتَ ثَمَنَهُ إِذَا كُنْتَ اشْتَرَيْتَهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ، فَإِنِ اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ جِزَافًا ) لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِكَ بِالْعَقْدِ ( وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ وَزْنًا حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ ) تَقْبِضَهُ ( وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ مِثْلُ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى ) التَّمْرِ ( وَالْخَبَطِ ) بِفَتْحَتَيْنِ مَا يُخْبَطُ بِالْعَصَا مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ لِيُعْلَفَ لِلدَّوَابِّ . ( وَالْكَتَمِ ) بِفَتْحَتَيْنِ نَبْتٌ فِيهِ حُمْرَةٌ يُخْلَطُ بِالْوَسْمَةِ وَيُخْتَضَبُ بِهِ لِلسَّوَادِ ، وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ : الْكَتَمُ مِنْ نَبَاتِ الْجِبَالِ وَرَقُهُ كَوَرَقِ الْآسِ يُخْضَبُ بِهِ مَدْقُوقًا ، ثَمَرٌ كَقَدْرِ الْفُلْفُلِ وَيَسْوَدُّ إِذَا نَضِجَ ، وَقَدْ يُعْتَصَرُ مِنْهُ دُهْنٌ يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِي الْبَوَادِي ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ منه وَاحِدٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةُ صِنْفٍ ( اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى إِذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ ) أَيْ لِغَيْرِ ( الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ ) لَا لَهُ فَيُمْنَعُ لِمَا مَرَّ . ( وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا وَإِنْ كَانَتِ الْحَصْبَاءَ ) بِالْمَدِّ صِغَارُ الْحَصَى يُنْتَفَعُ بِهَا فِي فَرْشٍ كَمَسْجِدٍ ( وَالْقَصَّةَ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ الْجِصُّ بِلُغَةِ الْحِجَازِ ( وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ ) مُثَنًّى ( إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا ، وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ ) بِالْإِفْرَادِ ( وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا ) فَإِنْ كَانَ نَقْدًا جَازَ .
31 - بَاب السُّلْفَةِ فِي الْعُرُوضِ 1350 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ فَأَرَادَ بَيْعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ وَكَرِهَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ، وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْصُوفًا فَسَلَّفَ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ فَهُوَ الرِّبَا ، صَارَ الْمُشْتَرِي إِنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَانْتَفَعَ بِهَا ، فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي ، بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا ، فَصَارَ أَنْ رَدَّ إِلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ ، أَوْ بَعْدَمَا يَحِلُّ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْعَرْضُ إِلَّا الطَّعَامَ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يَقْبِضُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ ذَلِكَ قَبُحَ وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ : أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إِلَى أَجَلٍ وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ إِلَّا بِعَرْضٍ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ لَهَا بَيِّنٍ خِلَافُهُ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَلَّفَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاضَى صَاحِبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ ، وَوَجَدَ عِنْدَهُ ثِيَابًا دُونَهَا مِنْ صِنْفِهَا ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَثْوَابُ : أُعْطِيكَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ ثِيَابِي هَذِهِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأَثْوَابَ الَّتِي يُعْطِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَيْضًا ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ ثِيَابًا لَيْسَتْ مِنْ صِنْفِ الثِّيَابِ الَّتِي سَلَّفَهُ فِيهَا . 31 - بَابُ السُّلْفَةِ فِي الْعُرُوضِ 1365 1350 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ أَوَّلَهُ وَمُوَحَّدَةٍ آخِرَهُ شُقَقٌ رَقِيقَةٌ جَمْعُ سِبَّةٍ بِالْكَسْرِ وَسَبِيبَةٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى سُبُوبٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : السَّبَائِبُ عَمَائِمُ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : شُقَقُ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمَلَاحِفُ . ( فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تِلْكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ وَكَرِهَ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى ) نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ) فَيُتَّهَمَانِ عَلَى السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ وَجَعَلَا الْعَقْدَ عَلَى السَّبَائِبِ مُحَلَّلًا بَيْنَهُمَا . ( وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهَا من غير الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ ) أَيْ يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ ، لَكِنَّ حُجَّةَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ كَأَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ الطَّعَامَ ، فَإِدْخَالُ غَيْرِهِ فِي مَعْنَاهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ وَلَا قِيَاسٍ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَاللَّهُ أَحَلَّ الْبَيْعَ مُطْلَقًا إِلَّا مَا خَصَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَوْ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ ، وَحَدِيثُ حَكِيمٍ رَفَعَهُ : إِذَا ابْتَعْتَ شَيْئًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ إِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَامَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ حَدِيثَ حَكِيمٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ اهـ . ( فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ عُرُوضٍ ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَوْصُوفًا فَسَلَّفَ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سَلَّفَهُ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ الرِّبَا ) بِعَيْنِهِ ( صَارَ الْمُشْتَرِي إِنْ أَعْطَى الَّذِي بَاعَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ) فَانْتَفَعَ بِهَا فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ السِّلْعَةُ الَّتِي بَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي بَاعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا سَلَّفَهُ فِيهَا فَصَارَ الْأَمْرُ ( أَنْ رَدَّ إِلَيْهِ مَا سَلَّفَهُ وَزَادَهُ مِنْ عِنْدِهِ ) وَذَلِكَ الرِّبَا . ( وَمَنْ سَلَّفَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا فِي حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ ) بِالْجَمْعِ ، وَفِي نُسْخَةٍ عَرْضٍ ( إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنَ الْبَائِعِ ) أَيْ لَهُ ( قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ أَوْ بَعْدَمَا يَحِلُّ بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ) جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَإِنِ اتَّحَدَ مَعْنَاهُمَا ( بَالِغًا مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْعَرْضُ إِلَّا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ . ( وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ ) أَيْ لِغَيْرِ ( الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ يَقْبِضُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ ذَلِكَ قَبُحَ ) حَرُمَ ( وَدَخَلَهُ مَا يُكْرَهُ ) أَيْ يَحْرُمُ ( مِنَ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ) بِالْهَمْزِ أَيِ التَّأْخِيرِ ، وَمِنْهُ : بَلَغَ بِكَ أَكْلَأَ الْعُمْرِ أَيْ أَطْوَلَهُ وَأَشَدَّهُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : تَعَفَّفْتُ عَنْهَا فِي الْعُصُورِ الَّتِي خَلَتْ فَكَيْفَ التَّصَابِي بَعْدَمَا أكَلَأَ الْعُمُرُ ( وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ) وَقِيلَ : مَأْخُوذٌ مِنَ الْكَلْأِ وَهُوَ الْحِفْظُ ، وَإِطْلَاقُ هَذَا الِاسْمِ عَلَى الدَّيْنِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مَكْلُوءٌ لَا كَالِئٌ ، وَإِنَّمَا الْكَالِئُ صَاحِبُهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَكْلَأُ صَاحِبَهُ أَيْ يَحْرُسُهُ لِأَجْلِ مَالِهِ قِبَلَهُ ، فَعَلَاقَةُ الْمَجَازِ الْمُلَازَمَةُ أَيْ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَازِمًا لِلْآخَرِ ، إِذْ يَلْزَمُ مِنَ الْحَافِظِ مَحْفُوظٌ وَعَكْسُهُ ، وَقَدْ جَاءَ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَدَافِقٍ أَوْ مَدْفُوقٍ ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى مُلَابِسِ الْفِعْلِ أَيْ كَالِئُ صَاحِبِهِ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَوْ مَجَازٌ بِالْحَذْفِ أَيْ مِنْ بَيْعِ مَالِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّ رَاوِيَهُ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ لَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَصِحُّ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . ( وَمَنْ سَلَّفَ فِي سِلْعَةٍ إِلَى أَجَلٍ وَتِلْكَ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا تُؤْكَلُ وَلَا تُشْرَبُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ شَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ ، وَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ إِلَّا بِعَرْضٍ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ) لِمَا مَرَّ بَيَانُهُ ( وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ لَمْ تَحِلَّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ لَهَا بَيِّنٍ ) أَيْ ظَاهِرٍ ( خِلَافُهُ يَقْبِضُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ) لِمَا مَرَّ . ( قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَلَّفَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِي أَرْبَعَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إِلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاضَى صَاحِبَهَا ) طَلَبَهَا مِنْهُ ( فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ وَوَجَدَ عِنْدَهُ ثِيَابًا دُونَهَا مِنْ صِنْفِهَا ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَثْوَابُ : أُعْطِيكَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَثْوَابٍ مِنْ ثِيَابِي هَذِهِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا أَخَذَ تِلْكَ الْأَثْوَابَ الَّتِي يُعْطِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ ( وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَحِلِّ ) أَيْ حُلُولِ ( الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَيْضًا إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ ثِيَابًا لَيْسَتْ مِنْ صِنْفِ الثِّيَابِ الَّتِي سَلَّفَهُ فِيهَا ) فَيَجُوزُ .
30 - بَاب السَّلَفِ وَبَيْعِ الْعُرُوضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ 1349 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : آخُذُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ مَا اشْتَرَطَ مِنْهُ ، كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ جَائِزًا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ مِنْ الْكَتَّانِ أَوْ الشَّطَوِيِّ أَوْ الْقَصَبِيِّ بِالْأَثْوَابِ مِنَ الْإِتْرِيبِيِّ أَوْ الْقَسِّيِّ أَوْ الزِّيقَةِ أَوْ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ أَوْ الْمَرْوِيِّ بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّقَائِقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، الْوَاحِدُ بِالْاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ يَدًا بِيَدٍ ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَسِيئَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيَبِينَ اخْتِلَافُهُ ، فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الْمَرْوِيِّ أَوْ الْقُوهِيِّ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنْ الْفُرْقُبِيِّ بِالثَّوْبِ مِنْ الشَّطَوِيِّ ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ . 30 - بَابُ السَّلَفِ وَبَيْعِ الْعُرُوضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ 1349 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ ) مُجْتَمِعَيْنِ لِتُهْمَةِ الرِّبَا ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِهِ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِزِيَادَةٍ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَرِبْحِ مَا لَمْ تَضْمَنْ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : آخُذُ سِلْعَتَه بِكَذَا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي كَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ) أَيْ حَرَامٌ لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى قَصْدِ السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ ، فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ دَافِعَ السَّلَفِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ السِّلْعَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِالسَّلَفِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِيَ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ السِّلْعَةَ بِمَا دَفَعَهُ مِنَ الثَّمَنِ بِالِانْتِفَاعِ بِالسَّلَفِ . ( فَإِنْ تَرَكَ الَّذِي اشْتَرَطَ السَّلَفَ ) مَعَ الْبَيْعِ ( مَا اشْتَرَطَ مِنْهُ ) أَيِ السَّلَفَ ( كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ جَائِزًا ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ مِنَ الْكَتَّانِ أَوِ الشَّطَوِيِّ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى شَطَا قَرْيَةٌ بِأَرْضِ مِصْرَ ( أَوِ الْقَصَبِيِّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ ، قَالَ الْمَجْدُ : الْقَصَبُ ثِيَابٌ نَاعِمَةٌ مِنْ كَتَّانٍ الْوَاحِدَةُ قَصَبِيٌّ ( بِالْأَثْوَابِ مِنَ الْإِتْرِيبِيِّ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ وَرَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ ثِيَابٌ تُعْمَلُ بِإِتْرِيبَ قَرْيَةٌ مِنْ مِصْرَ . ( أَوِ الْقَسِّيِّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْيَاءِ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ فِيهِ خُطُوطٌ مِنْ حَرِيرٍ مَنْسُوبَةٌ إِلَى قَيس قَرْيَةٌ بمصر عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ . ( أَوِ الزِّيقَةِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ نِسْبَةً إِلَى زِيقَ مَحَلَّةٌ بِنَيْسَابُورَ ، وَقَالَ الْبَوْنِيُّ : ثِيَابٌ تُعْمَلُ بِالصَّعِيدِ غِلَاظٌ رَدِيَّةٌ ، وَنَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ . ( أَوِ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ ) بِفَتْحَتَيْنِ نِسْبَةً إِلَى هَرَاةَ مَدِينَةٍ بِخُرَاسَانَ . ( أَوِ الْمَرْوِيِّ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ نِسْبَةً إِلَى مَرْوَ بَلْدَةٍ بِفَاسَ وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا الْآدَمِيُّ بِزِيَادَةِ زَايٍ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلِذَا تَظَرَّفَ الْقَائِلُ : وَمَرْوَزِيٌّ جَاءَ فِي الْأَنَاسِي وَالثَّوْبُ مَرْوِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ ( بِالْمَلَاحِفِ الْيَمَانِيَّةِ ) جَمْعُ مِلْحَفَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْمُلَاءَةُ الَّتِي يُلْتَحَفُ بِهَا . ( وَالشَّقَائِقِ ) مِنَ الثِّيَابِ وَهِيَ الْأُزْرُ الضَّيِّقَةُ الرَّدِيَّةُ قَالَهُ الْبَوْنِيُّ ، كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ . ( وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ بِالِاثْنَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ يَدًا بِيَدٍ أَوْ إِلَى أَجَلٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ نَسِيئَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ) لَا يَجُوزُ ( وَلَا يَصْلُحُ حَتَّى يَخْتَلِفَ فَيَبِينَ ) بِالنَّصْبِ يَظْهَرَ ( اخْتِلَافُهُ ) ظُهُورًا وَاضِحًا ( فَإِذَا أَشْبَهَ بَعْضُ ذَلِكَ بَعْضًا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْهَرَوِيِّ بِالثَّوْبِ مِنَ الْمَرْوِيِّ أَوِ الْقُوهِيِّ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَهَاءٍ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : ثِيَابٌ بِيضٌ ( إِلَى أَجَلٍ أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْفُرْقُبِيِّ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْقَافِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَبَاءٌ نِسْبَةً إِلَى فُرْقُبٍ ، قَالَ الْمَجْدُ : كَقُنْفُذٍ مَوْضِعٌ وَمِنْهُ الثِّيَابُ الْفُرْقُبِيَّةُ أَوْ هِيَ ثِيَابٌ بِيضٌ مِنْ كَتَّانٍ ( بِالثَّوْبِ مِنَ الشَّطَوِيِّ ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ) وَجَازَ يَدًا بِيَدٍ . ( وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ ) أَيْ لِغَيْرِ ( الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْهُ إِذَا أُنْقِدْتَ ثَمَنَهُ ) مِنْهُ .
29 - بَاب مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ 1348 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغِيِّ : مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ : رَشْوَتُهُ وَمَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَهَّنَ . قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ . 29 - بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ 1363 1348 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ الْفَقِيهِ ، اسْمُهُ كُنْيَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ وَلَا يَصِحُّ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ قُرَيْشٍ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ لَا يُفْطِرُ ، مَاتَ فَجْأَةً بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . ( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ) عُقْبَةَ بِالْقَافِ ابْنِ عَمْرٍو ( الْأَنْصَارِيِّ ) يُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَدْرًا ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَعَ فِي نُسْخَةِ يَحْيَى ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِالْوَاوِ وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْيَدِ وَسُوءِ النَّقْلِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ كُلُّهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، أَمَّا لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَلَا . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) الْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهِ اتِّفَاقًا لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَعَنْ بَيْعِهِ وَالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ ، وَمَنْ لَا ثَمَنَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا قُتِلَ ، كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَنْفَعَةِ لَا تُبِيحُ الْمَبِيعَ كَأُمِّ الْوَلَدِ يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَا تُبَاعُ ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ كَالشَّافِعِيِّ نَجَاسَتُهُ فَلَا يُبَاعُ مُطْلَقًا كَمَا لَا تُبَاعُ الْعَذِرَةُ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ : يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا ، حَتَّى قَالَ سَحْنُونٌ : أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ ، وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ لِحَدِيثِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ . ( وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ . ( وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرُ حَلَوْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتَهُ ، إِلَى هُنَا الْحَدِيثُ ، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ : ( يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغِيِّ مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَى ) وَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا وَسُمِّيَ مَهْرًا لِشَبَهِهِ بِالْمَهْرِ فِي الصُّورَةِ . ( وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ رِشَوْتُهُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا . ( وَ ) هِيَ ( مَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَهَّنَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شَبَّهَ مَا يُعْطَى الْكَاهِنُ بِشَيْءٍ حُلْوٍ لِأَخْذِهِ إِيَّاهُ سَهْلًا دُونَ كُلْفَةٍ ، يُقَالُ : حَلَوْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْحُلْوَ ، وَعَسَلْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْعَسَلَ ، وَالْحُلْوُ أَيْضًا الرِّشْوَةُ وَالْحُلْوَانُ فِي غَيْرِ هَذَا مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ وَهُوَ عَيْبٌ عِنْدَ النِّسَاءِ ، قَالَتِ امْرَأَةٌ تَمْدَحُ زَوْجَهَا : لَا يَأْخُذُ الْحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِنَا . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَاهِنُ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ كَذِبٌ كُلُّهُ ، قَالَ تَعَالَى : تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : الْآيَةُ 222 ) وَهُوَ مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَاهِنُ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَةَ عِلْمِ الْغَيْبِ وَيُخْبِرُ النَّاسَ عَنِ الْكَوَائِنِ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَهَنَةٌ يَدَّعُونَ مَعْرِفَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يُدْرِكُ الْأُمُورَ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا وَهُوَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا كَالشَّيْءِ يُسْرَقُ فَيَعْرِفُ الْمَظْنُونَ بِهِ السَّرِقَةُ ، وَالْمَرْأَةِ تُتَّهَمُ فَيَعْرِفُ مَنْ صَاحِبُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا ، وَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ . وَفِي الْإِجَارَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَاللَّيْثُ فِي مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي ) الْمُجْتَرِئِ الْمُولَعِ بِالصَّيْدِ ( وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) وَأَطْلَقَ فَشَمِلَهُمَا ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ عَنْهُ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ فِي الْمِيرَاثِ وَالْمَغَانِمِ وَالدَّيْنِ أَوْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِهِ ، خِلَافًا لِتَشْهِيرِ بَعْضِهِمْ كَالْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ الْكَرَاهَةَ ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةً أَوْ زَرْعًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَمَنْ قَتَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَأَسْقَطَهَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ فِيهِمَا ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِمَا .
1329 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ مِنْ الرَّجُلِ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ . 1343 1329 - ( مَالِكٌ ، عَنْ كَثِيرٍ ) بِلَفْظٍ ضِدُّ قَلِيلٍ ( ابْنِ فَرْقَدٍ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَقَافٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ الْمَدَنِيِّ نَزِيلُ مِصْرَ مِنَ الثِّقَاتِ ( أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ مِنَ الرَّجُلِ ) أَيْ إِلَيْهِ ( بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ ) مَنَعَهُ .
1330 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : بِمِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ، ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَيْعِهِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ ، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا الْحِنْطَةَ إِلَى أَجَلٍ تَمْرًا مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ ، وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ التَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَرِ التَّمْرِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا . 1343 1330 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ ) أَنَّهُ كَرِهَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( وَابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنْ لَا ) زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 12 ) ، ( يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَيِّعِهِ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ ، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا ) أَيِ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ ( الْحِنْطَةَ إِلَى أَجَلٍ ) تَمْرًا ( مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ ) الْمُعَبَّرِ عَنْهُ قَبْلَهُ بِبَيِّعِهِ بِالتَّثْقِيلِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لُغَةً بَائِعٌ وَبَيِّعٌ ( الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ التَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ التَّمْرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ . ( وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَافَقُوهُ عَلَى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُمْ .
20 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ 1328 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَنْهَيَانِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ . 20 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ 1342 1328 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَنْهَيَانِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ) أَوِ الْمَرْأَةُ ( حِنْطَةً بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ تَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ ) مِنْ مُشْتَرِي الْحِنْطَةِ لِلنَّهْمَةِ .
28 - بَاب بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُحُوشِ : أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ ، إِذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ بِلَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُحُوشِ كُلِّهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَرَى لُحُومَ الطَّيْرِ كُلَّهَا مُخَالِفَةً لِلُحُومِ الْأَنْعَامِ وَالْحِيتَانِ ، فَلَا أَرَى بَأْسًا بِأَنْ يُشْتَرَى بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ . 28 - بَابُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ ) كَالظِّبَاءِ وَالْمَهَا ( أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ ) جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ ( يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً ( وَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ إِذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأَسَ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ بِلَحْمِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْوُحُوشِ كُلِّهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ) لِرِبَا النَّسَاءِ . ( وَأَرَى كُلَّهَا مُخَالِفَةً لِلُحُومِ الْأَنْعَامِ وَالْحِيتَانِ فَلَا أَرَى بَأْسًا بِأَنْ يُشْتَرَى بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ) لِاخْتِلَافِ الصِّنْفِ ( يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ ) لِرِبَا النَّسَاءِ .
1346 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ . 1360 1346 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ( أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : مِنْ مَيْسِرِ ) أَيْ قِمَارِ ( أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنَ الْقِمَارِ وَالْمُزَابَنَةِ لِقَوْلِهِ مَيْسِرِ وَهُوَ الْقِمَارُ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : إِنَّمَا دَخَلَ ذَلِكَ فِي الْمُزَابَنَةِ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لَهُ مِنْ جُزُرِهِ أَوْ شَاتِهِ الْمُعَيَّنَةِ أَرْطَالًا فَمَا زَادَ فَلَهُ وَمَا نَقَصَ فَعَلَيْهِ كَانَ هُوَ الْمُزَابَنَةَ ، فَلَمَّا مُنِعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ اشْتِرَاءُ الْجَزُورِ وَلَا الشَّاةِ بِلَحْمٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى .
1347 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا اشْتَرَى شَارِفًا بِعَشَرَةِ شِيَاهٍ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِيَنْحَرَهَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ النَّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكَانَ ذَلِكَ يُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ . 1361 1347 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالنَّاهِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ابْنُ الزِّنَادِ : فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) أَيْ أَخْبِرْنِي الْحُكْمَ عَنْ رَجُلٍ ( اشْتَرَى شَارِفًا ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَأَلِفٍ وَرَاءٍ وَفَاءٍ : الْمُسِنَّةُ مِنَ النُّوقِ وَالْجَمْعُ الشُّرُفُ مِثْلُ بَازِلٍ وَبُزُلٍ ( بِعَشْرِ شِيَاهٍ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا لِيَنْحَرَهَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ) أَيْ لَا يَجُوزُ إِذْ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِلَحْمٍ ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ نَحْرَهَا جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَى حَيَوَانًا بِحَيَوَانٍ فَوَكَّلَ إِلَى نِيَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ ، قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي . ( قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ النَّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ وَكَانَ ذَلِكَ يُكْتَبُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ ) جَمْعُ عَامِلٍ ( فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَان ) بْنِ عَفَّانَ ( وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ) الْمَخْزُومِيِّ ( يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ ) فَيَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ .
27 - بَاب بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ 1345 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ . 27 - بَابُ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ 1359 1345 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ لِلتَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَهُوَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ، إِذْ لَا يُدْرَى هَلْ فِي الْحَيَوَانِ مِثْلُ اللَّحْمِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ ، وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مُرْسَلُ سَعِيدٍ هَذَا ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ . وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَرْوَانَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي حَدِيثِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عن القعنبي ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ مُرْسَلًا ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
26 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ 1343 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا . 26 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ 1357 1343 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ ( عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ فِيهِمَا إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ مَصْدَرُ حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ ، وَالثَّانِيَ اسْمٌ جَمْعُ حَابِلٍ كَظَالِمٍ وَظَلَمَةٍ وَكَاتِبٍ وَكَتَبَةٍ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ : هُوَ جَمْعُ حَابِلَةٍ . ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : التَّاءُ فِي الْحَبَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ : شَجَرَةُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْحَبَلُ مُخْتَصٌّ بِالْآدَمِيَّاتِ وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِنَّ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا حَمْلٌ إِلَّا مَا فِي الْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِ الْبَاءِ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ غَلَطٌ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . ( وَكَانَ ) بَيْعُ الْحَبَلَةِ ( بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ ) مِنْهُمْ ( يَبْتَاعُ الْجَزُورَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ وَهُوَ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ( إِلَى أَنْ تُنْتَجَ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَيْ تَلِدَ ، وَهُوَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ نَحْوُ : جُنَّ وَزُهِيَ عَلَيْنَا أَيْ تَكَبَّرَ ( النَّاقَةُ ) مَرْفُوعًا بِإِسْنَادِ تُنْتَجَ إِلَيْهَا أَيْ تَضَعَ وَلَدَهَا ، فَوَلَدُهَا نِتَاجٌ بِكَسْرِ النُّونِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ ( ثُمَّ يُنْتَجَ الَّذِي فِي بَطْنِهَا ) أَيْ ثُمَّ تَعِيشَ الْمَوْلُودَةُ حَتَّى تَكْبُرَ ثُمَّ تَلِدُ ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ مَا فِي الْأَجَلِ مِنَ الْغَرَرِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمَلَ الَّتِي نَتَجَتْ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقِيلَ : هُوَ بَيْعُ وَلَدِ وَلَدِ النَّاقَةِ الْحَامِلِ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَقُولَ : إِذَا نُتِجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ ثُمَّ نُتِجَتِ الَّتِي فِي بَطْنِهَا فَقَدْ بِعْتُكَ وَلَدَهَا ، فَنَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ غَرَرٌ ، وَبِهِ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ فَإِنَّ ذَاكَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالنَّهْيُ وَارِدٌ عَلَيْهِ ، وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ تَقْدِيمُ تَفْسِيرِ الرَّاوِي إِذَا لَمْ يُخَالِفِ الظَّاهِرَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قِيلَ تَفْسِيرُهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَكَيْفَ يُقَالُ إِذَا لَمْ يُخَالِفِ الظَّاهِرَ ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرِ الْوَاقِعُ ، فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهَذَا الْأَجَلِ فَلَيْسَ التَّفْسِيرُ حَلًّا لِلَّفْظِ بَلْ بَيَانًا لِلْوَاقِعِ ، وَمُحَصِّلُ هَذَا الْخِلَافِ كَمَا قَالَ ابْنُ التِّينِ هَلِ الْمُرَادُ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْعُ الْجَنِينِ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلِ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَةُ الْأُمِّ أَوْ وِلَادَةُ وَلَدِهَا ؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلِ الْمُرَادُ بَيْعُ الْجَنِينِ الْأَوَّلِ أَوْ بَيْعُ جَنِينِ الْجَنِينِ ؟ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ اهـ . وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : هُوَ عِنْدِي بَيْعُ حَبَلِ الْكَرْمَةِ وَالْحَبَلَةُ الْكَرْمَةُ لِأَنَّهَا تَحْبَلُ بِالْعِنَبِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَكُونُ هَذَا أَصْلًا فِي مَنْعِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِدُونِ ذِكْرِ التَّفْسِيرِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا عُلِمَ .
1344 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : لَا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَالْمَضَامِينُ : بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إِنَاثِ الْإِبِلِ ، وَالْمَلَاقِيحُ : بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ، عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يُدْرَى هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا ؟ فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا . 1358 1344 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : لَا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ ) الْمُخْتَلِفِ جِنْسُهُ كَمُتَّحِدٍّ وَبِيعَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ بِيعَ إِلَى أَجَلٍ وَاخْتَلَفَتْ صِفَاتُهُ جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يُعْطِيَ بَعِيرًا فِي بَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ ، فَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ حُرْمَةِ الرِّبَا . وَأُجِيبَ بِحَمْلِهِ عَلَى مُخْتَلِفِ الصِّفَةِ وَالْمَنَافِعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ اتَّفَقَتِ الصِّفَاتُ أَوِ اخْتَلَفَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ( سورة الْبَقَرَةُ : الْآيَةُ 275 ) وَالرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ وَهَذِهِ زِيَادَةٌ . ( وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ : الْمَضَامِينِ ) جَمْعُ مَضْمُونٍ يُقَالُ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى يَضْمَنُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : مَضْمُونُ الْكِتَابِ كَذَا وَكَذَا . ( وَالْمَلَاقِيحِ ) جَمْعُ مَلْقُوحٍ ( وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ ) وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ . ( وَالْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إِنَاثِ الْإِبِلِ ) لِأَنَّ الْبَطْنَ قَدْ ضَمِنَ مَا فِيهِ ( وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ ) جَمْعُ جَمَلٍ ، ذَكَرُ الْإِبِلِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُلَقِّحُ النَّاقَةَ ، وَلِذَا سُمِّيَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي يُلَقَّحُ بِهَا الثِّمَارُ فَحْلًا . وَوَافَقَ الْإِمَامَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ ، وَعَكْسُهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَقَالَ : الْمَضَامِينُ مَا فِي الظُّهُورِ ، وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ ، وَزَعَمَ أَنَّ تَفْسِيرَ مَالِكٍ مَقْلُوبٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَالِكًا أَعْلَمُ مِنْهُ بِاللُّغَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ ) أَيِ الْمُعَيَّنِ كَجَمَلٍ وَحِصَانٍ مُعَيَّنَيْنِ ( إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا ) قَيْدٌ فِي الْمَنْعِ وَجَوَّزَ فِي الْمُدَوَّنَةِ النَّقْدَ فِيمَا قَرُبَ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ فَيُخْشَى دُخُولُ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَهُوَ غَرَرٌ . ( وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يَدْرِي هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذَلِكَ ) لِتَرَدُّدِ الثَّمَنِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ ( وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُونًا مَوْصُوفًا ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ أَوَّلًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّرَدُّدِ .
21 - بَاب السُّلْفَةِ فِي الطَّعَامِ 1331 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ تَمْرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَحَلَّ الْأَجَلُ فَلَمْ يَجِدْ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَفَاءً مِمَّا ابْتَاعَ مِنْهُ فَأَقَالَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا وَرِقَهُ أَوْ ذَهَبَهُ أَوْ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ غَيْرَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ أَوْ صَرَفَهُ فِي سِلْعَةٍ غَيْرِ الطَّعَامِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ ، فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ : أَقِلْنِي وَأُنْظِرُكَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَخَّرَ عَنْهُ حَقَّهُ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ بَيْعَ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ حَلَّ الْأَجَلُ وَكَرِهَ الطَّعَامَ أَخَذَ بِهِ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ ، وَإِنَّمَا الْإِقَالَةُ مَا لَمْ يَزْدَدْ فِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْإِقَالَةُ إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ بَيْعًا وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَحْمُولَةً بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَافِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِمَّا سَلَّفَ فِيهِ أَوْ أَدْنَى بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا أَوْ شَامِيَّةً ، وَإِنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ عَجْوَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ صَيْحَانِيًّا أَوْ جَمْعًا ، وَإِنْ سَلَّفَ فِي زَبِيبٍ أَحْمَرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْوَدَ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ، إِذَا كَانَتْ مَكِيلَةُ ذَلِكَ سَوَاءً بِمِثْلِ كَيْلِ مَا سَلَّفَ فِيهِ . 21 - بَابُ السُّلْفَةِ فِي الطَّعَامِ 1344 1331 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ) فَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ ( فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ ) أَيْ يَظْهَرْ ( صَلَاحُهُ أَوْ تَمْرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ) أَيْ يَظْهَرْ ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَحَلَّ الْأَجَلُ فَلَمْ يَجِدِ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَفَاءً ) بِالْمَدِّ ( مِمَّا ابْتَاعَ مِنْهُ فَأَقَالَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا وَرِقَهُ ) فِضَّتَهُ أَوْ ذَهَبَهُ أَوِ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ غَيْرَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ أَوْ صَرَفَهُ فِي سِلْعَةٍ غَيْرِ الطَّعَامِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى يُقْبَضَ ( وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ) فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ ( فَإِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعِ أَقِلْنِي وَأُنْظِرُكَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أُؤَخِّرُكَ ( بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَخَّرَ عَنْهُ حَقَّهُ عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ فَكَأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ) وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ حَلَّ الْأَجَلَ وَكَرِهَ الطَّعَامَ أَخَذَ بِهِ دِينَارًا إِلَى أَجَلٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ وَإِنَّمَا مَا لَمْ يَزْدَدْ فِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ ) تَأْخِيرٍ ( إِلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْإِقَالَةُ إِذَا فَعَلَا ذَلِكَ بَيْعًا ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ ) فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ إِلَّا أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يُقِيلَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ( مَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ ) أَيْ تَأْخِيرٌ ( فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ نَظِرَةٌ صَارَ بَيْعًا يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ ) فَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُهُ وَانْتِفَاءُ مَوَانِعِهِ ، وَالْإِقَالَةُ فِي الطَّعَامِ بِشَرْطِهِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْجَوَازِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا بَيْعٌ لَا حِلُّهُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَى مُخَصِّصٍ يُخْرِجُهَا مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَالْمُخَصِّصُ اسْتِثْنَاؤُهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ كَمَا تَرَى ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إِنَّهَا حِلُّ بَيْعٍ فَلَا حَاجَةَ لِلِاعْتِذَارِ وَلَيْسَ الْجَوَازُ عِنْدَهَا وَلَا رُخْصَةَ ، وَمَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ جَوَازُ التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَمَنَعَهُمَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ بِمَنْعِ الشَّرِكَةِ ، وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى جَوَازِ التَّوْلِيَةِ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ كَالْإِقَالَةِ وَلِلْحَدِيثِ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَحْمُولَةً بَعْدَ مَحِلِّ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ حُلُولِ ( الْأَجَلِ ) لَا قَبْلَهُ ( وَكَذَلِكَ مَنْ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِمَّا سَلَّفَ ) لِأَنَّهُ حُسْنُ قَضَاءٍ ( فِيهِ أَوْ أَدْنَى ) لِأَنَّهُ حُسْنُ اقْتِضَاءٍ ( بَعْدَ الْأَجَلِ ) لَا قَبْلَهُ ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُسْلِّفَ الرَّجُلُ فِي حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا أَوْ شَامِيَّةً وَإِنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ عَجْوَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ ) بَدَلَهُ ( صَيْحَانِيًّا أَوْ ) تَمْرًا ( جَمْعًا ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ رَدِيئًا ( وَإِنْ سَلَّفَ فِي زَبِيبٍ أَحْمَرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْوَدَ ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حُسْنُ اقْتِضَاءٍ ( إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ إِذَا كَانَتْ مَكِيلَةُ ذَلِكَ سَوَاءً بِمِثْلِ كَيْلِ مَا سَلَّفَ فِيهِ ) فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ بَعْدَ الْحُلُولِ وَقَدْرُ الْكَيْلِ فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الصِّفَةِ .
1341 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ . 1355 1341 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اشْتَرَى رَاحِلَةً ) مَرْكَبًا مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَقِيلَ هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تُرْحَلَ وَجَمْعُهَا رَوَاحِلُ ( بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ ) جَمْعُ بَعِيرٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ( مَضْمُونَةٍ ) عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ( يُوَفِّيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَرْيَةٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ .
1342 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ ، الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ يَدًا بِيَدٍ ، وَالدَّرَاهِمُ إِلَى أَجَلٍ ، قَالَ : وَلَا خَيْرَ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ ، الدَّرَاهِمُ نَقْدًا وَالْجَمَلُ إِلَى أَجَلٍ ، وَإِنْ أَخَّرْتَ الْجَمَلَ وَالدَّرَاهِمَ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الْبَعِيرَ النَّجِيبَ بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنْ الْحَمُولَةِ مِنْ مَاشِيَةِ الْإِبِلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَعَمٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، إِذَا اخْتَلَفَتْ فَبَانَ اخْتِلَافُهَا وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ ، فَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَوَصَفَهُ وَحَلَّاهُ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ عَلَى مَا وَصَفَا وَحَلَّيَا ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 1356 1342 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ ) ذَكَرُ الْإِبِلِ ( بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَا سَلَفَ فِيهِ ( وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ ) أَيْ بَيْعِهِ ( بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُسْتَقِلٌّ ( وَالدَّرَاهِمُ إِلَى أَجَلٍ وَلَا خَيْرَ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ ، الدَّرَاهِمُ نَقْدًا وَالْجَمَلُ إِلَى أَجَلٍ ) أَيْ لَا يَجُوزُ ( وَإِنْ أَخَّرْتَ الْجَمَلَ وَالدَّرَاهِمَ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ) أَيْ لَا يَجُوزُ . ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ ) بِجِيمٍ وَزْنُ كِرِيمٍ وَمَعْنَاهُ ( بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنَ الْحَمُولَةِ ) بِالْفَتْحِ الْجَمَاعَةُ ( مِنْ حَاشِيَةِ الْإِبِلِ ) أَيْ دُونَهَا ( وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَعَمٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ إِذَا اخْتَلَفَتْ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا ) ظَهَرَ ( وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ وَتَفْسِيرُ ) أَيْ بَيَانُ ( مَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ ) أَيْ حَمْلٍ . ( فَإِنْ كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ ) وَوَجْهُ تَفْرِقَتِهِ هَذِهِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ يُصَيِّرُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ جِنْسَيْنِ ، وَيَتَّضِحُ مَعَهُ أَنَّ الْقَصْدَ بِالْمُبَايَعَةِ حُصُولُ النَّفْعِ وَالْغَرَضِ لَا الزِّيَادَةُ فِي السَّلَفِ ، وَأَيْضًا فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَيْسَ الْقَصْدُ إِلَّا الْمَنَافِعَ لِأَنَّهَا الَّتِي تُمْلَكُ ، وَأَمَّا الذَّوَاتُ فَلَا يَمْلِكُهَا إِلَّا خَالِقُهَا وَإِنْ كَانَتِ الْمَنَافِعُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ دَابَّةِ الْحَمْلِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ آخَرَ مِنْ جِنْسِهَا الْجَرْيُ صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ دَابَّةٍ وَثَوْبٍ ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ مَنَافِعُ الْجِنْسِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ إِنْ قَدَّمَ الْأَقَلَّ سَلَّفَ بِزِيَادَةٍ وَإِنْ قَدَّمَ الْأَكْثَرَ فَضَمَانٌ يُجْعَلُ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَجَلٍ وَسَلَّفَهُ لِيَنْتَفِعَ بِالضَّمَانِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ ، فَلَوْ تَحَقَّقَ السَّلَفُ دُونَ مَنْفَعَةٍ لَا مُحَقَّقَةٍ وَلَا مُقَدَّرَةٍ جَازَ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً فَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ فَمَنَعُوا بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ وَجَعَلُوهُ نَاسِخًا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ رُبَاعِيًّا وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى مُتَّحِدِ الْجِنْسِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَرْجَحُ إِذْ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالِاحْتِمَالِ . ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْهُ ) لِاخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالطَّعَامِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْأَحَادِيثِ ( إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ ) لَا بِمُؤَجَّلٍ . ( وَمَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَوَصَفَهُ وَحَلَّاهُ ) أَيْ وَصَفَهُ فَالْعَطْفُ مُسَاوٍ ( وَنَقَدَ ثَمَنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ عَلَى مَا وَصَفَا وَحَلَّيَا وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) الْمَدِينَةِ .
25 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَالسَّلَفِ فِيهِ 1340 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ . 25 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَالسَّلَفِ فِيهِ 1354 1340 - ( مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ) الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ ( عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ وَأَبُوهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ( أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرًا ) بِلَفْظِ تَصْغِيرِ عُصْفُورٍ ( بِعِشْرِينَ بَعِيرًا ) صِغَارًا ( إِلَى أَجَلٍ ) لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ .
1333 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا ، وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ . 1346 1333 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ) بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيَّ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَاتَ أَبُوهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلِذَلِكَ عُدَّ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ( فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ ) لِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا .
22 - بَاب بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا 1332 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ : فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا ، وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ . 22 - بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا 1346 1332 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ : فَنِيَ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَرَغَ ( عَلَفُ حِمَارِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ ( فَقَالَ لِغُلَامِهِ : خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ ) لِأَنَّهُ يَرَى اتِّحَادَهُمَا جِنْسًا .
1334 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ كُلِّهِ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلُ لَمْ يَصْلُحْ وَكَانَ حَرَامًا ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْأُدْمِ كُلِّهَا إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، فَلَا يُبَاعُ مُدُّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَلَا مُدُّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ ، وَلَا مُدُّ زَبِيبٍ بِمُدَّيْ زَبِيبٍ ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْأُدْمِ كُلِّهَا ، إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ ؛ إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلُ ، وَلَا يَحِلُّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ ، وَصَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ سَمْنٍ ، فَإِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ ، وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ جِزَافًا . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ جِزَافًا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا اشْتِرَاءُ ذَلِكَ جِزَافًا كَاشْتِرَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جِزَافًا . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّكَ تَشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِالْوَرِقِ جِزَافًا ، وَالتَّمْرَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا ، فَهَذَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ صَبَّرَ صُبْرَةَ طَعَامٍ وَقَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا ثُمَّ بَاعَهَا جِزَافًا وَكَتَمَ عَلَى الْمُشْتَرِيَ كَيْلَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، فَإِنْ أَحَبَّ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ بِمَا كَتَمَهُ كَيْلَهُ وَغَرَّهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ جِزَافًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا خَيْرَ فِي الْخُبْزِ قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ وَلَا عَظِيمٍ بِصَغِيرٍ ، إِذَا كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يُتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ مُدُّ زُبْدٍ وَمُدُّ لَبَنٍ بِمُدَّيْ زُبْدٍ ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي يُبَاعُ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ ، حِينَ قَالَ لِصَاحِبِهِ : إِنَّ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ الْعَجْوَةِ لَا يَصْلُحُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ لِيُجِيزَ بَيْعَهُ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ صَاحِبُ اللَّبَنِ اللَّبَنَ مَعَ زُبْدِهِ لِيَأْخُذَ فَضْلَ زُبْدِهِ عَلَى زُبْدِ صَاحِبِهِ حِينَ أَدْخَلَ مَعَهُ اللَّبَنَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالدَّقِيقُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ الدَّقِيقَ فَبَاعَهُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَوْ جَعَلَ نِصْفَ الْمُدِّ مِنْ دَقِيقٍ وَنِصْفَهُ مِنْ حِنْطَةٍ فَبَاعَ ذَلِكَ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ ، كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ حِنْطَتِهِ الْجَيِّدَةِ حَتَّى جَعَلَ مَعَهَا الدَّقِيقَ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ . 1346 1334 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مُعَيْقِيبِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ وَمُوَحَّدَةٍ ابْنِ أَبِي فَاطِمَةَ ( الدَّوْسِيِّ ) حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَمُعَيْقِيبٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ وَوَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ لِعُمَرَ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَوْ عَلِيٍّ ، وَلَهُ وَلَدَانِ : الْحَارِثُ ، وَمُحَمَّدٌ ، رَوَيَا عَنْهُ ( مِثْلُ ذَلِكَ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ عُفَيْرٍ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ مُعَيْقِيبٍ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا عَنْ مُعَيْقِيبٍ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الشَّامِيِّينَ أَيْضًا ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ مَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ خُبْزِ الْحِنْطَةِ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ مَالِكٌ حَتَّى يُشَنِّعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَيَقُولُ : الْقِطُّ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ إِذَا رُمِيَتْ لَهُ لُقْمَتَانِ إِحْدَاهُمَا شَعِيرٌ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهَا وَيُقْبِلُ عَلَى لُقْمَةِ الْبُرِّ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَمَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ السُّيُورِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ أَنَّهُ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ لَيُخَالِفَنَّ مَالِكًا فِي الْمَسْأَلَةِ فَمُبَالَغَةٌ وَلَا يرَدُّ أَنَّ حَلِفَهُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَهُوَ مِنَ الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَلَفَ عَلَى أَنْ يُخَالِفَهُ وَقَدْ فَعَلَ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ كُلِّهِ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً وَإِنْ جَازَ الْفَضْلُ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ ( فَإِنْ دَخَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلُ لَمْ يَصْلُحْ وَكَانَ حَرَامًا ، وَلَا ) يُبَاعُ ( شَيْءٌ مِنَ الْأُدُمِ كُلِّهَا إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ رِبَا النَّسَاءِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَشَذَّ ابْنُ عُلَيَّةَ وَبَعْضُ السَّلَفِ فَأَجَازُوا النَّسِيئَةَ مَعَ الِاخْتِلَافِ وَلَوْ بَلَغَتْهُمُ السُّنَّةُ مَا خَالَفُوهَا لِفَضْلِهِمْ وَعِلْمِهِمْ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأُدُمِ إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ) أَيْ مُتَفَاضِلًا ( لَا يُبَاعُ مُدُّ حِنْطَةٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ) بِالتَّثْنِيَةِ ( وَلَا مُدُّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ ) بِالتَّثْنِيَةِ ( تَمْرٍ ، وَلَا مُدُّ زَبِيبٍ بِمُدَّيْ زَبِيبٍ ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْأُدُمِ كُلِّهَا إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) مُبَالَغَةً لِرِبَا الْفَضْلِ ( إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلُ ) الزِّيَادَةُ وَلَوْ قُلْتَ ( وَلَا يَحِلُّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) أَيْ مُتَسَاوِيًا ( وَيَدًا بِيَدٍ ) أَيْ مُنَاجَزَةً . ( وَإِذَا اخْتَلَفَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ فَبَانَ ) أَيْ ظَهَرَ ( اخْتِلَافُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ ) لَا مُؤَخَّرًا . ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ ، وَصَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ سَمْنٍ ) لِاخْتِلَافِ الصِّنْفِ فِي الْجَمِيعِ كَمَا قَالَ . ( فَإِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ ) أَيْ مُخْتَلِفَ الصِّنْفِ ( الْأَجَلُ فَلَا يَحِلُّ ) وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَادَةَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَفِيهِ : فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَالْآخِذُ وَالْمُعْطِي سَوَاءٌ ( وَلَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ فِي مُتَّحِدِ الصِّنْفِ . ( وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ ) أَيْ بَيْعِهَا ( بِصُبْرَةِ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحِنْطَةَ بِالتَّمْرِ جِزَافًا ) مُثَلَّثُ الْجِيمِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ ، ( وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأُدُمِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُ ) ظَهَرَ كَقَمْحٍ وَتَمْرٍ لَا إِنْ لَمْ يَبِنْ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ ( فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ جِزَافًا يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ) أَيْ يُمْنَعُ لِلنَّسِيئَةِ ( وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ ذَلِكَ جِزَافًا كَاشْتِرَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جِزَافًا ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تَشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِالْوَرِقِ جِزَافًا وَالتَّمْرَ بِالذَّهَبِ جِزَافًا فَهَذَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ ) لَا كُرْهَ وَلَا خِلَافَ أَوْلَى . ( قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ صَبَّرَ ) بِالتَّثْقِيلِ ( صُبْرَةَ طَعَامٍ وَقَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا ثُمَّ بَاعَهَا جِزَافًا وَكَتَمَ الْمُشْتَرِيَ كَيْلَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ بَيْعِ الْجِزَافِ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ( فَإِنْ أَحَبَّ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ بِمَا ) أَيْ بِسَبَبِ مَا ( كَتَمَهُ كَيْلَهُ وَغَرَّهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ جِزَافًا وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ ) وَإِنْ أَحَبَّ لَمْ يَرُدُّهُ . ( وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا خَيْرَ فِي خُبْزٍ قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ وَلَا عَظِيمٍ ) أَيْ كَبِيرٍ ( بِصَغِيرٍ إِذَا كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يُتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فِيهِمَا أَيْ مُتَسَاوِيًا ( فَلَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ ) مُبَالَغَةٌ ( وَلَا يَصْلُحْ مُدُّ زُبْدٍ ) بِضَمِّ الزَّايِ ( وَمُدُّ لَبَنٍ بِمُدَّيْ زُبْدٍ وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي يُبَاعُ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ وَصَاعًا مِنْ حَشَفٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ عَجْوَةٍ حِينَ قَالَ لِصَاحِبِهِ : إِنَّ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنَ الْعَجْوَةِ لَا يَصْلُحُ ) لِلرِّبَا ( فَفَعَلَ ذَلِكَ لِيُجِيزَ بَيْعَهُ ) فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ( وَإِنَّمَا جَعَلَ صَاحِبُ اللَّبَنِ اللَّبَنَ مَعَ زُبْدِهِ لِيَأْخُذَ فَضْلَ زُبْدِهِ ) أَيْ زِيَادَةَ ( عَلَى زُبْدِ صَاحِبِهِ حِينَ أَدْخَلَ مَعَهُ اللَّبَنَ ) وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ . ( وَالدَّقِيقُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ الدَّقِيقَ فَبَاعَهُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) فَلِذَا جَازَ ( وَلَوْ جَعَلَ نِصْفَ الْمُدِّ مِنْ دَقِيقٍ وَنِصْفَهُ مِنْ حِنْطَةٍ فَبَاعَ ذَلِكَ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ ( لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ حِنْطَتِهِ الْجَيِّدَةِ حِينَ جَعَلَ مَعَهَا الدَّقِيقَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ .
24 - بَاب الْحُكْرَةِ وَالتَّرَبُّصِ 1337 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا ، لَا يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا ، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ ، فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ . 24 - بَابُ الْحُكْرَةِ وَالتَّرَبُّصِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ اسْمٌ مِنَ احْتَكَرَ الطَّعَامَ إِذَا حَبَسَهُ إِرَادَةً لِلْغَلَاءِ ، وَالْحَكَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي لُغَةً بِمَعْنَاهُ ، وَالتَّرَبُّصُ الِانْتِظَارُ فَكَأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ . 1352 1337 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا لَا يَعْمِدُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ يَقْصِدُ ( رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ ) زِيَادَاتٌ عَنْ أَقْوَاتِهِمْ ( مِنْ أَذْهَابٍ ) جَمْعُ ذَهَبٍ كَأَسْبَابٍ وَسَبَبٍ ( إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا ) يَحْبِسُونَهُ عَنَّا إِلَى أَنْ يَغْلُوَ السِّعْرُ ( وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ : أَرَادَ بِهِ ظَهْرَهُ لِأَنَّهُ يُمْسِكُ الْبَطْنَ وَيُقَوِّيهِ فَصَارَ كَالْعَمُودِ لَهُ ، وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عَلَى تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلَى ظَهْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : يُرِيدُ بِكَبِدِهِ الْحَامِلَةَ لِأَنَّ الْجَالِبَ إِنَّمَا يَحْمِلُ عَلَى دَوَابِّهِ لَا عَلَى ظَهْرِهِ ( فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) قَالَ عِيسَى : يَعْنِي فِي قَلْبِ الشِّتَاءِ وَشِدَّةِ بَرْدِهِ وَقَلْبِ الصَّيْفِ وَشِدَّةِ حَرِّهِ ( فَذَلِكَ ضَيْفُ ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ ( عُمَرَ ) لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي إِمْسَاكِ مَا جَلَبَ ( فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ ) لِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنِ الْجَلْبِ ، فَإِنْ جُبِرَ عَلَى بَيْعِهِ بِسِعْرِ الْوَقْتِ لِرَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ .
1338 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ وَإِمَّا أَنْ تُرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا . 1352 1338 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ ) بْنِ حِمَاسٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ ، قَالَ ابْنُ حَبَّانَ : ثِقَةٌ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمَحَ مَرَّةً امْرَأَةً فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فَرَدَّهُمَا عَلَيْهِ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيِّ حَلِيفِ بَنِي أَسَدٍ شَهِدَ بَدَرًا اتِّفَاقًا ، وَمَاتَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ( وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ ) بِأَرْخَصَ مِمَّا يَبِيعُ النَّاسُ ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ ) بِأَنْ تَبِيعَ بِمِثْلِ مَا يَبِيعُ أَهْلُ السُّوقِ ( وَإِمَّا أَنْ تُرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا ) لِئَلَّا تَضُرَّ بِأَهْلِ السُّوقِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ لَيْسَ لَهُمُ الْبَيْعُ بِأَرْخَصَ مِمَّا يَبِيعُ أَهْلُ السُّوقِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ ، وَقَالَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ إِذْ لَا يُلَامُ أَحَدٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْحَطِيطَةِ فِيهِ ، بَلْ يُشْكَرُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ لِوَجْهِ النَّاسِ ، وَيُؤْجَرُ إِنْ فَعَلَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى .
1339 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْحُكْرَةِ . 1352 1339 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحُكْرَةِ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا فَهُوَ خَاطِئٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مَعْمَرٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ . وَلَهُ وَلِلْحَاكِمِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا : الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ .
23 - بَاب جَامِعِ بَيْعِ الطَّعَامِ 1335 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ : أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ الطَّعَامَ يَكُونُ مِنْ الصُّكُوكِ بِالْجَارِ ، فَرُبَّمَا ابْتَعْتُ مِنْهُ بِدِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ ، فَأُعْطَى بِالنِّصْفِ طَعَامًا ، فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا وَلَكِنْ أَعْطِ أَنْتَ دِرْهَمًا وَخُذْ بَقِيَّتَهُ طَعَامًا . 23 - بَابُ جَامِعِ 1348 1335 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ) الْخُزَاعِيِّ مَوْلَاهُمْ ، وَيُقَالُ مَوْلَى ثَقِيفٍ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَيْخٌ مَدَنِيٌّ صَالِحٌ ، وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . ( أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ الطَّعَامَ ) وَقَوْلُهُ ( يَكُونُ مِنَ الصُّكُوكِ ) جَمْعُ صَكٍّ ( بِالْجَارِ ) بِجِيمٍ السَّاحِلِ الْمَعْرُوفِ سَاقِطٌ لِلْأَكْثَرِ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( فَرُبَّمَا ابْتَعْتُ مِنْهُ بِدِينَارٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ أَفَأُعْطَى بِالنِّصْفِ طَعَامًا ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : لَا وَلَكِنْ أَعْطِ أَنْتَ دِرْهَمًا وَخُذْ بَقِيَّتَهُ طَعَامًا ) نَصَبَ بَقِيَّتَهُ عَلَى التَّوَسُّعِ .
1336 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِصَاحِبِهِ لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ فَبِعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَقُولُ صَاحِبُ الطَّعَامِ : هَذَا لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : فَبِعْنِي طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ حَتَّى أَقْضِيَكَهُ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ طَعَامًا ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ فَيَصِيرُ الذَّهَبُ الَّذِي أَعْطَاهُ ثَمَنَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُ الطَّعَامُ الَّذِي أَعْطَاهُ مُحَلِّلًا فِيمَا بَيْنَهُمَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَاهُ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلِغَرِيمِهِ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : أُحِيلُكَ عَلَى غَرِيمٍ لِي عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ بِطَعَامِكَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ ؛ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ ؛ إِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يُحِيلَ غَرِيمَهُ بِطَعَامٍ ابْتَاعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ وَذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ؛ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ سَلَفًا حَالًّا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَ بِهِ غَرِيمَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنْزَلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُنْزِلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُسَلِّفُ الدَّرَاهِمَ النُّقَّصَ فَيُقْضَى دَرَاهِمَ وَازِنَةً فِيهَا فَضْلٌ فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ ، وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ دَرَاهِمَ نُقَّصًا بِوَازِنَةٍ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ حِينَ أَسْلَفَهُ وَازِنَةً ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ نُقَّصًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ، وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بَيْعٌ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَالتِّجَارَةِ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا مُكَايَسَةَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ طَعَامًا بِرُبُعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ كِسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعْطَى بِذَلِكَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ طَعَامًا بِكِسْرٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُعْطَى دِرْهَمًا وَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْكِسْرَ الَّذِي عَلَيْهِ فِضَّةً وَأَخَذَ بِبَقِيَّةِ دِرْهَمِهِ سِلْعَةً ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ دِرْهَمًا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ بِرُبُعٍ أَوْ بِثُلُثٍ أَوْ بِكِسْرٍ مَعْلُومٍ سِلْعَةً مَعْلُومَةً ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سِعْرٌ مَعْلُومٌ ، وَقَالَ الرَّجُلُ : آخُذُ مِنْكَ بِسِعْرِ كُلِّ يَوْمٍ ، فَهَذَا لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً وَلَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى بَيْعٍ مَعْلُومٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا جِزَافًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنْهُ وَذَلِكَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ ذَلِكَ إِلَى الْمُزَابَنَةِ وَإِلَى مَا يُكْرَهُ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ إِلَّا الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . 1348 1336 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ : لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْبُلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ ) أَيْ يَشْتَدَّ حَبُّهُ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ ، قَالَ عِيَاضٌ : فَرَّقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَازَ بَيْعَ الثِّمَارِ بِأَوَّلِ الطِّيبِ وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الزَّرْعِ حَتَّى يَتِمَّ طِيبُهُ لِأَنَّ الثِّمَارَ تُؤْكَلُ غَالِبًا مِنْ أَوَّلِ الطِّيبِ ، وَالزَّرْعُ لَا يُؤْكَلُ غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ الطِّيبِ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِصَاحِبِهِ : لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ فَبِعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلٍ فَيَقُولُ صَاحِبُ الطَّعَامِ هَذَا لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ ( لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى ) أَيْ يُقْبَضَ ( فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : فَبِعْنِي طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ حَتَّى أَقْضِيَكَهُ ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْطِيهِ طَعَامًا ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ فَيَصِيرُ الذَّهَبُ الَّذِي أَعْطَاهُ ثَمَنَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُ الطَّعَامُ الَّذِي أَعْطَاهُ مُحَلَّلًا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَاهُ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ) فَلَمْ يَخْرُجَا عَنِ النَّهْيِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ : أُحِيلُكَ عَلَى غَرِيمٍ لِي عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ بِطَعَامِكَ ) مُتَعَلِّقٌ بِأُحِيلُكَ ( الَّذِي لَكَ عَلَيَّ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ إِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ ابْتَاعَهُ فَأَرَادَ أَنْ يُحِيلَ غَرِيمَهُ بِطَعَامٍ ابْتَاعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ) لَا يَجُوزُ مِنَ الصَّلَاحِ ضِدُّ الْفَسَادِ ( وَذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ) فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ( فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ سَلَفًا حَالًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَ بِهِ غَرِيمَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ) كَمَا مَرَّ مُسْنَدًا . ( غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدِ اجْتَمَعُوا ) أَيِ اتَّفَقُوا ( عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ ) لِغَيْرِهِ فِي بَعْضِ مَا اشْتَرَاهُ ( وَالتَّوْلِيَةِ ) لِمَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ( وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنْزَلُوهُ ) أَيِ الْمَذْكُورَ مِنَ الثَّلَاثِ ( عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ) فَأَجَازُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الطَّعَامِ ( وَلَمْ يُنْزِلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِقَالَةَ حِلُّ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ ، وَمَرَّ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا بَيْعٌ وَهُمَا قَوْلَانِ . ( وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُسَلِّفُ الدَّرَاهِمَ النُّقَّصَ فَيُقْضَى دَرَاهِمَ وَازِنَةً فِيهَا فَضْلٌ ) زِيَادَةٌ ( فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ حُسْنُ قَضَاءٍ ( وَيَجُوزُ ) جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَقْوِيَةً ( وَلَوِ اشْتَرَى دَرَاهِمَ نُقَّصًا بِوَازِنَةٍ لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ ) لِرِبَا الْفَضْلِ ( وَلَوِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ حِينَ أَسْلَفَهُ وَازِنَةً وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ نُقَّصًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ ) لِلشَّرْطِ وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا ( وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَأَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا . ( وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بَيْعٌ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَالتِّجَارَةِ وَأَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا مُكَايَسَةَ فِيهِ ) أَيْ مُغَالَبَةَ . ( وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ طَعَامًا بِرُبْعٍ أَوْ بِثُلُثٍ أَوْ كِسْرٍ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ السِّينِ أَيْ قِطْعَةٍ ( مِنْ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعْطَى بِذَلِكَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ طَعَامًا بِكِسْرٍ ) قِطْعَةٍ ( مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُعْطَى دِرْهَمًا وَيَأْخُذُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِرْهَمِهِ سلعة مِنَ السِّلَعِ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْكِسْرَ ) الْقِطْعَةَ ( الَّذِي عَلَيْهِ فِضَّةً وَأَخَذَ بِبَقِيَّتِهِ سِلْعَةً فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ لَمْ يَدْخُلْهُمَا شَيْءٌ يُمْنَعُ . ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ دِرْهَمًا ثُمَّ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِرُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ بِكِسْرٍ مَعْلُومٍ سِلْعَةً مَعْلُومَةً ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سِعْرٌ مَعْلُومٌ وَقَالَ الرَّجُلُ آخُذُ مِنْكَ بِسِعْرِ كُلِّ يَوْمٍ فَهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ غَرَرٌ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا عَلَى بَيْعٍ مَعْلُومٍ ) بَيَانٌ لِلْغَرَرِ لِلْجَهْلِ بِمَا يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ سِعْرَهُ لِخَفْضِ السِّعْرِ وَارْتِفَاعِهِ . ( وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا جِزَافًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ وَذَلِكَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ ذَلِكَ إِلَى الْمُزَابَنَةِ وَإِلَى مَا يُكْرَهُ ) أَيْ يُمْنَعُ ( فَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ ، وَ ) هُوَ ( لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ إِلَّا الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ ) وَمُرَادُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ ( وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا جَازَ أَنْ يُسْتَثْنَى جَازَ أَنْ يُشْتَرَى وَهُوَ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ .
13 - بَاب السَّلَفِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا ، ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ قِرَاضًا إِنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ عَلَيْهِ سَلَفًا ، قَالَ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ ، ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إِيَّاهُ إِنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِيهِ فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْهُ ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصْلُحُ . 13 - بَابُ السِّلَفِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مَالًا ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ قِرَاضًا ) إِنْ شَاءَ ( أَوْ يُمْسِكَهُ ) وَقَدَّمَ ذَلِكَ مُعَلِّلًا فِي تَرْجَمَةِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ عَلَيْهِ سَلَفًا فَقَالَ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إِيَّاهُ إِنْ شَاءَ أَوْ يُمْسِكَهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ ) أَيْ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ ( مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِيهِ فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْهُ ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصْلُحُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا ، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ بَعْضُ التَّعَلُّقِ بِذِمَّتِهِ ، إِذْ لَوِ ادَّعَى الْخَسَارَةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَضْمَنُ ، وَلَوِ ادَّعَى التَّبْرِئَةَ لَمْ يَضْمَنْ ، فَإِذَا أَسْلَفَهُ إِيَّاهُ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ ، فَهُوَ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ .
9 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا : إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ ، فَإِذَا شَخَصَ فِيهِ الْعَامِلُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ ، وَيَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضَ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مَئُونَتِهِ ، وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا ، مِنْ ذَلِكَ تَقَاضِي الدَّيْنِ وَنَقْلُ الْمَتَاعِ وَشَدُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ مَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ ، إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةَ ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَخَرَجَ بِهِ وَبِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ : يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِ الْمَالِ . 9 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا : إِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْمِلُ النَّفَقَةَ ، فَإِذَا شَخَصَ ) بِفَتَحَاتٍ : سَافَرَ ( فِيهِ الْعَامِلُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرِهِ ) وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ ( وَيَسْتَأْجِرَ مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ ) وَحْدَهُ ( بَعْضَ ) مَفْعُولُ يَسْتَأْجِرُ ( مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مَؤُونَتِهِ ) مَفْعُولُ يَكْفِي ( وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ ) أَيِ الْعَامِلُ ( وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلُهَا مِنْ ذَلِكَ تَقَاضِي الدَّيْنِ ) طَلَبُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ( وَنَقْلُ الْمَتَاعِ وَشَدُّهُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنَ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ ) بِالْفَتْحِ ( أَنْ يَسْتَنْفِقَ ) بِسِينِ الطَّلَبِ أَيْ يَطْلُبَ أَنْ يُنْفِقَ ( مِنَ الْمَالِ وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ ) وَمَنْعُهُ مِنْ طَلَبِ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ مَنْعِهِ مِنْ فِعْلِهِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةَ 32 ) فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ لَا تَزْنُوا ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ : يَا عَاذِلَانِي لَا تُرِدْنَ مَلَامَتِي إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَسْنَ لِي بِأَمِيرِ أَبْلَغُ مِنْ لَا تَلُمْنِي . ( مَا كَانَ ) أَيْ مُدَّةُ كَوْنِهِ ( مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ إِنَّمَا تَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ إِذَا شَخَصَ ) سَافَرَ ( فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةَ ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَّجِرُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَلَا كُسْوَةَ ) وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا فَلَا كُسْوَةَ وَلَا نَفَقَةَ قَرُبَ السَّفَرُ أَوْ بَعُدَ ، قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا ، نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَخَرَجَ بِهِ وَبِمَالٍ لِنَفْسِهِ قَالَ : يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِ الْمَالِ ) وَاخْتُلِفَ فِي مُطْلَقِ عَقْدِ الْقِرَاضِ هَلْ يَقْتَضِي السَّفَرَ بِالْمَالِ ؟ فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ ( سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : الْآيَةَ 20 ) أَيْ يُسَافِرُونَ ، فَلَا يُنَافِيهِ مُطْلَقُ عَقْدِ الْقِرَاضِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُسَافِرُ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَانِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُسَافِرُ بِالْقَلِيلِ سَفَرًا بَعِيدًا إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
12 - بَاب الْبِضَاعَةِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سَلَفًا ، أَوْ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ سَلَفًا ، أَوْ أَبْضَعَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِضَاعَةً يَبِيعُهَا لَهُ ، أَوْ بِدَنَانِيرَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا سِلْعَةً ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ إِنَّمَا أَبْضَعَ مَعَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ لِإِخَاءٍ بَيْنَهُمَا ، أَوْ لِيَسَارَةِ مَئُونَةِ ، ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْزِعْ مَالَهُ مِنْهُ ، أَوْ كَانَ الْعَامِلُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ أَوْ حَمَلَ لَهُ بِضَاعَتَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالُهُ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْقِرَاضِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ شَرْطٌ ، أَوْ خِيفَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْعَامِلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ لِيُقِرَّ مَالَهُ فِي يَدَيْهِ أَوْ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ لِأَنْ يُمْسِكَ الْعَامِلُ مَالَهُ وَلَا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ وَهُوَ مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ . 12 - بَابُ الْبِضَاعَةِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سَلَفًا أَوِ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ ) أَيِ الْعَامِلُ ( صَاحِبُ الْمَالِ سَلَفًا أَوْ أَبَضَعَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِضَاعَةً يَبِيعُهَا لَهُ أَوْ بِدَنَانِيرَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا سِلْعَةً ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ إِنَّمَا أَبْضَعَ مَعَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلَهُ لِإِخَاءٍ ) بِالْمَدِّ : صَدَاقَةٍ وَمَوَدَّةٍ بَيْنَهُمَا ( أَوْ لِيَسَارَةِ ) سُهُولَةِ ( مَؤُونَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْزِعْ مَالَهُ ) الْمَجْعُولَ قِرَاضًا ( مِنْهُ ، أَوْ كَانَ الْعَامِلُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ أَوْ حَمَلَ لَهُ بِضَاعَتَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالُهُ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِ ) عَقْدِ ( الْقِرَاضِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ) كَأَنَّهُ أَرَادَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ أَوْ تَأْكِيدَ الْجَوَازِ . ( وَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ شَرْطٌ أَوْ خِيفَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْعَامِلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ لِيُقِرَّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ : يُبْقِيَ ( مَالَهُ فِي يَدَيْهِ ، أَوْ إِنَّمَا يضع ذَلِكَ رب الْمَالِ لِأَنْ يُمْسِكَ الْعَامِلُ مَالَهُ وَلَا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ ، وَهُوَ مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ) لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَعْلُومِ فَيَعُودُ مَجْهُولًا ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْبِضَاعَةِ لَهُ أُجْرَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الْعَامِلُ فِيهَا .
11 - بَاب الدَّيْنِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِدَيْنٍ فَرَبِحَ فِي الْمَالِ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ ، قَالَ : إِنْ أَرَادَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَقْبِضُوا ذَلِكَ الْمَالَ وَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَبِيهِمْ مِنْ الرِّبْحِ ، فَذَلِكَ لَهُمْ إِذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ كَرِهُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ وَخَلَّوْا بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَبَيْنَهُ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ إِذَا أَسْلَمُوهُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنْ اقْتَضَوْهُ فَلَهُمْ فِيهِ مِنْ الشَّرْطِ وَالنَّفَقَةِ مِثْلُ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِي ذَلِكَ ، هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَالَ ، فَإِذَا اقْتَضَى جَمِيعَ الْمَالِ وَجَمِيعَ الرِّبْحِ كَانُوا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ فَمَا بَاعَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ ، إِنْ بَاعَ بِدَيْنٍ فَقَدْ ضَمِنَهُ . 11 - بَابُ الدَّيْنِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى به سلعة ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِدَيْنٍ ) بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ( فَرَبِحَ فِي الْمَالِ ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ ، قَالَ : إِنْ أَرَادَ وَرَثَتُهُ ) أَيِ الْعَامِلِ ( أَنْ يَقْبِضُوا ذَلِكَ الْمَالَ وَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَبِيهِمْ مِنَ الرِّبْحِ فَذَلِكَ لَهُمْ ) إِلَى تَمَامِ الْعَمَلِ ( إِذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ ) عَالِمِينَ بِالْعَمَلِ ( فَإِذَا كَرِهُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ وَخَلَّوْا بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَبَيْنَهُ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ ) وَإِنْ كَانُوا أُمَنَاءَ ( وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ إِذَا أَسْلَمُوهُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ ) لِأَنَّ الْقِرَاضَ إِنَّمَا انْعَقَدَ فِي مَنَافِعِهِ وَأَمَانَتِهِ لَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ مَالُهُ . ( فَإِنِ اقْتَضَوْهُ فَلَهُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ ) عَلَى جُزْءِ الرِّبْحِ ( وَالنَّفَقَةِ مِثْلَ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِي ذَلِكَ هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ ) وَإِنَّمَا خُيِّرُوا لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِمُورِثِهِمْ حَقٌّ فِي الرِّبْحِ ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ . ( فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا بِالْعَمَلِ ( فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ) عَالِمٍ بِالْعَمَلِ ( فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَالَ ، فَإِذَا اقْتَضَى جَمِيعَ الْمَالِ وَجَمِيعَ الرِّبْحِ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِمْ ) فَلَهُمْ جُزْءُ الرِّبْحِ الَّذِي كَانَ شَرَطَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَمَا بَاعَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِنْ بَاعَ بِدَيْنٍ فَقَدْ ضَمِنَهُ ) إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِدَيْنٍ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ صَاحِبُ الْمَالِ .
6 - بَاب الْقِرَاضِ فِي الْعُرُوضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا إِلَّا فِي الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ فِي الْعُرُوضِ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْضِ خُذْ هَذَا الْعَرْضَ فَبِعْهُ فَمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ ، فَقَدْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلًا لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ وَمَا يَكْفِيهِ مِنْ مَئُونَتِهَا ، أَوْ يَقُولَ : اشْتَرِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ وَبِعْ ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَابْتَعْ لِي مِثْلَ عَرْضِي الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْعَرْضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَامِلِ فِي زَمَنٍ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ كَثِيرُ الثَّمَنِ ثُمَّ يَرُدَّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُّهُ وَقَدْ رَخُصَ فَيَشْتَرِيَهُ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ ، فَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَغْلُو ذَلِكَ الْعَرْضُ وَيَرْتَفِعُ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ فَيَشْتَرِيهِ بِكُلِّ مَا فِي يَدَيْهِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ بَاطِلًا ، فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ ، فَإِنْ جُهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يَمْضِيَ نُظِرَ إِلَى قَدْرِ أَجْرِ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ الْقِرَاضُ فِي بَيْعِهِ إِيَّاهُ وَعِلَاجِهِ ، فَيُعْطَاهُ ثُمَّ يَكُونُ الْمَالُ قِرَاضًا مِنْ يَوْمَ نَضَّ الْمَالُ وَاجْتَمَعَ عَيْنًا وَيُرَدُّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ . 6 - بَابُ الْقِرَاضِ فِي الْعُرُوضِ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا إِلَّا فِي الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ فِي الْعُرُوضِ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ ) كُلٌّ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ ( إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْضِ خُذْ هَذَا الْعَرْضَ فَبِعْهُ فَمَا خَرَجَ مِنْ ثَمَنِهِ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ ، فَقَدِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْمَالِ فَضْلًا لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْعِ سِلْعَتِهِ وَمَا يَكْفِيهِ مِنْ مُؤْنَتِهَا ) وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . ( أَوْ ) يُجْعَلُ الْعَرْضَ نَفْسَهُ رَأْسَ الْمَالِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي بِأَنْ ( يَقُولُ : اشْتَرِ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ وَبِعْ ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَابْتَعْ لِي مِثْلَ عَرْضِي الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ) فَلَا يَجُوزُ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى . ( وَ ) وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ ( لَعَلَّ صَاحِبَ الْعَرْضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَامِلِ فِي زَمَانٍ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ ) رَائِجٌ ( كَثِيرُ الثَّمَنِ ثُمَّ يَرُدَّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُّهُ وَقَدْ رَخُصَ ) بِضَمِّ الْخَاءِ ( فَيَشْتَرِيَهِ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ فَيَعْمَلَ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْلُوَ ذَلِكَ الْعَرْضُ وَيَرْتَفِعَ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ فَيَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ مَا فِي يَدَيْهِ فَيَذْهَبَ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( بَاطِلًا ) بِلَا شَيْءٍ ( فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ ) فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ ( فَإِنْ جُهِلَ ذَلِكَ ) وَاسْتَمَرَّ ( حَتَّى يَمْضِيَ ) يَنْقَضِيَ الْعَمَلُ ( نُظِرَ إِلَى قَدْرِ أَجْرِ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ الْقِرَاضُ فِي بَيْعِهِ إِيَّاهُ وَعِلَاجِهِ فَيُعْطَاهُ ، ثُمَّ يَكُونُ الْمَالُ قِرَاضًا مِنْ يَوْمِ نَضَّ الْمَالُ وَاجْتَمَعَ عَيْنًا ) تَفْسِيرٌ لَنَضَّ ( وَيُرَدُّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ ) وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ لِكَرَاهَةِ الْقِرَاضِ بِالْعُرُوضِ لَا يُشْكِلُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
10 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مَعَهُ مَالٌ قِرَاضٌ فَهُوَ يَسْتَنْفِقُ مِنْهُ وَيَكْتَسِي : إِنَّهُ لَا يَهَبُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلًا وَلَا غَيْرَهُ ، وَلَا يُكَافِئُ فِيهِ أَحَدًا ، فَأَمَّا إِنْ اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنْ حَلَّلَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ . 10 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النَّفَقَةِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مَعَهُ مَالٌ قِرَاضٌ فَهُوَ يَسْتَنْفِقُ ) بِسِينِ التَّأْكِيدِ ( مِنْهُ وَيَكْتَسِي : إِنَّهُ لَا يَهَبُ مِنْهُ شَيْئًا ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى النَّفَقَةَ إِلَى التَّفَضُّلِ عَلَى النَّاسِ ( وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلًا ) الدَّرَاهِمَ أَوِ الثِّيَابَ ، وَأَمَّا الْكُسْوَةُ وَالْقِطْعَةُ لِلسَّائِلِ الْمُتَكَفِّفِ فَيَجُوزُ . ( وَلَا ) يُعْطِي ( غَيْرَهُ ) شَيْئًا ( وَلَا يُكَافِئُ فِيهِ أَحَدًا ) أَسْدَى إِلَيْهِ مَعْرُوفًا يَخْتَصُّ بِهِ ، فَلَوْ كَافَأَ عَلَى مَعْرُوفٍ أُسْدِيَ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالتِّجَارَةِ جَازَ ، وَهَذَا فِعْلُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَمَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ هُوَ . ( فَأَمَّا إِنِ اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ ) عَلَى عَادَةِ الرُّفَقَاءِ فِي السَّفَرِ ( فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا ) أَيْ جَائِزًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ ( إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ) بِأَنْ أَتَى بِأَمْرٍ مُسْتَنْكَرٍ ( أَوْ مَا يُشْبِهُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَعَلَيْهِ ) أَيْ يَجِبُ ( أَنْ يَتَحَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ ، فَإِنْ حَلَّلَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ ) يُسَامِحَهُ ( فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ ) وَهُوَ مَا قُصِدَ بِهِ التَّفَضُّلُ ، لَا إِنْ قَلَّ كَالْعِدَّةِ .
14 - بَاب الْمُحَاسَبَةِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَصَاحِبُ الْمَالِ غَائِبٌ ، قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى يُحْسَبَ مَعَ الْمَالِ إِذَا اقْتَسَمَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَتَحَاسَبَا وَيَتَفَاصَلَا وَالْمَالُ غَائِبٌ عَنْهُمَا ، حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ فَيَسْتَوْفِي صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطَلَبَهُ غُرَمَاؤُهُ فَأَدْرَكُوهُ بِبَلَدٍ غَائِبٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ وَفِي يَدَيْهِ عَرْضٌ مُرَبَّحٌ بَيِّنٌ فَضْلُهُ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُبَاعَ لَهُمْ الْعَرْضُ فَيَأْخُذُوا حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ ، قَالَ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَيَأْخُذَ مَالَهُ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ ، ثُمَّ عَزَلَ رَأْسَ الْمَالِ وَقَسَمَ الرِّبْحَ ، فَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَطَرَحَ حِصَّةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمَالِ بِحَضْرَةِ شُهَدَاءَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ : لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَجَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَذِهِ حِصَّتُكَ مِنْ الرِّبْحِ وَقَدْ أَخَذْتُ لِنَفْسِي مِثْلَهُ وَرَأْسُ مَالِكَ وَافِرٌ عِنْدِي ، قَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ كُلُّهُ ، فَيُحَاسِبَهُ حَتَّى يَحْصُلَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ وَافِرٌ وَيَصِلَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَرُدُّ إِلَيْهِ الْمَالَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَحْبِسُهُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ حُضُورُ الْمَالِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ نَقَصَ فِيهِ ، فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُ وَأَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ . 14 - بَابُ الْمُحَاسَبَةِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ وَصَاحِبُ الْمَالِ غَائِبٌ قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ حَتَّى يُحْسَبَ مَعَ الْمَالِ إِذَا اقْتَسَمَاهُ ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُقَاسِمًا لِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا آخِذًا لَهَا ، وَمُعْطِيًا لَهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَتَحَاسَبَا وَيَتَفَاصَلَا وَالْمَالُ غَائِبٌ عَنْهُمَا ، حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ فَيَسْتَوْفِي صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ) عَيْنًا أَوْ سِلْعَةً إِنِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ مَالِكٍ يُرِيدُ سِلْعَةً يَجُوزُ سَلَمُ رَأْسِ الْمَالِ فِيهَا ( ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا ) فِيهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطَلَبَهُ غُرَمَاؤُهُ فَأَدْرَكُوهُ بِبَلَدٍ غَائِبٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ وَفِي يَدِهِ عَرْضٌ مُرْبِحٌ بَيِّنٌ ) ظَاهِرٌ ( فَضْلُهُ ) زِيَادَتُهُ ( فَأَرَادُوا أَنْ يُبَاعَ لَهُمُ الْعَرْضُ فَيَأْخُذُون حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ فَقَالَ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَيَأْخُذَ مَالَهُ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا ) لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ ثُمَّ عَزَلَ رَأْسَ الْمَالِ وَقَسَّمَ الرِّبْحَ فَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَطَرَحَ ) أَلْقَى ( حِصَّةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمَالِ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ ) وَفِي نُسْخَةٍ : شُهَدَاءَ ( أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالَ : لَا يَجُوزُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ يَقْسِمَانِ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا مِنَ الرِّبْحِ عَلَى شَرْطِهِمَا ) وَلَا يَنْفَعُهُ الْإِشْهَادُ ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، فَإِنْ تَجَرَ فِيهِ فَحِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ الرِّبْحِ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَجَاءَهُ فَقَالَ : هَذِهِ حِصَّتُكَ مِنَ الرِّبْحِ وَقَدْ أَخَذْتُ لِنَفْسِي مِثْلَهُ وَرَأْسُ مَالِكَ وَافِرٌ عِنْدِي ، قَالَ : لَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ كُلُّهُ فَيُحَاسِبُهُ حَتَّى يَحْصُلَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ وَافِرٌ ) أَيْ كَامِلٌ ( وَيَصِلَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَرُدُّ إِلَيْهِ الْمَالَ ) إِنْ شَاءَ ( أَوْ يَحْبِسُهُ ) يَمْنَعُهُ عَنْهُ . ( وَإِنَّمَا يَجِبُ حُضُورُ الْمَالِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ نَقَصَ فِيهِ فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُ وَأَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ ) يُبْقِيهِ عِنْدَهُ لِئَلَّا يُشَاعَ عَنْهُ أَنَّهُ نَقَصَ مَالَ الْقِرَاضِ فَيُنْفَرَ مِنْ مُعَامَلَتِهِ .
15 - باب جامع مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ : بِعْهَا ، وَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ : لَا أَرَى وَجْهَ بَيْعٍ ، فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ : لَا يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ ، فَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ بَيْعٍ بِيعَتْ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ انْتِظَارٍ انْتُظِرَ بِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ ، ثُمَّ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ عَنْ مَالِهِ فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي وَافِرٌ ، فَلَمَّا آخَذَهُ بِهِ قَالَ : قَدْ هَلَكَ عِنْدِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا لِمَالٍ يُسَمِّيهِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ ذَلِكَ لِكَيْ تَتْرُكَهُ عِنْدِي ، قَالَ : لَا يَنْتَفِعُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي هَلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِنْكَارُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ قَالَ : رَبِحْتُ فِي الْمَالِ كَذَا وَكَذَا ، فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ فَقَالَ : مَا رَبِحْتُ فِيهِ شَيْئًا ، وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنْ تُقِرَّهُ فِي يَدِي ، فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ وَصِدْقُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَرَبِحَ فِيهِ رِبْحًا فَقَالَ الْعَامِلُ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لِي الثُّلُثَيْنِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ الثُّلُثَ ، قَالَ مَالِكٌ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ ، وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ إِذَا كَانَ مَا قَالَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ نَحْوًا مِمَّا يَتَقَارَضُ عَلَيْهِ النَّاسُ ، وَإِنْ جَاءَ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ لَيْسَ عَلَى مِثْلِهِ يَتَقَارَضُ النَّاسُ ، لَمْ يُصَدَّقْ وَرُدَّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً ثُمَّ ذَهَبَ لِيَدْفَعَ إِلَى رَبِّ السِّلْعَةِ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَوَجَدَهَا قَدْ سُرِقَتْ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : بِعْ السِّلْعَةَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ كَانَ لِي ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْكَ ؛ لِأَنَّكَ أَنْتَ ضَيَّعْتَ ، وَقَالَ الْمُقَارَضُ : بَلْ عَلَيْكَ وَفَاءُ حَقِّ هَذَا إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي ، قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إِلَى الْبَائِعِ ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضِ إِنْ شِئْتَ فَأَدِّ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إِلَى الْمُقَارَضِ وَالسِّلْعَةُ بَيْنَكُمَا وَتَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الْأُولَى ، وَإِنْ شِئْتَ فَابْرَأْ مِنْ السِّلْعَةِ فَإِنْ دَفَعَ الْمِائَةَ دِينَارٍ إِلَى الْعَامِلِ كَانَتْ قِرَاضًا عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ أَبَى كَانَتْ السِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ إِذَا تَفَاصَلَا فَبَقِيَ بِيَدِ الْعَامِلِ مِنْ الْمَتَاعِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ خَلَقُ الْقِرْبَةِ أَوْ خَلَقُ الثَّوْبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَافِهًا لَا خَطْبَ لَهُ فَهُوَ لِلْعَامِلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا أَفْتَى بِرَدِّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ ثَمَنٌ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ اسْمٌ مِثْلُ الدَّابَّةِ أَوْ الْجَمَلِ أَوْ الشَّاذَكُونَةِ أَوْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا ، إِلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبَهُ مِنْ ذَلِكَ . 15 - باب جَامِع مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ : بِعْهَا ، وَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ لَا أَرَى وَجْهَ بَيْعٍ ) لِلْكَسَادِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ ( فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ : لَا يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصَرِ ) بِفَتْحَتَيْنِ : الْخِبْرَةِ ( بِتِلْكَ السِّلْعَةِ ، فَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ بَيْعٍ بِيعَتْ عَلَيْهِمَا وَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ انْتِظَارٍ انْتُظِرَ بِهَا ) لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ لَزِمَ بِالشِّرَاءِ وَالْعَمَلِ فَلَيْسَ لَهُمَا الِانْفِكَاكُ مِنْهُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ ، وَلِذَا لَوْ كَانَ الْمَالُ دَيْنًا دَايَنَ بِهِ الْعَامِلُ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ثُمَّ أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَعْجِيلَ بَيْعِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآبِي مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنَ التِّجَارَةِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ : تُبَاعُ السِّلْعَةُ فِي الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَهُ نَقْضَ الْقِرَاضِ عِنْدَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي ) أَيْ كَامِلٌ ( فَلَمَّا أَخَذَهُ بِهِ قَالَ : قَدْ هَلَكَ عِنْدِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا لِمَالٍ يُسَمِّيهِ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِكَيْ تَتْرُكَهُ عِنْدِي ، قَالَ : لَا يَنْتَفِعُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ) وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ فِي حُقُوقِ النَّاسِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَا يَنْفَعُ الرَّاجِعَ ( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي هَلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ ) فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْهَلَاكِ ( فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِنْكَارُهُ ) بَلْ سَيَكُونُ نَدَمًا . ( وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ قَالَ : رَبِحْتُ فِي الْمَالِ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ فَقَالَ : مَا رَبِحْتُ فِيهِ شَيْئًا ، وَمَا قُلْتُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنْ تُقَرِّرَهُ فِي يَدِي ، فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ وَصِدْقُهُ ) كَاشْتِهَارِ بَوَارِ مَا اتَّجَرَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ ( فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ) لِظُهُورِ صِدْقِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي فَقَالَ الْعَامِلُ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لِيَ الثُّلُثَيْنِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ : قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ الثُّلُثَ ، قَالَ مَالِكٌ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ إِذَا كَانَ مَا قَالَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ نَحْوًا مِمَّا يَتَقَارَضُ عَلَيْهِ النَّاسُ ) بَيَانٌ لِلشَّبَهِ ، وَكَذَا إِنْ أَشْبَهَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوْلُ لِلْعَامِلِ بِيَمِينِهِ ، وَإِنْ أَشْبَهَ صَاحِبَ الْمَالِ وَحْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ . ( وَإِنْ ) لَمْ يُشْبِهِ الْعَامِلُ بِأَنْ ( جَاءَ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ لَيْسَ عَلَى مِثْلِهِ يَتَقَارَضُ النَّاسُ لَمْ يُصَدَّقْ وَرُدَّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ ) وَكَذَا إِنْ لَمْ يُشْبِهْ أَحَدًا مِنْهُمَا يُرَدَّانِ إِلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ بَعْدَ أيْمَانِهِمَا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهَا سلعة ثُمَّ ذَهَبَ لِيَدْفَعَ إِلَى رَبِّ السِّلْعَةِ الْمِائَةَ دِينَارٍ فَوَجَدَهَا قَدْ سُرِقَتْ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : بِعِ السِّلْعَةَ فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ كَانَ لِي ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْكَ ؛ لِأَنَّكَ أَنْتَ ضَيَّعْتَ ، وَقَالَ الْمُقَارَضُ ) بِالْفَتْحِ ( بَلْ عَلَيْكَ وَفَاءُ حَقِّ هَذَا ) لِأَنِّي ( إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِكَ الَّذِي أَعْطَيْتِنِي ، قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إِلَى الْبَائِعِ ) لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى الشِّرَاءَ مِنْهُ . ( وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضِ ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ ( إِنْ شِئْتَ فَأَدِّ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إِلَى الْمُقَارَضِ ) بِالْفَتْحِ ( وَالسِّلْعَةُ بَيْنَكُمَا أَوْ تَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الْأُولَى ، وَإِنْ شِئْتَ فَابْرَأْ مِنَ السِّلْعَةِ ) وَتَكُونُ خَسَارَةُ الْمِائَةِ عَلَيْكَ ( فَإِنْ دَفَعَ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إِلَى الْعَامِلِ كَانَتْ قِرَاضًا عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ) أَيْ طَرِيقَتِهِ عَلَى مَا شَرَطَا مِنَ الرِّبْحِ . ( وَإِنْ أَبَى ) امْتَنَعَ ( كَانَتِ السِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا ) وَتَمَّتْ خَسَارَةُ الْمِائَةِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ إِذَا تَفَاضلَا فَبَقِيَ بِيَدِ الْعَامِلِ مِنَ الْمَتَاعِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ خَلَقُ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيْ بَالِي ( الْقِرْبَةِ أَوْ خَلَقُ الثَّوْبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ) كَالْغِرَارَةِ وَالْإِدَاوَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ تَافِهًا ) بِالْفَوْقِيَّةِ وَالْفَاءِ أَيْ قَلِيلًا ( لَا خَطر ) لَا شَأْنَ ( لَهُ فَهُوَ لِلْعَامِلِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا أَفْتَى بِرَدِّ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ غَالِبًا ؛ خُصُوصًا مِنْ رَبِّ الْمَالِ ؛ لَا سِيَّمَا إِذَا رَبِحَ ( وَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ ثَمَنٌ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ اسْمٌ مِثْلَ الدَّابَّةِ أَوِ الْجَمَلِ أَوِ الشَّاذَكُونَةِ ) بِشِينٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَضَمِّ الْكَافَ : ثِيَابٌ غِلَاظٌ مُضَرَّبَةٌ تُعْمَلُ بِالْيَمَنِ ( أَوْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ ، إِلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبَهُ مِنْ ذَلِكَ ) وَوَافَقَهُ اللَّيْثُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَرُدُّ قَلِيلَ ذَلِكَ وَكَثِيرَهُ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا وَلَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
1379 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا . 1397 1379 - ( مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْحُرَقِيِّ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَقَافٍ - الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ( عَنْ جَدِّهِ ) يَعْقُوبَ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى الْحُرَقَةِ ، مَقْبُولٌ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ( أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ ) أَيْ يَعْقُوبَ ( مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقِرَاضِ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا ، وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ : اتَّجَرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ، وَكَانُوا يُضَارِبُونَ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ وَقَالَ : أَلَا مَنْ وَلِيَ مَالَ يَتِيمٍ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ فَتَأْكُلُهُ الزَّكَاةُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 32 - كِتَاب الْقِرَاضِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْقِرَاضِ 1378 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ ، فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ ، ثُمَّ قَالَ : بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا ، فَقَالَا : وَدِدْنَا ذَلِكَ ، فَفَعَلَ ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا ، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ : أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا ، قَالَا : لَا ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا ، أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا ، لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَدِّيَاهُ ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا ، فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا ، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 32 - كِتَابُ الْقِرَاضِ هَكَذَا فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ مَقْرُوءَةٍ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ ، وَفِي نُسَخٍ تَأْخِيرُهُ عَنْهَا وَعَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، وَالْخَطْبُ سَهْلٌ . 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَهْلُ الْحِجَازِ يُسَمُّونَهُ الْقِرَاضَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهُ الْمُضَارَبَةَ وَلَا يَقُولُونَ قِرَاضًا الْبَتَّةَ ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةَ 101 ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ ( سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : الْآيَةَ 20 ) ، وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ : لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لُغَةٌ الحجاز وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُقِرَّ فِي الْإِسْلَامِ وَعَمِلَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَدِيجَةَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ ، وَنَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ كَمَا نَقَلَتِ الدِّيَةَ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ . 1396 1378 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ) أَسْلَمَ الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ ، ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَنَّهُ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ أَحَدُ الْعَبَادِلَةِ ( وَعُبَيْدُ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وُلِدَ مَضْمُومَ الْعَيْنِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ غَزَا فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ كَمَا قَالَ ( فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ ) لِلْغَزْوِ ، وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ قُرَيْشٍ وَفُرْسَانِهِمْ ، وَقُتِلَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ( فَلَمَّا قَفَلَا ) رَجَعَا مِنَ الْغَزْوِ ( مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ( الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ ) مِنْ جِهَةِ عُمَرَ ( فَرَحَّبَ بِهِمَا ) قَالَ : مَرْحَبًا ( وَسَهَّلَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ ) لَوْ لِلتَّمَنِّي فَلَا جَوَابَ لَهَا ، وَفِي نُسْخَةٍ لَفَعَلْتُ فَهِيَ الْجَوَابُ ( ثُمَّ قَالَ : بَلَى ، هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ) عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( فَأُسْلِفُكُمَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أُقْرِضُكُمَاهُ ( فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ لَكُمَا الرِّبْحُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : لَمْ يُرِدْ بِإِسْلَافِهِمَا إِحْرَازَ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِمَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْعَهُمَا ، وَمِنْ مُقْتَضَاهُ ضَمَانُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ السَّلَفُ لِمَنْفَعَةِ الْمُتَسَلِّفِ ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُسَلِّفُ نَفْعَ نَفْسِهِ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ ( فَقَالَا : وَدِدْنَا ) أَحْبَبْنَا ( ذَلِكَ ، فَفَعَلَ ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا ، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ) وَأَخْبَرَاهُ أَوْ بَلَغَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا ( قَالَ : أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا ؟ قَالَا : لَا ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) أَنْتُمَا ( ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا ) مُحَابَاةً لَهُ ( أَدِّيَا الْمَالَ وَرَبْحَهُ ) احْتِيَاطًا لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُمْ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ ) الْمُكَبَّرُ ( فَسَكَتَ ) أَدَبًا وَلِشِدَّةِ وَرَعِهِ . ( وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا ) الْفِعْلُ ( لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ ) لِأَنَّهُ سَلَفٌ ( فَقَالَ عُمَرُ : أَدِّيَاهُ ) قَالَ عِيسَى : كَرَاهَةً لِتَفْضِيلِ أَبِي مُوسَى لِوَلَدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ أَبَا مُوسَى تَسَلَّفَ الْمَالَ وَكَانَ بِيَدِهِ عَلَى مَعْنَى الْوَدِيعَةِ وَأَسْلَفَهُمَا إِيَّاهُ ، وَإِنْ قُلْنَا كَانَ بِيَدِهِ لِلتَّنْمِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ فَلِعُمَرَ تَعَقُّبُ ذَلِكَ كَالْمُبْضِعِ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَلِلَّذِي أَبْضَعَهُ تَعَقُّبُهُ ، وَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا وَفَاءٌ لَضَمِنَهُ أَبُو مُوسَى ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ) أَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ ، وَفِيهِ احْتِجَاجُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعُقُوقٍ وَلَا هَضْمٍ مِنْ حَقِّ الْأُبُوَّةِ وَلَا حَقِّ الْخِلَافَةِ ، وَجَوَازِ الِاحْتِجَاجِ حَيْثُ لَا نَصَّ . ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ ) يُقَالُ إِنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا ) إِشَارَةً إِلَى عَرْضِ مَا رَآهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عُمَرُ ، وَكَذَا الْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحُكْمَ بِالْفَتْوَى إِذَا عَرَفَ مِنْ حَالَتِهِ اسْتِشَارَتَهُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا ) أَيْ أَعْطَيْتُهُ حُكْمَهُ ( فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ ) جَعَلَهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ ( وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ ) وَكَأَنَّهُ جَعَلَ كَذَلِكَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْقِرَاضِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا سَاقَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقِرَاضَ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ ، وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ قِرَاضٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ أَوَّلُهُ أَنَّ عُمَرَ أَخْرَجَ مِنَ السُّوقِ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْبَيْعَ ، وَكَانَ فِيهِمْ يَعْقُوبُ مَوْلَى الْحُرَقَةِ فَأَعْطَاهُ عُثْمَانُ مَالًا قِرَاضًا وَأَجْلَسَهُ فِي السُّوقِ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُعَلِّمُهُ وَيُرَاعِي أَحْوَالَهُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِعُثْمَانَ فِي فَضْلِهِ وَوَرَعِهِ إِلَّا ذَلِكَ ، وَلَا أَصْلَ لِلْقِرَاضِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُقِرَّ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأُجْمِعَ عَلَى جَوَازِهِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ .
5 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ الْعَامِلِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ وَلَا كِرَاءٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا سَلَفٌ وَلَا مِرْفَقٌ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، إِلَّا أَنْ يُعِينَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا طَعَامٍ ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، قَالَ : فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَارَ إِجَارَةً ، وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ أَنْ يُكَافِئَ وَلَا يُوَلِّيَ مِنْ سِلْعَتِهِ أَحَدًا ، وَلَا يَتَوَلَّى مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ ، فَإِذَا وَفَرَ الْمَالُ وَحَصَلَ عَزْلُ رَأْسِ الْمَالِ ، ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ رِبْحٌ أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ لَمْ يَلْحَقْ الْعَامِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا مِنْ الْوَضِيعَةِ ، وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ ، وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ عَلَى مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ مِنْ نِصْفِ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لِلَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ سِنِينَ ، لَا يُنْزَعُ مِنْهُ ، قَالَ : وَلَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّكَ لَا تَرُدُّهُ إِلَيَّ سِنِينَ لِأَجَلٍ يُسَمِّيَانِهِ ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إِلَى أَجَلٍ ، وَلَكِنْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ إِلَى الَّذِي يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ ، فَإِنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا ، تَرَكَهُ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ ، وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يُبَاعَ الْمَتَاعُ وَيَصِيرَ عَيْنًا ، فَإِنْ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ وَهُوَ عَرْضٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يَبِيعَهُ فَيَرُدَّهُ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَصْلُحُ لِمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ فَقَدْ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ فَضْلًا مِنْ الرِّبْحِ ثَابِتًا فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ حِصَّةِ الزَّكَاةِ الَّتِي تُصِيبُهُ مِنْ حِصَّتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ قَارَضَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ لِرَجُلٍ يُسَمِّيهِ ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِأَجْرٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ الضَّمَانَ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ ، وَمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، فَإِنْ نَمَا الْمَالُ عَلَى شَرْطِ الضَّمَانِ كَانَ قَدْ ازْدَادَ فِي حَقِّهِ مِنْ الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ لَمْ أَرَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ضَمَانًا ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْقِرَاضِ بَاطِلٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَاعَ بِهِ إِلَّا نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ لِأَجْلِ : أَنَّهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ أَوْ نَسْلَ الدَّوَابِّ وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ هَذَا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِرَاضِ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبِيعَهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنْ السِّلَعِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقَارِضُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعِينُهُ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ مَعَهُ الْغُلَامُ فِي الْمَالِ إِذَا لَمْ يَعْدُ أَنْ يُعِينَهُ فِي الْمَالِ لَا يُعِينُهُ فِي غَيْرِهِ . 5 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ الْعَامِلِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمُوَازِيَةِ : إِنْ تَرَكَ ذَلِكَ مُشْتَرِطُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ جَازَ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَرَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ أَسْقَطَهُ مُشْتَرِطُهُ صَحَّ وَتَمَادَيَا عَلَيْهِ ، وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بَعْدَ الْعَمَلِ ( وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ وَلَا كِرَاءٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا سَلَفٌ وَلَا مَرْفِقٌ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَعَكْسِهِ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ ( يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُعِينَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَارَ إِجَارَةً ، وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ ) لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعٍ فَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُ الْبَيْعِ ( وَلَا يَنْبَغِي ) أَيْ يَحْرُمُ ( لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ ) أَيِ الْعَامِلُ ( أَنْ يَشْتَرِطَ مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ أَنْ يُكَافِئَ ) مَنْ أَسْدَى إِلَيْهِ مَعْرُوفًا يَخْتَصُّ بِهِ ، فَلَوْ كَافَأَ لِمَعْرُوفٍ أُسْدِيَ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ وَلِلنَّظَرِ جَازَ . ( وَلَا يُوَلِّيَ مِنْ سِلْعَتِهِ ) أَيِ الْقِرَاضِ الْمُشْتَرَاةِ بِمَالِهِ ( أَحَدًا ) غَيْرَهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ إِذَا كَانَ يَرْجُو فِيهَا النَّمَاءَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ رَبِّ الْمَالِ بِالرِّبْحِ فِيهَا وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَخَفِ الْوَضِيعَةَ وَإِلَّا جَازَ . ( وَلَا يَتَوَلَّى شَيْئًا مِنْهَا لِنَفْسِهِ ) يَسْتَقِلُّ بِهِ ( فَإِذَا وَفَرَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ زَادَ ( وَحَصَلَ عَزْلُ رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ اقْتَسَمَا الْمَالَ ) أَيْ رِبْحَهُ ( عَلَى شَرْطِهِمَا ) إِنْ كَانَ رِبْحٌ ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ رِبْحٌ أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ ) نَقْصٌ ( لَمْ يَلْحَقِ الْعَامِلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا مِنَ الْوَضِيعَةِ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَيْهِ ( وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ ) دُونَ الْعَامِلِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ أَيْضًا . ( وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ عَلَى أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ) أَعَادَهُ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ . ( وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ سِنِينَ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ وَ ) كَذَلِكَ ( لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّكَ ) يَا عَامِلُ ( لَا تَرُدُّهُ إِلَى سِنِينَ لِأَجَلٍ يُسَمِّيَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إِلَى أَجَلٍ ) لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ قَبْلَهُ ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ . ( وَلَكِنْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ إِلَى الَّذِي يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ ، فَإِنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا تَرَكَهُ ) لِأَنَّ عَقْدَهُ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِجْمَاعٍ ( وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ ، وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْبِضَهُ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يُبَاعَ وَيَصِيرَ عَيْنًا ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْعَامِلِ بِالرِّبْحِ ( فَإِنْ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ وَهُوَ عَرْضٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَتَّى يَبِيعَهُ فَيَرُدَّهُ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ رَبِّهِ بِذَلِكَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِكُلٍّ فَسْخُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ لَا بَعْدَهُ حَتَّى يَعُودَ عَيْنًا كَمَا أَخَذَهُ . ( وَلَا يَصْلُحُ لِمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَضْلًا ) زِيَادَةً ( مِنَ الرِّبْحِ ثابتا فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ حِصَّةِ الزَّكَاةِ الَّتِي تُصِيبُهُ ) تَلْزَمُهُ ( مِنْ حِصَّتِهِ ) وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَكُونُ الْمَالُ حِينَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَرُبَّمَا هَلَكَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ . ( وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ قَارَضَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ لِرَجُلٍ يُسَمِّيهِ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا ) وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولًا ( بِأَجْرٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ ) وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالرَّجُلِ مُوسِرًا لَا تَعْدَمُ عِنْدَهُ السِّلَعُ أَوْ مُعْسِرًا ، فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ ، فَإِنْ فَاتَ صَحَّ بِهِ الْقِرَاضُ الْفَاسِدُ ، قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ الضَّمَانَ قَالَ : لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ وَمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ) وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الْقِرَاضَ عَلَى الْأَمَانَةِ لَا عَلَى الضَّمَانِ . ( فَإِنْ نَمَا الْمَالُ عَلَى شَرْطِ الضَّمَانِ كَانَ قَدْ زَادَ فِي حَقِّهِ مِنَ الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الضَّمَانُ ) وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ( وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَإِنْ تَلِفَ لَمْ أَرَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ضَمَانًا ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْقِرَاضِ بَاطِلٌ ) فَإِنْ دَفَعَ عَلَى الضَّمَانِ فُسِخَ مَا لَمْ يَعْمَلْ ، فَإِنْ عَمِلَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَرُدَّ إِلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَعَنْهُ إِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقِرَاضُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَاعُ بِهِ إِلَّا نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ أَوْ نَسْلَ الدَّوَابِّ وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ هَذَا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِرَاضِ ) وَبِهِ قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَصِحَّ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ ، وَالدَّوَابُّ وَالنَّخْلُ لِرَبِّ الْمَالِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَلَا يَجُوزُ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبِيعَهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنَ السِّلَعِ ) لِأَنَّ الَّذِي يُعَامِلُ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاضِ هُوَ التِّجَارَةُ دُونَ السَّقْيِ وَالْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ لِأَنَّهَا تَنْمُو بِلَا عَمَلٍ ، وَلِأَنَّ الْعَامِلَ قَدْ يَرْبَحُ بِبَيْعِ الرِّقَابِ فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقِرَاضِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَطَ الْمُقَارِضُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعِينُهُ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ مَعَهُ الْغُلَامُ فِي الْمَالِ إِذَا لَمْ يَعْدُ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( أَنْ يُعِينَهُ فِي الْمَالِ لَا يُعِينُهُ فِي غَيْرِهِ ) .
4 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِمَالِي إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ يَنْهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِاسْمِهَا ، قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا أَوْ سِلْعَةً بِاسْمِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَمَنْ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا كَثِيرَةً مَوْجُودَةً لَا تُخْلِفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ : فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الرِّبْحِ لَهُ وَنِصْفَهُ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَمَّى مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : وَلَكِنْ إِنْ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَمَا فَوْقَهُ خَالِصًا لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ . 4 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِمَالِي إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا ) لِسِلْعَةٍ يُسَمِّيهَا ( أَوْ يَنْهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِاسْمِهَا ، قَالَ مَالَكٌ : مَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا أَوْ سِلْعَةً بِاسْمِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) لِأَنَّهُ قَدْ أَبْقَى كَثِيرًا مِمَّا يُتَّجَرُ فِيهِ . ( وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ) لِلتَّحْجِيرِ ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا ) وَقَوْلُهُ : ( كَثِيرَةً ) ثَابِتٌ لِابْنِ وَضَّاحٍ ، عَنْ يَحْيَى سَاقِطٌ لِابْنِهِ ( مَوْجُودَةً لَا تُخْلِفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) فَإِنْ تَعَذَّرَتْ لِقِلَّتِهَا مُنِعَ ، وَإِنْ نَزَلَ فُسِخَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ خَالِصًا دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا ) إِذْ لَعَلَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ يَسْتَغْرِقُ الرِّبْحَ ، وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ فِي الْأَجْزَاءِ الْمُشْتَرَطَةِ ، وَلَا يَجُوزُ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الرِّبْحِ ) لِلْعَامِلِ ( وَنِصْفَهُ لِصَاحِبِهِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِّيَ مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ ) الْجَارِي بَيْنَهُمْ ( وَلَكِنْ إِنِ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَمَا فَوْقَهُ خَالِصًا لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَمَا بَقِيَ مِنَ الرِّبْحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ ) يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ لِعَدَمِ الصُّلُوحِ أَيْ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةِ الْقِرَاضِ .
2 - بَاب مَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ قَالَ مَالِكٌ : وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ : أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ فِي سَفَرِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ بِقَدْرِ الْمَالِ إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ إِذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَ الْمُتَقَارِضَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِمَّنْ قَارَضَهُ بَعْضَ مَا يَشْتَرِي مِنْ السِّلَعِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ وَإِلَى غُلَامٍ لَهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلَانِ فِيهِ جَمِيعًا : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، لِأَنَّ الرِّبْحَ مَالٌ لِغُلَامِهِ لَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلسَّيِّدِ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ . 2 - بَابُ مَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ ( وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ فِي سَفَرِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ بِقَدْرِ الْمَالِ إِذَا شَخَصَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ سَافَرَ ( فِي الْمَالِ إِذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ ) لَا إِنْ قُلَّ ( فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَلَا كُسْوَةَ ) ، وَإِنْ كَانَ يُتْعَبُ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ نَظَرًا لِأَنَّهُ مُقِيمٌ ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعِينَ الْمُتَقَارِضَانِ ) رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ ( كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ إِذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا ) بِأَنْ كَانَ بِلَا شَرْطٍ وَلَمْ يَكُنْ لِإِبْقَاءِ الْمَالِ بِيَدِهِ ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ رَبُّ الْمَالِ مِمَّنْ قَارَضَهُ بَعْضَ مَا يَشْتَرِي مِنَ السِّلَعِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ ) بِأَنْ لَا يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ اشْتَرَى بِنَقْدٍ أَوْ لِأَجَلٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ وَإِلَى غُلَامٍ لَهُ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلَانِ فِيهِ جَمِيعًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ مَالٌ لِغُلَامِهِ ) لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ ( لَا يَكُونُ ) الرِّبْحُ ( لِلسَّيِّدِ حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ ) يَكُونُ لَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ .
8 - بَاب التَّعَدِّي فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رِبْحِ الْمَالِ أَوْ مِنْ جُمْلَتِهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ نَقَصَ الْمَالُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْ مَالِهِ ، فَيُجْبَرُ بِهِ الْمَالُ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ الْمَالِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ ، بِيعَتْ الْجَارِيَةُ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : صَاحِبُ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ بِيعَتْ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ أَوْ لَمْ تُبَعْ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ أَخَذَهَا وَقَضَاهُ مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا ، وَإِنْ أَبَى كَانَ الْمُقَارَضُ شَرِيكًا لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ وَالنُّقْصَانِ بِحِسَابِ مَا زَادَ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضًا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ : إِنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ إِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ ، وَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنْ الرِّبْحِ ، ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدَيْهِ مِنْ الْقِرَاضِ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ ، وَإِنْ نَقَصَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنُّقْصَانِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ الْمَالُ مَالًا ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ : إِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ ، إِنْ شَاءَ شَرِكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا ، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى . 8 - بَابُ التَّعَدِّي فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ رَبْحِ الْمَالِ أَوْ مِنْ جُمْلَتِهِ ) أَصْلِهِ وَرِبْحِهِ ( جَارِيَةً ) لِلْقِرَاضِ أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ مِنْهُ فَوَطِئَهَا ( فَحَمَلَتْ مِنْهُ ثُمَّ نَقَصَ الْمَالُ قَالَ : إِنْ كَانَ لَهُ ) أَيِ الْعَامِلِ ( مَالٌ أُخِذَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ مِنْ مَالِهِ فَيُجْبَرُ بِهِ الْمَالُ ) أَيْ نُقْصَانُهُ . ( فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ بَعْدَ وَفَاءِ ) رَأْسِ ( الْمَالِ ) لِرَبِّهِ ( فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ ) مِنْ نِصْفٍ أَوْ غَيْرِهِ . ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ بِيعَتِ الْجَارِيَةُ حَتَّى ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ أَنْ ( يُجْبَرَ الْمَالُ مِنْ ثَمَنِهَا ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً وَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : صَاحِبُ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ بِيعَتِ السِّلْعَةُ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ ) نَقْصٍ ( أَوْ لَمْ تُبَعْ ) أَصْلًا ( إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ أَخَذَهَا وَقَضَاهُ مَا أَسْلَفَهُ فِيهَا ) أَيْ زَادَ مِنْ عِنْدِهِ ( وَإِنْ أَبَى ) امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا بِذَلِكَ ( كَانَ الْمُقَارِضُ شَرِيكًا لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ فِي النَّمَاءِ ) أَيِ الزِّيَادَةِ ( وَالنُّقْصَانِ بِحَسَبِ مَا زَادَ الْعَامِلَ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ شَرِيكًا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ فَعَمِلَ فِيهِ قِرَاضًا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ إِنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ إِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إِذْ لَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ لِغَيْرِهِ قِرَاضًا . ( وَإِنْ رَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَرْطُهُ مِنَ الرِّبْحِ ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ شَرْطُهُ مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ ) بَعْدَ أَخْذِ رَبِّهِ رَأْسَهُ وَمَا شَرَطَهُ مِنَ الرِّبْحِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا ، إِلَّا أَنَّ الْمُزَنِيَّ قَالَ : لَيْسَ لِلثَّانِي إِلَّا أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَلَى فَسَادِ مَالِ الْقِرَاضِ ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ كَمَالِكٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَعَدَّى فَتَسَلَّفَ مِمَّا بِيَدهِ مال الْقِرَاضِ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ سلعة لِنَفْسِهِ ، إِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي الْقِرَاضِ ، وَإِنْ نَقَصَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنُّقْصَانِ ) لِتَعَدِّيهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَاسْتَسْلَفَ مِنْهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ الْمَالُ ) أَيِ الْعَامِلُ ( مَالًا وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ : إِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَشْرَكَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِهَا ، وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِهِ ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى ) بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ أَوِ الْقِنْيَةِ ، وَمَعْنَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ ، بَلْ وَاحِدٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، غَايَتُهُ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَوَضَحُ .
3 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضًا إِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ ثُمَّ يُقَارِضُهُ بَعْدُ أَوْ يُمْسِكُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ بَقِيَّةَ الْمَالِ بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ رِبْحِهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنْ الْقِرَاضِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إِلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ وَمِنْ الْبُيُوعِ مَا يَجُوزُ إِذَا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وَتَفَاحَشَ رَدُّهُ ، فَأَمَّا الرِّبَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا الرَّدُّ أَبَدًا ، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [ البقرة : 279 ] . 3 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلِ دَيْنٌ فَيَسْأَلُهُ أَنْ يُقِرَّهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ يُبْقِيهِ ( عِنْدَهُ قِرَاضًا إِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ ) كَرَاهَةَ مَنْعٍ ( حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ ثُمَّ يُقَارِضُهُ بَعْدُ ) بِالضَّمِّ ( أَوْ يُمْسِكُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ ) فَيَكُونَ ذَرِيعَةً لِلرِّبَا ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَعُودُ أَمَانَةً حَتَّى يُقْبَضَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ بَقِيَّةَ الْمَالِ بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَالَ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ رِبْحِهِ ) وَمَفْهُومُهُ : لَوْ صَحَّ التَّلَفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ رَأْسُ الْمَالِ إِلَّا مَا بَقِيَ ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ ، وَقَالَ عِيسَى : هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ . ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ الْمَالَ ثُمَّ يَرُدَّهُ قِرَاضًا ثَانِيًا ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ يُجْبَرُ التَّلَفُ بِالرِّبْحِ ( ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنَ الْقِرَاضِ ) مِنْ نِصْفٍ وَغَيْرِهِ . ( وَلَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إِلَّا فِي الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) لِأَنَّهَا قِيَمُ الْمَتْلَفَاتِ وَأُصُولُ الْأَثْمَانِ ، وَلَا يَدْخُلُ أَسْوَاقَهَا تَغَيُّرٌ ، وَمَا يَدْخُلُهُ تَغَيُّرُ الْأَسْوَاقِ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ . ( وَ ) لِذَا ( لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعَرُوضِ وَالسِّلَعِ وَمِنَ الْبُيُوعِ ) الْمَمْنُوعَةِ ( مَا يَجُوزُ ) أَيْ يَمْضِي ( إِذَا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وَتَفَاحَشَ رَدُّهُ ) كَبَيْعِ حَبٍّ أُفْرِكَ قَبْلَ يُبْسِهِ وَبَيْعِ ثَمَرٍ بَعْدَ أَنْ أَزْهَى يُؤْخَذُ كَيْلًا بَعْدَ أَنْ يُثْمِرَ ، قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : وَإِنَّمَا خَرَجَ مَالِكٌ مِنْ ذِكْرِ الْقِرَاضِ إِلَى ذِكْرِ الْبُيُوعِ تَمْثِيلًا أَنَّ لِلْقِرَاضِ مَكْرُوهًا كَالْبُيُوعِ ، فَمَكْرُوهُ الْقِرَاضِ إِذَا فَاتَ بِالْعَمَلِ رُدَّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ كَالْقِرَاضِ بِالْعُرُوضِ أَوِ الضَّمَانِ أَوْ إِلَى أَجَلٍ . وَحَرَامُ الْقِرَاضِ إِذَا فَاتَ بِالْعَمَلِ رُدَّ إِلَى أَجْرِ مِثْلِهِ . ( فَأَمَّا الرِّبَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا الرَّدُّ أَبَدًا وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ ) وَفِي نُسْخَةٍ فِيهِ ( قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَإِنْ تُبْتُمْ رَجَعْتُمْ عَنِ الرِّبَا فَلَكُمْ رُءُوسُ أُصُولُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بِزِيَادَةٍ وَلا تُظْلَمُونَ بِنَقْصٍ ، فَلَمْ يُبِحْ فِيهِ شَيْئًا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ .
7 - بَاب الْكِرَاءِ فِي الْقِرَاضِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا ، فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا ، فَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدِ التِّجَارَةِ ، فَبَارَ عَلَيْهِ وَخَافَ النُّقْصَانَ إِنْ بَاعَهُ ، فَتَكَارَى عَلَيْهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَبَاعَ بِنُقْصَانٍ فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ أَصْلَ الْمَالِ كُلَّهُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ وَفَاءٌ لِلْكِرَاءِ فَسَبِيلُهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ بَعْدَ أَصْلِ الْمَالِ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ فِي مَالِهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُتْبَعُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ ، لَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي قَارَضَهُ فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ . 7 - بَابُ الْكِرَاءِ فِي الْقِرَاضِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دفع إِلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا فَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدِ التِّجَارَةِ فَبَارَ ) كَسَدَ ( عَلَيْهِ وَخَافَ النُّقْصَانَ إِنْ بَاعَهُ فَتَكَارَى عَلَيْهِ ) أَكْرَى عَلَى حَمْلِهِ ( إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَبَاعَ بِنُقْصَانٍ فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ أَصْلَ الْمَالِ كُلَّهِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ وَفَاءٌ لِلْكِرَاءِ فَسَبِيلُ ذَلِكَ ) أَيْ طَرِيقُهُ ( وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الْكِرَاءِ شَيْءٌ بَعْدَ أَصْلِ الْمَالِ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْبَعُ بِهِ وَ ) بَيَانُ ( ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتِّجَارَةِ فِي مَالِهِ ) الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ ( فَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيِ الْعَامِلِ ( أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ ) أَيْ مَالِهِ الَّذِي لَمْ يُقَارِضْ بِهِ ( وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُتْبَعُ بِهِ رَبُّ الْمَالِ لَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الَّذِي قَارَضَهُ فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُقَارِضِ أَنْ يَحْمِلَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، أَيْ يَجْعَلَ ( ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَطْلَقَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ مَالِ الْقِرَاضِ دُونَ غَيْرِهِ .
2 - بَاب الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عُمَّالِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ ، يَشْتَرِطُهُمْ الْمُسَاقَى عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ ، إِلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمْ الْمَئُونَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مَئُونَتُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالنَّضْحِ ، وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقَى فِي أَرْضَيْنِ سَوَاءٍ فِي الْأَصْلِ وَالْمَنْفَعَةِ ، إِحْدَاهُمَا : بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ غَزِيرَةٍ ، وَالْأُخْرَى : بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِخِفَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ وَشِدَّةِ مُؤْنَةِ النَّضْحِ ، قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، قَالَ : وَالْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ مَاؤُهَا الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْمُسَاقَى أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي سَاقَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي سَاقَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ رَقِيقًا يَعْمَلُ بِهِمْ فِي الْحَائِطِ لَيْسُوا فِيهِ حِينَ سَاقَاهُ إِيَّاهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الَّذِي دَخَلَ فِي مَالِهِ بِمُسَاقَاةٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ الْمَالِ عَلَى حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ ، ثُمَّ يُسَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ ، قَالَ : وَمَنْ مَاتَ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْلِفَهُ . 2 - بَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ ( مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عُمَّالِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَاقَاةِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقَى ) بِفَتْحِ الْقَافِ ( عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ الَّذِينَ كَانُوا عُمَّالَهُ وَقْتَ الْمُسَاقَاةِ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ إِخْرَاجَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اشْتِرَاطُ الْعَامِلِ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ رَفْعِ الْإِلْبَاسِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ إِقْرَارِ رَبِّ الْحَائِطِ أَنَّهُمْ فِي حَائِطِهِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ ( لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ ) يُرِيدُ أَنَّ ظُهُورَ الْمَالِ وَقُوَّتَهُ بِعِلْمِهِمْ وَلَهُمْ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ الْحَائِطِ اهـ . ( إِلَّا أَنَّهُ يَخِفُّ عَنْهُمُ الْمَؤُونَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ ) قَوِيَتْ ( مَؤُونَتُهُ ) لِعَدَمِ الْمُسَاعِدِ . ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالنَّضْحِ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمَاءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ النَّاضِحُ وَهُوَ الْجَمَلُ . ( وَلَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُسَاقَى فِي أَرْضِينَ ) بِالتَّثْنِيَةِ ( سَوَاءٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةً أَيْ مُسْتَوِيَيْنِ ( فِي الْأَصْلِ وَالْمَنْفَعَةِ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَاثِنَةٍ ) بِوَاوٍ فَأَلِفٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَنُونٍ فَهَاءٍ : دَائِمَةٍ لَا تَنْقَطِعُ ( غَزِيرَةٍ ) كَثِيرَةِ الْمَاءِ . ( وَالْأُخْرَى ) تُسْقَى ( بِنَضْحٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ) كَبَعِيرٍ ( لِخِفَّةٍ مَؤُونَةِ الْعَيْنِ وَشِدَّةِ مَؤُونَةِ النَّضْحِ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَالْوَاثِنَةُ الثَّابِتُ ) أَيِ الدَّائِمُ ( مَاؤُهَا الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ يَحْيَى وَغَيْرِهِ : وَاتِنَةٌ ، بِتَاءٍ بِنُقْطَتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَصَاحِبُ الْعَيْنِ أَنَّهُ بِالْمُثَلَّثَةِ بِمَعْنَى الدَّائِمِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ بِفَوْقِيَّةٍ اهـ . وَفِي الْبَارِعِ اسْتَوْثَنَ مِنَ الْمَاءِ إِذَا اسْتَكْثَرَ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ . ( وَلَيْسَ لِلْمُسَاقَى ) بِالْفَتْحِ ( أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ ) الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَائِطِ مِنْ رَقِيقٍ وَعُمَّالٍ فَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ اسْتَعْمَلَهُمْ فِيمَا شَاءَ . ( وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي سَاقَاهُ ) فَإِنِ اسْتَعْمَلَهُمْ فِي غَيْرِهِ بِلَا شَرْطٍ مُنِعَ وَلَمْ تَفْسُدْ ، وَبِشَرْطٍ فَسَدَتْ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ، فَإِنْ فَاتَتْ بِالْعَمَلِ رُدَّ إِلَى أَجْرِ مِثْلِهِ . ( وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي سَاقَى ) أَيِ الْعَامِلِ ( أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ رَقِيقًا يَعْمَلُ بِهِمْ فِي الْحَائِطِ لَيْسُوا فِيهِ حِينَ سَاقَاهُ إِيَّاهُ ) لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ ( وَ ) كَذَا ( لَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الَّذِي دَخَلَ فِي مَالِهِ بِمُسَاقَاةٍ ) أَيِ الْعَامِلِ ( أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ الْمَالِ عَلَى حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُنَافَاةِ ازْدِيَادِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا عَقَدَ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا جَوَّزَ لِلْعَامِلِ شَرْطَ الْيَسِيرِ كَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ لَا الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَرْطَ جَمِيعِ الْعَمَلِ حِينَئِذٍ . ( فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَدًا فَلْيُخْرِجْهُ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ ، ثُمَّ ليُسَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ ) لِيَخْرُجَ مِنَ الْخَطَرِ . ( وَمَنْ مَاتَ مِنَ الرَّقِيقِ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَخْلُفَهُ ) يَأْتِي بِبَدَلِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْإِتْيَانُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى لِيَسْقِيَ الْحَائِطَ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ عَلَى الْعَامِلِ مَا زَادَ ، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مَعَهُ لَمْ يُمْكِنْهُ عَمَلُ مَا زَادَ عَلَى عَمَلِهِمْ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 33 - كِتَاب الْمُسَاقَاةِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ 1380 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِيَ ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 33 - كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ عَمَلِهَا وَأَصْلُ مَنْفَعَتِهَا وَأَكْثَرُهَا مُؤْنَةً ، وَالْبَعْلُ يَجُوزُ مَسَاقَاتُهُ ، وَلَا سَقْيَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْمُؤَنِ يَقُومُ مَقَامَ السَّقْيِ ، وَالْمُفَاعَلَةُ إِمَّا لِلْوَاحِدِ نَحْوُ : عَافَاكَ اللَّهُ ، أَوْ لُوحِظَ الْعَقْدُ وَهُوَ مِنْهُمَا فَيَكُونُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْمُتَعَلَّقِ عَنِ الْمُتَعَلِّقِ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَمِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَالْإِجَارَةِ بِهَا قَبْلَ طِيبِهَا وَقَبْلَ وُجُودِهَا ، وَمِنَ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَمِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَبُحِثَ فِي الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ مُكْتَرَاةٍ فِي الْمُسَاقَاةِ ، إِنَّمَا الْمُكْتَرِي الْعَامِلُ ، وَلِذَا قَالُوا فِي حَدِّهَا إِنَّهَا إِجَارَةٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي حَائِطٍ وَشِبْهِهِ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْمُسَاقَاةِ فِيهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَذَلِكَ كَافٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ . 1412 1380 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَرْسَلَهُ جَمِيعُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَوَصَلَهُ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ أَيْ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ، مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ وَنَخْلٍ كَثِيرٍ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرَدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ ( يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ ) فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَعْدَمَا حَاصَرَهَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَمَنْ قَالَ سَنَةَ سِتٍّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ مِنْ شَهْرِ الْهِجْرَةِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ رَبِيعُ الْأَوَّلُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ) عَزَّ وَجَلَّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْمُسَاقَاةِ مُدَّةً مَجْهُولَةً ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّةِ الْعَهْدِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِخْرَاجِ الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَمَحَبَّتِهِ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَتَقَدَّمُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِوَحْيٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ مُنْتَظِرًا لِلْقَضَاءِ فِيهِمْ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَتَاهُ الْوَحْيُ فَقَالَ : لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ، فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَحَصَ عَنْهُ حَتَّى أَتَاهُ الثَّبْتُ فَأَجْلَاهُمْ ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُ قَضَاءَ اللَّهِ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَيَجُوزُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ؛ إِذْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُ مَا بِيَدِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَعَلَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ الرَّاوِي ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْمُسَاقَاةُ ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَ وَصْفِ الْعَمَلِ وَالِاتِّفَاقِ مِنْهُ عَلَى مَعْلُومٍ بِعَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا . قَالَ عِيَاضٌ : وَقِيلَ : لَيْسَ الْقَصْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُؤَبَّدَةً ، وَأَنَّ لَنَا إِخْرَاجَكُمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَدُّ الْأَجَلِ فَلَمْ يَسْمَعْهُ الرَّاوِي فَلَمْ يَنْقُلْهُ اهـ ، وَفِيهِ بُعْدٌ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ . ( عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) نِصْفَيْنِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِلْإِبْهَامِ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ ، وَالْجُزْءُ فِيهَا مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ . ( قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ الشَّاعِرَ أَحَدَ السَّابِقِينَ ، شَهِدَ بَدْرًا وَاسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ ، وَكَانَ ثَالِثَ الْأُمَرَاءِ بِهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَفِيهِ أَنْ كَانَ لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ عَامًا وَاحِدًا وَقُتِلَ بَعْدَهُ بِأَشْهُرٍ كَمَا رَأَيْتَ . ( فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ ) وَتَضْمَنُونَ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ ( وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي ) وَأَضْمَنُ نَصِيبَكُمْ ( فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ ) وَعَنْ جَابِرٍ : خَرَصَ ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ ، وَلَمَّا خَيَّرَهُمْ أَخَذُوا الثَّمَرَةَ وَأَدَّوْا عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ . قَالَ ابْنُ مُزَيِّنٍ : سَأَلْتُ عِيسَى عَنْ فِعْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ أَيَجُوزُ لِلْمُتَسَاقِيَيْنِ أَوِ الشَّرِيكَيْنِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَا يَصْلُحُ قَسْمُهُ إِلَّا كَيْلًا ؛ إِلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَتُهُمَا إِلَيْهِ فَيَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ ، فَتَأَوَّلَ خَرْصَ ابْنِ رَوَاحَةَ لِلْقِسْمَةِ خَاصَّةً . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَصَهَا بِتَمْيِيزِ حَقِّ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهَا غَيْرُ مَصْرِفِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، فَيَسْلَمُ مِمَّا خَافَهُ عِيسَى وَأَنْكَرَهُ . وَقَوْلُهُ : إِنْ شِئْتُمْ إِلَخْ ، حَمَلَهُ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْخَرْصِ لِيَضْمَنُوا حِصَّةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ الْعُرْيَةِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ خَرْصُ الزَّكَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الثَّمَرَةَ عَلَى أَنْ تُؤَدُّوا زَكَاتَهَا عَلَى مَا خَرَصْتُهُ ، وَإِلَّا فَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنَ الْفَيْءِ بِمَا يُشْتَرَى بِهِ فَيَخْرُجُ بِهَذَا الْخَرْصُ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِسِعْرِ الثَّمَرِ إِنْ حُمِلَ عَلَى خَرْصِ الْقِسْمَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ ، فَمَعْنَاهُ إِنْ شِئْتُمْ هَذَا النَّصِيبَ فَلَكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَا دَامَتْ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ لَيْسَ بِوَقْتِ قِسْمَةِ ثَمَرِ الْمُسَاقَاةِ ؛ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِلِ جَذَّهَا وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا حَتَّى يَجْرِيَ فِيهَا الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْخَرْصَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقِسْمَةِ إِلَّا بِمَعْنَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقِيَيْنِ شَرِيكَانِ لَا يَقْتَسِمَانِ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ الثِّمَارِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَإِلَّا دَخَلَتْهُ الْمُزَابَنَةُ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَخْرُصُ عَلَى الْيَهُودِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُعَيَّنِينَ ، فَلَوْ تَرَكَ الْيَهُودَ وَأَكَلَهَا رَطْبًا وَتَصَرَّفَ فِيهَا أَضَرَّ ذَلِكَ سَهْمَ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ ، وَفِيهِ جَوَازُ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ مُسْتَدِلًّا بِوُجُوهٍ : أَوَّلُهَا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ خَيْبَرَ ، أَيْ نَهَى عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ فِي خَيْبَرَ مِنَ الْمُسَاقَاةِ ، فَحَدِيثُ الْجَوَازِ مَنْسُوخٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْرِفُ الْمُخَابَرَةَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِبْرَةِ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِالْخِفِيَّاتِ ، وَقِيلَ : الْخَبْرُ الْحَرْثُ ، وَالْمُخَابَرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الزَّارِعُ خَيْبَرًا ، وَبِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : عَامَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَا وَأَرِيحَا ، وَكَذَا عَمِلَ بِهَا عُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُمْ . أَفَتَرَاهُمْ كَانُوا يَجْهَلُونَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ ، أَوْ يُدَّعَى نَسْخُ الْحَدِيثِ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا . ثَانِيهَا : أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيَجُوزُ مَعَ الْعَبْدِ مَا يَمْتَنِعُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، وَالَّذِي قَدَّرَهُ لَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَطْرِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ هُوَ قُوتٌ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى الْمَالِكِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا امْتَنَعَ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَإِخْرَاجُهُمْ إِلَى الشَّامِ وَنَفْيُهُمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِمَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِأَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ لَهُمْ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَتَضْمَنُونَ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي وَأَضْمَنُ نَصِيبَكُمْ ، وَالسَّيِّدُ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ عَنْ عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عِنْدَهُمْ ، إِذْ مَالُهُ لِلسَّيِّدِ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَالِكِينَ . ثَالِثُهَا : نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَالْأُجْرَةُ هُنَا فِيهَا غَرَرٌ إِذْ لَا يُدْرَى هَلْ تَسْلَمُ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا ؟ وَعَلَى سَلَامَتِهَا لَا يُدْرَى كَيْفَ تَكُونُ وَمَا مِقْدَارُهَا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْجَوَازِ خَاصٌّ وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَرَرِ عَامٌّ ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ . رَابِعُهَا : أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ رُدَّ إِلَيْهَا ، وَحَدِيثُ الْجَوَازِ عَلَى خِلَافِ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ : بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَالْإِجَارَةِ بِمَجْهُولٍ ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَالْكُلُّ حَرَامٌ إِجْمَاعًا . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْقَوَاعِدِ إِذَا لَمْ يُعْمَلُ بِهِ ، أَمَّا إِذَا عُمِلَ بِهِ قَطَعْنَا بِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ فَيُعْتَقَدُ ، وَلَا يَلْزَمُ الشَّارِعَ إِذَا شَرَعَ حُكْمًا أَنْ يَشْرَعَهُ مِثْلَ غَيْرِهِ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ مَا لَهُ نَظِيرٌ وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ لِلضَّرُورَةِ ؛ إِذْ لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى الْقِيَامِ بِشَجَرِهِ وَلَا زَرْعِهِ . خَامِسُهَا : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى تَنْمِيَةِ الْمَاشِيَةِ بِبَعْضِ نَمَائِهَا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاشِيَةَ لَا يَتَعَذَّرُ بَيْعُهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ الصَّغِيرِ وَالثَّمَرَةِ .
1381 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ، قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنْ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ ، فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ ، قَالَ : وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ، قَالَ : وَإِنْ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الْمَئُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَئُونَةَ كُلَّهَا وَالنَّفَقَةَ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ : تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ : إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ : اعْمَلْ وَأَنْفِقْ ، وَيَكُونُ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقْ الْآخَرَ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَئُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدِهِ ، إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثَّمَرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ؟ قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْمَالِ وَلَا مِنْ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ ، يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ، وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقَى شَدُّ الْحِظَارِ وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَّارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ ، عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقَى شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا ، يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ ، أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا أَوْ احْفِرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا أَوْ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرُ الْحَائِطِ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ، فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ ، إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ ، جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ إِجَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ ، إِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ ، قَالَ : فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ ، وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ، فَهَذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ، أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا إِنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ، قَالَ : وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنْ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي : إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ ، وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ، إِذَا دَخَلَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَيَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ ، وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ ، وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ وَفِيهِ الْبَيَاضُ ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ ، أَوْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ أَوْ السَّيْفُ وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنْ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ أَوْ الْقِلَادَةُ أَوْ الْخَاتَمُ وَفِيهِمَا الْفُصُوصُ وَالذَّهَبُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ وَيَبْتَاعُونَهَا ، وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَأَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ جَازَ بَيْعُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوْ الْمُصْحَفُ أَوْ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ . 1413 1381 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) مُرْسَلٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَمَاعُ سُلَيْمَانَ مِنْهُ صَحِيحٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ) لِتَمْيِيزِ حَقِّ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ الْمَصْرِفَيْنِ ، أَوْ لِلْقِسْمَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّخْرِيصِ لِذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ ، وَلَمْ يُجِزْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِحَالٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إِخْرَاجُ عُشْرِ مَا يَصِيرُ بِيَدِهِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ كَأَنَّهُ يَرَى نَسْخَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَجَازَهُ دَاوُدُ فِي النَّخْلِ خَاصَّةً . وَدَفَعَ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ وَيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ زَبِيبًا كَمَا يُؤَدِّي زَكَاةَ النَّخْلِ تَمْرًا بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ عَتَّابًا مَاتَ قَبْلَ مَوْلِدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَبِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَدَعْوَى الْإِرْسَالِ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ : إِنَّ عَتَّابًا مَاتَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ عَلَى مَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ وُلِدَ سَعِيدٌ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْأَصَحِّ ، فَسَمَاعُهُ مِنْ عَتَّابٍ مُمْكِنٌ فَلَا انْقِطَاعَ . وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فَصَدُوقٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . ( قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حُلْيًا ) ضُبِطَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدٌ ، وَبِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَشَدِّ الْيَاءِ عَلَى الْجَمْعِ ( مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ) أَجْمِلْهُ وَأَغْمِضْ فِيهِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : رَامُوا بِهِ أَنْ يَسْتَنْزِلُوهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا ( سورة البقرة : الآية 109 ) وَقَالَ تَعَالَى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةَ 89 ) وَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 109 ) ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ) قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ ، كَمَا زَادَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ( وَمَا ذَاكَ ) أَيِ الْبُغْضُ ( بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ : أَجُورَ ( عَلَيْكُمْ ) لِأَنَّهُ يَكُونُ ظُلْمًا . وَفِي الْحَدِيثِ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِيهِ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ لَا يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ عَلَى ظُلْمِ مَنْ أَبْغَضَ ( فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ ( فَإِنَّهَا سُحْتٌ ) أَيْ حَرَامٌ ( وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ) لِحُرْمَتِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ فِي الْيَهُودِ : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةَ 42 ) إِنَّهُ الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ ( فَقَالُوا بِهَذَا ) الْعَدْلِ ( قَامَتِ السَّمَاوَاتُ ) فَوْقَ الرُّؤوسِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ( وَالْأَرْضُ ) اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّشْوَةَ عِنْدَ الْيَهُودِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِمْ بِهَذَا ، وَلَوْلَا حُرْمَتُهُ فِي كِتَابِهِمْ مَا عَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَفِيهِ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ أَوِ الشَّاهِدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ أَوِ الشَّهَادَةِ بِهِ رِشْوَةٌ ، وَكُلُّ رِشْوَةٍ سُحْتٌ ، وَكُلُّ سُحْتٍ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَكْلُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ فَمَا ازْدَرَعَ ) أَيْ زَرَعَ ( الرَّجُلُ الدَّاخِلُ ) أَيْ عَامِلُ الْمُسَاقَاةِ ( فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى أَنَّ الثمر بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَلَمْ يَشْتَرِطْ إِلَّا نِصْفَ الثَّمَرِ ، وَذَلِكَ وَقْتُ تَبْيِينِ الْحُقُوقِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَكُونُ لَهُ ، وَأَيْضًا فَالْأَرْضُ بِيَدِ الْعَامِلِينَ ، وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا مَا شَرَطَهُ دُونَ سَائِرِ مَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَلِذَا انْفَرَدُوا بِمَسَاكِنِهَا وَمَزَارِعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدَيْنِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( فَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ زِيَادَةٌ زَادَهَا عَلَيْهِ ) وَالزِّيَادَةُ مَمْنُوعَةٌ . ( وَإِنِ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ) بَيَانٌ لِلْمَؤُونَةِ لِمَا جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَهُمْ فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى النِّصْفِ . ( فَإِنِ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ) وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ ( وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَؤُونَةَ كُلَّهَا وَالنَّفَقَةَ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفِ ) الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ : إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ اعْمَلْ وَأَنْفِقْ وَيَكُونَ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ لَمْ يَلْزَمْ ( الْآخَرَ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْءٌ ) لِأَنَّ إِنْفَاقَهُ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا . ( وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَؤُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثَّمَرَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ) فَهِيَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ( أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةٍ تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ) بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَكَسْرِهَا تُلَقِّحُهَا وَتُصْلِحُهَا ( وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ) لِخِلَافِ سُنَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمَسَاقِي ) بِفَتْحِ الْقَافِ ( شَدُّ الْحِظَارِ ) بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ ، أَيْ تَحْصِينُ الزُّرُوبِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي سَدَّ الثُّلْمَةِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . وَنَقَلَ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ أَنَّ مَا حَظَرَ بِزَرْبٍ فَبِالْمُعْجَمَةِ ، وَمَا كَانَ بِجِدَارٍ فَبِالْمُهْمَلَةِ ، وَالْحَظَائِرُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ حَظِيرَةٍ هِيَ الْعِيدَانُ الَّتِي بِأَعْلَى الْحَائِطِ لِتَمْنَعَ مِنَ التَّسَوُّرِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : هُوَ حَائِطُ الْبُسْتَانِ ، الْبَاجِيُّ : مِثْلَ أَنْ يسْتَرْخي رِبَاطٌ لِحَظِيرَةٍ فَيَشْتَرِطُ عَلَى الْعَامِلِ شَدَّهُ . ( وَخَمُّ الْعَيْنِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ تَنْقِيَتُهَا ، وَالْمَخْمُومُ النَّقِيُّ ، وَرَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ أَيْ نَقِيُّهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ . ( وَسَرْوُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ وَاوٍ أَيْ : كَنْسُ ( الشَّرَبِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَمُوَحَّدَةٍ جَمْعُ شَرْبَةٍ وَهِيَ حِيَاضٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ حَوْلَ الشَّجَرِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : تَنْقِيَةُ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الشَّجَرِ وَتَحْصِينُ حُرُوفِهَا وَمَجِيءُ الْمَاءِ إِلَيْهَا . الْبَاجِيُّ : وَرُوِيَ ( سَوْقُ الشَّرَبِ ) وَهُوَ جَلْبُ الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ . ( وَإِبَّارُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ( النَّخْلِ ) أَيْ تَذْكِيرُهَا ( وَقَطْعُ الْجَرِيدِ ) مِنَ النَّخْلِ إِذَا كُسِرَتْ ، وَقَدْ يُفْعَلُ مِثْلُهُ بِالشَّجَرِ لِقَطْعِ قُضْبَانِ الْكَرْمِ . ( وَجَذُّ الثَّمَرِ ) أَيْ قَطْعُهُ ( هَذَا وَأَشْبَاهُهُ ) كَرْمُ الْقُفِّ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي فِيهِ الدَّلْوُ وَيَجْرِي مِنْهُ إِلَى الضَّفِيرَةِ ( عَلَى أَنَّ لِلْمَسَاقِي شَطْرَ ) أَيْ نِصْفَ ( الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ ) بِالْجِيمِ ( يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ ضَفِيرَةٍ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ : مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ كَالصِّهْرِيجِ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هِيَ عِيدَانٌ تُنْسَجُ وَتُضَفَّرُ وَتُطَيَّنُ وَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ كَالصِّهْرِيجِ ( يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ) فَيُمْنَعُ اشْتِرَاطُ هَذَا ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنَ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا أَوِ احْفِرْ لِي بِئْرًا ، أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا ، أَوِ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي ، هَذَا قَبْلَ أَنْ تَطِيبَ ثَمَرُ الْحَائِطِ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعٌ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ) فَيُمْنَعُ كَذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِي النَّهْيِ . ( فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثمر وَبَدَا صَلَاحُهُ ) تَفْسِيرٌ لِطِيبِهِ ( وَحَلَّ بَيْعُهُ ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ - لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ - بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَ ) وَجْهُهُ أَنَّهُ ( إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ) فَهِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ . ( فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ) أَيِ الْبُسْتَانِ ( ثَمَرٌ أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ) لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعَ ( إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَرَادَ مَالِكٌ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ ، وَأَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا كَالْقِرَاضِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْإِجَارَاتِ ، وَالْإِجَارَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَيْعٌ ، وَقَالَتِ الظَّاهِرِيَّةَ : لَيْسَتْ مِنَ الْبُيُوعِ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ تُخْلَقْ ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَيْسَتِ الْبُيُوعُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ ، قَالُوا : فَالْإِجَارَةُ بَيْعٌ مُنْفَرِدٌ بِسُنَّةٍ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ . ( قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ ) شَجَرِ الْعِنَبِ ( أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَافٍ : الْخَوْخُ أَوْ ضَرْبٌ مِنْهُ أَحْمَرُ أَجْرُدُ أَوْ مَا يَنْفَلِقُ عَنْ نَوَاهُ ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ ) فَالشَّرْطُ عَلَى قَدْرِ الْجُزْءِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ( وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ ) مِنَ الْأَرْضِ ( وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ ) وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ إِلَّا فِي النَّخْلِ والْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ ثَمَرَهُمَا بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ الْكُمَّثْرَى وَالتِّينَ وحب الملوك وَالرُّمَّانَ وَالْأُتْرُجَّ وَشِبْهَ ذَلِكَ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهَا ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يُخْرَصُ ، وَالْخَرْصُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَأَخْرَجَتْهُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ كَمَا أَخْرَجَتِ الْعَرَايَا عَنْهَا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ خَاصَّةً . ( وَلَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِجَوَازِ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ ( وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَأَمَّا مُسَاقَاةٌ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنَ الثِّمَارِ وإِجَارَةً ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ ) يَقْطَعُهُ ( بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ) وَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا بِالْإِجَارَةِ . قَالَ مَالِكٌ : إِنْ وَقَعَتْ فُسِخَ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَفُتْ وَلَا تَكُونُ إِجَارَةً لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَتَضَمَّنُ أَنَّ عَلَى الْعَامِلِ النَّفَقَةَ عَلَى رَقِيقِ الْحَائِطِ وَجَمِيعِ الْمُؤَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ . ( وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا أَجَازَهَا فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ أَوْ فِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، وَالْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ أَصْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْبُيُوعِ ، وَكُلُّ أَصْلٍ فِي نَفْسِهِ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ ، وَأَجَازَهَا سَحْنُونٌ لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ . ( وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ ) يُرِيدُ إِلَّا الطَّعَامَ أَوْ مَا يُثْبِتُهُ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ مَنْعُهُمَا ( فَأَمَّا الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ ، وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ ) أَيْ حَرَامٌ ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا . ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ؟ فَهَذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ إِلَى عَقْدٍ فَاسِدٍ . ( وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ ) يَنْتَقِلُ ( إِلَى غَيْرِهِ ) وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَأَجَازَ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ سَفِينَتَهُ وَدَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَرْزُقُهُ اللَّهُ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ . ( وَإِنَّمَا فَرَّقَ ) بِالتَّشْدِيدِ أَيِ الشَّرْعُ ( بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ ) فَيَجُوزُ ( وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ) فَيُمْنَعُ ( أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ ( وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا ) لِعَدَمِ النَّهْيِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أَنَّهَا لِلسَّاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ ) فَيَجُوزُ سِنِينَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا مُدَّةً مَجْهُولَةً ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَطَائِفَةٍ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَمَرَّتِ الْأَجْوِبَةُ عَنْهُ . ( وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلَ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ ) مِنَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ ، قَلَّتْ : أَوْ كَثُرَتْ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي ) بِكَسْرِ الْقَافِ : ( إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ) لَا يَجُوزُ ( وَ ) كَذَلِكَ ( لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى ) بِفَتْحِ الْقَافِ ( مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ مَنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا ) عَلَى جُزْئِهِ الْمَعْلُومِ ( لَا تَصْلُحُ ) لِأَنَّهُ يَعُودُ الْجُزْءُ مَجْهُولًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . ( وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ) لِأَنَّهُ ( إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ إِجَارَةٌ بِأَمْرٍ غَرَرٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ ) فَتَفْسُدُ الْإِجَارَةُ . ( وَفِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ أَوِ الْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ فَتَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ أَعْظَمُ ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ ) وَعَلَى هَذَا تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : وَكَانَ الْبَيَاضُ فِي خَيْبَرَ يَسِيرًا بَيْنَ أَضْعَافِ السَّوَادِ ، وَالْمَشْهُورُ مَا قَالَ هُنَا الثُّلُثُ يَسِيرٌ ، وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَإِلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ أَضْعَافٍ السواد أَوِ انْفَرَدَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ فِيهِمَا . وَفِيهَا لِمَالِكٍ إِلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُلْغِهِ لِلْعَامِلِ ، وَهُوَ إِنَّمَا يَفْعَلُ الرَّاجِحَ . وَأَجَابَ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِلْغَاؤُهُ الْبَاجِيُّ ، وَحُكْمُ مَا تُمْنَعُ مُسَاقَاتُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ مَعَ الشَّجَرَةِ . ( وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ إِذَا جُمِعَا ، أَمَّا إِذَا أُفْرِدَتِ النَّخْلُ بِالْمُسَاقَاةِ فَيَجُوزُ . ( وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ وَفِيهِ الْبَيَاضُ ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الْأَصْلِ ، أَوْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ أَوِ السَّيْفُ وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ) مُتَعَلِّقٌ بِيُبَاعَ ( أَوِ الْقِلَادَةُ ) مَا يُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ ( أَوِ الْخَاتَمُ وَفِيهِمَا الْفُصُوصُ ) جَمْعُ فَصٍّ مُثَلَّثُ الْفَاءِ . ( وَ ) فِيهَا ( الذَّهَبُ ) تُبَاعُ ( بِالدَّنَانِيرِ وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ وَيَبْتَاعُونَهَا وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ) نَصٌّ مِنْ سُنَّةٍ وَلَا كِتَابٍ ( مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ؛ إِذْ لَوْ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا ) وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ إِلَى عَمَلِ الْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ : ( وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَأَجَازُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوِ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ ) مِنَ الْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ ( جَازَ بَيْعُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوِ الْمُصْحَفُ أَوِ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ ) فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 34 - كِتَاب كِرَاءِ الْأَرْضِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ 1382 - حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، قَالَ حَنْظَلَةُ : فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَقَالَ : أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . 17 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 34 - كِتَابُ كِرَاءِ الْأَرْضِ 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ 1415 1382 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فُرُوخٍ الْمَدَنِيِّ الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ( عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ) بْنِ عَمْرِو بْنِ حِصْنٍ ( الزُّرَّقِيِّ ) الْأَنْصَارِيِّ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ قِيلَ : وَلَهُ رُؤْيَةٌ ( عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَجِيمٍ ، ابْنِ رَافِعِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ) جَمْعُ مَزْرَعَةٍ ، وَهِيَ مَكَانُ الزَّرْعِ ، وَظَاهِرُهُ مَنْعُ كِرَائِهَا مُطْلَقًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ ، قَالَ : لِأَنَّهَا إِذَا اسْتُؤْجِرَتْ وَخَرِبَتْ لَعَلَّهَا يَحْتَرِقُ زَرْعُهَا فَيَرُدُّهَا وَقَدْ زَادَتْ وَانْتَفَعَ رَبُّهَا بِهَا وَلَمْ يَنْتَفِعِ الْمُسْتَأْجِرُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا وَعَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُؤَجِّرْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ( قَالَ حَنْظَلَةُ : فَسَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ) أَنَهَى عَنْ كِرَائِهَا ( بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) الْفِضَّةِ ( فَقَالَ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : قَالَ : لَا ، إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا . ( أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا ، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ عَلَى جَوَازِهِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعٍ قَالَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا ، وَرَجُلٌ أَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ مَا قَالَهُ رَافِعٌ مَرْفُوعٌ ، وَلَكِنْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَأَنَّ بَقِيَّتَهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَحَادِيثَ الْمَنْعِ عَلَى كِرَائِهَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِمَا تُنْبِتُهُ كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ إِلَّا الْخَشَبَ وَالْحَطَبَ ، وَأَجَازُوا كِرَاءَهَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ رَافِعٍ مَرْفُوعًا : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُكْرِهَا بِثُلُثٍ وَلَا رُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى وَتَأَوَّلُوا النَّهْيَ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ بِأَنَّهَا كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يُقَدَّرُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ بَاعَهُ بِطَعَامٍ فَصَارَ بَيْعَ طَعَامٍ بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كِرَاءَهَا بِكُلِّ مَعْلُومٍ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَافِعٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْيَالِ الْجَدَاوِلِ فَيَهْلَكُ هَذَا وَيُسَلِّمُ هَذَا ، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فَلَا بَأْسَ ، فَبَيَّنَ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الْغَرَرُ ، وَأَمَّا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، فَمِثْلُهُمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ ، وَالْمَاذِيَانَاتُ بِكَسْرِ الذَّالِ وَفَتْحِهَا مُعَرَّبَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ : مَسَايِلُ الْمَاءِ الْكِبَارُ سَمَّى بِذَلِكَ مَا يَنْبُتُ عَلَى الْحَافَّتَيْنِ مَجَازًا لِلْمُجَاوَرَةِ ، وَأَجَازَ أَحْمَدُ كِرَاءَهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يُزْرَعُ فِيهَا لِحَدِيثِ الْمُسَاقَاةِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ لِاضْطِرَابِ أَلْفَاظِهِ ، وَبِأَنَّهُ يَرْوِيهِ مَرَّةً عَنْ عُمُومَتِهِ وَمَرَّةً بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عُمُومَتِهِ وَمِنَ الْمُصْطَفَى فَكَانَ يَرْوِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَلْفَاظِهِ فَمِنَ الرُّوَاةِ ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَتَدَافَعُ بِحَدِيثٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ ، وَشَرْطُ الِاضْطِرَابِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
1386 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَكَرِهَ ذَلِكَ . 1419 1386 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) وَالْقَصْدُ بِهَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى تَخْصِيصِ حَدِيثِ النَّهْيِ . ( سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَكْرَى مَزْرَعَتَهُ بِمِائَةِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الْحِنْطَةِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) وَهُوَ مِمَّا تُنْبِتُهُ أَوْ مِنَ الطَّعَامِ كَلَبَنٍ وَعَسَلٍ ( فَكَرِهَ ذَلِكَ ) كَرَاهَةَ مَنْعٍ حَمْلًا لِأَحَادِيثِ الْمَنْعِ عَلَى ذَلِكَ ؛ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مَا يَطُولُ مَقَامُهُ فِيهَا ، قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لِأَبِيهِ : لِمَ جَازَ كِرَاؤُهَا بِالْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَالْعُودِ وَالصَّنْدَلِ وَالْجُذُوعِ وَكُلِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ ؟ فَقَالَ : هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِمَّا يَطُولُ مُكْثُهَا وَوَقْتُهَا فَلِذَا سُهِّلَ فِيهَا .
1383 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . 1416 1383 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ) كَمَا فِي حَدِيثِ رَافِعٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا سَمِعَ ؛ لِأَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَاجِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَنْقُلْ رَافِعٌ لَفْظَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ بِجَوَازِهِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ .
1384 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَقُلْتُ لَهُ : أَرَأَيْتَ الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَقَالَ : أَكْثَرَ رَافِعٌ ، وَلَوْ كَانَ لِي مَزْرَعَةٌ أَكْرَيْتُهَا . 1417 1384 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ : ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَقُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ ) أَخْبِرْنِي ( الْحَدِيثَ الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ كَأَنَّهُ فَهِمَهُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ( فَقَالَ ) سَالِمٌ : ( أَكْثَرَ رَافِعٌ ) أَيْ أَتَى بِكَثِيرٍ مُوهَمٍ لِغَيْرِ الْمُرَادِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ إِخْبَارُ رَافِعٍ بِجَوَازِهِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ( وَلَوْ كَانَتْ لِي مَزْرَعَةٌ ) أَرْضٌ تُزْرَعُ ( أَكْرَيْتُهَا ) بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ عَمَّيْهِ وَكَانَا شَهِدَا بَدْرًا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، قُلْتُ لِسَالِمٍ : فَتُكْرِيهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَافِعًا أَكْثَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَلَقِيَهُ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : سَمِعْتُ عَمَّيَّ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا يُحَدِّثَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُكْرَى حَتَّى خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانُ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَذَهَبَ إِلَى رَافِعٍ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ ، وَالْأَرْبِعَاءُ بِالْمَدِّ جَمْعُ رَبِيعٍ وَهُوَ النَّهَرُ الصَّغِيرُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى رَافِعٍ إِطْلَاقَ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْكِرَاءُ الْفَاسِدُ الَّذِي كَانُوا يَكْرَهُونَهُ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَبَعْضِ التِّبْنِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ مَعَ أَنَّهُ مُخَابَرَةٌ لَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَنَحْوِهِمَا ، وَتَرَكَ ابْنُ عُمَرَ الْكِرَاءَ تَوَرُّعًا ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ حَتَّى خَشِيَ إِلَخْ . وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ عِلَّةُ النَّهْيِ لِاشْتِرَاطِهِمْ نَاحِيَةً مِنْهَا أَوْ لِاشْتِرَاطِهِمْ مَا زُرِعَ عَلَى الْجَدَاوِلِ وَالسَّوَاقِي ، أَوْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَهَا عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ بِالطَّعَامِ وَالْأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ ، أَوْ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ كَمَا جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ ، إِنَّمَا جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اقْتَتَلَا ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ ، فَسَمِعَ قَوْلَهُ لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، فَكَأَنَّ نَهْيَهُ تَأْدِيبٌ أَوْ لِلرِّفْقِ وَالْمُوَاسَاةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ لَمْ يُحَرِّمِ الْمُزَارَعَةَ وَلَكِنْ قَالَ : أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا .
1385 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ ابْنُهُ : فَمَا كُنْتُ أُرَاهَا إِلَّا لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَمَرَنَا بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ . 1417 1385 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَكَارَى أَرْضًا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدَيْهِ بِكِرَاءٍ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ ابْنُهُ ) أَبُو سَلَمَةَ أَوْ حُمَيْدٌ ( فَمَا كُنْتُ أُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَظُنُّهَا ( إِلَّا ) مَمْلُوكَةً ( لَنَا مِنْ طُولِ مَا مَكَثَتْ فِي يَدَيْهِ حَتَّى ذَكَرَهَا لَنَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَمَرَ بِقَضَاءِ شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كِرَائِهَا ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي .
1389 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مَعَ قَوْمٍ فِي أَرْضٍ بِحَيَوَانٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ ، فَجَاءَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَ الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ قَدْ هَلَكَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ قَدْرَ قِيمَتِهِمَا فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوْ الْوَلِيدَةِ مِائَةُ دِينَارٍ ، وَيَقُولُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ : بَلْ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا ، قَالَ مَالِكٌ : يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّ قِيمَةَ مَا اشْتَرَى بِهِ مِائَةُ دِينَارٍ ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ أَخَذَ أَوْ يَتْرُكَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الشَّفِيعُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ أَوْ الْوَلِيدَةِ دُونَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ وَهَبَ شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا نَقْدًا أَوْ عَرْضًا ، فَإِنَّ الشُّرَكَاءَ يَأْخُذُونَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنْ شَاءُوا ، وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةَ مَثُوبَتِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ ، فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا وَلَمْ يَطْلُبْهَا فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أُثِيبَ فَهُوَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الثَّوَابِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا فِي أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَلَهُ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، فَإِذَا جَاءَهُمْ بِحَمِيلٍ مَلِيٍّ ثِقَةٍ مِثْلِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الشِّقْصَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ ، فَذَلِكَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا تَقْطَعُ شُفْعَةَ الْغَائِبِ غَيْبَتُهُ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الشُّفْعَةُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوَرِّثُ الْأَرْضَ نَفَرًا مِنْ وَلَدِهِ ، ثُمَّ يُولَدُ لِأَحَدِ النَّفَرِ ثُمَّ يَهْلِكُ الْأَبُ فَيَبِيعُ أَحَدُ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ : فَإِنَّ أَخَا الْبَائِعِ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ مِنْ عُمُومَتِهِ شُرَكَاءِ أَبِيهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : الشُّفْعَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَقَلِيلًا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَبِقَدْرِهِ ، وَذَلِكَ إِنْ تَشَاحُّوا فِيهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ شُرَكَائِهِ حَقَّهُ ، فَيَقُولُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ : أَنَا آخُذُ مِنْ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِي ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدَعَ فَدَعْ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا خَيَّرَهُ فِي هَذَا وَأَسْلَمَهُ إِلَيْهِ ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَوْ يُسْلِمَهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ أَخَذَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ فَيَعْمُرُهَا بِالْأَصْلِ يَضَعُهُ فِيهَا ، أَوْ الْبِئْرِ يَحْفِرُهَا ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ : إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ كَانَ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الشُّفْعَةِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِيَ فَأَقَالَهُ ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا بِهِ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ وَحَيَوَانًا وَعُرُوضًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي : خُذْ مَا اشْتَرَيْتُ جَمِيعًا فَإِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ جَمِيعًا ، قَالَ مَالِكٌ : بَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهَا مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ يُقَامُ كُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِدَتِهِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ بِالَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ الْقِيمَةِ مِنْ رَأْسِ الثَّمَنِ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ ، إِنَّ مَنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكَ مَا بَقِيَ . قَالَ مَالِكٌ فِي نَفَرٍ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا ، فَعُرِضَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِحِصَّتِي وَأَتْرُكُ حِصَصَ شُرَكَائِي حَتَّى يَقْدَمُوا ، فَإِنْ أَخَذُوا فَذَلِكَ ، وَإِنْ تَرَكُوا أَخَذْتُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَتْرُكَ ، فَإِنْ جَاءَ شُرَكَاؤُهُ أَخَذُوا مِنْهُ أَوْ تَرَكُوا إِنْ شَاءُوا ، فَإِذَا عُرِضَ هَذَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَلَا أَرَى لَهُ شُفْعَةً . 1420 1389 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ . ( قَالَ مَالِكٌ في رَجُلٌ اشْتَرَى شِقْصًا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ : قِطْعَةً ( مَعَ قَوْمٍ فِي أَرْضٍ بِحَيَوَانٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَى ( عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ) أَيْ أَمَةٍ ، بَدَلٌ مِنْ حَيَوَانٍ ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ فَجَاءَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَجَدَ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ قَدْ هَلَكَا وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ قَدْرَ قِيمَتِهِمَا ، فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ مِائَةُ دِينَارٍ ، وَيَقُولُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ : قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا ، قَالَ مَالِكٌ : يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّ قِيمَةَ مَا اشْتَرَى بِهِ مِائَةُ دِينَارٍ ثُمَّ ) بَعْدَ حَلِفِهِ ( إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ ) بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي ( أَخَذَ أَوْ يَتْرُكَ ؛ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الشَّفِيعُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ دُونَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي ) فَيَأْخُذُهُ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ طَالِبٌ آخِذٌ ، وَالْمُشْتَرِيَ مَطْلُوبٌ مَأْخُوذٌ ، فَوَجَبَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَالشَّفِيعُ مُدَّعٍ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ، وَإِلَّا عَمِلَ بِهَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا نَقْدًا أَوْ عَرْضًا فَإِنَّ الشُّرَكَاءَ يَأْخُذُونَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنْ شَاؤوا وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةَ مَثُوبَتِهِ ) أَيْ مَا أَثَابَ بِهِ ( دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ) وَإِنْ شَاؤوا سَلَّمُوا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ . ( وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَلَمْ يُثَبْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( مِنْهَا ) أَيْ بَدَلَهَا ( وَلَمْ يَطْلُبْهَا فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مَا ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ ( لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أُثِيبَ فَهُوَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الثَّوَابِ ) الَّذِي حَصَلَ إِنْ عَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ حَلَفَ كَمَا فَوْقَهُ . ( وَفِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا فِي أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهَا بالشفعة ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَلَهُ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ ) لِأَنَّهُ عَدِيمٌ . ( فَإِنْ جَاءَهُمْ بِحَمِيلٍ ) ضَامِنٍ ( مَلِيءٍ ) غَنِيٍّ ( ثِقَةٍ مِثْلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الشِّقْصَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ فَذَلِكَ لَهُ ) وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ . ( وَلَا تَقْطَعُ شُفْعَةَ الْغَائِبِ غَيْبَتُهُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ ( وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ تُقْطَعُ ) إِذَا انْتَهَى ( إِلَيْهِ الشُّفْعَةُ ) لِعُذْرِهِ بِالْغَيْبَةِ فَحَقُّهُ بَاقٍ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهَلْ حَقُّهُ بَاقٍ مُطْلَقًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِالْإِسْقَاطِ ؟ وَهُوَ قَوْلٌ لِمَالِكٍ ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ ، فَلَا يُبْطِلُهُ سُكُوتُهُ أَوْ لَا شُفْعَةَ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ، رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَبَالَغَ فِيهِ حَتَّى قَالَ : إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ السَّنَةِ فَلَا شُفْعَةَ ، لَكِنِ الْمُعْتَمَدُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا قَارَبَهَا لَهُ حُكْمُهَا ، وَفِيهِ أَنَّهُ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعٌ ، خِلَافٌ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُورِثُ الْأَرْضَ نَفَرًا مِنْ وَلَدِهِ ثُمَّ يُولَدُ لِأَحَدِ النَّفَرِ ) أَوْلَادٌ ( ثُمَّ يَهْلَكُ الْأَبُ ) الَّذِي وَلَدَ ( فَيَبِيعُ أَحَدُ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ فَإِنَّ أَخَا الْبَائِعِ ) الَّذِي هُوَ وَلَدُ الْمَيِّتِ ( أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ مِنْ عُمُومَتِهِ شُرَكَاءِ أَبِيهِ ) لِأَنَّهُ شَرِيكٌ لِأَخِيهِ دُونَ عُمُومَتِهِ ( وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . ( وَالشُّفْعَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرٍ نَصِيبِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَقَلِيلًا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَبِقَدْرِهِ ، وَذَلِكَ إِذَا تَشَاحُّوا فِيهَا ) فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ وَآخَرُ الثُّلُثُ وَآخُرُ السُّدُسُ فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَيِ النِّصْفِ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ ثُلُثُهُ ، فَيَصِيرُ لَهُ ثُلُثُ الدَّارِ ، وَلِذَلِكَ ثُلُثَاهَا ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ عَلَى عَدَدِ الرُّؤوسِ . ( فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ شُرَكَائِهِ حَقَّهُ ) نَصِيبَهُ فِي الْمَكَانِ ( فَيَكون أَحَدُ الشُّرَكَاءِ : أَنَا آخُذُ مِنَ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِي ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدَعَ ) تَتْرُكَ ( فَدَعْ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا خَيَّرَهُ فِي هَذَا وَأَسْلَمَهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَوْ يُسْلِمَهَا إِلَيْهِ ، فَإِنْ أَخَذَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ ) لِتَضَرُّرِ الْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ مَا اشْتَرَى . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ فَيَعْمُرُهَا ) بِضَمِّ الْمِيمِ ( بِالْأَصْلِ يَضَعُهُ فِيهَا أَوِ الْبِئْرَ يَحْفِرُهَا ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ( ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ : إِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا ؛ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ ) قَائِمَةً ( كَانَ أَحَقَّ بِشُفْعَتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا ) بَلْ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِعْلٌ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ . ( وَمَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الشُّفْعَةِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي ) طَلَبَ مِنْهُ الْإِقَالَةَ ( فَأَقَالَهُ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا بِهِ ) إِنْ شَاءَ ( وَمَنِ اشْتَرَى شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ وَحَيَوَانًا وَعُرُوضًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الْأَرْضِ أَوِ الدَّارِ ) أَوْ فِيهِمَا ( فَقَالَ الْمُشْتَرِي : خُذْ مَا اشْتَرَيْتُ جَمِيعًا فَإِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ جَمِيعًا ) فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ . ( قَالَ مَالِكٌ : بَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الْأَرْضِ أَوِ الدَّارِ ) أَوْ فِيهِمَا ( بِحِصَّتِهَا مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ) وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ ( يُقَامُ ) أَيْ يَقُومُ ( كُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَّتِهِ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ : مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ ( عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ بِالَّذِي يُصِيبُهَا مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ رَأْسِ الثَّمَنِ وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ شَيْئًا ) إِذْ لَا شُفْعَةَ فِيهَا ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ ) فَيَأْخُذُ لَا بِالشُّفْعَةِ ، إِذْ لَا شُفْعَةَ فِي حَيَوَانٍ وَعَرْضٍ بَلْ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَرَادَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ . ( وَمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ فَسَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةَ لِلْبَائِعِ وَأَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ إِنَّ مَنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ أخذ بِالشُّفْعَةِ كُلَّهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكَ مَا بَقِيَ ) لِضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ . ( وَفِي نَفَرٍ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ ) جَمْعَ غَائِبٍ ( كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا فَعَرَضَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِحِصَّتِي وَأَتْرُكُ حِصَصَ شُرَكَائِي حَتَّى يَقْدَمُوا ، فَإِنْ أَخَذُوا فَذَلِكَ وَإِنْ تَرَكُوا أَخَذْتُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَتْرُكَ ، فَإِنْ جَاءَ شُرَكَاؤُهُ أَخَذُوا مِنْهُ أَوْ تَرَكُوا ) إِنْ شَاؤوا ( فَإِذَا عَرَضَ هَذَا ) التَّخْيِيرَ ( عَلَيْهِ ) أَيِ الرَّجُلِ الْحَاضِرِ ( فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَلَا أَرَى لَهُ شُفْعَةً ) فَإِنْ قَبِلَهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 35 - كِتَاب الشُّفْعَةِ 1 - بَاب مَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ 1387 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 35 - كِتَابُ الشُّفْعَةِ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ غَيْرُ السُّكُونِ وَهِيَ لُغَةُ الضَّمِّ عَلَى الْأَشْهَرِ مِنْ شَفَعْتُ الشَّيْءَ ضَمَمْتُهُ ، فَهُوَ ضَمُّ نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبٍ ، وَمِنْهُ شُفِعَ الْأَذَانُ ، وَقِيلَ مِنَ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ ، لِأَنَّهُ ضَمُّ نَصِيبِ شَرِيكِهِ إِلَى نَصِيبِهِ ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَقِيلَ مِنَ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إِلَى مَالِهِ ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةَ 85 ) أَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ يَزِدْ عَمَلًا صَالِحًا إِلَى عَمَلِهِ ، وَقِيلَ : مِنَ الشَّفَاعَةِ لِأَنَّهُ يَتَشَفَّعُ بِنَصِيبِهِ إِلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا بَاعَ الشَّرِيكُ حِصَّتَهُ أَتَى الْمُجَاوِرُ شَافِعًا إِلَى الْمُشْتَرِي لِيُولِيَهُ مَا اشْتَرَاهُ وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَشَرْعًا : اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنٍ . 1 - بَابُ مَا يَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ أَنَّ الْإِمَامَ تَارَةً يُقَدِّمُ الْبَسْمَلَةَ عَلَى ( كِتَابُ ) وَتَارَةً يُؤَخِّرُهَا عَنْهُ تَفَنُّنًا . 1420 1387 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بْنِ حَزَنٍ الْمَخْزُومِيِّ ( وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مُرْسَلٌ عَنْ مَالِكٍ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِمْ ، وَوَصَلَهُ عَنْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونَ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي قَتِيلَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ ، فَقَالُوا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قُتَيْبَةَ وَصَلَهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ ابْنِ شِهَابٍ ، فَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُونُسُ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : رِوَايَةُ مَعْمَرٍ حَسَنَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : رِوَايَةُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَصَحُّ ، يَعْنِي مُرْسَلًا عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَأَسْنَدَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا فِي التَّمْهِيدِ ثُمَّ قَالَ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَكْثَرَ النَّاسِ بَحْثًا عَنْ هَذَا الشَّأْنِ ، فَرُبَّمَا احْتَجَّ لَهُ فِي الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْهم ومرة عن أَحَدِهِمْ بِقَدْرِ نَشَاطِهِ حِينَ تَحْدِيثِهِ ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَغَيْرِهِ ، وَرُبَّمَا كَسُلَ فَأَرْسَلَ ، وَرُبَّمَا انْشَرَحَ فَوَصَلَ ، فَلِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا اهـ . وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي مَالِكٍ وَرِوَايَةِ مَعْمَرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ ) بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ( فِيمَا ) أَيْ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ مُشَاعٍ قَابِلٍ لِلْقِسْمَةِ ( لَمْ يُقْسَمْ ) بِالْفِعْلِ ( بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ ) جَمْعُ حَدٍّ ، وَهُوَ هُنَا مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ الْأَمْلَاكُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَأَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ ، فَتَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَنْعِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ وَبِمَنْعِ دُخُولِهِ فِيهِ ، زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً وَمُثْقَلَةً أَيْ بُيِّنَتْ مَصَارِفُهَا وَشَوَارِعُهَا ( بَيْنَهُمْ ) أَيِ الشُّرَكَاءِ ( فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ) لِأَنَّهُ لَا مَحِلَّ لَهَا بَعْدَ تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَتْ غَيْرَ مُشَاعَةٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْمُشَاعِ ، وَصَدْرُهُ يُشْعِرُ بِثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولَاتِ ، وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهَا بِالْعَقَارِ ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا ، وَالْمُرَادُ الْعَقَارُ الْمُحْتَمِلُ لِلْقِسْمَةِ ، فَمَا لَا يَحْتَمِلُهَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ بِقَسْمِهِ تَبْطُلُ مَنْفَعَتُهُ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ بِالشُّفْعَةِ احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ أَمْ لَا . وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ ، إِلَّا أَنَّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَشَذَّ عَطَاءٌ فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ فَقَالَ بالشفعة فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الثَّوْبِ ، وَنَقَلَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْعَقَارِ لِحَدِيثِ الْبَابِ وَنَحْوِهِ ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَالرَّبْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ تَأْنِيثُ الرَّبْعِ وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَالْحَائِطُ وَالْبُسْتَانُ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَرَ الشُّفْعَةَ فِيمَا لَا يُقْسَمُ ، فَمَا قُسِمَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَقَدْ صَارَ جَارًا ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورَ ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ لِلْجَارِ ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ لَكَانَ قَوِيًّا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، لَكِنْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقَسْمِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : الْمُرَادُ صَرْفُ الطُّرُقِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجَارُ ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَيِّ التَّأْوِيلَيْنِ أَظْهَرُ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ : الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِتَحْوِيزِهِ وَصِلَتِهِ وَهُوَ أَوْلَى ، إِذْ حَمْلُهُ عَلَى الشُّفْعَةِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ مِنَ الشَّرِيكِ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَالصَّقَبُ بِفَتْحَتَيْنِ وَصَادٍ أَوْ سِينٍ ، أَيْ بِسَبَبِ قُرْبِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا : جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَا هُوَ أَحَقُّ هَلْ بِالشُّفْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الرِّفْقِ وَالْمَعْرُوفِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَارِ الشَّرِيكَ وَالْمَخَالِطَ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى يُخَاطِبُ زَوْجَتَهُ : أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقُ . فَسَمَّاهَا جَارَةً لِأَنَّهَا مُخَالِطَةٌ ، وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ حَدِيثُ أَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يَنْتَظِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِمَا يَكُونُ أَحَقَّ ، وَنَبَّهَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الطَّرِيقِ ، لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَأَحَادِيثُ الشُّفْعَةِ لَيْسَ فِيهَا مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ أَوْ نَصٌّ فِي نَفْيِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ بِخِلَافِ تِلْكَ ، فَيَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالَاتُ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ إِلَخْ ، مُدْرَجٌ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَلَامٌ تَامٌّ ، وَالثَّانِيَ مُسْتَقِلٌّ ، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مَرْفُوعًا لَقِيلَ : وَقَالَ وَإِذَا وَقَعَتْ إِلَخْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ الْعَقْلِيِّ وَالتَّشَهِّي ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ كَمَجِيءِ رِوَايَةٍ مَبْنِيَّةٍ لِلْقَدْرِ الْمُدْرَجِ ، أَوِ اسْتِحَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ ، وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ ( كَمَا قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ) وَقَالَ أَحْمَدُ : إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فَالْحُجَّةُ فِيمَا عَمِلَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ .
1388 - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ الشُّفْعَةِ هَلْ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، الشُّفْعَةُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ . 1420 1388 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ هَلْ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، الشُّفْعَةُ ) ثَابِتَةٌ ( فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ) لَا بِالْجِوَارِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إِذَا قَسَمَ وَضَرَبَ الْحُدُودَ فَالْجَارُ الْمُلَاصِقُ الَّذِي لَمْ يَقْسِمْ وَلَا ضَرَبَ الْحُدُودَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ .
2 - بَاب مَا لَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ 1390 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا ، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ دَارٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ ، فَأَرَادَ شُرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرِيكُهُمْ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ ، فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الْبَيْعُ فَلَهُمْ الشُّفْعَةُ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ، ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ : إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ ، وَإِنَّ مَا أَغَلَّتْ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ ، قَالَ : فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ هُمَا حَيَّانِ ، فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ ، وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ ؛ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ قُوِّمَتْ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا ، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ عِمَارَةٍ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنْ ابْتَاعَ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ كَمَا هِيَ فِي مَالِ الْحَيِّ ، فَإِنْ خَشِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ أَنْ يَنْكَسِرَ مَالُ الْمَيِّتِ قَسَمُوهُ ، ثُمَّ بَاعُوهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شُفْعَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا شُفْعَةَ عِنْدَنَا فِي عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَلَا فِي ثَوْبٍ وَلَا فِي بِئْرٍ لَيْسَ لَهَا بَيَاضٌ ، إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ وَتَقَعُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِنَاسٍ حُضُورٍ ، فَلْيَرْفَعْهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقُّوا وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّلْطَانُ ، فَإِنْ تَرَكَهُمْ فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَقَدْ عَلِمُوا بِاشْتِرَائِهِ فَتَرَكُوا ذَلِكَ حَتَّى طَالَ زَمَانُهُ ، ثُمَّ جَاءُوا يَطْلُبُونَ شُفْعَتَهُمْ ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ . 2 - بَابُ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ 1423 1390 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ( بْنِ حَزْمٍ ) فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى لِشُهْرَتِهِ بِهِ ( أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) ذُو النُّورَيْنِ ( قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا ) بِنَصِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ ) كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا ) أَيِ الطَّرِيقِ ، لِأَنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ( أَوْ لَمْ يَصْلُحْ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِمَا قَدْ قُسِمَ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سَاحَةِ ( دَارٍ ) قُسِمَتْ بُيُوتُهَا ( صَلُحَ لقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ ) لِأَنَّهَا تَبَعٌ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا ) قِطْعَةً ( مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ فَأَرَادَ شُرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرِيكُهُمْ بالشفعة قَبْلَ أن يختار الْمُشْتَرِي ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ ، فَإِذَا وَجَبَ ) أَيْ ثَبَتَ ( لَهُ الْبَيْعُ فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ ) لِأَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ فَلَا تَثْبُتُ شُفْعَةٌ حَتَّى يَلْزَمَ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ) زَمَانًا ( ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ : إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ ، وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ ) مَطَرٌ شَدِيدٌ ، وَمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَهُ الْغَلَّةُ ( فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ هَلَكَ ) مَاتَ ( الشُّهُودُ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي أَوْ هُمَا حَيَّانِ فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ ) قُرْبِ ( الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِحَدَاثَةٍ ( وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ ) بِالتَّثْقِيلِ ( الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا ؛ فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ) أَيْ مَا قُوِّمَتْ بِهِ ( ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ ) بِالْكَسْرِ فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلَ كِتَابٍ وَبِسَاطٍ وَمِهَادٍ بِمَعْنَى مَبْسُوطٍ وَمَكْتُوبٍ وَمَمْهُودٍ ( أَوْ عِمَارَةٍ فَتَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ ) اشْتَرَى الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يَكُونُ لَهُ حُكْمُهُ . ( فِي مَالِ الْحَيِّ ، فَإِنْ خَشِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ أَنْ يَنْكَسِرَ مَالُ الْمَيِّتِ قَسَّمُوهُ وَبَاعُوهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شُفْعَةٌ ، وَلَا شُفْعَةَ عِنْدِنَا فِي عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ) كَفَرَسٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ ( وَلَا ثَوْبٍ وَلَا بِئْرٍ لَيْسَ لَهَا بَيَاضٌ ) لِأَنَّ أُصُولَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَشْهَدُ أَنْ لَا يَحِلُّ إِخْرَاجُ مِلْكٍ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ مِلْكًا صَحِيحًا إِلَّا بِحُجَّةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا ، وَالْمُشْتَرِي ذَلِكَ شِرَاءً صَحِيحًا قَدْ مَلَكَهُ ، فَكَيْفَ يُؤْخَذُ عَنْهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ ( إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْقَسِمَ ) بِأَنْ يَقْبَلَ الْقِسْمَةَ ( وَتَقَعَ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ) اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ فَلَا يُتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ . ( وَمَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا شُفْعَةٌ لِنَاسٍ حُضُورٍ فَلْيَرْفَعْهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقُّوا ) أَنْ يَأْخُذُوا بِاسْتِحْقَاقِهِمُ الشُّفْعَةَ ( وَإِمَّا أَنْ ) يَتْرُكُوا فَحِينَئِذٍ ( يُسَلِّمَ لَهُ السُّلْطَانُ ) مَا اشْتَرَى . ( فَإِنْ تَرَكَهُمْ فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ عَلِمُوا بِاشْتِرَائِهِ فَتَرَكُوا ذَلِكَ حَتَّى طَالَ زَمَانُهُ ثُمَّ جَاؤوا يَطْلُبُونَ شُفْعَتَهُمْ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ ) وَالطُّولُ بِسَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَفِي أَنَّهُ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعٌ خِلَافٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
10 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَلَقِ الرَّهْنِ 1406 - قَالَ يَحْيَى : حَدَّثَنَا مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رُهِنَ بِهِ ، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ : إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا رُهِنَ فِيهِ . قَالَ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ ، وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِالَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ ، وَأُرَى هَذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخًا . 10 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَلَقِ الرَّهْنِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : غَلِقَ الرَّهْنُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ وَقَافٍ ، يَغْلَقُ ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَاللَّامِ ، غَلَقًا ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَاللَّامِ ، أَيِ اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ إِذَا لَمْ يُفْتَكَّ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ . 1437 1406 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرْسَلَهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى ، فَوَصَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلَقُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ ( الرَّهْنُ ) الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الْقَافِ عَلَى الْخَبَرِ ، أَيْ لَيْسَ يَغْلَقُ ، أَيْ لَا يَذْهَبُ وَيَتْلَفُ بَاطِلًا ، وَقَالَ النُّحَاةُ : لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُخَلِّصٌ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ : وَفَارَقْتُكِ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلَقَا . وَقَالَ قُعْنُبُ بْنُ حَمْزَةَ الْغَطَفَانِيُّ : بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنٌ وَغَلَقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرَّهْنُ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ : لَا يَجُوزُ لُغَةً غَلِقَ الرَّهْنُ : إِذَا ضَاعَ ، إِنَّمَا يُقَالُ : غَلِقَ : إِذَا اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ فَذَهَبَ بِهِ ، قَالَ : وَهَذَا كَانَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبْطَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ ، نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) بِمُرَادِ نَبِيِّهِ ( أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ ) زِيَادَةٌ ( عَمَّا رُهِنَ بِهِ ، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ : إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إِلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ ) أَخَذْتُ رَهْنِي ( وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا رُهِنَ فِيهِ ، قَالَ : فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ . وَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِالَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ ) أَيِ الرَّهْنُ ( لَهُ ) أَوْ يُبَاعُ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ ( وَأُرَى هَذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخًا ) لَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَبِنَحْوِهِ فَسَّرَهُ طَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالزَّهْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ هَذَا وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى الَّذِي وَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ ثِقَةٌ ، لَكِنْ أَخْشَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ رَاوِيَهُ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مَعْنٍ أَخْطَأَ فِي وَصْلِهِ ، لَكِنْ تَابَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْأَصَحُّ إِرْسَالُهُ ، وَإِنْ وُصِلَ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ فَكُلُّهَا مُعَلَّلَةٌ ، وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ . اهـ ، كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مُلَخَّصًا . وَذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُنَضَّدِ أَنَّ لَا نَافِيَةٌ أَوْ نَاهِيَةٌ ، فَعَلَيْهِ تُكْسَرُ الْقَافُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِأَنَّهُ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ أَفْصَحَ أَبُو عُمَرَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ .
9 - بَاب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ 1405 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ يَقُولُ : اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ مُطِيعٍ فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي ، قَالَ : فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا وَاللَّهِ إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ ، قَالَ : فَجَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحْلِفُ : أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : فَجَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يُحَلَّفَ أَحَدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ . 9 - بَابُ جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ 1436 1405 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ، مُصَغَّرًا ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ ) بِمُعْجَمَةٍ فَمُهْمَلَةٍ فَفَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ، قِيلَ اسْمُهُ سَعْدٌ ( ابْنَ طَرِيفٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَقِيلَ ابْنُ مَالِكٍ ( الْمُرِّيَّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، الْمَدَنِيَّ التَّابِعِيَّ الثِّقَةَ ( يَقُولُ : اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ) الصَّحَابِيُّ الشَّهِيرُ ( وَ ) عَبْدُ اللَّهِ ( ابْنُ مُطِيعٍ ) بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ ، لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَكَانَ رَأْسَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ ، وَأَمَّرَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْكُوفَةِ ، ثُمَّ قُتِلَ مَعَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ( فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ) مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( فَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمِنْبَرِ ) النَّبَوِيِّ ، أَيْ عِنْدَهُ ( فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي ) أَيْ فِيهِ ( قَالَ ) أَبُو غَطَفَانَ ( فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا وَاللَّهِ ) لَا تَحْلِفُ ( إِلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ ، قَالَ : فَجَعَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ ) أَيْ بَاقٍ لَمْ يَقْبِضْهُ ( وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : فَجَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ) أَيْ مِنِ امْتِنَاعِ زَيْدٍ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا تَغْلُظُ بِالْمَكَانِ ، قَالَ مَالِكٌ : كَرِهَ زِيدٌ صَبْرَ الْيَمِينِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ حَلَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَافْتَدَى مِنْهَا وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ تُوَافِقَ قَدَرَ بَلَاءٍ فَيُقَالُ بِيَمِينِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ ، فَعَابَ قَوْلَنَا هَذَا عَائِبٌ ، تَرَكَ فِيهِ مَوْضِعَ حُجَّتِنَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآثَارِ بَعْدَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَزَعَمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَا يَرَى الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَنَّا رَوَيْنَا عَنْهُ ذَلِكَ وَخَالَفْنَاهُ إِلَى قَوْلِ مَرْوَانَ ، فَمَا مَنَعَ زِيد لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمِنْبَرِ حَقٌّ أَنْ يَقُولَ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ مَجْلِسُ الْحُكْمِ ، وَقَدْ قَالَ لَهُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا : أَتُحِلُّ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ ؟ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ ، قَالَ : فَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الصُّكُوكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوهَا ، فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَنْزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ . فَإِذَا لَمْ يُنْكِرْ مَرْوَانُ عَلَى زَيْدٍ هَذَا فَكَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُنِي الْيَمِينُ عَلَى الْمِنْبَرِ ؟ لَقَدْ كَانَ زَيْدٌ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مَرْوَانَ وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً ، وَلَكِنْ عَلِمَ زَيْدٌ أَنَّ مَا قَضَى بِهِ مَرْوَانُ حَقٌّ ، وَكَرِهَ أَنْ تصبر يَمِينُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ . قَالَ : وَقَدْ رَوَى الَّذِينَ خَالَفُونَا حَدِيثًا يُثْبِتُونَهُ عِنْدَهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ ، وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ عُمَرَ جَلَبَ قَوْمًا مِنَ الْيَمَنِ فَأَدْخَلَهُمُ الْحِجْرَ فَأَحْلَفَهُمْ . فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَنْ عُمَرَ فَكَيْفَ أَنْكَرُوا عَلَيْنَا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَنَحْنُ لَا نَجْلِبُ أَحَدًا مِنْ بَلَدِهِ ، وَلَوْ لَمْ نَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ وَبِمَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْنَا مِنْ زَيْدٍ لَكَانَتِ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ لَازِمَةً ، فَكَيْفَ وَالْحُجَّةُ ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ ؟ نَقَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : وَجَدْتُ لِمَرْوَانَ سَلَفًا ، فَأَخْرَجَ الْكَرَابِيسِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ غَصَبَ لَهُ بَعِيرًا ، فَخَاصَمَهُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : أَحْلِفُ لَهُ حَيْثُ شَاءَ ، فَأَبَى عَلَيْهِ عُثْمَانُ أَنْ يَحْلِفَ إِلَّا عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَغَرِمَ له بعيرا مِثْلَ بَعِيرِهِ وَلَمْ يَحْلِفْ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يُحَلَّفَ ) بِالتَّثْقِيلِ ( أَحَدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْلِفُ فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا عَلَى التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ فِي الدِّمَاءِ وَالْمَالِ الْكَثِيرِ لَا فِي الْقَلِيلِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .
11 - بَاب الْقَضَاءِ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطًا لَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَيَكُونُ ثَمَرُ ذَلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَجَلِ : إِنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مَعَ الْأَصْلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ارْتَهَنَ جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إِيَّاهَا إِنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَفُرِقَ بَيْنَ الثَّمَرِ وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . قَالَ : وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ أَنَّ ذَلِكَ الْجَنِينَ لِلْمُشْتَرِي ، اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَلَيْسَتْ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ ، وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا : أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ ، وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ الرَّقِيقِ وَلَا مِنْ الدَّوَابِّ . 11 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي رَهْنِ الثَّمَرِ وَالْحَيَوَانِ - ( مَالِكٌ : فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطًا ) بُسْتَانًا ( لَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَيَكُونُ ) يُوجَدُ ( ثَمَرُ ذَلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَجَلِ : أَنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مَعَ الْأَصْلِ ) سَوَاءٌ حَدَثَتْ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الرَّهْنِ مُزْهِيَةً أَوْ غَيْرَ مُزْهِيَةٍ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ ) فَيَكُونُ رَهْنًا ( وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ارْتَهَنَ الْجَارِيَةَ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إِيَّاهَا إنَّ وَلَدَهَا ) يَكُونُ رَهْنًا ( مَعَهَا . وَفَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرِ وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ خَفِيفَةٍ وَثَقِيلَةٍ ( فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ) كَمَا مَرَّ مُسْنَدًا ( وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً ) أَمَةً ( أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ : أَنَّ ذَلِكَ الجنين لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَلَيْسَتِ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ ) لِافْتِرَاقِ حُكْمَيْهِمَا ( وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) زَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ الْأَمَةَ رَهْنٌ دُونَ مَا تَلِدُهُ لَمْ يَجُزْ ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ ، وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ الرَّقِيقِ وَلَا مِنَ الدَّوَابِّ ) لِقُوَّةِ الْغَرَرِ ، وَإِنْ جَازَ أَصْلُهُ فِي الرَّهْنِ .
7 - بَاب الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ 1402 - قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَحْدَهَا لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا أَوْ يُخَبَّبُوا أَوْ يُعَلَّمُوا ، فَإِنْ افْتَرَقُوا فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَشْهَدُوا الْعُدُولَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا . 7 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ 1433 1402 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ ) عَمَّهُ ( عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ) الصَّحَابِيَّ ، أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( كَانَ يَقْضِي بشهادة الصبيان فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُهَا إِذَا جِيءَ بِهِ فِي حَالِ نُزُولِ النَّازِلَةِ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ ) أَيِ الْكِبَارِ . ( وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ ) أَيْ فِي ( الْجِرَاحِ وَحْدَهَا ، لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ) مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا ( إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبَّبُوا ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَتَيْنِ ، يُخْدَعُوا ، مِنَ الْخِبِّ بِالْكَسْرِ الْخِدَاعِ ( أَوْ يُعَلَّمُوا ، فَإِنِ افْتَرَقُوا فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ ) أَيْ لَا تُقْبَلُ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ الْعُدُولَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا ) فَتُقْبَلُ بِبَاقِي الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفُرُوعِ وَبِإِجَازَتِهَا . قَالَ مُعَاوِيَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَالنَّخَعِيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ ، وَلَمْ يُجِزْهَا الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ، وَحَمَلَ مَالِكٌ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَدَمِ إِجَازَتِهَا عَلَى شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْكِبَارِ .
12 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ ، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَعُلِمَ هَلَاكُهُ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا ، وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ ، فَهُوَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ ، يُقَالُ لَهُ : صِفْهُ . فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ ، ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى أُحْلِفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ ، وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ ، حُلِّفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ . 12 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ مِنَ الْحَيَوَانِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ ) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ ( فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَعُلِمَ هَلَاكُهُ فَهُوَ مِنَ الرَّاهِنِ ، وَأنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا ) وَكَذَا إِذَا ادَّعَى إِبَاقَ الْعَبْدِ وَهُرُوبَ الْحَيَوَانِ ، فَلَا ضَمَانَ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ ، كَدَعْوَاهُ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُدُولٍ فَأَنْكَرُوهُ . ( وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنٍ يَهْلَكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ ) كَثِيَابٍ وَعُرُوضٍ وَعَيْنٍ وَحُلِيٍّ وَكُلِّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ( فَهُوَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ ) قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ فَلَا يُضَمَّنُ ( وَهُوَ ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ( لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ ) فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَصْفِهِ ، حُكِمَ بِقِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ ( وَيُقَالُ ) إِذَا اخْتَلَفَا ( لَهُ صِفْهُ ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ ) أَنَّهَا كَمَا وَصَفَ ( وَ ) عَلَى ( تَسْمِيَةِ مَا ) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي ( لَهُ فِيهِ ) أَيْ فِي الرَّهْنِ ، أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ ( ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ ) أَيِ الْخِبْرَةِ ( بِذَلِكَ ) الْوَصْفِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ( فَإِنْ كَانَ فِيهِ ) أَيْ قِيمَةُ الرَّهْنِ ( فَضْلٌ ) زِيَادَةٌ ( عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَهَ الرَّاهِنُ ، وَإِنْ كَانَ ) قِيمَةُ الرَّهْنِ ( أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى ) الْمُرْتَهِنُ مِنَ الدَّيْنِ ( حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ وَبَطَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ ) الزَّائِدُ ( الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ أُعْطِيَ ) أَيْ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْتَهِنَ ( مَا فَضَلَ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ ، حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ ) لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ صَارَ مُدَّعِيًا عَلَى الرَّاهِنِ ( وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ ) بِأَنْ أَشْبَهَ مَا قَالَ ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَقُولُ : أَنَا إِنَّمَا ادَّعَيْتُ الْجَهْلَ بِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ فَأَنَا أَصِفُهُ بِصِفَةٍ لَا أَشُكُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صِفَةِ الرَّهْنِ . وَهِيَ دُونَ صِفَةِ الرَّاهِنِ بِكَثِيرٍ ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ ويُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يُسْتَنْكَرُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَذَلِكَ ) كُلُّهُ ( إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ ) فَإِنْ كَانَ بِيَدَيْ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِذَا اخْتُلِفَ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : الْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُنْظَرُ إِلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُدَّعٍ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : وَالْحُجَّةُ لمالك قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 283 ) فَجَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَهُ وَثِيقَةً بِحَقِّهِ ، فَكَأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ مَبْلَغِ الدَّيْنِ ، وَمَا جَاوَزَ قِيمَتَهُ فَلَا وَثِيقَةَ فِيهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الرَّاهِنِ . قَالَ : وَوَافَقَ مَالِكًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ إِلَّا لِبَيِّنَةٍ ، وَبَيْنَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ . الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ مَضْمُونٌ مُطْلَقًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ : الرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِقِيمَةِ الدَّيْنِ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ : الرَّهْنُ كُلُّهُ أَمَانَةٌ لَا يُضْمَنُ إِلَّا بِمَا تُضْمَنُ بِهِ الْوَدَائِعُ مِنَ التَّعَدِّي وَالتَّضْيِيعِ ، سَوَاءٌ كَانَ حُلِيًّا أَوْ حَيَوَانًا مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُغَابُ عَلَيْهِ ، وَالدَّيْنُ ثَابِتٌ عَلَى حَالِهِ لِلْحَدِيثِ : لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ . قَالُوا : لَهُ غُنْمُهُ أَيْ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ أَيْ فِكَاكُهُ وَمِنْهُ مُصِيبَتُهُ . وَالْمُرْتَهِنُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِي حَبْسِهِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ تَعَدَّى . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : غُنْمُهُ مَا فَضَلَ مِنَ الدَّيْنِ وَغُرْمُهُ مَا نَقَصَ مِنْهُ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ : غُرْمُهُ نَفَقَتُهُ لَا فِكَاكُهُ وَمُصِيبَتُهُ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ الْخَرَاجُ وَالْغَلَّةُ وَهُوَ غُنْمُهُ كَانَ الْغُرْمُ مَا قَابَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ .
6 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الدَّعْوَى 1401 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنِ : أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أَحْلَفَ الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحَلِّفْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَحَلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ ، أَخَذَ حَقَّهُ . 6 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الدَّعْوَى 1432 1401 - ( مَالِكٌ ، عَنْ جَمِيلِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَذِّنِ ) الْمَدَنِيِّ ، أُمُّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَعْدٍ الْقُرَظِيِّ ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَهُمْ ، وَيُقَالُ : اسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْدٍ أَوْ سِوَادَةَ وَالصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ ( أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا ، نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ أَحْلَفَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحَلِّفْهُ ، قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) وَقَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُه ( أَنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنُ ( مَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى ، نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ ) مِثْلُ التُّجَّارِ ، وَمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ ( أَوْ مُلَابَسَةٌ ، أُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ ) أَيْ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ . ( وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَحَلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ أَخَذَ حَقَّهُ ) وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ أَمْ لَا ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . لَكِنْ حَمَلَهُ مَالِكٌ وَمُوَافِقُوهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ خُلْطَةٌ لِئَلَّا يَبْتَذِلَ أَهْلُ السَّفَهِ أَهْلَ الْفَضْلِ بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ ، فَاشْتُرِطَتِ الْخُلْطَةُ لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ( سورة يُوسُفَ : الْآيَةُ 26 ) الْآيَاتِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا أُتِيَ يَعْقُوبُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ وَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا كَذَّبَهُمْ وَقَالَ : لَوْ أَكَلَهُ السَّبُعُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ فِي قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلَاثُ آيَاتٍ ، فَزَادَ : حِينَ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ .
13 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنَهُمَا ، فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ ، وَقَدْ كَانَ الْآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً ، قَالَ : إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الرَّهْنُ وَلَا يَنْقُصَ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا فَأُوفِيَ حَقَّهُ ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ ، فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ إِلَى الرَّاهِنِ وَإِلَّا حُلِّفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إِلَّا لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ ، ثُمَّ أُعْطِيَ حَقَّهُ عَاجِلًا . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ وَلِلْعَبْدِ مَالٌ : إِنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِرَهْنٍ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ . 13 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ بَيْنَهُمَا ، فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيْعِ رَهْنِهِ وَقَدْ كَانَ الْآخَرُ أَنْظَرَهُ ) أَخَّرَهُ ( بِحَقِّهِ سَنَةً ، قَالَ : إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ الرَّهْنَ ) بِأَنْ لَا يُنْقِصَ قِيمَتَهُ بِالْقِسْمَةِ ( وَلَا يُنْقِصَ حَقَّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ - بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا فَأَوفَى حَقَّهُ ) فَإِنْ قَصَرَ عَنْهُ طَلَبَهُ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الرَّهْنِ شَيْءٌ . ( وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ حَقُّهُ بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ ، فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ حَقُّهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نِصْفَ الثَّمَنِ إِلَى الرَّاهِنِ ) فَعَلَ ( وَإِلَّا حُلِّفَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مَا أَنْظَرَهُ إِلَّا لِيُوقِفَ لِي رَهْنِي عَلَى هَيْئَتِهِ ) صِفَتِهِ ( ثُمَّ أُعْطِيَ حَقَّهُ عَاجِلًا ) لِحَلِفِهِ ( مَالِكٌ : فِي الْعَبْدِ يَرْهَنُهُ سَيِّدُهُ وَلِلْعَبْدِ مَالٌ : أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ برهن إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ ) اتِّفَاقًا ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ فَالرَّهْنُ أَحْرَى ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَسْتَفِيدُهُ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ : لَا يَكُونُ مَا وُهِبَ لَهُ وَلَا خَرَاجُهُ رَهْنًا ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : ذَلِكَ كُلُّهُ رَهْنٌ مَعَهُ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .
5 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ ، قَالَ : فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ فَتَرَكُوهَا ، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا فَضْلًا ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ . 5 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ هَلَكَ وَلَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ - ( مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَتَأْبَى ) تَمْتَنِعُ ( وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ ) مَعَ شَاهِدِهِمْ ( قَالَ : فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ ) أَصْحَابَ الدُّيُونِ ( يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ ) عَنِ الدُّيُونِ ( لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ فَتَرَكُوهَا ) قَالَ ابْنُ زَرْقُونَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَ فِي الْحَقِّ فَضْلٌ أَنْ تَبْدَأَ الْوَرَثَةُ بِالْيَمِينِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تَبْدَأُ الْوَرَثَةُ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَسَحْنُونٌ : تَبْدَأُ الْغُرَمَاءُ ( إِلَّا أَنْ يَقُولُوا : لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا ) أَيْ مُوَرِّثِنَا ( فَضْلًا وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ ) أَوَّلًا ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِهِ ) وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ مُطْلَقًا .
14 - بَاب الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ ارْتَهَنَ مَتَاعًا فَهَلَكَ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّسْمِيَةِ وَتَدَاعَيَا فِي الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا ، قَالَ مَالِكٌ : يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ : صِفْهُ فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رُهِنَ بِهِ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ : ارْدُدْ إِلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رُهِنَ بِهِ أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنْ الرَّاهِنِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ : أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ، قَالَ : يُحَلَّفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ عَمَّا حُلِّفَ أَنَّ لَهُ فِيهِ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حُلِّفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ . قَالَ : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أَنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ وَيَبْطُلُ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَتَنَاكَرَا الْحَقَّ فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهِ إِلَّا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا ، قِيلَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ : صِفْهُ ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى ، ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ ، ثُمَّ قَاصَّهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ صَارَ مُدَّعِيًا عَلَى الرَّاهِنِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ . 14 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي جَامِعِ الرُّهُونِ - ( مَالِكٌ : فِيمَنِ ارْتَهَنَ مَتَاعًا فَهَلَكَ الْمَتَاعُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، وَأَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِتَسْمِيَةِ الْحَقِّ وَاجْتَمَعَا ) تَوَافَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ ( عَلَى التَّسْمِيَةِ وَتَدَاعَيَا ) تَحَالَفَا ( فِي الرَّهْنِ ، فَقَالَ الرَّاهِنُ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَالْحَقُّ الَّذِي لِلرَّجُلِ ) الْمُرْتَهِنِ ( فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا ، قَالَ مَالِكٌ : يُقَالُ لِلَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ : صِفْهُ ، فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفُ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الرَّاهِنَ خَالَفَهُ فِي الْوَصْفِ وَادَّعَى أَفْضَلَ مِنْهُ ( ثُمَّ أَقَامَ ) قَوَّمَ ( تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِمَّا رُهِنَ بِهِ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ : ارْدُدْ إِلَى الرَّاهِنِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا رُهِنَ بِهِ أَخَذَ الْمُرْتَهِنُ بَقِيَّةَ حَقِّهِ مِنَ الرَّاهِنِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ فَالرَّهْنُ بِمَا فِيهِ ) لِأَنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَيَقُولُ الرَّاهِنُ : رَهَنْتُكَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ) أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ لِأَنَّهُ حَائِزٌ لِلْمُرْتَهِنِ ( قَالَ : يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ عَمَّا حَلَفَ أَنَّ لَهُ فِيهِ ، أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِيَةِ بِالْيَمِينِ ) عَلَى الرَّاهِنِ ( لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ ) وَلِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ ) فَلَهُ ذَلِكَ . ( وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مَنِ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ، أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أَنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ وَيَبْطُلَ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ ، فَإِذَا حَلَفَ الرَّاهِنُ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ ) أَيْ دَفْعُ ( مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ وَتَنَاكَرَ الْحَقَّ فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : ) أَيِ الْمُرْتَهِنُ ( كَانَتْ لِي فِيهِ عِشْرُونَ دِينَارًا ، وَقَالَ ) الرَّاهِنُ ( الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهِ إِلَّا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ ( قِيمَةُ الرَّهْنِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ) أَيِ ( الرَّاهِنِ : قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا ) فَتَنَاكَرَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ وَفِي قِيمَةِ الرَّهْنِ ( قِيلَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ : ) وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ ( صِفْهُ ) لِأَنَّهُ الْغَارِمُ ( فَإِذَا وَصَفَهُ أُحْلِفَ ) أَنَّهُ ( عَلَى صِفَتِهِ ) الَّتِي وَصَفَهَا ( ثُمَّ أَقَامَ تِلْكَ الصِّفَةَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرُ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ) وَهُوَ الْعِشْرُونَ دِينَارًا ( أُحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى ثُمَّ يُعْطَى الرَّاهِنُ مَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِي فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، أُحْلِفَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ ) وَهُوَ الْعِشْرُونَ ( ثُمَّ قَاصَّهُ بِمَا بَلَغَ الرَّهْنُ ) مِنَ الْقِيمَةِ ( ثُمَّ أُحْلِفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي بَقِيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، وَذَلِكَ ) أَيْ وَجْهُ حَلِفِ الرَّاهِنِ ( أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ ) وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ ( صَارَ مُدَّعِيًا عَلَى الرَّاهِنِ ) بِمَا بَقِيَ لَهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ ( فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ عَنْهُ بَقِيَّةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِمَّا ادَّعَى فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ لَزِمَهُ مَا بَقِيَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : ذَكَرَ الْمُوَطَّأُ يَمِينَيْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ : إِحْدَاهُمَا عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى إِثْبَاتِ دَيْنِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا يَلْزَمَانِهِ مُنْفَصِلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَجِبُ قَبْلَ وُجُوبِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الرَّاهِنُ فَلَا مَعْنًى لِيَمِينِ الْمُرْتَهِنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ذِكْرَ مَا تَنَاوَلَهُ الْيَمِينُ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَهُمَا بَلْ يَجْمَعُهُمَا فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
4 - بَاب الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ 1398 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 4 - بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ 1428 1398 - ( مَالِكٌ ، عَن جَعْفَرِ ) الصَّادِقِ ( ابْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَوَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا : عَنْ جَابِرٍ . مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ الْعُثْمَانِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْكُوفِيُّ ، وَأَسْنَدَهُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ جَمَاعَةٌ حُفَّاظٌ ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَكُلُّهَا مُتَوَاتِرَةٌ ، وَقَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُفْسَخُ الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا جَهْلٌ وَعِنَادٌ ، وَكَيْفَ يَكُونُ خِلَافُهُ وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) وَكَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، مَعَ قَوْلِهِ : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ( سورة الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 145 ) الْآيَةَ ، فَكَذَلِكَ مَا قَضَى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَضَاءِ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَضَوْا بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ، وَبِمَعَاقِدِ الْقَمْطِ وَنَصْبِ اللَّبِنِ وَالْجُذُوعِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْحِيطَانِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالسُّنَّةِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا جُعِلَتْ لِلنَّفْيِ لَا لِلْإِثْبَاتِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي عَلِمْنَا مِنْهُ أَنَّهَا لِلنَّفْيِ هُوَ الَّذِي عَلِمْنَا مِنْهُ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . اهـ مُلَخَّصًا . وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 282 ) قَالَ الْحَافِظُ : وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِهِ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا تَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ ، هَلْ يَكُونُ نَسْخًا ؟ وَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ، أَوْ لَا يَكُونُ نَسْخًا بَلْ زِيَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ إِذَا ثَبَتَ سَنَدُهُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ ، وَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا تَنْهَضُ الْحُجَّةُ بِالْآيَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُعَارِضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِهِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّصِّ عَلَى الشَّيْءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ . وَقَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ : الزِّيَادَةُ عَلَى الْقُرْآنِ نَسْخٌ ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَا تَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ زِيَادَةُ الْآحَادِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِهَا مَشْهُورًا ، رُدَّ بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَلَا رَفْعَ هُنَا ، وَبِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَهَذَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ ، غَايَتُهُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الزِّيَادَةِ كَالتَّخْصِيصِ نَسْخًا ، اصْطِلَاحٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ بِهَا جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ كَقَوْلِهِ : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 24 ) وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا ، وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ السُّنَّةُ ، وَكَذَا قَطْعُ رِجْلِ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، قَدْ أَخَذَ مَنْ رَدَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرْآنِ بِأَحَادِيثٍ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ ، كُلُّهَا زِيَادَةٌ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَمِنَ الْقَهْقَهَةِ وَمِنَ الْقَيْءِ ، وَكَذَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ ، وَاسْتِبْرَاءُ الْمَسْبِيَّةِ ، وَتَرْكُ قَطْعِ سَارِقِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ ، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوِلَادَةِ ، وَلَا قَوْدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ وَلَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ ، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِيَ فِي الْغَزْوِ ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ ، وَيَحْرُمُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ، وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنَ الْقَتِيلِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ . وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا أَحَادِيثُ شَهِيرَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا لِشُهْرَتِهَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : وَحَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ جَاءَ مَنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ ، بَلْ ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ . مِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ . وَقَالَ فِي التَّمْيِيزِ ، أَيْ قَالَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ التَّمْيِيزِ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُرْتَابُ فِي صِحَّتِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّتِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، فَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ مَكِّيَّانِ ، وَقَدْ سَمِعَ قَيْسٌ مِنْ أَقْدَمَ مِنْ عَمْرٍو ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَرِجَالُهُ مَدَنِيُّونَ ثِقَاتٌ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عُوَانَةَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ نَحْوِ عِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهَا الْحِسَانُ وَالضِّعَافُ ، وَبِدُونِ ذَلِكَ تَثْبُتُ الشُّهْرَةُ ، وَدَعْوَى نَسْخِهِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ ، يَعْنِي : وَالْمُخَالِفُ لِذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ . اهـ .
1400 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا : هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ فَقَالَا : نَعَمْ . قَالَ مَالِكٌ : مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ ، فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً ، وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ ، وَلَا فِي نِكَاحٍ وَلَا فِي طَلَاقٍ وَلَا فِي عَتَاقَةٍ وَلَا فِي سَرِقَةٍ وَلَا فِي فِرْيَةٍ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ الْعَتَاقَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَقَدْ أَخْطَأَ ، لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ لَحَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ : أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى مَالٍ مِنْ الْأَمْوَالِ ادَّعَاهُ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ الْحُرُّ . قَالَ مَالِكٌ : فَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا : أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى عَتَاقَتِهِ اسْتُحْلِفَ سَيِّدُهُ مَا أَعْتَقَهُ وَبَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الطَّلَاقِ ، إِذَا جَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ : أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ، أُحْلِفَ زَوْجُهَا مَا طَلَّقَهَا ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ . قَالَ مَالِكٌ : فَسُنَّةُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَاحِدَةٌ ، إِنَّمَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، وَإِنَّمَا الْعَتَاقَةُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ ، لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ رُجِمَ ، وَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدَ قُتِلَ بِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُوَارِثُهُ ، فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سَيِّدَ الْعَبْدِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ، فَشَهِدَ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ الْحَقَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ حَتَّى تُرَدَّ بِهِ عَتَاقَتُهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ ، يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذَلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا قَالَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعْتِقُ عَبْدَهُ ، ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَتُرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ أَوْ يَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ ، فَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مَالًا فَيُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ : احْلِفْ مَا عَلَيْكَ مَا ادَّعَى ، فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حُلِّفَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَتَاقَةَ الْعَبْدِ إِذَا ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى سَيِّدِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَكُونُ امْرَأَتَهُ ، فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فَيَقُولُ : ابْتَعْتَ مِنِّي جَارِيَتِي فُلَانَةَ أَنْتَ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ زَوْجُ الْأَمَةِ ، فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَيَشْهَدُونَ عَلَى مَا قَالَ ، فَيَثْبُتُ بَيْعُهُ وَيَحِقُّ حَقُّهُ وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَى زَوْجِهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِرَاقًا بَيْنَهُمَا ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَيَأْتِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَيَشْهَدُونَ : أَنَّ الَّذِي افْتُرِيَ عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، فَيَضَعُ ذَلِكَ الْحَدَّ عَنْ الْمُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الْفِرْيَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْقَضَاءُ ، وَمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهُ حَتَّى يَرِثَ وَيَكُونُ مَالُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ إِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَتَا رَجُلٌ وَلَا يَمِينٌ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرِّبَاعِ وَالْحَوَائِطِ وَالرَّقِيقِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ تَقْطَعْ شَهَادَتُهُمَا شَيْئًا وَلَمْ تَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : لَا تَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَوْلُهُ الْحَقُّ : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ يَقُولُ : فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَلَا يُحَلَّفُ مَعَ شَاهِدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَمِنْ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا ، أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ ؟ فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُلِّفَ صَاحِبُ الْحَقِّ : إِنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا بِبَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَخَذَ هَذَا ؟ أَوْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدَهُ ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَلْيُقْرِرْ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّهُ لَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ ، وَلَكِنْ الْمَرْءُ قَدْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ ، فَفِي هَذَا بَيَانُ مَا أَشْكَلَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 1429 1400 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ( وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا : هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ فَقَالَا : نَعَمْ ) وَالْقَصْدُ بِهَذَا وَسَابِقِهِ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ اتِّصَالُ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ دَعْوَى النَّسْخِ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ ، فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُحْلِفَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ ( الْمَطْلُوبُ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَقُّ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ ) بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ . ( وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً ) بِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَجَزَمَ بِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رَاوِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ ) فَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ . ( وَلَا فِي نِكَاحٍ ) فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ وَلَا يَحْلِفُ إِذَا قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ بِهِ . ( وَلَا فِي طَلَاقٍ ، وَلَا فِي عَتَاقَةٍ ) وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ لِرَدِّ شَاهِدَيْهِمَا . ( وَلَا فِي سَرِقَةٍ ، وَلَا فِي فَرِيَّةٍ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَشَدِّ الْيَاءِ ، كَذَا ضُبِطَ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَالَّذِي فِي اللُّغَةِ : الْفِرْيَةُ ، بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ ، الْكَذِبُ . ( فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّ الْعَتَاقَةَ مِنَ الْأَمْوَالِ ) فَتَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ( فَقَدْ أَخْطَأَ ) لِأَنَّهُ ( لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ لَحَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ أَنَّ سَيَّدَهُ أَعْتَقَهُ ) مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ السَّيِّدُ كَمَا يَجِيءُ . ( وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى مَالٍ مِنَ الْأَمْوَالِ ادَّعَاهُ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ الْحُرُّ ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمَالِ تُخْرِجُهُ مِنْ مُتَمَوِّلٍ إِلَى مُتَمَوِّلٍ آخَرَ ، وَالرَّقَبَةُ فِي الْعِتْقِ لَا تَخْرُجُ إِلَى مُتَمَوِّلٍ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( فَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى عَتَاقَتِهِ اسْتُحْلِفَ سَيِّدُهُ مَا أَعْتَقَهُ وَبَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ مَمْلُوكًا لَهُ . ( وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي الطَّلَاقِ إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ ) أَوْ غَيْرُهَا ( بِشَاهِدٍ ) وَاحِدٍ ( أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ، أُحْلِفَ زَوْجُهَا مَا طَلَّقَهَا ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ، فَسُنَّةُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَاحِدَةٌ ، إِنَّمَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ) فَإِنْ نَكَلَا حُبِسَا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَكْثَرُ ، وَكَانَ يَقُولُ : تُطَلَّقُ الزَّوْجَةُ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ هُنَا : إِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَقَالَ مَالِكٌ : يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ ، وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ طَالَ حَبْسُهُ خُلِّيَ عَنْهُ ، وَالطُّولُ سَنَةٌ . ( وَإِنَّمَا الْعَتَاقَةُ حَدٌّ مِنَ الْحُدُودِ ) لِأَنَّهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ عَلَى إِبْطَالِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ ، وَذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 229 ) فَجَعَلَهُ مِنَ الْحُدُودِ . ( لَا يَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ ) الْحُدُودُ كَالْحُرِّ الْأَصْلِيِّ . ( وَإِنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ رُجِمَ ، وَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ ) الَّذِي تَحَرَّرَ ( قُتِلَ بِهِ ) قَاتِلُهُ ( وَثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُوَارِثُهُ ) مِنْ عَصَبَتِهِ وَغَيْرِهِمْ ( فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سَيِّدَ الْعَبْدِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَشَهِدَ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَإِنَّ بذلك يُثْبِتُ ) الرَّجُلُ الطَّالِبُ ( الْحَقَّ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ حَتَّى تُرَدَّ عَتَاقَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ يُرِيدُ ) هَذَا الْمُحْتَجُّ ( أَنْ يُجْبِرَ بِذَلِكَ ) الِاحْتِجَاجِ ( شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا قَالَ ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا تَنَاوَلَتْ إِثْبَاتَ الدَّيْنِ ، فَرُدَّ الْعِتْقُ لِأَجْلِهِ . ( وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعْتِقُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ وَيرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ ) لِثُبُوتِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مَالٌ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ . ( أَوْ يَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ ) فِي الْأَمْوَالِ ( فَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مَالًا ، فَيُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ : احْلِفْ مَا عَلَيْكَ مَا ادَّعَى ، فَإِنْ ) حَلَفَ بَرِئَ ، وَإِنْ ( نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ ) تَفْسِيرٌ لِنَكَلَ ( حُلِّفَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَتَاقَةَ الْعَبْدِ إِذَا ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى سَيِّدِهِ ) وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : مِثْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيِّنٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ عَتَاقَةُ عَبْدٍ وَلَا بِإِقْرَارِهِ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا . ( وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَنْكِحُ الْأَمَةَ ) أَيْ يَتَزَوَّجُهَا ( فَتَكُونُ امْرَأَتَهُ ، فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَتَزَوَّجُهَا فَيَقُولُ : ابْتَعْتَ مِنِّي جَارِيَتِي فُلَانَةَ أَنْتَ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ زَوْجُ الْأَمَةِ ، فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَيَشْهَدُونَ عَلَى مَا قَالَ ، فَيَثْبُتُ بَيْعُهُ وَيَحِقُّ حَقُّهُ ) ثَمَنُهُ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ ( وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَى زَوْجِهَا ) لِمِلْكِهِ نِصْفَهَا ( وَيَكُونُ ذَلِكَ فِرَاقًا بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّ الْمِلْكَ يَفْسَخُ النِّكَاحَ ( وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ ) وَإِنَّمَا جَازَتْ هُنَا فِي الْمَالِ ، وَجَرَّ إِلَى الْفِرَاقِ فَوَقَعَ تَبَعًا . ( وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا : الرَّجُلُ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَيَأْتِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الَّذِي افْتَرَى عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ فَيَضَعُ ) يُسْقِطُ ( ذَلِكَ الْحَدَّ عَلَى الْمُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ) أَيْ يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُ عَبْدٍ ( وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الْفِرْيَةِ ) وَإِنَّمَا جَازَتْ هُنَا لِدَفْعِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ ( وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ ) أَيْ خُرُوجِهِ حَيًّا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاثُهُ ( حَتَّى يَرِثَ وَيَكُونُ مَالُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ إِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ ، وَلَيْسَ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَتَا رَجُلٌ وَلَا يَمِينٌ ) وَكَذَا فِي كُلِّ مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ ( وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ ) الْكَثِيرَةِ ( مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالرِّبَاعِ وَالْحَوَائِطِ ) الْبَسَاتِينِ ( وَالرَّقِيقِ وَمَا سِوَى ) أَيْ غَيْرِ ( ذَلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَلَوْ شَهِدَتِ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَقْطَعْ شَهَادَتُهُمَا شَيْئًا ) أَيْ لَا يُعْمَلُ بِهَا ( وَلَمْ تَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ ) فَيُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ . قَالَ : لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ دُونَ الرِّجَالِ ، وَإِنَّمَا حَلَفَ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لِلْحَدِيثِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَمِنَ النَّاسِ ) كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَعَطَاءٍ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْكُوفِيِّينَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ بِخُلْفٍ عَنْهُ ( مَنْ يَقُولُ : لَا تَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ) أَيْ لَا يُقْضَى بِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ( وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ ) الصِّدْقُ الْوَاقِعُ لَا مَحَالَةَ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَيِ الشَّاهِدَانِ رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَشْهَدُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ لِدِينِهِ وَعَدَالَتِهِ ( يَقُولُ ) ذَلِكَ الْمُحْتَجُّ بَيَانًا لِوَجْهِ احْتِجَاجِهِ مِنَ الْآيَةِ ( فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يُحَلَّفُ مَعَ شَاهِدِهِ ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ . وَتَقَدَّمَ رَدُّهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ أَقَلُّ مِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ ، وَالْمُخَالِفُ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ ) أَخْبِرْنِي ( لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذَلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ) سَقَطَ ( ذَلِكَ ) الْحَقُّ ( عَنْهُ ) بِاتِّفَاقٍ ( وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ أنَّ حَقَّهُ ) أَيْ مَا ادَّعَى بِهِ ( لَحَقٌّ ) أَيْ بَاقٍ لَمْ يَقْبِضْهُ ( وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهَذَا مَا ) أَيْ شَيْءٌ ( لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ دُونَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَلَا يُظَنُّ بِمَالِكٍ مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ مَنْ مَضَى أَنَّهُ جَهِلَ هَذَا ، وَإِنَّمَا أَتَى بِمَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ خَاصَّةً أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِالنُّكُولِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ ، وَمَالِكٌ كَالْحِجَازِيِّينَ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ لَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ حَتَّى تُرَدَّ الْيَمِينُ وَيَحْلِفَ الطَّالِبُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْعَ الْمَطْلُوبُ إِلَى يَمِينِهِ لِحَدِيثِ الْقَسَامَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ فِيهَا الْيَمِينَ عَلَى الْيَهُودِ ؛ إِذْ أَبَى الْأَنْصَارُ مِنْهَا . اهـ . وَبِهِ سَقَطَ قَوْلُ فَتْحِ الْبَارِي : إِنَّ احْتِجَاجَ مَالِكٍ هَذَا مُتَعَقَّبٌ وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِرَدِّ الْيَمِينِ . ( فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَخَذَ هَذَا ؟ ) قِيلَ : أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ، فَقُلْتُ : إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي . الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَزَادَ فِيهَا : لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، فَفِي الْحَصْرِ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَاهِدَاكَ بَيِّنَتُكَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَيَمِينَ الطَّالِبِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّاهِدَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ ، فَالْمَعْنَى : شَاهِدَاكَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا ، وَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ رَدُّ الشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ لَلَزِمَ رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ ، فَوَضَحَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ وَثَبَتَ الْخَبَرُ بِاعْتِبَارِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ ، بَلِ الْمُرَادُ هُمَا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا . ( أَوْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدَهُ ، فَإِذَا أَقَرَّ ) اعْتَرَفَ ( بِهَذَا ) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهُ ( فَلْيُقْرِرْ ) بِفَكِّ الْإِدْغَامِ ، وَفِي نُسْخَةٍ : فَلْيُقِرَّ بِالْإِدْغَامِ ( بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّصِّ عَلَى شَيْءٍ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ لَا التَّعَرُّضُ لِعَدَمِهِ ، وَالْحَدِيثُ قَدْ تَضَمَّنَ زِيَادَةً مُسْتَقِلَّةً عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ ، وَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، بَلْ زَادَ عَلَيْهِمَا حُكْمًا آخَرَ ، وَيَلْزَمُ الْمُخَالِفَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حُكْمًا بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا قِيَاسٍ ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ زِيَادَةً لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ فَكَذَا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ . ( وَإِنَّهُ لِيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ ) فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمُخَالِفِ ( مَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَمُعَارَضَتُهُ بِالرَّأْيِ وَالِاسْتِنْبَاطِ لَا تُعْتَبَرُ . ( وَلَكِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ ) فَلِذَا ذَكَرْتُهُ . ( فَفِي هَذَا بَيَانُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) لِلتَّبَرُّكِ ، وَقَدْ تَعَسَّفُوا الْجَوَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَضَى بِيَمِينِ الْمُنْكِرِ مَعَ الشَّاهِدِ الطَّالِبِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ ، فَتَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَمْلِهِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا مَثَلًا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَالَ الْبَائِعُ : بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ ، فَحَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَى بِالْبَرَاءَةِ ، وَأَبْطَلَهُمَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي الْمُتَضَادَّيْنِ ، وَالثَّانِي أَيْضًا بِأَنَّهَا صُورَةٌ نَادِرَةٌ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْخَبَرُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ . اهـ . وَأَجَابُوا أَيْضًا بِاحْتِمَالِ أَنَّ الشَّاهِدَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ . وَأَبْطَلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْيَمِينِ وَجْهٌ ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِخُزَيْمَةَ خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ خُزَيْمَةَ لَمْ يَشْهَدْ بِأَمْرِ شَاهِدِهِ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهِ ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1399 - وَعَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ : أَنْ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ . 1429 1399 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) الْإِمَامِ الْعَادِلِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : كَانَ صَالِحًا فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ ازْدَادَ صَلَاحًا وَخَيْرًا ( كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) الْعَدَوِيِّ أَبِي عُمَرَ الْمَدَنِيِّ ، تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ ثِقَةٍ ، مَاتَ بِحَرَّانَ فِي زَمَنِ هِشَامٍ ( وَهُوَ عَامِلٌ ) أَمِيرٌ ( عَلَى الْكُوفَةِ ) مِنْ جِهَتِهِ ( أَنِ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ) عَمَلًا بِالْحَدِيثِ .
15 - بَاب الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى ، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ وَيَتَقَدَّمُ ، إِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يُخَيَّرُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُعُدِّيَ بِهَا إِلَيْهِ أُعْطِيَ ذَلِكَ وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِي وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ إِنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدْأَةَ ، فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْبَدْأَةِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ ، فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ ، وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلَافِ لِمَا أَخَذُوا الدَّابَّةَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا مِنْ صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ : لَا تَشْتَرِ بِهِ حَيَوَانًا وَلَا سِلَعًا كَذَا وَكَذَا لِسِلَعٍ يُسَمِّيهَا وَيَنْهَاهُ عَنْهَا ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِيهَا فَيَشْتَرِي الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَيَذْهَبَ بِرِبْحِ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرِّبْحِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ رَأْسُ مَالِهِ ضَامِنًا عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَتَعَدَّى . قَالَ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ الرَّجُلُ بِضَاعَةً ، فَيَأْمُرُهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِاسْمِهَا ، فَيُخَالِفُ فَيَشْتَرِي بِبِضَاعَتِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ ، إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتُرِيَ بِمَالِهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ ضَامِنًا لِرَأْسِ مَالِهِ فَذَلِكَ لَهُ . 15 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَالتَّعَدِّي بِهَا - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الدَّابَّةَ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى ثُمَّ يَتَعَدَّى ) يَتَجَاوَزُ ( ذَلِكَ الْمَكَانَ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يُخَيَّرُ ؛ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ دَابَّتِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تُعُدِّيَ بِهَا إِلَيْهِ أُعْطِيَ ذَلِكَ ) أَيْ كِرَاءَ الْمِثْلِ فِيمَا تَعَدَّى لَا عَلَى قَدْرِ مَا تَكَارَى ، قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ( وَيَقْبِضُ دَابَّتَهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ ) أَيْضًا ( وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ دَابَّتِهِ ) يَوْمَ التَّعَدِّي ( مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ الْمُسْتَكْرِي ) وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ فَقَطْ دُونَ مَا زَادَ ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ إِذَا تَغَيَّرَتْ بِالزَّائِدِ أَوْ حَبَسَهَا حَتَّى تَغَيَّرَ سُوقُهَا ، أَمَّا لَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا فَإِنَّمَا لِرَبِّهَا كِرَاءُ مَا تَعَدَّى فِيهِ مع الكراء الْأَوَّلُ ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ له الكراء الْأَوَّلَ بِتَمَامِهِ ( إِنْ كَانَ اسْتَكْرَى الدَّابَّةَ الْبَدَاءَةَ ) أَيْ الذَّهَابَ ( فَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَاهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى إِلَيْهِ ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ ) ثُمَّ يُخَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ( وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْبَدْأَةِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ ، فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ ) هَذَا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ سَوَاءٌ ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَ التَّقْوِيمُ ( وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ بِهَا الْبَلَدَ الَّذِي اسْتَكْرَى ) الدَّابَّةَ ( إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَكْرَاهَا عَلَيْهِ ( وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إِلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ ) إِذَا اكْتَرَى ذَهَابًا وَإِيَابًا . ( قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ أَمْرُ أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلَافِ ) أَيِ الْمُخَالَفَةِ ( لِمَا أَخَذُوا الدَّابَّةَ عَلَيْهِ ) كَأَنْ يُحَمِّلُوهَا غَيْرَ مَا أَكْرُوهَا عَلَيْهِ ، أَوْ يَزِيدُوا عَلَى قَدْرِ مَا أَكْرُوهَا مِمَّا بُيِّنَ فِي الْفُرُوعِ وَبَسَطَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا مِنْ صَاحِبِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ : لَا تَشْتَرِ بِهِ حَيَوَانًا وَلَا سِلَعًا كَذَا وَكَذَا . لِسِلَعٍ يُسَمِّيهَا يَنْهَاهُ عَنْهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِيهَا ، فَيَشْتَرِي الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ ) أَيْ عَامِلُ الْقِرَاضِ ( الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَضْمَنَ الْمَالَ وَيَذْهَبَ بِرِبْحِ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَرَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي السِّلْعَةِ عَلَى مَا شَرَطَا بَيْنَهُمَا مِنَ الرِّبْحِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ رَأْسُ مَالِهِ ) حَالَ كَوْنِهِ ( ضَامِنًا ) أَيْ مَضْمُونًا ( عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَتَعَدَّى ) فَخَيَّرَهُ فِي أَمْرَيْنِ ، وَزَادَ الْإِمَامُ فِي الْوَاضِحَةِ ثَالِثًا : بَيْعَ السِّلْعَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى الْقِرَاضِ ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ ضَمِنَ ، أَيْ لِتَعَدِّيهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى بَاعَ السِّلْعَةَ ضَمِنَ إِنْ بِيعَتْ بِنَقْصٍ وَبِرِبْحٍ فَعَلَى الْقِرَاضِ ( وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُبْضِعُ مَعَهُ الرَّجُلُ بِضَاعَةً فَيَأْمُرُهُ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً بِاسْمِهَا ، فَيُخَالِفُ فَيَشْتَرِي بِضَاعَتَهُ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِضَاعَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ : إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى بِمَالِهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُبْضِعُ مَعَهُ ضَامِنًا لِرَأْسِ مَالِهِ فَذَلِكَ لَهُ ) فَإِنْ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ بَيْعِ السِّلْعَةِ ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ فِيهَا رِبْحٌ فَلِصَاحِبِ الْبِضَاعَةِ ، وَنَقْصٌ فَعَلَى الْمُبْضِعِ مَعَهُ .
3 - بَاب الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ 1396 - قَالَ يَحْيَى : عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ ، أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ . 3 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ 1427 1396 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ ( وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ ) ضُرِبَ ( الْحَدَّ : أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ ) فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ .
1397 - وَحَدَّثَنِي مَالِك : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 1427 1397 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لِعُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَابْنِ قُسَيْطٍ ، وَرِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَقَالَ : وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقٍ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ . ( وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْعَفِيفَاتِ بِالزِّنَى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى زِنَاهِنَّ بِرُؤْيَتِهِنَّ فَاجْلِدُوهُمْ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً فِي شَيْءٍ أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لِإِتْيَانِهِمْ كَبِيرَةً إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا عَمَلَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لَهُمْ قَذْفَهُمْ رَحِيمٌ بِهِمْ بِإِلْهَامِهِمُ التَّوْبَةَ ، فَبِهَا يَنْتَهِي فِسْقُهُمْ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالثَّوْرِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ أَبَدًا تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 5 ) قَالُوا : فَتَوْبَتُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ) فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ ( وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَتَخْصِيصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِصِلَةِ الْأَخِيرَةِ لَا يَنْهَضُ .
16 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْمُسْتَكْرَهَةِ مِنْ النِّسَاءِ 1407 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ مُسْتَكْرَهَةً بِصَدَاقِهَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الْمَرْأَةَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ ، وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسَلِّمَهُ . 16 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمُسْتَكْرَهَةِ مِنَ النِّسَاءِ 1443 1407 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ) الْأُمَوِيَّ ( قَضَى فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ ) جُومِعَتْ ( مُسْتَكْرَهَةً بِصَدَاقِهَا ) مُتَعَلِّقٌ بِقَضَى ( عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا ) وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الْمَرْأَةَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ ) رَوَاهُ يَحْيَى ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَلَمْ يَرْوِهِ ابْنُ بُكَيْرٍ وَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا مُطَرِّفٌ ، وَرَوَوْا كُلُّهُمْ ( وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ) إلا القعنبي فَلَمْ يَرْوهُ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عُقُوبَةَ ، وَإِذَا صَحَّ إِكْرَاهُهَا وَاسْتِغَاثَتُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ دَمِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ أَمْرُهَا . خَرَّجَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : أَنَّ امْرَأَةً اسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ . وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْخُلَفَاءِ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُغْتَصِبَ الْمُسْتَكْرِهَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُهُ أَوْ أَقَرَّ ، وَإِلَّا فَالْعُقُوبَةُ وَالصَّدَاقُ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ : عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا صَدَاقَ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ إِذَا قُطِعَ السَّارِقُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الصَّدَاقِ وَالْغُرْمِ ، وَحَدُّ اللَّهِ لَا يُسْقِطُ حَدَّ الْآدَمِيِّ ، وَهُمَا حَقَّانِ أَوْجَبَهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ . قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ ) يَعْنِي أَنَّهَا جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِالْجِنَايَةِ مَا بَلَغَتْ ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَنْ جَنَى عَلَيْهَا . قَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : مَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ وَنَقْصِ الْأَمَةِ فَفِي رَقَبَتِهِ وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِفَوْرِ فِعْلِهِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تُدْمِي ، فَأَمَّا بَعْدُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَلْحَقُ بِرَقَبَتِهِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَسْتَحِقُّ فِيهِ الصَّدَاقَ بِيَمِينِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ . اهـ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَبْدًا اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا فَاخْتَصَمَا إِلَى الْحَسَنِ وَهُوَ قَاضٍ يَوْمَئِذٍ ، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَقَضَى بِالْعَبْدِ لِلْمَرْأَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَسْلَمَهُ بِجِنَايَتِهِ .
1394 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ : لَقَدْ جِئْتُكَ لِأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : شَهَادَاتُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَوَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ . 1427 1394 - ( مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ ، مُنْقَطِعٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَسْعُودِيِّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ عَابِدٌ ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ ( قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ) لَمْ يُسَمَّ ( فَقَالَ : لَقَدْ جِئْتُكَ لِأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : هَذَا جَيْشٌ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ . يُرِيدُونَ لِكَثْرَتِهِ ، وَقَدْ تَقُولُ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ الْمُبْهَمِ لَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ وَلَا يُهْتَدَى لِإِصْلَاحِهِ . ( فَقَالَ عُمَرُ ) ابْنُ الْخَطَّابِ ( مَا هُوَ ؟ ) الْأَمْرُ ( فَقَالَ : شَهَادَاتُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا ) الْعِرَاقِ . ( فَقَالَ عُمَرُ : أَوَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ؟ ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهِ لِأَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 110 ) ، وَقَوْلِهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ( سورة الْفَتْحِ : الْآيَةُ 29 ) الْآيَةَ . ( قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ ) أَيْ لَا يُحْبَسُ ، وَالْأَسْرُ الْحَبْسُ ، أَوْ لَا يَمْلِكُ مَلِكٌ الْأَسِيرَ لِإِقَامَةِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ إِلَّا بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَمِيعُهُمْ عُدُولٌ ، وَبِالْعُدُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَحَابِيًّا وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى تُعْرَفَ عَدَالَتُهُ مِنْ فِسْقِهِ . اهـ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَمَّا كَتَبَ بِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ عُمَّالِهِ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا خَصْمًا أَوْ ظَنِينًا مُتَّهَمًا . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ .
1395 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ . 1427 1395 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَقَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ ) فِي أَمْرٍ جَسِيمٍ ، مِثْلُهُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ عَلَى خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ وَفِي غَيْرِهِ ، فَإِنْ خَاصَمَ فِي يَسِيرٍ كَثَوْبٍ قَلِيلِ الثَّمَنِ ، وَمَا لَا يُوجِبُ عَدَاوَةً ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ في غير مَا خَاصَمَهُ فِيهِ ، قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ : الْخَصْمُ هُنَا الْوَكِيلُ عَلَى خُصُومَتِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يُخَاصِمُ فِيهِ ، وَالْوَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَلَا ظَنِينَ ، بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ مُتَّهَمٍ .
2 - بَاب مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ 1393 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّهَادَاتِ جَمْعُ شَهَادَةٍ ، وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ ، وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْحُضُورِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْإِعْلَامِ . 1426 1393 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ سَاكِنَةٍ ، الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ ، اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ ، وَقِيلَ : كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ عُثْمَانَ ) الْأُمَوِيِّ ، يُلَقَّبُ الْمِطْرَافَ بِسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، ثِقَةٌ ، شَرِيفٌ ، تَابِعِيٌّ ، مَاتَ بمصر سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ . ( عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَيَحْيَى بْنُ بَكِيرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ وَسَمَّيَاهُ فَقَالَا : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، فَرَفَعَا الْإِشْكَالَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ . اهـ . وَمَا صَوَّبَهُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنْ مَالِكٍ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَلَيْسَ اسْمُ أَبِي عَمْرَةَ ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَمَا زَعَمَ بَعْضٌ ، إِنَّمَا هُوَ اسْمُ ابْنِهِ ، وَأَمَّا أَبُوهُ فَقِيلَ : اسْمُهُ بِشْرٌ ، وَقِيلَ : بَشِيرٌ ، وَقِيلَ : عَمْرٌو ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ ، صَحَابِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا ، كَمَا بَسَطَهُ فِي الْإِصَابَةِ . فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَقَلِّ فَإِنَّمَا فِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعيونَ وَصَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَهُمَا أَبُو عَمْرَةَ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، الْمَدَنِيِّ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَخِفَّةِ اللَّامِ ، حَرْفُ افْتِتَاحٍ مَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ ، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ مَا بَعْدَهُ وَتَوْكِيدِهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ إِيذَانًا بِعِظَمِ الْمُحَدَّثِ بِهِ ( أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ) جَمْعُ شَهِيدٍ ، قَالُوا : أَخْبِرْنَا ( الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( أَوْ : يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ) شَكَّ الرَّاوِي ، أَوْ لَيْسَ بِشَكٍّ وَإِنَّمَا هُوَ تَنْوِيعٌ ، أَيْ يَأْتِي الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ الْمُسْتَدَامِ تَحْرِيمُهُ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَوَقْفٍ ، أَوْ يُخْبِرُ بِهَا رَجُلًا لَا يَعْلَمُهَا ، وَهَذَا يُومِي إِلَيْهِ كَلَامُ الْبَاجِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : تَفْسِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي الْحَقِّ لِرَجُلٍ لَا يَعْلَمُهَا فَيُخْبِرُهُ بِشَهَادَتِهِ وَيَرْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ . زَادَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا الَّذِي لَهُ الشَّهَادَةُ ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا نَسِيَ شَاهِدَهُ فَظَلَّ مَغْمُومًا لَا يدري مَنْ هُوَ ، فَإِذَا أَخْبَرَهُ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ فَرَّجَ كَرْبَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ . وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثَ : خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا . لِأَنَّ النَّخَعِيَّ قَالَ : مَعْنَى الشَّهَادَةِ هُنَا الْيَمِينُ ، أَيْ يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ، وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً ، قَالَ تَعَالَى : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 6 ) . اهـ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ أَصَحُّهُمَا حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ شَاهَدٌ فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ وُجُوبًا ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ . وَالثَّانِي : حَمْلُهُ عَلَى شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فِي غَيْرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي وَإِعْلَامُهُ بِهِ وَالشَّهَادَةُ بِهِ وَالشَّهَادَةُ . وَحَكَى ثَالِثٌ أَنَّهُ مَجَازٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا لَا قَبْلَهُ كَمَا يُقَالُ : الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ ، أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ بِلَا تَوَقُّفٍ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُنَاقَضَةٌ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي ذَمِّ مَنْ يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ . لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ عَالِمٍ بِهَا فَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْتَصِبُ شَاهِدًا وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، أَوْ عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لِقَوْمٍ بِالْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ . اهـ . وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ الذَّمَّ وَرَدَ فِي الشَّهَادَةِ بِدُونِ اسْتِشْهَادٍ ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْمَغِيبِ مَذْمُومَةٌ هَبْهَا بِاسْتِشْهَادٍ أَوْ دُونِهِ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهِ .
17 - بَاب الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يوجد بِمِثْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ فِيمَا اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ الْقِيمَةُ أَعْدَلُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ : فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمَكِيلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ ، وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، إِنَّمَا يَرُدُّ مِنْ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنْ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ ، وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ ، فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : إِذَا اسْتُوْدِعَ الرَّجُلُ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَرَبِحَ فِيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الرِّبْحَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ . 17 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ إِذَنِ صَاحِبِهِ ، أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يوجد بِمِثْلِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ فِيمَا اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ الْقِيمَةُ أَعْدَلُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ دُونَ حِصَّةٍ مِنْ عَبْدٍ مِثْلِهِ ، وَقِيمَةُ الْعَدْلِ فِي الْحَقِيقَةِ مِثْلٌ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ أَيْضًا كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَدَاوُدَ : لَا يُقْضَى بِالْقِيمَةِ فِي شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ( سورة النَّحْلِ : الْآيَةُ 126 ) وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ : مَا رَأَيْتُ صَانِعًا مِثْلَ صَفِيَّةَ ، صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ ، فَغِرْتُ فَكَسَرْتُ الْإِنَاءَ ، فَقَالَ : إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : غَارَتْ أُمُّكُمْ ، كُلُوا وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا ، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ . وَأَجَابَ أَبُو عُمَرَ بِأَنَّ حَدِيثَ الشِّقْصِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْقَصْعَةِ فَهُوَ أَوْلَى . وَالْبَاجِيُّ بِأَنَّ بُيُوتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا فِيهَا مِنْ إِنَاءٍ وَطَعَامٍ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ ، وَيَرْضَى مِنْ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ . ( وَمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذَنِ صَاحِبِهِ ، فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ بِمَكِيلَتِهِ مِنْ صِنْفِهِ ) إِنْ عُلِمَتْ مَكِيلَتُهُ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مِثْلَ حِرْزِهَا لَمْ يَأْمَنْ مِنَ التَّفَاضُلِ مِنَ الطَّعَامِ ( وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِثْلُهُ اتِّفَاقًا . ( وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذَلِكَ ، فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ ، وَإِذَا اسْتُودِعَ الرَّجُلُ مَالًا فَابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَرَبِحَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ الرِّبْحَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ ) هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ : يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ وَلَا يَطِيبُ لَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا اشْتَرَى بِمَالٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَفَقَدَ الْمَغْصُوبَ أَوِ الْوَدِيعَةَ فَالرِّبْحُ لَهُ ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ خُيِّرَ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِ الْمَالِ وَالسِّلْعَةِ وَالرِّبْحِ لَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الرِّبْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِرَبِّ الْمَالِ .
1392 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ ، فَقَضَى لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ : إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ . 1425 1392 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بْنِ حَزْنٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ التَّابِعِيِّ ، ابْنِ الصَّحَابِيِّ ، حَفِيدِ الصَّحَابِيِّ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيُّ ) لَمْ يُسَمَّيَا ( فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ ) لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ( فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) لِأَنَّهُ كَرِهَ مَدْحَهُ لَهُ فِي وَجْهِهِ ( بِالدِّرَّةِ ) بِكَسْرِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ ، آلَةٌ يُضْرَبُ بِهَا ( ثُمَّ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : إِنَّا نَجِدُ ) فِي الْكُتُبِ ( أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ ) وَهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ( يُسَدِّدَانِهِ ) بِسِينٍ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَاتٍ ( وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا ) إِلَى السَّمَاءِ ( وَتَرَكَاهُ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِجَوَابٍ لِقَوْلِهِ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ وَلَكِنْ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ مَدْحَهُ لَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ فِي كُتُبِهِ مَا ذَكَرَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : وَاللَّهِ إِنَّ الْمَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَيَتَكَلَّمَانِ بِلِسَانِكَ ، وَإِنَّهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : لَا أُمَّ لَكَ وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمَا مَعَ كُلِّ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ إِلَّا أَبْعَدْتَ . وَفِيهِ كَرَاهَةُ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي تَأْدِيبِ فَاعِلِهِ ، وَأَنَّ الرَّاضِيَ بِهِ ضَعِيفُ الرَّأْيِ : وَسَمِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَمْدَحُ رَجُلًا فَقَالَ : أَمَا لَوْ أَسْمَعْتَهُ لَقَطَعْتَ ظَهْرَهُ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَدْحُ فِي الْوَجْهِ هُوَ الذَّبْحُ . وَصَحَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ . وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي الْمُوَاجَهَةِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36 - كِتَاب الْأَقْضِيَةِ 1 - بَاب التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1391 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 36 - كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ 1 - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ 1424 1391 - ( مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ( عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الصَّحَابِيِّ ( عَنْ ) أُمِّهَا ( أُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ . وَفِي أُخْرَى : جَلَبَةَ خِصَامٍ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا قَالَتْ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، الْخَلْقُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ ، وَالْحَصْرُ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ حَصْرٌ خَاصٌّ ، أَيْ بِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْبَوَاطِنِ ، وَيُسَمَّى عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ : قَصْرُ قَلْبٍ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْوَضْعَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُدْرِكَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا ظَوَاهِرَهَا ، فَإِنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَسْلَمُ مِنْ قَضَايَا تَحْجُبُهُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِذَا تُرِكَ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يُؤَيَّدْ بِالْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : مِثْلُكُمْ ( وَأنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ) فِيمَا بَيْنَكُمْ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا هُوَ أَوْ مَنْ قَدَّمَهُ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 65 ) الْآيَةَ ، وَقَالَ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 49 ) الْآيَةَ . وَقَالَ : إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 105 ) الْآيَةَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ثُمَّ تَرُدُّونَهُ إِلَيَّ ، وَلَا أَعْلَمُ بَاطِنَ الْأَمْرِ ( فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَعْلَمَ ( بِحُجَّتِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَبْلَغَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّحَنِ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ ، الْفِطْنَةِ ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَفْصَحَ ، وَأَعْلَمَ أن تقرير مَقْصُودِهِ ، وَأَعْلَمَ بِبَيَانِ دَلِيلِهِ ، وَأَقْدَرَ عَلَى الْبَرْهَنَةِ عَلَى دَفْعِ دَعْوَى خَصْمِهِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ . هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّحْنِ ، بِسُكُونِ الْحَاءِ ، وَهُوَ الصَّرْفُ عَنِ الصَّوَابِ ، أَيْ يَكُونُ أَعْجَزَ عَنِ الْإِعْرَابِ بِالْحُجَّةِ ، وَضَعْفُهُ لَا يَخْفَى ، وَجُمْلَةُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ لَعَلَّ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ ، أَيْ كَائِنٍ ، أَوْ أَنْ زَائِدَةٌ ، أَوِ الْمُضَافُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ لَعَلَّ وَصْفَ بَعْضِكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ ( مِنْ بَعْضٍ ) فَيَغْلِبُ خَصْمَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ ( فَأَقْضِيَ ) فَأَحْكُمُ ( لَهُ ) أَيْ لِلَّذِي غَلَبَ بِحُجَّتِهِ عَلَى خَصْمِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ : فَأَقْضِيَ لَهُ ، أَيْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْطِنْ لِحُجَّتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ . ( وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ) لِبِنَاءِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الظَّاهِرِ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى نَحْوٍ بِالتَّنْوِينِ ، مِمَّا أَسْمَعُ ( مِنْهُ ) وَمِنْ فِي ( مِمَّا ) بِمَعْنَى لِأَجْلِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى ، أَيْ أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : ( وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) إِنَّهُ الْبَيِّنَةُ أَوِ الْإِقْرَارُ ، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ التُّهْمَةُ ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ ، فَأَتَوْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا ، فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعَدَ فَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَهَذَا بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا عَلِمَ مِنْ رِضَاهُمُ الْأَوَّلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ بِصِحَّةِ مَا يَقْضِي بِهِ إِذَا حَقَّقَ عِلْمَهُ ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ ؛ إِذْ لَعَلَّهَا كَاذِبَةٌ أَوْ وَاهِمَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِي الْمَالِ فَقَطْ دُونَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُجَرِّحُ وَيُعَدِّلُ بِعِلْمِهِ . ( فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِحَقِّ مُسْلِمٍ ، وَذَكَرَهُ لِيَكُونَ أَهْوَلَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّ وَعِيدَ غَيْرِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ ، فَذَكَرَ الْمُسْلِمَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ كَذَلِكَ . ( فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ) أَيْ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ النَّارِ لَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 10 ) قَالَ السُّبْكِيُّ : هَذِهِ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَهَا ، بَلْ مَعْنَاهَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزُ الْوُقُوعِ ، قَالَ : وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ ، لَا بِسَبَبِ تَبَيُّنِ حُجَّةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا ، وَقَدْ صَانَ اللَّهُ أَحْكَامَ نَبِيِّهِ عَنْ ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ لِلتَّخَيُّرِ بَلْ لِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةُ 29 ) وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ خِطَابٌ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ هَلْ هُوَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ ؟ فَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَأْخُذْ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَلْيَتْرُكْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْقُلُ الْأَصْلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ : أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَا بَاطِنُ الْأَمْرِ فِيهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسُهُ ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ ، وَإِنْ شَهِدَا بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحِلُّ الْحَرَامَ فِي الْعُقُودِ كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ ، فَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدَيْ زُورٍ ، حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَادَّعَاهُ الرَّجُلُ وَهِيَ تَجْحَدُ أَوْ تَعَمَّدَ رَجُلَانِ شَهَادَةَ الزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ تَزَوُّجُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ وَأَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَمَّا أَحَلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إِجْمَاعًا كَانَ الشُّهُودُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ ، فَمِنْ حَقِّ الرَّجُلِ عِصْمَةُ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنْ قَبْلِهِ ، وَمُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ اتَّفَقَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ الْإبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ . هَذَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُلَخِّصًا لِكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَاجِيِّ ، وَعِيَاضٍ ، وَغَيْرِهِمْ : مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَطْلَعَهُ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ، فَحَكَمَ فِيهِ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْكَامِهِ أَجْرَى لَهُ حُكْمَهُمْ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَهُ ، فَأَجْرَى اللَّهُ أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ ، فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ . فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ فِيمَا خَالَفَ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً ، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا ، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ سَاعَدَهُمَا ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ . اهـ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ عَلَى بَوَاطِنِ كُلِّ مَنْ يَتَخَاصَمُ إِلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِخَفِيِّ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ طَرِيقًا عَامًّا وَلَا قَاعِدَةً كُلِّيَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ لِاسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لَهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فَنَادِرٌ ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا . فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَاطِنِ أَيْضًا وَأَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ ، وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ بِعِلْمِهِ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَقَدْ شَاهَدْتُ بَعْضَ الْمُخَرِّفِينَ وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعْرِضُونَ علي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَحْكُمُونَ بِالْخَوَاطِرِ الْقَلْبِيَّةِ وَيَقُولُونَ : الشَّاهِدُ الْمُتَّصِلُ بِي أَعْدَلُ مِنَ الشَّاهِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنِّي ، وَهَذِهِ مَخْرَقَةٌ أَبْرَزَتْهَا زَنْدَقَةٌ ، يُقْتَلُ صَاحِبُهَا قَطْعًا ، وَهَذَا خَيْرُ الْبَشَرِ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مُعْتَرِفًا بِالْقُصُورِ عَنْ إِدْرَاكِ الْمُغَيَّبَاتِ وَعَامِلًا بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنِ اعْتِبَارِ الْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ . اهـ . وَقَدْ زَادَ فِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهَا : فَبَكَى الرَّجُلَانِ ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : حَقِّي لَكَ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا إِذا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسَتَهِمَا ، ثُمَّ تَحَالَلَا وَتَوَخَّيَا ، أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِي الْقِسْمَةِ ، ثُمَّ اسْتَهِمَا أَيِ اقْتَرِعَا لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا . وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ ، وَتَابَعَهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
1409 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ : فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي . 1445 1409 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ ) بِالتَّنْوِينِ بِلَا إِضَافَةٍ ( الْقَارِيِّ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ، نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ ، بَطْنٌ مِنْ خُزَيْمَةَ ابْنِ مُدْرِكَةَ ( عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ( أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ جِهَةِ ( أَبِي مُوسَى ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ( الْأَشْعَرِيِّ ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ ، فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كان فيكم مِنْ مُغَرِّبَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ، مُثَقَّلَةً فِيهِمَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ ، مُضَافٍ إِلَى ( خَبَرٍ ) أَيْ : هَلْ مِنْ حَالَةٍ حَامِلَةٍ لِخَبَرٍ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ ؟ ( فَقَالَ : نَعَمْ ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ، قَالَ : فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَرَ بِقَتْلِ قَوْمٍ ارْتَدُّوا كَابْنِ خَطَلٍ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِتَابَةً . وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُقَيَّدًا فِي الْحَدِيدِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ ؛ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِ اسْتَتَابَهُ شَهْرَيْنِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِتَابَةِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهَا ( فَقَالَ عُمَرُ : أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ) مِنَ الْأَيَّامِ ، كَذَا قَالَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقِيلَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، وَقِيلَ : شَهْرًا ، وَقِيلَ : ثَلَاثَة جمعٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَذَ الثَّلَاثَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ( سورة هُودٍ : الْآيَةُ 65 ) وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ جُعِلَتْ أَصْلًا فِي مَعَانٍ كَالْمُصَرَّاةِ وَاسْتِظْهَارِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ) يُرِيدُ أَنْ لَا يُوَسَّعَ عَلَيْهِ تَوْسِعَةَ إِحْسَانٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ، وَلَكِنْ يُطْعَمُ مَا يَقُوتُهُ وَيَكْفِيهِ وَلَا يُجَوَّعُ وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ . قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : يَعْنِي في غير تُوَسِّعُ وَلَا تَفُكُّهُ ، قَالَ مَالِكٌ فِي الموازنة : يُقَوَّتُ مِنَ الطَّعَامِ مَا لَا يَضُرُّهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يُجْعَلَ الرَّغِيفُ حَدًّا ، وَإِنَّمَا أَشَارَ عُمَرُ إِلَى قِلَّةِ مُؤْنَتِهِ وَرَزِيَّتِهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ ، وَبَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَدَّ ( وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ) يَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا ، وَأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَا يَصِحُّ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ رُجُوعُ أَبِي مُوسَى وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ ( ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ ) قَتْلَهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ ( وَلَمْ آمُرْ بِهِ وَلَمْ أَرْضَ ) بِهِ ( إِذْ بَلَغَنِي ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِخَطَأِ فَاعِلِهِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أَهْلَ الرِّدَّةِ . وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أُمَّ قِرْفَةَ لَمَّا ارْتَدَّتْ فَلَمْ تَتُبْ فَقَتَلَهَا ، فَلَعَلَّ عُمَرَ عَلِمَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَنْكَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى تَغْيِيرَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَأَبُو مُوسَى مُجْتَهِدٌ ، فَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرُ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدَّ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي مُوسَى ذَلِكَ مَا جَازَ لِعُمْرَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ حَتَّى يُطَالِعَهُ عَلَى قَضِيَّتِهِ ، وَفِي هَذَا مِنْ فَسَادِ الْأَحْوَالِ وَتَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَخْفَى ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
18 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ 1408 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ . وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ ، فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا ؛ فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا ، وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَلَا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي عُنِيَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 18 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ 1444 1408 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) مُرْسَلًا عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ ) أَيِ انْتَقَلَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ ( فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ وُجُوبًا كَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ ، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكِنْ فِي الزَّنَادِقَةِ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ . ( وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ ، نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) بِمَا أَرَادَ نَبِيُّهُ ( مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ؛ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْإِسْلَامِ ) إِذْ هُوَ الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ ( إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ ) مِنْ كُلِّ مَنْ أَسَرَّ مِنَ الْكُفْرِ دِينًا غَيْرَ الْإِسْلَامِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ صَابِئَةٍ أَوْ عِبَادَةِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ نَجْمٍ ( فَإِنَّ أُولَئِكَ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ وَ ) ذَلِكَ ( أَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ ) يُظْهِرُونَ ( الْإِسْلَامَ ، فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ ) أَيْ تَلَفُّظُهُمْ بِالْإِسْلَامِ إِذْ كَانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَهُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُمْ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَانِ . ( وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ ( فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ) بِضَرْبِ عُنُقِهِ ( وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ) بِمُوَحَّدَةٍ ( ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا ) لَمْ يُسْلِمُوا ( قُتِلُوا ، وَلَمْ يَعْنِ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ، وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ لِلْفَاعِلِ ، أَيْ لَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَنْ خَرَجَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَلَا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا ) إِلَى غَيْرِهِ ( إِلَّا الْإِسْلَامَ ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ الَّذِي عُنِيَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلِ ( بِهِ ) أَيِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : أَنَّ لِلْإِمَامِ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إِذَا غَيَّرَ دِينَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ إِنَّمَا انْعَقَدَتْ لَهُ عَلَى أَنْ يَبْقَى عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ ، فَلَمَّا خَرَجَ عَنْهُ عَادَ كَالْحَرْبِيِّ . وَرَوَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ يُخْرِجُهُ مِنْ بَلَدِهِ لِدَارِ الْحَرْبِ ، وَعَلَّلَهُ بِمَا ذَكَرَ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ ظَاهِرًا لَكِنْ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ( سورة النَّحْلِ : الْآيَةُ 106 ) وَشَمِلَ عُمُومُهُ الرَّجُلَ وَهُوَ إِجْمَاعٌ ، وَالْمَرْأَةَ وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْجُمْهُورُ ، وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالذَّكَرِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، فَكَمَا لَا تُقْتَلُ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ لَا تُقْتَلُ فِي الْكُفْرِ الطَّارِئِ ، وَلِأَنَّ مَنْ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَعُمُّ الْمُؤَنَّثَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى الْقِصَّةَ ، قَالَ : لا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ . وَقَتَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ امْرَأَةً ارْتَدَّتْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ . وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : وَأَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ ، فَإِنْ عَادَ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٌ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا ، فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهَا . وَسَنَدُهُ حَسَنٌ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَفِي حَدِيثِ قِصَّةٍ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ . وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ . زَادَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ اعْتِرَاضَهُ عَلَيْهِ وَرَأَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَرَى جَوَازَ التَّحْرِيقِ ، وَكَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُمَا تَشْدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ وَمُبَالَغَةً فِي النِّكَايَةِ وَالنَّكَالِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ . لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ مِنْ حَيْثُ التَّنْزِيهُ ، لَكِنْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا أَحْرَقَهُمْ بَعْدَ قَتْلِهِمْ . رَوَى الْعَقِيلِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ هُوَ ؟ قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالُوا : أَنْتَ هُوَ ، قَالَ : وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا ؟ قَالُوا : أَنْتَ رَبُّنَا ، قَالَ : وَيَلْكُمُ ارْجِعُوا وَتُوبُوا ، فَأَبَوْا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمَّ قَالَ : يَا قُنْبُرُ ائْتِنِي بِحِزَمِ الْحَطَبِ ، فَحَفَرَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ ثُمَّ قَالَ : لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قُنْبُرًا
1404 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . 1435 1404 - ( مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ أَحَدِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ ، رَأَى أَنَسًا ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ خَطَأٌ ، إِنَّمَا هُوَ مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ( عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ، وَيُقَالُ : لَهُ رُؤْيَةٌ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ، أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) لَيْسَ هُوَ الْبَاهِلِيَّ إِنَّمَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ ، قِيلَ : اسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَفِي الْإِصَابَةِ : اسْمُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ إِيَاسٌ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَبِهِ جَزَمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ ، وَقِيلَ : سَهْلٌ ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ إِيَاسٍ ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ مِنْهَا فِي مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّهُ مِنْ أَجْلِ أُمِّهِ فَوَجَدَهَا مَاتَتْ فَصَلَّى عَلَيْهَا . أَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ ) افْتَعَلَ مِنَ الْقَطْعِ ( حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ ، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ ( بِيَمِينِهِ ) بِحَلِفِهِ الْكَاذِبِ ( حَرَّمَ ) مَنَعَ ( اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ) إِنِ اسْتَحَلَّ أَوْ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ، أَوْ هُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَيَجُوزُ تَخَلُّفُهُ كَمَا مَرَّ ( قَالُوا : وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، أَيْ غُصْنًا مَقْطُوعًا ( مِنْ أَرَاكٍ ) شَجَرٍ يُسْتَاكُ بِقُضْبَانِهِ ، الْوَاحِدَةُ أَرَاكَةٌ ، وَيُقَالُ هِيَ شَجَرَةٌ طَوِيلَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْوَرَقِ وَالْأَغْصَانِ وَلَهَا ثَمَرٌ فِي عَنَاقِيدَ يُسَمَّى الْبَرِيرُ ، بِمُوَحَّدَةٍ ، وِزَانَ أَمِيرٍ ، يَمْلَأُ الْعُنْقُودُ الْكَفَّ ( وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا ( مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْحَقِّ وَكَثِيرِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، أَمَّا فِي الْإِثْمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مَنِ اقْتَطَعَ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَنِ اقْتَطَعَ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَهْوِيلِهِ ، بِدَلِيلِ تَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ وَإِيجَابِ النَّارِ ، وَأَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ ، وَالْحَالُ يَقْتَضِي هَذَا التَّأْكِيدَ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الِاعْتِدَاءِ الْغَايَةَ حَيْثُ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ سَبِيلٌ ، وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَةٍ وَاجِبَةِ الرِّعَايَةِ وَهِيَ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ مُسْلِمٍ قَيْدٌ فَلَوِ اقْتَطَعَ حَقَّ كَافِرٍ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ ، أَوْ لَيْسَ بِقَيْدٍ ؟ بَلْ وَرَدَ لِبَيَانِ أَنَّ رِعَايَةَ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَشَدُّ لِأَنَّ حُرْمَةَ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَقْوَى ؟ وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْكَافِرِ أَوْجَبُ رِعَايَةً ، فَإِنَّ إِرْضَاءَ الْمُسْلِمِ بِإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرْضِيَ اللَّهُ خَصْمَهُ فَيَعْفُوَ عَنْ ظَالِمِهِ ، وَأَمَّا إِرْضَاءُ الْكَافِرِ بذلك فَغَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَكُونُ الْأَمْرُ صَعْبًا ، فَإِذَا كَانَ حَقُّ مَنْ يُتَصَوَّرُ الْخَلَاصُ مِنْ ظُلْمِهِ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ فَحَقُّ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ أَوْلَى . وَقَالَ عِيَاضٌ : الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، فَالْمُسْلِمُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُمَا سَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ الْقَطْعِ . فَأَمَّا فِي الْعُقُوبَةِ فَيَنْبَغِي أَنَّ حَقَّ الْكَافِرِ أَخَفُّ ، قَالَ الْأبِيُّ : وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ، يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ ، وَوَجْهُهُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ رَفْعِ دَرَجَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ - وَهِيَ الْيَمِينُ الصَّبْرُ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ مُسْلِمٍ - مِنَ الْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَا كَفَارَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا اقْتَطَعَهُ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرَهُ ، عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَعْمَرٌ وَطَائِفَةٌ : يُكَفِّرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِمَّا عَلَيْهِ ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ : أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا . اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عِنْدِ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .
8 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1403 - قَالَ يَحْيَى : حَدَّثَنَا مَالِك ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . 8 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1434 1403 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ ) وَيُقَالُ فِيهِ : هِشَامُ بْنُ هِشَامٍ ( عَنْ عُتْبَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ فَمُوَحَّدَةٌ ( ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكٍ ، الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ ، وَعُمِّرَ طَوِيلًا ، وَمَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَشُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْجَهَالَةُ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ، الْمَدَنِيِّ مَوْلَى كِنْدَةَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّهُ ذُهْلِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، قَالَ مُصْعَبٌ : أَبُوهُ نِسْطَاسٌ مَوْلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ . اهـ . وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَوْلَى قُرَيْشٍ . ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ) الْخَزْرَجِيِّ ، الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي ) قَالَ مَالِكٌ : يُرِيدُ عِنْدَ مِنْبَرِي ، وَهُوَ الْآنَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ الْقِبْلَةِ وَالْمِحْرَابِ ؛ لِأَنَّهُ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَتِ الْيَمِينُ عِنْدَ مِنْبَرِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُصَلَّاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا الْقِبْلَةُ وَالْمِحْرَابُ فَشَيْءٌ بُنِيَ بَعْدَهُ ( آثِمًا ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، ورواه القعنبي ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بَكِيرٍ ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ : مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَفِيهِ اشْتِرَاطُ الْإِثْمِ فَلَا يَقَعُ الْوَعِيدُ إِلَّا مَعَ تَعَمُّدِ الْإِثْمِ فِي الْيَمِينِ وَاقْتِطَاعِ حَقِّ الْمُسْلِمِ بِهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ ( تَبَوَّأَ ) أَيِ اتَّخَذَ ( مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْعَظِيمَةِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْقَصْدِ فِي الذَّنْبِ وَجَزَائِهِ ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ قَصَدَ الْإِثْمَ فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فِي ذَا الْمَكَانِ الْعَظِيمِ كَذَلِكَ يَقْصِدُ فِي جَزَائِهِ التَّبَوُّءَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُنَا - أَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ - فِي الْوَعِيدِ أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ بَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَفَرَ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 48 ) وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي فَمَدَحَ نَفْسَهُ بِإِخْلَافِ الْوَعِيدِ وَلَوْ كَانَ كَذِبًا مَا مَدَحَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( سورة هُودٍ : الْآيَةُ 65 ) ، وَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ( سورة مَرْيَمَ : الْآيَةُ 54 ) فَوَصَفَ الْوَعْدَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ . وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ بِوُجُوبِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ ، فَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، وَبِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَبِغَيْرِهِمَا بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ .
41 - بَاب صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ 1444 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لَهَا : أَوْصِي ، فَقَالَتْ : فِيمَ أُوصِي ؟ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ ، فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، فَقَالَ سَعْدٌ : حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ . 41 - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بَدَلُ عَنْ ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ . 1489 1444 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدَهُمَا تَحْتِيَّةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ وَالْأَكْثَرُ ، وقال القعنبي : سَعْدٌ ، أَيْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ بِلَا يَاءٍ ، قَالَ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ( ابْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ شُرَحْبِيلَ ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَلَامٍ ( ابْنِ سَعِيدِ ) هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ، عَنْ يَحْيَى ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَصَحَّفَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ ( ابْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ عَدْلٌ ، مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِ ، لَهُ عَنْهُ فِي مَرْفُوعِ الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الثِّقَةِ ( عَنْ جَدِّهِ ) شرحبيل مقبول ثِقَةٌ ، أَوْ أَرَادَ جَدَّهُ الْأَعْلَى سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، أَوْ ضَمِيرُ جَدِّهِ لِعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ ، وَشُرَحْبِيلُ ابْنُهُ غَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَلْقَى جَدَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ خَرَّجَ الْحَدِيثَ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَالِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَإِنَّمَا يُتِمُّ لَهُ أَنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مَوْصُولٌ بِجَعْلِ ضَمِيرِ جَدِّهِ عَائِدًا عَلَى عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ جَدُّهُ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، أَمَّا إِذَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو شَيْخِ مَالِكٍ فَمُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ جَدَّهُ شُرَحْبِيلَ تَابِعِيٌّ ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ جَدَّهُ الْأَعْلَى فَيَكُونُ مَوْصُولًا . وَلَوَّحَ لِهَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ : الرَّاوِي فِي الْمُوَطَّأِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا ( أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ) سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ وَالْأَجْوَادِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالشَّامِ ( مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ) هِيَ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ ( فَحَضَرَتْ أُمَّهُ ) بالنصب مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ ( الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ ) وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ ، وَقِيلَ : بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيَّةُ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ ( فَقِيلَ لَهَا : أَوْصِي ) بِشَيْءٍ ( فَقَالَتْ : فِيمَ ) أَيْ فِي أَيِّ شَيْءٍ ( أُوصِي ) وَلَا مَالَ لِي ( إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ) ابْنِي ( فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ ) مِنَ الْغَزْوِ ( فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ) بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِ الْكَافِ ( ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَتْ أُمُّهُ ( لَهُ ) لِسَعْدٍ ( فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ) بِشَيْءٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ : إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ) يَنْفَعُهَا ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَمَلُ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُمْ وَلَا يَلْحَقُهُمْ وِزْرٌ يَعْمَلُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا شَرٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ سَبَبٌ يَسُنُّونَهُ أَوْ يَبْتَدِعُونَهُ فَيُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهُمْ ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِصَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْهُ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً ، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، زَادَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْوَلَدِ وَهُوَ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ( سورة النَّجْمِ : الْآيَةُ 39 ) وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ : هَلْ يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ ؟ اهـ . لَكِنْ مَا قَالَ إِنَّهُ الْمَشْهُورُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ ، فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِالْعِتْقِ . ( فَقَالَ سَعْدٌ : حَائِطُ ) أَيْ بُسْتَانُ ( كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا ) يُشِيرُ بِكَذَا وَكَذَا ( لِحَائِطٍ سَمَّاهُ ) وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَعْدٌ : فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا . وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِرُهُ فَاءٌ ، اسْمٌ لِلْحَائِطِ أَوْ وَصْفٌ لَهُ بِالثَّمَرِ سُمِّي بِذَلِكَ لِمَا يُخْتَرَفُ مِنْهُ ، أَيْ يُجْنَى مِنَ الثَّمَرِ ، وَفِيهِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَةِ ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا إِذَا صَدَقَتِ النِّيَّةُ وَالْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا ، وَفِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِشَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ . وَأَسْنَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْدًا أَنْ يَسْقِيَ عَنْهَا الْمَاءَ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ . وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِالْحَائِطِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، وَالْمَاءُ وَالْعِتْقُ بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْهُمَا . فَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَقْيُ الْمَاءِ . وَمَرَّ فِي النُّذُورِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا .
1446 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا ، فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ . 1490 1446 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ( أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ) بِخَاءٍ وَزَايٍ مَنْقُوطَتَيْنِ وَرَاءٍ وَجِيمٍ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَأَبَوَاهُ صَحَابِيَّانِ ( تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا ) مَاتَا ( فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ ) الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ ( وَهُوَ نَخْلٌ ) بِالْمُعْجَمَةِ ( فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ أُجِرْتَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، أَيْ أَعْطَاكَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَجْرَ ( فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ ) فَفِيهِ جَوَازُ تَمَلُّكِ الصَّدَقَةِ بِالْمِيرَاثِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ثَوَابَهَا إِذْ هُوَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْجَوَّادِ الْكَرِيمِ .
1445 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . 1490 1445 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) بْنِ الزُّبَيْرِ ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ ( قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي ) عَمْرَةَ الصَّحَابِيَّةَ ( افْتُلِتَتْ ) بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَفَوْقِيَّتَيْنِ أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ أُخِذَتْ فَلْتَةً ، أَيْ بَغْتَةً ( نَفْسُهَا ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ : نَائِبُ الْفَاعِلِ ، وَرُوِيَ بالنصب مَفْعُولٌ ثَانٍ ، أَيْ أَفْلَتَهَا اللَّهُ نَفْسَهَا أَيْ رُوحَهَا ، قَالَ الْحَافِظُ : أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ . وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِالْقَافِ وَتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ ، وَقَالَ : هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ اهـ . زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَأَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ : وَلَمْ تُوصِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ ، قَالَهُ مُسْلِمٌ ، أَيْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ . ( وَأُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، أَظُنُّهَا ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَخَمْسَةِ رِجَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ : أَظُنُّهَا وَهُوَ يُشْعِرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ بِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ وَأَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصْحِيفٌ ( لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فَلَمْ تَتَصَدَّقْ . وَفِي السَّابِقِ أَنَّهَا قَالَتْ فِيمَا أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ، فَالْمُرَادُ هُنَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِالصَّدَقَةِ وَلَوْ تَكَلَّمَتْ بِهَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَنَّ سَعْدًا مَا عَرَفَ مَا وَقَعَ مِنْهَا ، فَإِنَّ رَاوِيَ السَّابِقِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَتَّحِدْ رَاوِي الْإِثْبَاتِ وَرَاوِي النَّفْيِ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّذْرِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَلَمْ تَقْضِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْضِهِ عَنْهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ النَّذْرِ وَعَنِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ ) وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ : فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ وَبَعْضُهُمْ : أَتَصَدَّقُ عَلَيْهَا وَأَصْرِفُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهَا ؟ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ) زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : تَصَدَّقْ عَنْهَا بِالْجَزْمِ عَلَى الْأَمْرِ . وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَقْيُ الْمَاءِ . وَمَرَّ قَرِيبًا أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِحَائِطٍ وَبِالْعِتْقِ أَيْضًا ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ وَالسُّؤَالُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ وَفَضْلُ الصَّدَقَةِ وَأَنَّهَا تَنْفَعُ عَنِ الْمَيِّتِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ كَمَا مَرَّ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : فِيهِ جَوَازُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِهَا ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا وَسَقَطَ التَّكْلِيفُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِهِ لَوْ كَانَ مُنْكِرًا إِيقَاظُ غَيْرِهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ ، فَلَمَّا قَرَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَفِي أَصْلِ الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لِقَوْلِهَا : إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَهِيَ لَا مَالَ لَهَا ، فَلَا يَتَأَتَّى ذَمُّهَا عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ وَلَا عَدَمُ الذَّمِّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْجَنَائِزِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ .
19 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا 1410 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . 19 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا 1446 1410 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، مُصَغَّرًا ( ابْنِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ) بَائِعِ السَّمْنِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ ، أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ( أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ( قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ ) أَيْ أَخْبِرْنِي ( إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْأَوْلَى وَضَمِّ الثَّانِيَةِ ( حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ : قَالَ - أَيْ سَعْدٌ - : كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي . زَادَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةَ مِنَ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ - : أَهَكَذَا نَزَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَلُمْهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ تَعَجَّبْتُ أَنِّي لَوْ وَجَدْتُ لُكَاعًا قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ . الْحَدِيثَ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ النَّهْيُ عَنْ إِقَامَةِ حَدٍّ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ وَلَا شُهُودٍ وَقَطْعُ الذَّرِيعَةِ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهِ بِزِيَادَةٍ ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَبِهِ شَنَّعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى الْبَزَّارِ فِي زَعْمِهِ تَفَرُّدَ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ وَلَا تَابَعَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحَامُلِ الْبَزَّارِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عَلِمٌ وَكِتَابُهُ مَمْلُوءٌ مِنْ مِثْلِ هَذَا ، وَلَوْ سُلِّمَ تَفَرُّدُ مَالِكٍ بِهِ كَمَا زَعَمَ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَأَكْثَرُ السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ قَدِ انْفَرَدَ بِهَا الثِّقَاتُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَارٍّ لِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَنَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، فَأَيُّ انْفِرَادٍ فِي هَذَا ؟ وَلَيْتَ كُلَّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُحَدِّثُونَ كَانَ مِثْلَ هَذَا .
1411 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ خَيْبَرِيٍّ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُمَا مَعًا ، فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ ، فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّ هَذَا لشَّيْء مَا هُوَ بِأَرْضِي ، عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : كَتَبَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو حَسَنٍ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ . 1447 1411 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ خَيْبَرِيٍّ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَرَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ آخِرَهُ ( وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ قَتَلَهُمَا مَعًا ) شَكَّ الرَّاوِي ، وَفِي نُسْخَةٍ قَتَلَهَا بِالْإِفْرَادِ ( فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ ( الْقَضَاءُ فِيهِ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ ) وَلَمْ يَكْتُبْ إِلَى عَلِيٍّ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ طَاعَتِهِ ( فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إِنَّ هَذَا لشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي ) أَيِ الْعِرَاقِ ( عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَتَبَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو الحَسَن ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : الْقَرْمُ ( إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) يَشْهَدُونَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْوَطْءِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ( فَلْيُعْطَ ) يُسَلَّمْ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَهُ قِصَاصًا ( بِرُمَّتِهِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتُكْسَرُ ، قِطْعَةٌ مِنْ حَبْلٍ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُودُونَ الْقَاتِلَ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ بِحَبْلٍ ، وَلِذَا قِيلَ الْقَوْدُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا ، فَمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَتْلُ مُسْلِمٍ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ قَتْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُثْبِتَ دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ الْقِصَاصَ ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْمَخْرَجِ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ . وَرَوَى أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ عُمَرَ أَهْدَرَ دَمَهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، إِنَّمَا أَهْدَرَ دَمَ الَّذِي أَرَادَ اغْتِصَابَ الْجَارِيَةِ الْهُذَلِيَّةِ ، فَعَصَبَ كَبِدَهُ فَمَاتَ . ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَابَعَ مَالِكًا ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ .
1443 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا . 1488 1443 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً ) كَمُعَظَّمَةٍ هِيَ فِي الْأَصْلِ الْمَجْعُولَةُ لِلْقِنْيَةِ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ ، أَيْ كَالْمُؤَبَّلَةِ الْمُقْتَنَاةِ فِي عَدَمِ تَعَرُّضِ أَحَدٍ إِلَيْهَا وَاجْتِزَائِهَا بِالْكَلَأِ كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ : ( تَنَاتَجُ ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ ، أَيْ تَتَنَاتَجُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَالْمُقْتَنَاةِ ( لَا يُمْسِكُهَا أَحَدٌ ) لِلنَّهْيِ عَنِ الْتِقَاطِهَا ( حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ) بَعْدَ الْتِقَاطِهَا خَوْفًا مِنَ الْخَوَنَةِ ( ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا ) لِأَنَّ هَذَا أَضْبَطُ لَهُ .
1442 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ : مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً ، فَهُوَ ضَالٌّ . 1487 1442 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ : مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ ) عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ ، أَوْ آثِمٌ ، أَوْ ضَامِنٌ إِنْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الضَّمَانِ لِلْمُشَاكَلَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا الْتَقَطَهَا فَلَمْ يُعَرِّفْهَا فَقَدْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهَا وَصَارَ سَبَبًا فِي تَضْلِيلِهِ عَنْهَا فَكَانَ مُخْطِئًا ضَالًّا عَنِ الْحَقِّ ، وَأَصْلُ هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا . فَقَيَّدَ الضَّلَالَ بِعَدَمِ التَّعْرِيفِ ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ كَرِهَ اللُّقَطَةَ مُطْلَقًا فِي أَثَرِ عُمَرَ هَذَا ، وَلَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوهُمَا عَلَى مَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَحَرَقُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ ، أَيْ يُؤَدِّي أَخْذُهَا لِلتَّمْلِيكِ إِلَى النَّارِ ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ .
40 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ 1441 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ : إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ . 40 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ جَمْعُ ضَالَّةٍ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابَّ ، وَالْأَصْلُ فِي الضَّلَالِ الْغَيْبَةُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَيَوَانِ الضَّائِعِ ضَالَّةٌ بِالْهَاءِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالْجَمْعُ الضَّوَالُّ ، وَيُقَالُ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ ضَائِعٌ وَلُقَطَةٌ ، وَضَلَّ الْبَعِيرُ غَابَ وَخَفِيَ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَأَضْلَلْتُهُ بِالْأَلِفِ فَقَدْتُهُ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ . 1486 1441 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالسِّينِ الْخَفِيفَةِ ، الْفَقِيهِ ( أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ) ابْنِ خَلِيفَةَ ( الْأَنْصَارِيَّ ) الْأَشْهَلِيَّ الصَّحَابِيَّ الشَّهِيرَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ عَلَى الصَّوَابِ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ ( فَعَقَلَهُ ) شَدَّهُ بِالْعِقَالِ ، وَهُوَ الْحَبْلُ ( ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ : إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي ) مَنَعَنِي ( عَنْ ضَيْعَتِي ) بِفَتْحِ الضَّادِ ، عَقَارِي ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ ) أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِيهِ .
39 - بَاب الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ وَذَلِكَ سَنَةٌ أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ ، إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدُهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ . 39 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ اللُّقَطَةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا ) أَيْ يُهْلِكُهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا ( قَبْلَ أَنْ يبلغ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ، وَذَلِكَ سَنَةٌ إِنَّهَا ) جِنَايَةٌ ( فِي رَقَبَتِهِ ) فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ ( إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدَهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ) فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ سَنَةٌ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عُتِقَ ( وَلَمْ يَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ ) وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا ، وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ لِسَيِّدِهِ فَيُعَرِّفُهَا حِينَ تَصَرُّفِهِ لَهُ .
20 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ 1412 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ : أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ ؟ فَقَالَ : وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَكَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ . 20 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ 1448 1412 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سُنَيْنٍ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَنُونٍ ( أَبِي جَمِيلَةَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ، قِيلَ : اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ ، حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ ، لِذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَأَبُو عُمَرَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ : : لَهُ أَحَادِيث ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ . ( أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، أَيْ لَقِيطًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ يُسَمَّ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ : أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا ( فِي زَمَانِ ) خِلَافَةِ ( عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ ؟ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَتَى بِهِ لِيَفْرِضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . الْبَاجِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَافَ التَّسَارُعَ إِلَى أَخْذِ الْأَطْفَالِ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حِرْصًا عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ لَهُمْ وَمُوَالَاتِهِمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِئَلَّا يَلْتَقِطَهُ مُدَّعِيًا لَهُ . أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُ وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضُ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ . اهـ . وَقِيلَ : اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى ( فَقَالَ : وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً وَأَخَذْتُهَا ) لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ ( فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ جَمْعُهُ عُرَفَاءُ ، أَيْ مَنْ يَعْرِفُ أُمُورَ النَّاسِ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْمُ عَرِيفِ عُمَرَ سِنَانٌ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ ) لَا يُتَّهَمُ ( فَقَالَ عُمَرُ : أَكَذَلِكَ ؟ ) هُوَ ( قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُهُ بِأَنَّهُ حُرٌّ يَقْتَضِي أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ؛ إِذْ لَا وَلَاءَ عَلَى حُرٍّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . فَنَفَى الْوَلَاءَ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ ، وَلِذَا ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَنْبُوذِ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ هُمْ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ : قَالَ مَالِكٌ : لَوْ عُلِمَ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ مَا خُولِفَ . قَالَ الْبَاجِيُّ : الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، إِذْ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ مُلْتَقِطَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ رُدَّ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى مُؤْنَتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَإِنْ خِيفَ أَنْ يَضِيعَ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَالثَّانِي أَوْلَى ، إِلَّا لِطُولِ مُكْثِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ أَحَقُّ ، قَالَهُ أَشْهَبُ . وَخَرَّجَ قَاسِمُ ابْنُ أَصْبَغَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ سُنَيْنٍ بِأَتَمِّ أَلْفَاظا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ، فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَجِئْتُ وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا قَالَ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، كَأَنَّهُ اتَّهَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : علام أَخَذْتَ هَذِهِ النَّسَمَةَ ؟ قُلْتُ : وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ فَخِفْتُ أَنْ يأخذني اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَوْلُهُ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا مَثَلٌ لِلْعَرَبِ إِذَا تَوَقَّعَتْ شَرًّا ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لَبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَكَانَ مَنْ مَرَّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ الزَّبَّاءُ ، بِفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ ، إِذْ بَعَثَتْ قَصِيرًا اللَّخْمِيَّ ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَانَ يَطْلُبُهَا بِدَمِ جَذِيمَةَ بْنِ الْأَبْرَشِ ، فَتَوَاطَأَ هُوَ وَعَمْرُو ابْنُ أُخْتِ جَذِيمَةَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَ قَصِيرٍ ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ ، فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا بِرِبْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجِمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ ، وَكَانَ قَصِيرٌ أَعْلَمَهَا أَنَّهُ يَسْلُكُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَحْمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَ الرِّجَالُ مَنِ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غَارٍ دَخَلَهُ قَوْمٌ يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ فِيهِ ، وَالْأَبْؤُسُ الْبَائِسُ . قَالَ أَبُو عَبِيدٍ : وَقَوْلُ الْكَلْبِيِّ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ . اهـ . وَنُصِبَ أَبْؤُسًا بِتَقْدِيرِ : يَكُونُ أَبْؤُسًا ، جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ ، وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أَمِينِهِ ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ ، وَالِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ فِي التَّزْكِيَةِ ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ إِلَّا عَرِيفُهُ وَحْدُهُ . وَفِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ ، وَالْحَاكِمُ لَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُهُ ، وَقِيلَ : لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا يَشْهَدُونَ لَهُ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى ، وَتَابَعَ مَالِكًا ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ .
1440 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً ، فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ : إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عَرِّفْهَا ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، قَالَ : زِدْ ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا ، وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا . 1484 1440 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ يُسَمَّ ( وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : عَرِّفْهَا قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ) أَيْ عَرَّفْتُهَا ( قَالَ : زِدْ ، قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا ) أَيْ تَمْلِكُهَا بِلَا ضَمَانٍ ( وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا ) وَكَانَ يَرَى كَرَاهَةَ الِالْتِقَاطِ مُطْلَقًا .
38 - بَاب الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ 1438 - 1528 1482 حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ، قَالَ : فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، قَالَ : فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . 38 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ اللُّقَطَةُ : الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ ، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ : بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا اهـ . لَكِنْ جَزْمَ الْخَلِيلُ بِالسُّكُونِ ، قَالَ : وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَا قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ ، لَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ ، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ ، وَرَابِعَةٌ لَقَطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ . وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ بِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا اخْتَصَّتْ بِهِ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ . 1482 1438 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ ، الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةِ الرَّأْيِ ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ ( عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ، الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ ( مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ نَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُضْطَجِعَ فَسَمَّاهُ الْمُنْبَعِثَ ، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي آلِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعْتِبٍ ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْحَافِظُ : زَعَمَ ابْنُ بَشْكُوالٍ وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ ، وَيُبْعِدُهُ رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، وَبِلَالٌ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ ، وَقِيلَ هُوَ الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِمَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلَى الشَّكِّ ، وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : أَتَى رَجُلٌ وَأَنَا مَعَهُ ، فَدَلَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلَعَلَّهُ نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ السَّائِلِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لِي تَسْمِيَةُ السَّائِلِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالْبَاوَرْدِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ ، الْحَدِيثَ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ هَذَا الْمُبْهَمُ لِكَوْنِهِ مِنْ رَهْطِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْوَرِقُ تُوجَدُ عِنْدَ الْقَرْيَةِ ، قَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنِ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ ، وَجَوَابُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَعْرِفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . الْحَدِيثَ ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ جِدًّا . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اللُّقَطَةُ نَجِدُهَا ، قَالَ : أَنْشِدْهَا وَلَا تَكْتُمْ وَلَا تُغَيِّبْ الْحَدِيثَ اهـ . يَعْنِي فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ أَيْضًا بِأَبِي ثَعْلَبَةَ أَوْ عُمَيْرٍ ، وَالْجَارُودِ ، لَكِنْ يُرَجِّحُ أَنَّهُ سُوِيدٌ كَوْنُهُ مِنْ رَهْطِ زَيْدٍ الرَّاوِي كَمَا قَالَ ، وَإِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ سُوِيدٍ مِنْ رَهْطِ زِيدٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا بِحَسَبِ الصُّورَةِ ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَعْنَى مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ هَذَا جُمُودٌ ، فَالْحَافِظُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ هُوَ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ أَوْلَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عِنْدَهُمْ ( فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ رَبِيعَةَ : فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ : الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ غَيْرَ الْحَيَوَانِ فِي تَسْمِيَتِهِ لُقَطَةً ، وَإِعْطَائِهِ حُكْمَهَا وَهُوَ : ( فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ، أَيْ وِعَاءها الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهَا ، مِنَ الْعَفْصِ وَهُوَ الْمُثَنَّى ، أَيْ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَّى عَلَى مَا فِيهِ ( وَوِكَاءَهَا ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ وَبِالْهَمْزَةِ مَمْدُودُ الْخَيْطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَالْكِيسُ وَنَحْوُهُمَا ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدٍ : وَعَدَدُهَا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : لِيُعْرَفَ صِدْقُ مُدَّعِيهَا عِنْدَ طَلَبِهَا ، وَفِي وُجُوبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ : أَظْهَرُهُمَا الوجوب لظاهر الْأَمْرُ ، وَقِيلَ : يَجِبُ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ ، فَعَلَى الْوُجُوبِ إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا ، وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ لَكِنْ قَالَ : لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ ، قِيلَ : وَقَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَقْوَى لِثُبُوتِ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَزِيَادَةُ الْحَافِظِ حُجَّةٌ . ( ثُمَّ عَرِّفْهَا ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، أَيِ اذْكُرْهَا لِلنَّاسِ ( سَنَةً ) بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِمَا ، يَقُولُ : مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَرَّةً ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ . قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَلَامَاتِ . وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا . فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ ، وَوَافَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا إِذَا وَصَفَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةً أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا لِيُعْلَمَ قَدْرُهَا وَصِفَتُهَا فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مَا تَقَدَّمَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمَخْرَجُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّفُ وَالتَّعْرِيفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَقُ ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ . وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا . وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَلَى مَزِيدِ التَّوَرُّعِ عَنِ التَّعَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي ، فَأَمَرَ ثَانِيًا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيٍّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ . وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ مُفَوَّضٌ لِلْمُلْتَقِطِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ . ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ) فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ : فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ : فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا . فَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لِمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ اعْرِفْ عِفَاصَهَا إِلَخْ ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ اللُّقَطَةُ ، أَيِ الْأَمْرُ بِدَفْعِهَا لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا بِلَفْظِ : فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ، عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طُرُقٍ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا ، وَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ ( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ) ، وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا - غَيْرُ صَوَابٍ ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ ، لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . ( وَإِلَّا ) يَجِيءُ صَاحِبُهَا ( فَشَأْنَكَ ) بالنصب أَيِ : الْزَمْ شَأْنَكَ ، أَيْ حَالَكَ ( بِهَا ) أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ بِهَا ، أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ : فَاسْتَمْتِعْ بِهَا . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَبِيعَةَ : فَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا . وَفِيهِ أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : شَأْنَكَ بِهَا ، تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : فَاسْتَنْفِقْهَا لِلْإِبَاحَةِ ، وَفِي اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالتَّمَلُّكِ وَكِفَايَةِ النِّيَّةِ ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ أَقْوَالٌ ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ : وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكٍ . وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ فَيَرُدُّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَبَدَلَهَا إِنِ اسْتُهْلِكَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . فَفِي مُسْلِمٍ : وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ . وَلَهُ أَيْضًا : فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . فَظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّهَا بَعْدَ أَكْلِهَا ، فَيُحْمَلُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ ، وَالتَّقْدِيرُ : ثُمَّ كُلْهَا إِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا ، فَإِنْ جَاءَ إِلَخْ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا ، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . فَأَمَرَ بِأَدَائِهَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا وَبَعْدَهُ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدٍ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فعرف وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اقْبِضْهَا فِي مَالِكَ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ . ( قَالَ ) السَّائِلُ ( فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ) أَيْ مَا حُكْمُهَا ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ ، وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : هِيَ لَكَ ) إِنْ أَخَذْتَهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قِيلَ : هِيَ ضَعِيفَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ فَتَكُونَ لَكَ ( أَوْ لِأَخِيكَ ) فِي الدِّينِ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ ، كَذَا قِيلَ . وَعُورِضَ بِأَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْتَرِنَ صَاحِبُهَا بِالدَّيْنِ الْعَادِيِّ ، فَالْمُرَادُ مُلْتَقِطٌ آخَرُ . ( أَوْ لِلذِّئْبِ ) وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ من السباع ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى أَخْذِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا تَعَيَّنَتْ لِلذِّئْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى أَخْذِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ إِلَخْ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ ، فَيَدُلُّ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِتَرْكِ الْتِقَاطِ الشَّاةِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا فِي فَلَاةٍ مَلَكَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا وَلَا تَعْرِيفُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا : فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّمَتُّعِ ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِطِ ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ . وَقَالَ الْأَكْثَرُ : يَجِبُ تَعْرِيفُهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا ، وَقَالُوا : إِنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ قَالَ : أَوْ لِلذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بِاتِّفَاقٍ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لِأَخْذِهَا ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الذِّئْبِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوِ التَّغْلِيبِ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا لِلتَّمْلِيكِ ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَرُدُّ نَقْضًا ، فَإِنِ الْتَقَطَهَا فِي الْفَلَاةِ وَدَخَلَ بِهَا الْعُمْرَانَ أَوِ الْتَقَطَهَا فِي الْعُمْرَانِ وَجَبَ التَّعْرِيفُ وَصَارَتْ لُقَطَةً ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّةِ الشَّاةِ : فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ : احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ . وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْغَرَامَةَ وَلَا نَفَاهَا فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ ، فَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بأنه يوهم أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِ الشَّاةِ إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِطُ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ . ( قَالَ ) السَّائِلُ ( فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ) مَا حُكْمُهَا ؟ ( قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ ) اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ أَوْ وَجْهُهُ . وَفِي أُخْرَى : فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بِشَدِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ . وَفِي أُخْرَى : فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . ( مَعَهَا سِقَاؤُهَا ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، جَوْفُهَا ، أَيْ حَيْثُ وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكْفِيهَا حَتَّى تَرِدَ مَاءً آخَرَ ، وَقِيلَ : عُنُقُهَا فَتَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَاقٍ يَسْقِيهَا لِطُولِهِ . ( وَحِذَاؤُهَا ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ ، أَخْفَافُهَا فَتَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لِمَّا كَانَتْ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الْحَافِظِ وَالْمُتَعَهِّدِ وَعَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِمَا رُكِّبَ فِي طَبْعِهَا مِنَ الْجَلَدِ عَلَى الْعَطَشِ وَالْجَفَاءِ ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسِّقَاءِ وَالْحِذَاءِ مَجَازًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا إِمَّا بِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ بِحِفْظِ الْقِيمَةِ ، وَهِيَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَمَا يُسِّرَ لَهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا قَالَ . ( تَرِدُ الْمَاءَ ) فَتَشْرَبُ مِنْهُ بِلَا تَعَبٍ ( وَتَأْكُلُ مِنَ الشَّجَرِ ) بِسُهُولَةٍ لِطُولِهَا وَطُولِ عُنُقِهَا ( حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ) أَيْ مَالِكُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَحِكْمَتُهُ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إِلَى وِجْدَانِ مَالِكِهَا لَهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : الْأَوْلَى أَنْ تُلْتَقَطَ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِيَحْفَظَهَا فَيَجُوزُ لَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِقَاطِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ السُّفْيَانَانِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .
1439 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّأْمِ سَنَةً ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا . 1483 1439 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ) بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي الْمَكِّيِّ الْأُمَوِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ ( أَنَّ أَبَاهُ ) الصَّحَابِيَّ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ حَامِلَ لِوَاءِ جُهَيْنَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاهِينَ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَخَطَّ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ مَسْجِدًا بِالْمَدِينَةِ . ( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ ) أَيْ مَوْضِعَ نُزُولٍ ( قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ ) نَزَلُوا فِيهِ ثُمَّ ارْتَحَلُوا ( فَوَجَدَ صُرَّةً ) بِضَمِّ الصَّادِ وَشَدِّ الرَّاءِ ، جَمْعُهَا صُرَرٌ ( فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا ( وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ ) كَأَنْ يَقُولَ : مَنْ ضَاعَ لَهُ مِنْكُمْ نَفَقَةٌ ( سَنَةً فَإِذَا أمَضَتِ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا ) بالنصب وَالرَّفْعُ كَمَا مَرَّ ، أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا . وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْمَرْفُوعِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ سُنَّةٌ لَا أَزْيَدَ وإنَّهُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ .
1414 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ : أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ ، فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا تَامًّا ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ ، فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ فَحَشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، فَلَمَّا أَصَابَهَا زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ تَحَرَّكَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَكَبِرَ ، فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا إِلَّا خَيْرٌ ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ . 1450 1414 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ) بِلَا يَاءٍ عِنْدَ كَثِيرِينَ وَبِالْيَاءِ ، وَصُحِّحَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ) وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ ، وَقِيلَ : سَهْلُ ، ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، آخى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ ، قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمُتَّفَقِ : ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الَّذِي اسْتُشْهِدَ بِالطَّائِفِ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ رَوَى عَنْهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا بِهِ . أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ ، وَعُرْوَةُ وَكَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وُلِدَا بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُدَّةٍ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ عُرْوَةُ : أَخْبَرَنِي يَزِيدُ الْأَكْبَرُ ، وَلَا أَنَّ سُلَيْمَانَ يَحْكِي عَنْهُ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَإِنْكَارُ بَعْضِهِمْ أَنْ يَكُونَ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَخٌ غَيْرُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ بِالطَّائِفِ ، وَتَرْجِيحُ الْخَطِيبِ لَهُ بِأَنَّ أَهْلَ النَّسَبِ لَمْ يَذْكُرُوهُ - لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي لَوْ كَانَ ، وَإِلَّا فَعَدَمُ الذِّكْرِ لَا يَقْتَضِي النَّفْيَ ، وَيَلْزَمُ عَلَى الْإِنْكَارِ رَدُّ الْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ بِلَا مُسْتَنَدٍ ، وَتَجْوِيزُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَمْنُوعٌ فَالْأَصْلُ خِلَافُهُ . ( أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ ) مَاتَ ( عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ( فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا تَامًّا ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ) لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ( فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَالْمَدِّ ، جَمْعُ قَدِيمَةٍ ، أَيْ مُسِنَّاتٍ لَهُنَّ مَعْرِفَةٌ ( فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ ) لِيَعْلَمَ هَلْ يَصِحُّ خَفَاءُ الْحَمْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَعَ تَيَقُّنِهَا انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ ( فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ : أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ ) حَالِ ( هَذِهِ الْمَرْأَةِ : هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ فَأُهْرِيقَتْ ) صَبَّتْ بِكَثْرَةٍ ( عَلَيْهِ ) أَيِ الْحَمْلِ ( الدِّمَاءُ ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ ( فَحَشَّ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ، قَالَ أَبُو عَبِيدٍ الْهَرَوِيُّ : أَيْ يَبِسَ ( وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ) فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لِضَعْفِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَاهُ ضَمُرَ وَنَقَصَ ( فَلَمَّا أَصَابَهَا ) وَطِئَهَا ( زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا ) عَقَدَ عَلَيْهَا ( وَأَصَابَ الْوَلَدَ ) مَفْعُولٌ ، فَاعِلُهُ ( الْمَاءُ تَحَرَّكَ الْوَلَدُ ) في بطنها ( وَكَبِرَ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ لِانْتِعَاشِهِ بِالْمَاءِ ( فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ ( وَقَالَ عُمَرُ : أَمَا ) بِخِفَّةِ الْمِيمِ ( إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا إِلَّا خَيْرٌ ) لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ ( وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ ) الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ إِذِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ .
1416 - وَحَدَّثَنِي مَالِك : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى أَحَدُهُمَا فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ ؛ فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، فَقَضَى أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1451 1416 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ) شَكَّ الرَّاوِي ( قَضَى أَحَدُهُمَا فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ ) وَهِيَ أَمَةٌ ( فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، فَقَضَى أَنْ يَفْدِيَ وَلَدَهُ بِمِثْلِهِمْ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ جَمِيعًا ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : رَقِيقٌ وَلَا قِيمَةَ فِيهِمْ عَلَى أَحَدٍ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهُوَ الْقِيَاسُ لَكِنَّهُمْ تَرَكُوهُ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ ، وَعَلَى الْأَبِ قِيمَتُهُمْ . أَبُو عُمَرَ : لَا دَخْلَ لِلْقِيَاسِ فِيمَا يُخَالِفُ السَّلَفَ فَاتِّبَاعُهُمْ خَيْرٌ مِنَ الِابْتِدَاعِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ ) مِنَ الْمِثْلِ ( فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَهْلُ مَذْهَبِهِ ، وَقَالَ مَرَّةً : عَلَيْهِ الْمِثْلُ . ثُمَّ رَجَعَ .
1415 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِفًا فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَقَالَ الْقَائِفُ : لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ : أَخْبِرِينِي خَبَرَكِ ، فَقَالَتْ : كَانَ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يَأْتِينِي وَهِيَ فِي إِبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَتَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَبَلٌ ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا - تَعْنِي الْآخَرَ - فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ ؟ قَالَ : فَكَبَّرَ الْقَائِفُ ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ . 1451 1415 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، يُلْصِقُ ، أَيْ يُلْحِقُ ( أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ) إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا كَذَلِكَ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ أَحْكَمَ اللَّهُ شَرِيعَتَهُ فَلَا يَلْحَقُ وَلَدُ الزِّنَى بِمُدَّعِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ أَمْ لَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ ، فَدَعَا عُمَرُ قَائِفًا ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ ( فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَقَالَ الْقَائِفُ : لَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ ) أَيِ الْقَائِفَ ( عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَاءَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَاءٍ وَاحِدٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ( سورة الْحُجُرَاتِ : الْآيَةُ 13 ) وَلَمْ يَقُلْ مِنْ ذَكَرَيْنِ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ قَوْلَهُ شَيْئًا كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى الْقَافَةَ ، فَإِنَّ قَضَاءَ عُمَرَ بِالْقَافَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى شَاهِدٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ حَكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ فَقَالَ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ : أَخْبِرِينِي خَبَرَكِ ، فَقَالَتْ : كَانَ هَذَا ) تُشِيرُ ( لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يَأْتِينِي وَهِيَ ) الْتِفَاتٌ وَالْأَصْلُ وَأَنَا ( فِي إِبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ ) هُوَ ( وَتَظُنَّ ) هِيَ ( أَنَّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ ) أَيْ دَامَ وَثَبَتَ ( بِهَا حَبَلٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ حَمَلَتْ بِالْوَلَدِ ( ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ هِيَ ( عَلَيْهِ دَمًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا - تَعْنِي الْآخَرَ - فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ ) أَيِ الْوَلَدُ ( قَالَ ) سُلَيْمَانُ ( فَكَبَّرَ الْقَائِفُ ) سُرُورًا بِمُوَافَقَةِ قَوْلِهِ ( فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ : وَالِ أَيَّهُمَا ) أَيِ الرَّجُلَيْنِ ( شِئْتَ ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُوَالِي إِذَا بَلَغَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَلَهُ مُوَالَاتُهُمَا جَمِيعًا ، وَيَكُونُ ابْنًا لَهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ .
21 - بَاب الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1413 - قَالَ يَحْيَى : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَخِي : قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ : احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ : فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . 21 - بَابُ الْقَضَاءِ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ 1449 1413 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ عُتْبَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ ، مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الدُّمْيَاطِيُّ ، وَالسَّفَاقِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا ابْنَ مَنْدَهْ ، وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : هُوَ الَّذِي كَسَرَ رُبَاعِيَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ مَا عَلِمْتُ لَهُ إِسْلَامًا . بَلْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمِقْسَمِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا ، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجَاهِيلُ عَنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ : أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا فَعَلَ عُتْبَةُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا ؟ قَالَ عُتْبَةُ . قُلْتُ : أَيْنَ تَوَجَّهَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى حَيْثُ تَوَجَّهَ ، فَمَضَيْتُ حَتَّى ظَفِرْتُ بِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَطَرَحْتُ رَأْسَهُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ وَسَيْفَهُ وَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ وَدَعَا لِي فَقَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ ، مَرَّتَيْنِ . وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كَيْفَ كَانَ يُوصِي أَخَاهُ سَعْدًا ؟ وَقَدْ يُقَالُ : لَعَلَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْحَرْبِ احْتِيَاطًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ ، بَلْ فِيهَا مَا يُصَرِّحُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا مَعْنًى لِإِيرَادِهِ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ مَنْدَهْ بِمَا لَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى إِسْلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ( عَهِدَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، أَيْ أَوْصَى ( إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) أَحَدِ الْعَشَرَةِ وَأَوَّلِ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحَدِ مَنْ فَدَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ . رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ : مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ حِرْصِي عَلَى قَتْلِ أَخِي عُتْبَةَ ؛ لِمَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَقَدْ كَفَانِي مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِهِ . ( أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، أَيْ جَارِيَةَ ( زَمْعَةَ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ ، وَصَوَّبَهُ الْوَقَشِيُّ . وَزَمْعَةُ بْنُ قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ وَالِدُ سَوْدَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تُسَمَّ الْوَلِيدَةُ ، نَعَمْ ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَابْنُ أَخِيهِ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي نَسَبِ قُرَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً يَمَانِيَّةً وَأَمَّا ابْنُهَا فَصَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفِ النَّسَّابُونَ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَخَلَطَ ابْنُ مَنْدَهْ وَتَبِعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي نَسَبِهِ فَجَعَلَاهُ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَوَهِمَ ابْنُ قَانِعٍ فَجَعَلَهُ الْمُخَاصِمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَكَأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ الْمُخَاصَمُ فِيهِ لَا الْمُخَاصِمُ فَإِنَّهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ بِلَا نِزَاعٍ ( مِنِّي ) أَيِ ابْنِي ( فَاقْبِضْهُ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( إِلَيْكَ ) وَأَصْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِمَاءٌ يَزْنِينَ وَكَانَتْ سَادَاتُهُنَّ تَأْتِيهِنَّ فِي خِلَالِ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَتَتْ إِحْدَاهُنَّ بِوَلَدٍ فَرُبَّمَا يَدَّعِيهِ السَّيِّدُ وَرُبَّمَا يَدَّعِيهِ الزَّانِي ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَكُنِ ادَّعَاهُ وَلَا أَنْكَرَهُ فَادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ لَحِقَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ مُسْتَلْحِقَهُ فِي مِيرَاثِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ، وَكَانَ لِزَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَمَةٌ عَلَى مَا وُصِفَ وَعَلَيْهَا ضَرِيبَةٌ وَهُوَ يُلِمُّ بِهَا فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ عُتْبَةَ أَخِي سَعْدٍ ، فَعَهِدَ عُتْبَةُ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْحَمْلَ الَّذِي بِأَمَةِ زَمْعَةَ . ( قَالَتْ ) عَائِشَةُ ( فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ ) لِمَكَّةَ ، بِرَفْعِ عَامٍ ، اسْمُ كَانَ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِنَصْبِهِ بِتَقْدِيرِ فِي ( أَخَذَهُ سَعْدٌ وَقَالَ ) هُوَ ( ابْنُ أَخِي ) عُتْبَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ رَأَى سَعْدٌ الْغُلَامَ فَعَرَفَهُ بِالشَّبَهِ فَاحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : ابْنُ أَخِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ( قَدْ كَانَ عَهِدَ ) أَوْصَى ( إِلَيَّ فِيهِ ) فَاحْتَجَّ بِاسْتِلْحَاقِ عُتْبَةَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ( فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ ) بِلَا إِضَافَةٍ ( ابْنُ زَمْعَةَ ) بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، رَوَى ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ : تَزَوَّجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ، فَجَاءَ أَخُوهَا عَبْدُ ابْنُ زَمْعَةَ مِنَ الْحِجْرِ فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ : إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِي أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْدَةَ أُخْتِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( فَقَالَ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ) أَيْ جَارِيَتِهِ ( وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ) مِنْ أَمَتِهِ الْمَذْكُورَةِ ، كَأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ حُكْمَ الْفِرَاشِ فَاحْتَجَّ بِهِ ، وَقَدْ كَانَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ إِلْحَاقَ النَّسَبِ بِالزِّنَى وَكَانُوا يَسْتَأْجِرُونَ الْإِمَاءَ لِلزِّنَى ، فَمَنِ اعْتَرَفَتِ الْأُمُّ أَنَّهُ لَهُ لُحِقَ ، وَلَمْ يَقَعْ إِلْحَاقُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْأَمَةَ لَمْ تَعْتَرِفْ لِعُتْبَةَ ، وَقِيلَ : كَانَتْ مَوَالِي الْوَلَائِدِ يُخْرِجُوهُنَّ لِلزِّنَى وَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِنَّ الضَّرَائِبَ ، وَكَانَتْ وَلِيدَةُ زَمْعَةَ كَذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً مُسْتَفْرَشَةً لِزِمْعَةَ فَزَنَى بِهَا عُتْبَةُ ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَهُ وَإِنْ نَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ وَإِنِ ادَّعَاهُ غَيْرُهُ رُدَّ ذَلِكَ إِلَى السَّيِّدِ أَوِ الْقَافَةِ ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ظُنَّ أَنَّهُ مِنْ عُتْبَةَ فَاخْتَصَمَ فِيهَا ( فَتَسَاوَقَا ) أَيْ تَدَافَعَا بَعْدَ تَخَاصُمِهِمَا وَتَنَازُعِهِمَا فِي الْوَلَدِ ، أَيْ سَاقَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) هَذَا ( ابْنُ أَخِي ) عُتْبَةَ ( قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( فِيهِ ) وَلِلْقَعْنَبِيِّ : عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ( وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ) وَلِلْقَعْنَبِيِّ : فَنَظَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ : هُوَ أَخُوكَ ( يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْأَصْلِ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا وَنَصْبِ نُونِ ابْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَسَقَطَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَدَاةُ النِّدَاءِ فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ : إِنَّمَا مَلَّكَهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَةِ أَبِيهِ لَا أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ فَالرِّوَايَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالْيَاءِ ، وَعَلَى تَسْلِيمِ إِسْقَاطِهَا فَعَبْدٌ هَنَا عَلَمٌ وَالْعَلَمُ يُحْذَفُ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ ، وَمِنْهُ : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ( سورة يُوسُفَ : الْآيَةُ 29 ) اهـ . وَرِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ صَرِيحَةٌ فِي رَدِّ هَذَا الزَّعْمِ ، وَلِذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ لَكَ ، أَيْ هُوَ أَخُوكَ كَمَا ادَّعَيْتَ . قَضَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ لِأَنَّ زَمْعَةَ كَانَ صِهْرَهُ فَفِرَاشُهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى عَبْدٍ عَلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ إِقْرَارُهُ بِهِ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا لِاسْتِلْحَاقِ عَبْدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لَا يَصْلُحُ اسْتِلْحَاقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَفِي الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ خِلَافٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَعْنَى هُوَ لَكَ ، أَيْ بِيَدِكَ تَمْنَعُ مِنْهُ مِنْ سِوَاكَ كَمَا قَالَ فِي اللُّقَطَةِ : هِيَ لَكَ ، أَيْ بِيَدِكَ تَدْفَعُ غَيْرَكَ عَنْهَا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا لَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ ابْنًا لِزَمْعَةَ ثُمَّ يَأْمُرَ أُخْتَهُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، وَلَمَّا كَانَ لِعَبْدٍ شَرِيكٌ فِيمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ أُخْتُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْهَا تَصْدِيقَهُ أَلْزَمَ عَبْدًا مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ أُخْتِهِ ؛ إِذْ لَمْ تُصَدِّقْهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ أَخًا لَهَا وَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ . اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ ، وَنَصُّ زِيَادَةِ الْقَعْنَبِيِّ : هُوَ أَخُوكَ ، وَقِيَاسُهَا عَلَى اللُّقَطَةِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ هَذَا ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يَجُوزُ إِلَخْ ، مَمْنُوعٌ وَسَنَدُهُ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : لَمْ يُصَدِّقْهُ ، فَإِنَّهُ أَقَرَّ قَوْلَهُ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وَقَالَ : هُوَ لَكَ هُوَ أَخُوكَ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَيْ هُوَ لَكَ عَبْدٌ ابْنُ أَمَةِ أَبِيكَ ، فَكُلُّ أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَوَلَدُهَا عَبْدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ اعْتِرَافُ سَيِّدِهَا بِأَنَّهُ كَانَ يُلِمُّ بِهَا وَلَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَالْأُصُولُ تَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ ، لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُ : أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي . اهـ . وَأَيْضًا فَيَرُدُّهُ زِيَادَةُ الْقَعْنَبِيِّ فَإِنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ فَتُقْبَلُ ، وَقَدْ خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَا يَصِحُّ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْأُخُوَّةِ إِرَادَةُ مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقَوْلُهُ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى عَبْدٍ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَأُخُوَّتِهِ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا تَدَّعِيهِ فِيمَا يَخُصُّكَ ، وَعَبْدٌ انْفَرَدَ بِمِيرَاثِ زَمْعَةَ لِأَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ وَسَوْدَةُ أُخْتُهُ مَسْلِمَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لِعَبْدٍ بَيْعُهُ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ بُنُوَّتُهُ لِزَمْعَةَ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : يُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى صَاحِبُ فِرَاشٍ وَصَاحِبُ زِنًى ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ عَلَى عُتْبَةَ قَوْلَ أَخِيهِ سَعْدٍ وَلَا عَلَى زَمْعَةَ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا هَذَا الْوَلَدَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ حَكَى اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَالْمَلَائِكَةِ : إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ ( سورة ص : الْآيَةُ 22 ) الْآيَةَ ، وَلَمْ يَكُونُوا خَصْمَيْنِ وَلَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلَكِنَّهُمْ كَلَّمُوهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ لِيَعْرِفَ بِهَا مَا أَرَادُوا تَعْرِيفَهُ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ فِيمَا دَنَا فِيهِ التَّنَازُعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَابْنُ الْعَرَبِيِّ : بِأَنَّهُ كَيْفَ يُقَالُ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ وَقَدْ مَكَّنَ عَبْدًا مِنْ أُخُوّة الْغُلَامِ ؟ ( ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ) ( الْ ) لِلْعَهْدِ ، أَيِ الْوَلَدُ لِلْحَالَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِافْتِرَاشُ ، أَيْ تَأَتِّي الْوَطْءِ ، فَالْحُرَّةُ فِرَاشٌ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ وَالْحَمْلِ فَلَا يَنْتَفِي عَنْ زَوْجِهَا سَوَاءٌ أَشْبَهَهُ أَمْ لَا ، وَتَجْرِي بَيْنَهُمَا الْأَحْكَامُ مِنْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا بِلِعَانٍ ، وَالْأَمَةُ إِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنْ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ . وَقَدَّرُوا مُضَافًا ، أَيْ صَاحِبُ الْفِرَاشِ وَهُوَ الزَّوْجُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ : بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلِقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلَا أَيْ صَاحِبُ فِرَاشِهَا يَعْنِي زَوْجَهَا . قَالَ عِيَاضٌ : وَالْفِرَاشُ وَإِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْفِرَاشُ الْمَعْهُودُ كَمَا مَرَّ ، وَقَدْ قِيلَ أَيْ وَجَزَمَ بِهِ الْبَاجِيُّ أَنَّ إِطْلَاقَ الْفِرَاشِ عَلَى الزَّوْجِ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ . الْمَازِرِيُّ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَا تُرَادُ إِلَّا لِلْوَطْءِ جُعِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ ، وَالْأَمَةُ تُشْتَرَى لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَلَا تَكُونُ فِرَاشًا حَتَّى يَثْبُتَ الْوَطْءُ ، قَالَ : وَشَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَمَةِ فَقَالَ : لَا تَكُونُ فِرَاشًا إِلَّا بِوَلَدٍ اسْتَلْحَقَهُ فَمَا تَلِدُهُ بَعْدَهُ فَهُوَ لَهُ إِنْ لَمْ يَنْفِهِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأَمَةَ لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ فِرَاشًا بِالْمِلْكِ ، وَتَعَلَّقَ بِهَا أَحْكَامُ الْحُرَّةِ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا لَمْ تُرَدْ لِلْوَطْءِ جَعَلَ الشَّرْعُ الْعَقْدَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ ، وَتَنَازَعَ الْفَرِيقَانِ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ : هُوَ رَدٌّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزِمْعَةَ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ : هُوَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا . وَالْجَوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ زَمْعَةَ عُرِفَ وَطْؤُهُ لَهَا بِاعْتِرَافِهِ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ اضْطَرَّنَا إِلَيْهِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اتِّفَاقِنَا جَمِيعًا عَلَى مَنْعِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُهُ ، وَاخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ فَقُلْنَا : ثُبُوتُ الْوَطْءِ . وَقُلْتُمْ : اسْتِلْحَاقُ وَلَدٍ سَابِقٍ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ سَابِقٌ ، وَثُبُوتُ الْوَطْءِ لَا يُعْلَمُ عَدَمُهُ فَامْتَنَعَ تَأْوِيلُكُمْ وَأَمْكَنَ تَأْوِيلُنَا ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ . اهـ . ثُمَّ اللَّفْظُ عَامٌّ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَالْمُعْتَبَرُ عُمُومُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وَقِيلَ : يُقْصَرُ عَلَى السَّبَبِ لِوُرُودِهِ فِيهِ وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ ، وَصُورَةُ السَّبَبِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا الْعَامُّ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِوُرُودِهِ فِيهَا فَلَا تُخَصُّ مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ . قَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ : وَهَذَا يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إِذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أَوْ مَقَالِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقٍ لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَقَدَ يُنَازِعُ الْخَصْمُ فِي دُخُولِهِ وَضْعًا تَحْتَ اللَّفْظِ الْعَامِّ ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إِخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ الْقَائِلِينَ أَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ لَا يَلْحَقُ سَيِّدَهَا مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِلْحَاقِ الْإِقْرَارُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ . وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي أَمَةٍ فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ الْوَلَدِ ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ إِمَّا بِالثُّبُوتِ أَوْ بِالِاتِّفَاقِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا الْفِرَاشُ غَالِبًا ، وَقَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ كَانَ فِيهِ حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ ، وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ ، فَكَانَ فِيهِ بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا ، نَفْيِ النَّسَبِ عَنِ السَّبَبِ وَإِثْبَاتِهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ هُنَا وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ لِلْحُرَّةِ فَقَطْ ؟ فَالْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ لَهُ فِي الْأَمَةِ ، فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ . نَعَمْ تَرْكِيبُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ قَوْلِهِ لِلْفِرَاشِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْبَحْثِ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا أَصْلٌ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ . اهـ . ( وَلِلْعَاهِرِ ) الزَّانِي ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ عَهِرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ : إِذَا أَتَاهَا لِلْفُجُورِ ، وَعَهِرَتْ هِيَ وَتَعَهَّرَتْ : إِذَا زَنَتْ ، وَالْعُهْرُ : الزِّنَى ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : اللَّهُمَّ أَبْدِلِ الْعُهْرَ بِالْعِفَّةِ . قَالَهُ عِيَاضٌ ( الْحَجَرُ ) أَيْ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي حِرْمَانِ الشَّخْصِ : لَهُ الْحَجَرُ وَبِفِيهِ التُّرَابُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَيُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَةُ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، أَيْ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ ، وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زَانٍ يُرْجَمُ بَلِ الْمُحْصَنُ ، وَأَيْضًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْيِهِ عَنْهُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ الرَّجْمَ وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُمُ زَانِيَ الْمُشْرِكِينَ ، لَكِنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَمَّا قَصَدَ عَيْبَ الزِّنَى أَخْبَرَ بِأَشَدِّ أَحْكَامِهِ . لَطِيفَةٌ : كَانَ أَبُو الْعَيْنَا الشَّاعِرُ الْأَعْمَى كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَشَدِيدَ الِانْتِزَاعِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ ، فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَتَى بَعْضُ مَنْ يُرِيدُ دُعَابَتَهُ فَهَنَّأَهُ بِالْوَلَدِ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَجَرًا وَذَهَبَ ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَبُو الْعَيْنَا وَجَدَ الْحَجَرَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ : مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ فَقِيلَ : فُلَانٌ ، فَقَالَ : عَرَّضَ بِي وَاللَّهِ ابْنُ الْفَاعِلَةِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . وَلَهُ سَبَبٌ غَيْرُ قِصَّةِ ابْنِ زَمْعَةَ ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ فُلَانًا ابْنِي ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ ، قِيلَ : وَمَا الْأَثْلَبُ ؟ قَالَ : الْحَجَرُ . وَسَقَطَ قَوْلُهُ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . هَذَا الْحَدِيثُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَدْ أَتْقَنَهُ وَجَوَّدَهُ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( ثُمَّ قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( احْتَجِبِي مِنْهُ ) أَيْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( لِمَا ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ، أَيْ لِأَجْلِ مَا ( رَأَى ) وَلِلتُّنِيسِيِّ : رَآهُ ( مِنْ شَبَهِهِ ) الْبَيِّنِ ( بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَتْ ) عَائِشَةُ ( فَمَا رَآهَا ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ) أَيْ مَاتَ . قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : قِيلَ هُوَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَغْلِيظِ أَمْرِ الْحِجَابِ عَلَيْهِنَّ وَزِيَادَتِهِنَّ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِنَّ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَهُوَ كَقَوْلِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : احْتَجِبَا مِنْهُ ، فَقَالَتَا : إِنَّهُ أَعْمَى ، فَقَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ ؟ . وَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ تَضَعِينَ ثِيَابَكَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرَاكِ . فَأَبَاحَ لَهَا مَا مَنَعَهُ لِأَزْوَاجِهِ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَخُوهَا مَا أَمَرَهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ . وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي عَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ أَخُوهَا لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَإِقْرَارِ مَنْ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ ، وَزَادَهُ بُعْدًا فِي الْقُلُوبِ شَبَهُهُ بِعُتْبَةَ ، أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ . قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : وَجَوَابُ الْمُزَنِيِّ هَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ مِنْ قَوْلِ سَائِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَخُوهَا لِأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِفِرَاشِ زَمْعَةَ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ ، وَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ بِأَمْرِهَا بِالِاحْتِجَابِ حُكْمًا آخَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : جَعَلَ لِلزِّنَى حُكْمَ التَّحْرِيمِ فَمَنَعَهَا مِنْ رُؤْيَةِ أَخِيهَا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِيهَا فِي غَيْرِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى فِي الْبَاطِنِ . وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُمْ نَسَبُوا لَهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَخَاهَا مَنْ وَجْهٍ وَغَيْرَ أَخِيهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِشَبَهِ عُتْبَةَ فِي الْبَاطِنِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُلَاعِنَةِ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى شَبَهِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَهُوَ لَهُ ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَأَمْضَى حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ . وَفِي التَّمْهِيدِ : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَطْعِ الذَّرِيعَةِ بَعْدَ حُكْمِهِ بِالظَّاهِرِ فَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمَيْنِ : حُكْمٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَحُكْمٍ بَاطِنٍ وَهُوَ : الِاحْتِجَابُ لِأَجْلِ الشَّبَهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ إِلَّا فِي حُكْمِ اللَّهِ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ لِشَبَهِهِ بِعُتْبَةَ . وَقَالَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَضَارَعَ فِيهِ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ . اهـ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَيْسَ هَذَا مِنْ مَعْنَى الذَّرَائِعِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لَوْ صَحَّ مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ وَجْهٌ قَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْأَمَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ تَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ ، وَأَعَلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ أَيْ شَبَهًا ، فَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ لِعَبْدٍ : هُوَ أَخُوكَ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : أَوْ مَعْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِيرَاثِ مِنْ زَمْعَةَ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَخَلَّفَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَالْوَلَدَ الْمَذْكُورَ وَسَوْدَةَ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي إِرْثِهِ ، بَلْ حَازَهُ عَبْدٌ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ ، فَإِذَا اسْتَلْحَقَ الِابْنَ الْمَذْكُورَ شَارَكَهُ فِي الْإِرْثِ دُونَ سَوْدَةَ ، فَلِذَا قَالَ لِعَبْدٍ : هُوَ أَخُوكَ ، وَقَالَ لِسَوْدَةَ : لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ . اهـ . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافَقُوهُ بِالْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ اسْتِلْحَاقِ الْأَخِ لِأَخِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ زَمْعَةَ لَمْ يَسْتَلْحِقْ وَلَا اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ فَلَيْسَ إِلَّا اسْتِلْحَاقُ أَخِيهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ حُقُوقٍ عَلَى الْأَبِ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ ، قَالَ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سورة فَاطِرٍ : الْآيَةُ 18 ) وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي رَمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ . قَالَ عِيَاضٌ : وَالْجَوَابُ أَنَّهُ بَقِيَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَطْءُ زَمَعَةَ بِاسْتِفَاضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اعْتِرَافٍ ، وَإِنَّمَا يَصْعُبُ هَذَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ : لَا يَثْبُتُ الْفِرَاشُ إِلَّا بِوَلَدٍ سَابِقٍ وَلَا وَلَدٌ سَابِقٌ هُنَا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ وَارِثٌ غَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ فَحَتَّى يُوَافِقَهُ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ وَعَبْدٌ ثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُ وَهِيَ سَوْدَةُ وَلَمْ تُسْتَلْحَقْ مَعَهُ فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُ بِالْحَدِيثِ . وَأَجَابَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا وَسَوْدَةُ مَسْلِمَةٌ لَا تَرِثُ مِنْهُ ، فَصَارَتْ كَالْعَدَمِ وَعَبْدٌ كَأَنَّهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ ، وَرَدَّهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا وَإِنْ مُنِعَتِ الْمِيرَاثَ فَهِيَ ابْنَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا إِذْ لَا يُلْحِقُ أَخُوهَا عَلَيْهَا مَنْ لَمْ تَرْضَهُ . قَالَ : وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ أَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَجَعَلُوا الْأَمْرَ بِالِاحْتِجَابِ وَاجِبًا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا إِلَّا مَا جَرَى مِنْ قَوْلِهِمْ : لَا يَحِلُّ لِلزَّانِي نِكَاحُ مَنْ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ ، وَأَحَلَّهَا ابْنُ الْمَاجِشُونَ طَرْدًا لِلْأَصْلِ وَإِبْطَالًا لِحُكْمِ الْحَرَامِ . اهـ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ احْتِجَابِهَا لَا يَلِيقُ بِمَرَاتِبِهِمْ لَا سِيَّمَا الْمُزَنِيُّ فِي جَعْلِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ، وَقَدْ مَكَّنَ عَبْدًا مِنْ أُخُوَّةِ الْغُلَامِ وَحَجَبَ سَوْدَةَ عَنِ الْخُلْطَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأُخُوَّةِ وَلَمْ يُرَاعِ شَبَهًا وَلَوْ رَاعَاهُ لَرَاعَاهُ فِي الْإِلْحَاقِ . وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ الْفَرْعَ إِذَا أَشْبَهَ أَصْلَيْنِ وَدَارَ بَيْنَهُمَا يُعْطَى حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ ؛ إِذْ لَوْ أُعْطِيَ حُكْمَ أَحَدِهِمَا لَزِمَ إِلْغَاءُ شَبَهِهِ بِالْآخَرِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَشْبَهُهُ ، وَبَيَانُهُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أُعْطِيَ حُكْمَ الْفِرَاشِ فَأُلْحِقَ النَّسَبُ وَلَمْ يُمَحِّضْهُ فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِلشَّبَهِ ، وَلَمْ يُمَحِّضْهُ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ فِي الْقَاعِدَةِ إِنَّمَا هِيَ إِذَا دَارَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ يَقْتَضِي الشَّرْعُ إِلْحَاقَهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالشَّبَهُ هُنَا لَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ إِلْحَاقَهُ بِعُتْبَةَ فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ احْتِيَاطًا وَإِرْشَادًا إِلَى مَصْلَحَةٍ وُجُودِيَّةٍ لَا عَلَى الْوُجُوبِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ . اهـ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَىَ بْنِ قَزْعَةَ ، وَفِي الْوَصَايَا وَفَتْحِ مَكَّةَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ .
37 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْعُمْرَى 1435 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . 37 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْعُمْرَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، يُقَالُ : أَعْمَرْتُهُ دَارًا أَوْ أَرْضًا أَوْ إِبِلًا - إِذَا أَعْطَيْتَهُ إِيَّاهَا وَقُلْتُ لَهُ هِيَ لَكَ عُمْرَى أَوْ عُمْرَكَ ، فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ . قَالَ لَبِيدٌ : وَمَا الْمَالُ إِلَّا مُعْمَرَاتٌ وَدَائِعُ وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُ وَاصْطِلَاحًا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : هِيَ هِبَةُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ عُمْرَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ لَا هِبَةَ الرَّقَبَةِ . ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْعُمْرَى ، أَيْ كَقَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوِ الِاعْتِمَارِ أَوِ السُّكْنَى أَوِ الِاغْتِلَالِ أَوِ الْإِرْفَاقِ أَوِ الْإِنْحَالِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَطَايَا . 1479 1435 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا ) مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَيِّ اسْمٌ يَنُوبُ مَنَابَ حَرْفِ الشَّرْطِ ، وَمِنْ مَا الزَّائِدَةِ لِلتَّعْمِيمِ ، ( رَجُلٍ ) بِجَرِّهِ بِإِضَافَةِ أَيِّ إِلَيْهِ وَرَفْعِهِ بَدَلٌ مِنْ أَيِّ وَمَا زَائِدَةٌ وَذِكْرُهُ غَالِبِيٌّ ، وَالْمُرَادُ إِنْسَانٌ ( أُعْمِرَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، ( عُمْرَى ) كَأَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ مَثَلًا ( لَهُ وَلِعَقِبِهِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا - أَوْلَادُ الْإِنْسَانِ مَا تَنَاسَلُوا ( فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : أُعْطِيَهَا ( لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا ) هَذَا آخَرُ الْمَرْفُوعِ ، وَقَوْلُهُ : ( لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ ) مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ ، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ بَتْلَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ وَلَا مَثْنَوِيَّةٌ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ فوقعت الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَوَّدَهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَبَيَّنَ فِيهِ مَوْضِعَ الرَّفْعِ وَجَعَلَ سَائِرَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ خِلَافَ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَاهُ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا ، وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَلِعَقِبِهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ . فَأَمَّا إِذَا قَالَ : هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا ، قَالَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعَمِّرُونَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ ، وَفِيهِ صِحَّةُ الْعُمْرَى ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ وَطَائِفَةٍ ، لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ شَيْخُ الظَّاهِرِيَّةِ ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ : إِنَّهَا تَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : تَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ ، فَفِي رُجُوعِهَا إِلَيْهِ مُعْقِبَةً أَمْ لَا قَوْلُ مَالِكٍ أَوَّلًا مُطْلَقًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : وَرُجُوعُهَا إِنْ لَمْ تُعْقَبْ لَا إِنْ عُقِبَتْ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، قِيلَ : وَهُوَ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَعْطَى الْمَنَافِعَ لِرَجُلٍ وَلِعَقِبِهِ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ عَقِبِهِ بِمَوْتِهِ بَلْ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِنْ أَحْسَنِ مَا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّ مِلْكَ الْمُعْطِي الْمُعَمِّرَ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْعُمْرَى ، فَلَمَّا أَحْدَثَهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ زَالَ لَفْظُهُ ذَلِكَ مِلْكَهُ عَنْ رَقَبَةِ مَا أَعْمَرَهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْ رَقَبَةِ مَالِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ - فَالْوَاجِبُ بِحَقِّ النَّظَرِ أَنْ لَا يَزُولَ مِلْكُهُ إِلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَثْبُتُ بِهِ يَقِينٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَنْوِ بِلَفْظِهِ ذَلِكَ إِخْرَاجَ شَيْئِهِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَقَدِ اشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطًا فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ لِحَدِيثِ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . اهـ . وَحَاصِلُ مَا اجْتَمَعَ مِنْ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ مُسَابَقَةُ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ - فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ لَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعَمَّرِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا تَرْجِعُ أَبَدًا . ثَانِيهَا : أَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ ، فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ - فَهَذِهِ عَارِيَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الْمُعْطِي ، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ مُلْغًى - وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ . ثَالِثُهَا : أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَهَا - وَيُطْلِقُ ، فَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ حُكْمَهَا كَالْأُولَى ثُمَّ فِي رُجُوعِهَا لِلْمُعَمِّرِ الْخِلَافُ ؛ فَمَالِكٌ تَرْجِعُ وَغَيْرُهُ لَا تَرْجِعُ . وَأَمَّا الرُّقْبَى فَمَنَعَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ وَأَجَازَهَا الْأَكْثَرُ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءٍ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ، قُلْتُ : وَمَا الرُّقْبَى ؟ قَالَ : يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ هِيَ لَكَ حَيَاتَكَ ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَهُوَ جَائِزٌ . وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى ، وَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَمَاتَهُ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ فِي سَمَاعِ حَبِيبٍ لَهُ مِنَ ابْنِ عُمَرَ خِلَافٌ ، فَأَثْبَتَهُ النَّسَائِيُّ فِي طَرِيقٍ وَنَفَاهُ فِي أُخْرَى ، وَجَمَعَ بَيْنَ هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِأَنَّ النَّهْيَ إِرْشَادِيٌّ لِإِمْسَاكِ الْمَالِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ السَّابِقِ ، فَالرُّقْبَى بِهَذَا التَّفْسِيرِ هِيَ بِمَعْنَى الْعُمْرَى ، وَهَذِهِ لَمْ يَمْنَعْهَا مَالِكٌ بَلْ تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا ، وَإِنَّمَا مَنَعَ الرُّقْبَى بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لِشَخْصَيْنِ دَارَانِ لِكُلٍّ دَارٌ فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : إِنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهُمَا لَكَ - مِنَ الْمُرَاقَبَةِ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْوَصَايَا تِلْوَ الْفَرَائِضِ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا بِنَحْوِهِ .
1437 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا ، قَالَ : وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ . 1481 1437 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( دَارَهَا ) بالنصب ، ( قَالَ : وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ) دَارَهَا الْمَذْكُورَةَ ( مَا عَاشَتْ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْكَانَ بِمَعْنَى الْعُمْرَى ، وَهِيَ تَرْجِعُ لِوَارِثِ الْمُعَمِّرِ أَوِ الْمُسَكِّنِ ، لَكِنْ فِي التَّمْهِيدِ هَذَا مَعَ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ أَعْرَابِيٌّ أَعْطَى ابْنَهُ نَاقَةً لَهُ حَيَاتَهُ فَأَنْتَجَهَا فَكَانَتْ لَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ ، قَالَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعُمْرَى خِلَافُ السُّكْنَى ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ .
1436 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا الدِّمَشْقِيَّ يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أُعْطُوا . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا إِذَا لَمْ يَقُلْ : هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ . 1480 1436 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ شَيْخِ الْإِمَامِ ، رَوَى عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ ( أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا ) أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الثِّقَةَ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ ( الدِّمَشْقِيَّ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ بِكَسْرِهِمَا ، نِسْبَةً إِلَى دِمَشْقَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفَةِ بِالشَّامِ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، ( يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَى وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) مُجِيبًا لَهُ : ( مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ ) وَالْقَاسِمُ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ - قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( إِلَّا وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَفِيمَا أُعْطُوا ) ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ مَا أَرَادُوهُ مِنْ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ لَا الذَّاتِ خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَهُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ : لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، مَعَ رِوَايَتِهِمْ لِلْحَدِيثِ فَهُمْ أَدْرَى بمعناه ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِالتَّعْلِيلِ الظَّاهِرِ فِي مِلْكِ الذَّاتِ لِأَنَّهُ مُدْرَجٌ لَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
36 - بَاب الْاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِابْنُ أَوْ كَانَ فِي حَجْرِ أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَةِ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ نُحْلًا أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ ؛ إِنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ ، وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، فَيُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ الْأَبُ ، أَوْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النُّحْلَ ، إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ فِي صِدَاقِهَا لِغِنَاهَا وَمَالِهَا وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا ، ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ : أَنَا أَعْتَصِرُ ذَلِكَ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ابْنِهِ وَلَا مِنْ ابْنَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ . 36 - بَابُ الِاعْتِصَارِ فِي الصَّدَقَةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِابْنُ ) الْكَبِيرُ الرَّشِيدُ ( أَوْ كَانَ فِي حِجْرِ أَبِيهِ ) لِصِغَرٍ أَوْ غَيْرِهِ ( فَأَشْهَدَ ) الْأَبُ ( لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ) أَنْ يَرْتَجِعَ ( شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ ) وَلَوْ عَلَى وَلَدِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ ، وَقَوْلِهِ : لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ، رَوَاهُمَا الْإِمَامُ فِي الزَّكَاةِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ نَحَلَ وَلَدَهُ نُحْلًا ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ( أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ ) أَيْ يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدَ . ( مَا لَمْ يَسْتَحْدِثْ ) أَيْ يُحْدِثِ ( الْوَلَدُ دَيْنًا يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ ) لِأَنَّهُ وَرَّطَهُ بِالْهِبَةِ حَتَّى أَدَانَ ( أَوْ يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ ) الذَّكَرَ ( أَوِ ابْنَتَهُ ) الْأُنْثَى ( فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ ، وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ ، أَيْ لِغِنَاهُ ( بِالْمَالِ ، فَيُرِيدُ الْأَبُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذَلِكَ ، أَوْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النُّحْلَ إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ ) يَزِيدُ ( فِي صَدَاقِهَا لِغِنَاهَا وَمَالِهَا وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا ، ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ : أَنَا أَعْتَصِرُ ذَلِكَ - فليس لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنِ ابْنِهِ وَلَا مِنِ ابْنَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ ) مِنْ أَنَّهُ هِبَةٌ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ ، فَلَهُ الِاعْتِصَارُ مَا لَمْ يُدَايَنْ أَوْ يَنْكِحْ لِأَجْلِهَا ، أَمَّا الصَّدَقَةُ فَلَا رُجُوعَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُدَايَنْ وَلَا نَكَحَ لِأَنَّهَا إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى .
35 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْهِبَةِ 1434 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا . 35 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْهِبَةِ 1477 1434 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٍ ( عَنْ أَبِي غَطَفَانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ، يُقَالُ : اسْمُهُ سَعْدُ ( ابْنُ طَرِيفٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ( الْمُرِّيِّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ بِلَا نُقَطٍ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا ) ؛ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُعْمَلُ بِرُجُوعِهِ ، ( وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ ) أَيِ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا مِمَّنْ وَهَبَهَا لَهُ ( فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا ) مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَمَحِلُّ رُجُوعِهِ مَا لَمْ تَفُتْ كَمَا قَالَ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَإِنَّ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا ) أي الواهب ( قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا ) لِفَوَاتِهَا .
34 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْعَطِيَّةِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى أَحَدًا عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيَهَا ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا . قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إِمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بِهَا صَاحِبُهَا أَخَذَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أَعْطَاهَا فَجَاءَ الَّذِي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَرْضًا كَانَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ حَيَوَانًا أُحْلِفَ الَّذِي أُعْطِيَ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ ، فَإِنْ أَبَى الَّذِي أُعْطِيَ أَنْ يَحْلِفَ حُلِّفَ الْمُعْطِي ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضًا أَدَّى إِلَى الْمُعْطَى مَا ادَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعْطَى عَطِيَّتَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَ عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي أَنْ يُمْسِكَهَا وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا قَامَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا . 34 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَطِيَّةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى أَحَدًا عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ) مِمَّنْ أَعْطَاهَا لَهُ ، بَلْ أَرَادَ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى ( فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيَهَا ) لِلُزُومِهَا بِالْقَوْلِ ، لَكِنْ إِنَّمَا تَتِمُّ بِالْحِيَازَةِ كَمَا قَالَ ( إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي ) بِكَسْرِ الطَّاءِ ( قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا ) فَتَبْطُلُ كَالْهِبَةِ ، ( قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إِمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بِهَا صَاحِبُهَا أَخَذَهَا ) جَبْرًا عَلَيْهِ ، ( وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أَعْطَى ) ؛ قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ أَنْكَرَ ذَلِكَ ( فَجَاءَ الَّذِي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَرَضًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ حَيَوَانًا - أُحْلِفَ الَّذِي أُعْطِيَ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ ، فَإِنْ أَبَى الَّذِي أُعْطِيَ أَنْ يَحْلِفَ حُلِّفَ الْمُعْطِي ) بِالْكَسْرِ ، وَبُرِّئَ ( وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضًا أَدَّى إِلَى الْمُعْطَى ) بِفَتْحِ الطَّاءِ ( مَا ادَّعَى عَلَيْهِ ) لِأَنَّ نُكُولَهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ ثَانٍ ( إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ ) لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ دَعْوَى . ( وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا ) مِمَّنْ أَعْطَاهَا لَهُ ( ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى ) بِفَتْحِ الطَّاءِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ( فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ ) فَلَهُمْ طَلَبُهَا مِنَ الْمُعْطِي لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِمُورِثِهِمْ ، ( وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي ) بِالْكَسْرِ ( قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُعْطَى ) بِالْفَتْحِ ( عَطِية فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ( عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ ) قَبْلَ مَوْتِ مَنْ أَعْطَاهُ ، فَبَطَلَتْ لِعَدَمِ الْحَوْزِ ، ( فَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي أَنْ يُمْسِكَهَا وَ ) الْحَالُ أَنَّهُ ( قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، إِذَا قَامَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا ) جَبْرًا عَلَيْهِ ، وَسَمَّاهُ صَاحِبُهَا لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْحَوْزُ .
22 - بَاب الْقَضَاءِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمُسْتَلْحَقِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ بَنُونَ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : قَدْ أَقَرَّ أَبِي أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ ، إِنَّ ذَلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الَّذِي أَقَرَّ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ ، يُعْطَى الَّذِي شَهِدَ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلِكَ الرَّجُلُ وَيَتْرُكَ ابْنَيْنِ لَهُ وَيَتْرُكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ ، فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي شَهِدَ لِلَّذِي اسْتُلْحِقَ مِائَةُ دِينَارٍ ، وَذَلِكَ نِصْفُ مِيرَاثِ الْمُسْتَلْحَقِ لَوْ لَحِقَ وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ أَخَذَ الْمِائَةَ الْأُخْرَى فَاسْتَكْمَلَ حَقَّهُ ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى زَوْجِهَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إِلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ إِنْ كَانَتْ امْرَأَةً وَرِثَتْ الثُّمُنَ دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ ثُمُنَ دَيْنِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةً وَرِثَتْ النِّصْفَ دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ عَلَى حِسَابِ هَذَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا أُحْلِفَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَأُعْطِيَ الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، وَجَازَ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ . 22 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمُسْتَلْحَقِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، يَمُوتُ ( وَلَهُ بَنُونَ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : قَدْ أَقَرَّ ) اعْتَرَفَ ( أَبِي أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ ، إِنَّ ذَلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ ) بَلْ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ . ( وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الَّذِي أَقَرَّ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ يُعْطَى الَّذِي شَهِدَ ) أَيْ أَقَرَّ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ ( قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ . وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ بِالْمِثَالِ ( أَنْ يَهْلِكَ الرَّجُلُ وَيَتْرُكَ ابْنَيْنِ لَهُ وَيَتْرُكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ ، فَيَأْخُذُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ يَشْهَدُ ) يُقِرُّ ( أَحَدُهُمَا بِأَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا ابْنُهُ ، فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي شَهِدَ ) أَيْ أَقَرَّ ( لِلَّذِي اسْتُلْحِقَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِلْمَفْعُولِ ، أَيِ الْمُقَرِّ بِهِ ( مِائَةُ دِينَارٍ وَذَلِكَ نِصْفُ مِيرَاثِ الْمُسْتَلْحَقِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ( لَوْ لَحِقَ ) وَفِي إِطْلَاقِ الِاسْتِلْحَاقِ عَلَيْهِ تَجَوُّزٌ عَنِ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مَخْصُوصٌ بِالْأَبِ . ( وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ أَخَذَ الْمِائَةَ الْأُخْرَى فَاسْتَكْمَلَ حَقَّهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ ) إِذَا كَانَ الْآخَرَانِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا ابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَالْكُوفِيُّونَ : يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فَلَا يَسْتَأْثِرُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ . وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ إِذَا كَانَ ثَمَّ مِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَدْفَعُهُ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَعْطَاهُ . ( وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى زَوْجِهَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إِلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ إِنْ كَانَتْ ) الْمُقِرَّةُ ( امْرَأَةً وَرِثَتِ الثُّمُنُ دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ ثُمُنَ دَيْنِهِ ، وَإِنْ كَانَتِ ابْنَةً وَرِثَتِ النِّصْفَ دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ ، عَلَى حِسَابِ هَذَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ مِنَ النِّسَاءِ ) وَعَلَى هَذَا أَصْحَابُهُ بِالْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ . وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ يَرَوْنَهُ وَهْمًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَلْ أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا قَالَ ، وَأَنْكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ ، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَحْمَدُ وَوَجْهُهُ أَنَّ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إِلَّا مِقْدَارُ حِصَّتِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ بِالدَّيْنِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ قَدْرُ إِرْثِهِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَوْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ لَزِمَهُمَا الدَّيْنُ كُلُّهُ فِي حِصَّتِهِمَا وَلَمْ يَلْزَمْ سَائِرَ الْوَرَثَةِ شَيْءٌ ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ شَهَادَةً جَرَّ بِهَا إِلَى نَفْسِهِ أَوْ دَفَعَ عَنْهَا ؟ ( فَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ ) مِنَ الْوَرَثَةِ وَهُوَ عَدْلٌ ( عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا ، أُحْلِفَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَأُعْطِيَ الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ وَأَنْكَرَ ) بَاقِي ( الْوَرَثَةُ وَجَازَ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ ) لَا عَلَيْهِمْ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ المقر غَيْرَ عَدْلٍ ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ مِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يدعى عَلَيْهِ عِلْمَ ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ : يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ أَدَاؤُهُ كُلَّهُ مِنْ حِصَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِرْثُ وَعَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ ، وَجَعَلُوا الْجَاحِدَ كَالْغَاصِبِ لِبَعْضِ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ .
1432 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ! فَمَنْ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ - أُرَاهَا جَارِيَةً . 1474 1432 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ ) خَالَتِهِ ( عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ ( كَانَ نَحَلَهَا ) بِفَتْحَتَيْنِ ( جَادَّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ ( عِشْرِينَ وَسْقًا ) مِنْ نَخْلَةٍ ، إِذَا جُدَّ أَيْ قُطِعَ - قَالَهُ عِيسَى ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلثَّمَرَةِ ، وَقَالَ ثَابِتٌ : يَعْنِي إن ذَلِكَ يُجَدُّ مِنْهَا . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هَذِهِ أَرْضٌ جَادٌّ مِائَةُ وَسْقٍ أَيْ يُجَدُّ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلنَّخْلِ الَّتِي وَهَبَهَا ثَمَرَتَهَا ، يُرِيدُ نَخْلًا يُجَدُّ مِنْهَا عِشْرُونَ . ( مِنْ مَالِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ - قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، ( بِالْغَابَةِ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَصَحَّفَ مَنْ قَالَهَا بِتَحْتِيَّةٍ ، مَوْضِعُ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ ، كَانَ بِهَا أَمْلَاكٌ لِأَهْلِهَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَرَابُ ، وَغَلِطَ الْقَائِلُ أنَّهَا شَجَرٌ لَا مَالِكَ لَهُ بَلْ لِاحْتِطَابِ النَّاسِ وَمَنَافِعِهِمْ . ( فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ) أَيْ أَسْبَابُهَا ( قَالَ : وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ ) بِتَصْغِيرِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ ( مَا مِنَ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( وَلَا أَعَزُّ ) أَشَقُّ وَأَصْعَبُ ( عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ ) ، وَفِيهِ أَنَّ الْغِنَى أَحَبُّ إِلَى الْفُضَلَاءِ مِنَ الْفَقْرِ ، ( وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْأُولَى وَإِسْكَانِ الثَّانِيَةِ - قَطَعْتِيهِ ( وَاحْتَزْتِيهِ ) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ وَالزَّايِ بَيْنَهُمَا فَوْقِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ ، أَيْ حُزْتِيهِ ( كَانَ لَكِ ) لِأَنَّ الْحِيَازَةَ وَالْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الْهِبَةِ ، فَإِنْ وَهَبَ الثَّمَرَةَ عَلَى الْكَيْلِ فَلَا تَكُونُ الْحِيَازَةُ إِلَّا بِالْكَيْلِ بَعْدَ الْجَدِّ ، وَلِذَا قَالَ : جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ - قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ : تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِلَا قَبْضٍ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ لَا يَصِحُّ . ( وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ ( وَأُخْتَاكِ ) ؛ يُرِيدُ مَنْ يَرِثُهُ بِالْبُنُوَّةِ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ مَعَهُمْ زَوْجَتَاهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَحَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ ، وَإِنْ رُوِيَ أَنَّهُ رُدَّ سُدُسُهُ عَلَى وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ . ( فَاقْتَسَمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا ) كِنَايَةً عَنْ شَيْءٍ كَثِيرٍ أَزْيَدَ مِمَّا وَهَبَهُ لَهَا ، ( لَتَرَكْتُهُ ) اتِّبَاعًا لِلشَّرْعِ وَطَلَبًا لِرِضَاكَ ، ( إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ ! فَمَنِ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ذُو ) أَيْ صَاحِبَةُ ( بَطْنِ ) بِمَعْنَى الْكَائِنَةِ فِي بَطْنِ حَبِيبَةَ ( بِنْتِ خَارِجَةَ ) بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ، صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ شَهِدَ بَدْرًا وَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَيُقَالُ أنه اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ، ( أُرَاهَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَظُنُّهَا ( جَارِيَةً ) أُنْثَى ، فَلِذَا قُلْتُ : أُخْتَاكِ ، فَكَانَ كَمَا ظَنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُمِّيَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ ، قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا وَذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ .
1433 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا ، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ : مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ : هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ ، مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَهَا حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلٌ . 1475 1433 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ ) بِدُونِ إِضَافَةٍ ( الْقَارِيِّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ، نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ بَطْنٍ مِنْ خُزَيْمَةَ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ - يُعْطُونَ ( أَبْنَاءَهُمْ نُحْلًا ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ، عَطِيَّةً بِلَا عِوَضٍ ( ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا ، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ : مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ ) أَيِ الْأَبُ ( قَالَ ) قُرْبَ مَوْتِهِ ( هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ ) لِيَحْرِمَ بَاقِيَ وَرَثَتِهِ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَوْزِ فِي حَيَاتِهِ ، ( مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَهَا حَتَّى تكون ) بِالتَّاءِ أَيِ النِّحْلَةُ ، وَبِالْيَاءِ الَّذِي نُحِلَ ( إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ) لِأَنَّ الْحِيَازَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمِلْكِ لِلْهِبَةِ .
33 - بَاب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النُّحْلِ 1431 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَارْتَجِعْهُ . 33 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ النُّحْلِ بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، مَصْدَرُ نَحَلَهُ إِذَا أَعْطَاهُ بِلَا عِوَضٍ ، وَبِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْحَاءِ جَمْعُ نِحْلَةٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 4 ) ؛ أَيْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ وَفَرِيضَةً عَلَيْكُمْ . 1473 1431 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ حُمَيْدِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ ، أَحَدِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ . ( وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ) الْأَنْصَارِيِّ أَبِي سَعِيدٍ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ( أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ ) أَيِ ابْنَ شِهَابٍ ( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ) الْخَزْرَجِيِّ ، سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ ثُمَّ قُتِلَ بِحِمْصٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً ، صَحَابِيٌّ وَأَبَوَاهُ صَحَابِيَّانِ ، هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ بَشِيرٍ ، فَشَذَّ بِذَلِكَ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النُّعْمَانِ ( أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَبَاهُ بَشِير ) بْنَ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْجُلَاسِ ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَخِفَّةِ اللَّامِ آخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، الْخَزْرَجِيَّ الْبَدْرِيَّ وَشَهِدَ غَيْرَهَا ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَقِيلَ : عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النُّعْمَانِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبُو الضُّحَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَأَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيِّ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ . ( أَتَى بِهِ ) ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ : انْطَلَقَ أَبِي يَحْمِلُنِي ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَلِابْنِ حِبَّانَ : فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ . وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِهِ فَمَشَى مَعَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ وَحَمَلَهُ فِي بَعْضِهَا لِضَعْفِ سِنِّهِ ، أَوْ عَبَّرَ عَنِ اسْتِتْبَاعِهِ إِيَّاهُ بِالْحَمْلِ ( فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ ، أَيْ أَعْطَيْتُ ( ابْنِي هَذَا ) النُّعْمَانَ ( غُلَامًا ) لَمْ يُسَمِّ ( كَانَ لِي ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ : أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً ، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ عَطِيَّةً . وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ : سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً - أَيْ مَطَلَهَا . وَلِابْنِ حِبَّانَ : حَوْلَيْنِ ، وَجُمِعَ بِأَنَّ الْمُدَّةَ أَزْيَدُ مِنْ سَنَةٍ ، فَجَبَرَ الْكَسْرَةَ تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى . قَالَ : بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي ، فَقَالَتْ لَهُ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ فَقَالَ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : ( أَكُلَّ وَلَدِكَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ وَالنَّصْبِ بِقَوْلِهِ : ( نَحَلْتَهُ ) أَعْطَيْتَهُ ( مِثْلَ هَذَا ؟ ) ، وَلِمُسْلِمٍ : أَكُّلُّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ ( قَالَ : لَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُوَطَّأِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَقَالَ مُسْلِمٌ لَمَّا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ : أَمَّا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ فَقَالَا أَكُلَّ بَنِيكَ ، وَأَمَّا اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَا أَكُلَّ وَلَدِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدٍ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ . وَأَمَّا لَفْظُ بَنِينَ فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانُوا إِنَاثًا وَذُكُورًا فَعَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَعْدٍ لِبَشِيرٍ وَلَدًا غَيْرَ النُّعْمَانِ ، وَذَكَرَ لَهُ بِنْتًا اسْمَهَا أُبَيَّةُ بِمُوَحَّدَةٍ تَصْغِيرُ أُبَيٍّ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَارْتَجِعْهُ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَجْزُومٍ أَمْرًا ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ - أَيِ الْغُلَامُ . وَهُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النُّعْمَانِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي السَّلْمِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ النُّعْمَانَ خَطَبَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ : إِنَّ وَالِدِي أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ رَوَاحَةَ نُفِسَتْ بِغُلَامٍ وَإِنِّي سَمَّيْتُهُ النُّعْمَانَ ، وَإِنَّهَا أَبَتْ أَنْ تُرَبِّيَهُ حَتَّى جَعَلْتُ لَهُ حَدِيقَةً مِنْ أَفْضَلِ مَا هُوَ لِي ، وَأَنَّهَا قَالَتْ : أَشْهِدْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ قَوْلُهُ : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ . وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بِالْحَمْلِ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ ؛ إِحْدَاهُمَا عِنْدَ وِلَادَةِ النُّعْمَانِ وَكَانَتِ الْعَطِيَّةُ حَدِيقَةً ، وَالْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ كَبِرَ النُّعْمَانُ وَكَانَتْ عَبْدًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا بَأْسَ بِجَمْعِهِ ، لَكِنْ يَبْعُدُ أَنْ يَنْسَى بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ مَعَ جَلَالَتِهِ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشْهِدُهُ عَلَى الْعَطِيَّةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْأُولَى لَهُ : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ . وَجَوَّزَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ بَشِيرًا ظَنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِامْتِنَاعِ فِي الْحَدِيقَةِ الِامْتِنَاعُ فِي الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْحَدِيقَةِ غَالِبًا أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ . قَالَ : وَظَهَرَ لِي وَجْهٌ فِي الْجَمْعِ سَلِيمٌ مِنْ هَذَا الْخَدْشِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابِهِ ، وَهُوَ أَنَّ عَمْرَةَ لَمَّا امْتَنَعَتْ مِنْ تَرْبِيَتِهِ إِلَّا أَنْ يَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَهَبَهُ الْحَدِيقَةَ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَارْتَجَعَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، فَعَاوَدَتْهُ عَمْرَةُ فِي ذَلِكَ فَمَطَلَهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، ثُمَّ طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ بَدَلَ الْحَدِيقَةِ غُلَامًا وَرَضِيَتْ عَمْرَةُ بِهِ ، لَكِنْ خَشِيَتْ أَنْ يَرْتَجِعَهُ أَيْضًا فَقَالَتْ : أَشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُرِيدُ تَثْبِيتَ الْعَطِيَّةِ وَأَمْنَ رُجُوعِهِ فِيهَا ، وَيَكُونُ مَجِيئُهُ لِإِشْهَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْأَخِيرَةُ ، وَغَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ ، أَوْ كَانَ النُّعْمَانُ يَقُصُّ تَارَةً بَعْضَ الْقِصَّةِ وَيَقُصُّ بَعْضَهَا أُخْرَى ، فَسَمِعَ كُلٌّ مَا رَوَاهُ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ قَالَ : لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ، وَفِي أُخْرَى : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ . وَلِمُسْلِمٍ فَقَالَ : فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ . وَلَهُ أَيْضًا : أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ . وَلِلنَّسَائِيِّ : وَكَرِهَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ . وَلِمُسْلِمٍ : اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي النُّحْلِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ . وَلِأَحْمَدَ : إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ، فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ ، أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا إِذًا . وَلِأَبِي دَاوُدَ : إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ . وَلِلنَّسَائِيِّ : إلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ . وَلَهُ وَلِابْنِ حِبَّانَ : سَوِّ بَيْنَهُمْ . وَاخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْوِيَةَ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ كَطَاوُسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالْبُخَارِيِّ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ تَصِحُّ ، وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ لِسَبَبٍ كَأَنْ يَحْتَاجُ الْوَلَدُ لِزَمَانَتِهِ أَوْ دَيْنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دُونَ الْبَاقِينَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَجِبُ التَّسْوِيَةُ إِنْ قَصَدَ بِالتَّفْضِيلِ الْإِضْرَارَ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِوَاجِبٍ لِأَنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقَ مُحَرَّمَانِ فَالْمُؤَدِّي إِلَيْهِمَا حَرَامٌ وَالتَّفْضِيلُ يُؤَدِّي إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّسْوِيَةِ ؛ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ : الْعَدْلُ أَنْ يُعْطَى الذَّكَرُ حَظَّيْنِ كَالْمِيرَاثِ لِأَنَّهُ حَظُّ الْأُنْثَى لَوْ أَبْقَاهُ الْوَاهِبُ حَتَّى مَاتَ . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَفَارَقَ الْإِرْثُ بِأَنَّ الْوَارِثَ رَاضٍ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ بِخِلَافِ هَذَا وَبِأَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمِيرَاثِ بِالْعُصُوبَةِ ، أَمَّا بِالرَّحِمِ الْمُحَدَّدَةِ فَهُمَا فِيهَا سَوَاءٌ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأُمِّ ، وَالْهِبَةُ لِلْأَوْلَادِ أَمَرَ بِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ يَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ ، وَاسْتَأْنَسُوا لَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ ، فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : التَّسْوِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضًا صَحَّ وَكُرِهَ ، وَنُدِبَتِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّسْوِيَةِ أَوِ الرُّجُوعُ حَمْلًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ وَالنَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ الْمَوْهُوبَ لِلنُّعْمَانِ كَانَ جَمِيعَ مَالِ وَالِدِهِ ، وَلِذَا مَنَعَهُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْعِ التَّفْضِيلِ - حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ النُّعْمَانِ صَرِيحٌ بِالْبَعْضِيَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَمِنْ أَبْعَدِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ وَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَحْنُونٌ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ كَانَ غُلَامًا وَأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ لَمَّا سَأَلَتْهُ أُمُّهُ الْهِبَةَ مِنْ بَعْضِ مَالِهِ ، وَهَذَا يُعْلَمُ مِنْهُ بِالْقَطْعِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ . ثَانِيهَا : أَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَنَجَّزْ ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَشِيرٌ يَسْتَشِيرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ فَتَرَكَ - حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَكْثَرُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يُنَابِذُهُ . ثَالِثُهَا : أَنَّ النُّعْمَانَ كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَقْبِضِ الْمَوْهُوبَ ، فَجَازَ لِأَبِيهِ الرُّجُوعُ - ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي أَكْثَرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ خُصُوصًا قَوْلَهُ ارْتَجِعْهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ وُقُوعِ الْقَبْضِ ، وَالَّذِي تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا وَكَانَ أَبُوهُ قَابِضًا لَهُ لِصِغَرِهِ ، فَأُمِرَ بِرَدِّ الْعَطِيَّةِ بَعْدَمَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ . رَابِعُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ فَارْتَجِعْهُ دَلِيلٌ عَلَى الصِّحَّةِ ; إِذْ لَوْ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ مَا صَحَّ الرُّجُوعُ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِهِ لَأَنَّ الْوَالِدَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَ ذَلِكَ ، لَكِنَّ اسْتِحْبَابَ التَّسْوِيَةِ رَجَحَ عَلَى ذَلِكَ . وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى ارْتَجِعْهُ ، أَيْ لَا تُمْضِ الْهِبَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَقَدُّمُ صِحَّتِهَا . خَامِسُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي إذن بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا أَشْهَدُ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الشَّهَادَةُ ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُ الْحُكْمُ - حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَارْتَضَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الشَّهَادَةُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَحَمُّلِهَا وَلَا مِنْ أَدَائِهَا إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحْتَجُّ بِهَذَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ بَعْضِ نُوَّابِهِ جَازَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ أَشْهِدْ صِيغَةَ إِذْنٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ لِلتَّوْبِيخِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : قَوْلُهُ أَشْهِدْ صِيغَةُ أَمْرٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْجَوَازِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ لِعَائِشَةَ : اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ . سَادِسُهَا : دَلَّ قَوْلُهُ أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ وَالنَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ ، وَهَذَا جَيِّدٌ لَوْلَا وُرُودُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الزَّائِدَةِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَلَا سِيَّمَا وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ وَرَدَتْ بِعَيْنِهَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ قَالَ : سَوِّ بَيْنَهُمْ . سَابِعُهَا : فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ : قَارِبُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ، لَا : سَوُّوا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُوجِبُونَ الْمُقَارَبَةَ كَمَا لَا يُوجِبُونَ التَّسْوِيَةَ . ثَامِنُهَا : التَّشْبِيهُ الْوَاقِعُ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ مِنْهُمْ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قرينة عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْجَوْرِ عَلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ - يَدُلُّ لِلْوُجُوبِ ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التَّشْبِيهُ : فَلَا إِذًا . لَكِنَّ فِي التَّمْهِيدِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إِلَّا عَلَى حَقٍّ الْحَقَّ الَّذِي لَا تَقْصِيرَ فِيهِ عَنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مَا دُونَهُ حَقًّا . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْجَوْرُ الْمَيْلُ عَنِ الِاعْتِدَالِ ، فَالْمَكْرُوهُ أَيْضًا جَوْرٌ اهـ . تَاسِعُهَا : عَمَلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، فَأَبُو بَكْرٍ نَحَلَ عَائِشَةَ دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ كَمَا يَأْتِي ، وَعُمَرُ نَحَلَ ابْنَهُ عَاصِمًا دُونَ سَائِرِ أَوْلَادِهِ - ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَدْ أَجَابَ عُرْوَةُ عَنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ بِأَنَّ إِخْوَتَهَا كَانُوا رَاضِينَ بِذَلِكَ ، وَيُجَابُ بِمِثْلِهِ عَنْ قِصَّةِ عُمَرَ . عَاشِرُهَا : انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ مَالَهُ لِغَيْرِ وَلَدِهِ ، فَمَنْ جَازَ أَنْ يُخْرِجَ جَمِيعَ وَلَدِهِ عَنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ - ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ أَيْ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ أَيْ لَا أَشْهَدُ عَلَى مَيْلِ الْأَبِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْأَبِ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ ، وَكَذَا لِلْأُمِّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّمَا تَرْجِعُ الْأُمُّ إِذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا ، وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْأَبِ مَا لَمْ يُدَايَنِ الِابْنُ أَوْ يَنْكِحْ لِلْهِبَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ، وَفِيهِ نَدْبُ التَّأَلُّفِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَتَرْكُ مَا يُوقِعُ بَيْنَهُمُ الشَّحْنَاءَ وَيُورِثُ الْعُقُوقَ لِلْآبَاءِ ، وَأَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهَا مُغْنٍ عَنِ الْقَبْضِ ، وَكَرَاهَةُ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فِيمَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْهِبَةِ مَشْرُوعٌ لَا وَاجِبٌ ، وَجَوَازُ الْمَيْلِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ لِيَحْكُمَ بِعِلْمِهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ أَوْ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ بَعْضِ نُوَّابِهِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ اسْتِفْصَالِ الْحَاكِمِ وَالْمُفْتِي عَمَّا يَحْتَمِلُ الِاسْتِفْصَالَ لِقَوْلِهِ : أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : لَا أَشْهَدُ ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ نَعَمْ لَشَهِدَ ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ التَّكَلُّمَ فِي مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ ، وَأَمْرُ الْحَاكِمِ وَالْمُفْتِي بِتَقْوَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سُوءِ عَاقِبَةِ الْحِرْصِ وَالتَّنَطُّعِ ; لِأَنَّ عَمْرَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِمَا وَهَبَهُ زَوْجُهَا لِوَلَدِهِ لَمَّا رَجَعَ فِيهِ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ حِرْصُهَا فِي تَثْبِيتِ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى بُطْلَانِهِ ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ إِبْطَالَهَا ارْتَفَعَ بِهِ جَوْرٌ وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ ، فَلَيْسَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ فِي شَيْءٍ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْهِبَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْوَصَايَا عَنْ يَحْيَى - كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
1418 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُوهُنَّ يَخْرُجْنَ ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا قَدْ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً ضَمِنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . 1455 1418 - ( مَالِكٌ : عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، الثَّقَفِيَّةِ ، زَوْجِ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ) أَيْ نَافِعًا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤونَ وَلَائَدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالدَّالِ ، يَتْرُكُونَهُنَّ ( يَخْرُجْنَ ) أَيْ ثُمَّ يَتَوَقَّفُونَ فِيمَا وَلَدْنَ ( لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا ) جَامَعَهَا ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ وَلِيدَةٌ ( إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ) عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . فَإِنَّ عُمَرَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ ) أَيْ بَعْدَ سَمَاعِكُمْ قَوْلِي ( أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ ) عَنِ الْإِرْسَالِ ، فَلَا يَنْفَعُكُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالْوَطْءِ . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً ضَمِنَ سَيِّدُهَا مِمَّا بَيْنَهَا ) أَيِ الْجِنَايَةِ ( وَبَيْنَ قِيمَتِهَا ) أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ ، أَيْ يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتِهَا جَبْرًا عَلَيْهِ . ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا ) فِي الْجِنَايَةِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهِنَّ فِي غَيْرِ الدَّيْنِ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ( وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ .
23 - بَاب الْقَضَاءِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ 1417 - قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُوهُنَّ ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ، فَاعْزِلُوا بَعْدُ أَوْ اتْرُكُوا . 23 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ 1454 1417 - ( مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ ( عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَا بَالُ ) أَيْ حَالُ وَشَأْنُ ( رِجَالٍ يَطَؤونَ وَلَائِدَهُمْ ) إِمَاءَهُمْ ، جَمْعُ وَلِيدَةٍ ( ثُمَّ يَعْزِلُوهُنَّ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْعَزْلَ الْمَعْرُوفَ ، أَيْ عَزْلَ الْمَاءِ مَعَ الْجِمَاعِ بِصَبِّهِ خَارِجَ الْفَرْجِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ اعْتِزَالَهُنَّ فِي الْوَطْءِ وَإِزَالَتَهُنَّ عَنْ حُكْمِ التَّسَرِّي انْتِفَاءً مِنَ الْوَلَدِ ( لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا ) أَيْ وَطِئَهَا ( إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا ) عَمَلًا بِحَدِيثِ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ( فَاعْزِلُوا بَعْدُ ) بِضَمِّ الدَّالِ ( أَوِ اتْرُكُوا ) لَا يَنْفَعُكُمُ الْعَزْلُ لِأَنَّ الْمَاءَ سَبَّاقٌ قَدْ يَنْزِلُ مِنْهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ ، وَبِهَذَا أَخَذَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ مَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ بَعْدَ الْعَزْلِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا أَمْ لَا ، كَانَتْ مِمَّنْ تُخْرِجُ أَمْ لَا .
32 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ فَشُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ ، فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ يُنَقِّصُ ثَمَنَ الثَّوْبِ ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ - فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُ . قَالَ : وَإِنْ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ عَوَارٍ فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَقَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ الَّذِي ابْتَاعَهُ أَوْ صَبَغَهُ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوْ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيُمْسِكُ الثَّوْبَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوْ الصِّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيَرُدُّهُ فَعَلَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صِبْغًا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبَ فَعَلَ وَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُ الثَّوْبِ وَفِيهِ الْحَرْقُ أَوْ الْعَوَارُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصِّبْغُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَعَلَى حِسَابِ هَذَا يَكُونُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ . 32 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ - ( مَالِكٌ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثًا مِنْ تَقْطِيعٍ يُنَقِّصُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْبَائِعِ ) لِأَنَّهُ مُدَلِّسٌ إِنْ شَاءَ الْمُبْتَاعُ ( وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُ ) ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ، وَإِذَا رُدَّ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَلَا يَرُدُّ مَا نَقَصَهُ فِعْلُهُ فِيهِ إِنْ كَانَ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ وَيَشْتَرِي لَهُ غَالِبًا ، وَإِلَّا كَثَوْبٍ رَفِيعٍ قَطَّعَهُ جَوَارِبَ أَوْ رَقَاعٍ فَاتٍّ رَدَّهُ عَلَى الْمُدَلِّسِ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ - قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ . ( وَإِنِ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ بِنَارٍ أَوْ عَوَارٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ بِزِنَةِ كَلَامٍ ، وَفِي لُغَةٍ بِضَمِّهَا : الْعَيْبُ مِنْ شَقٍّ وَخَرْقٍ - بِمُعْجَمَةٍ - وَغَيْرِ ذَلِكَ ( فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَ ) الْحَالُ أَنَّهُ ( قَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ ) بِالنَّصْبِ ، فَاعِلُهُ ( الَّذِي ابْتَاعَهُ أَوْ صَبَغَهُ ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيُمْسِكَ الثَّوْبَ ) يُبْقِيَهُ عِنْدَهُ ( فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ ) يَدْفَعُ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوِ الصِّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ وَيَرُدُّهُ فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ ) تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ ، ( فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صِبْغًا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ ) وَيَتَمَسَّكَ بِهِ لِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنُ مَالِهِ ، ( وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبَ فَعَلَ ) بِأَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَيُقَوِّمَهُ مَعِيبًا غَيْرَ مَصْبُوغٍ ثُمَّ يُقَوِّمَهُ مَصْبُوغًا ، فَيَكُونُ الْمُبْتَاعُ شَرِيكًا بِمَا زَادَهُ الصِّبْغُ كَمَا قَالَ . ( وَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُ الثَّوْبِ وَفِيهِ الْخَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصِّبْغُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ) ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ ثُلُثَاهُ وَلِلْمُبْتَاعِ الَّذِي رَدَّهُ ثُلُثُهُ ، ( فَعَلَى حِسَابِ هَذَا يَكُونُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ ) أَيْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ .
31 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْحَمَالَةِ وَالْحِوَلِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُحِيلُ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ أَفْلَسَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَدَعْ وَفَاءً ، فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ، ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُتَحَمِّلُ أَوْ يُفْلِسُ ، فَإِنَّ الَّذِي تُحُمِّلَ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ . 31 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْحَمَالَةِ وَالْحِوَلِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُحِيلُ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ أَفْلَسَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَدَعْ وَفَاءً فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ ) أَيِ الْمُحِيلِ ، ( وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي جَامِعِ الدَّيْنِ وَالْبُيُوعِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى حَدِيثُ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ . وَ إِذَا اتَّبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ هُنَا وَمَرَّ شَرْحُهُ هُنَاكَ - قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُتَحَمِّلُ أَوْ يُفْلِسُ ، فَإِنَّ الَّذِي تُحُمِّلَ لَهُ ) بِضَمِّ التَّاءِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ حَقُّهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُتَحَمَّلِ عَنْهُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُتَحَمِّلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَثِيقَةٌ ، فَإِنْ أَفْلَسَ الْحَمِيلُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ عَلَى الْغَرِيمِ - قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
24 - بَاب الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ 1419 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ . 24 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي عِمَارَةِ الْمَوَاتِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَوَاتُ بِالضَّمِّ الْمَوْتُ ، وَبِالْفَتْحِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ ، وَالْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ ، وَالْمَوَتَانُ بِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْحَيَوَانِ ، يُقَالُ : اشْتَرِ الْمَوَتَانِ وَلَا تَشْتَرِ الْحَيَوَانَ ، أَيِ اشْتَرِ الْأَرَضِينَ وَالدُّورَ وَلَا تَشْتَرِ الرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَوَتَانُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تَحْيَ بَعْدُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . 1456 1419 - ( مَالِكٌ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ : فَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَهُوَ أَصَحُّ ، وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَطَائِفَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَلَى عُرْوَةَ ، فَرَوَاهُ ابْنُهُ يَحْيَى عَنْهُ عَنْ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْهُ فَقَالَ : وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ . فَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَلَى عُرْوَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْإِرْسَالُ ، وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ مُسْنَدٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَصَحَّحَهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الضِّيَاءُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ) بِالتَّشْدِيدِ ، قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : وَلَا يُقَالُ بِالتَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خُفِّفَ تُحْذَفُ مِنْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ ، وَالْمَيِّتَةُ وَالْمَوَاتُ وَالْمَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ : الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهَا . ( فَهِيَ لَهُ ) بِمُجَرَّدِ الْإِحْيَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعِمَارَةِ اتِّفَاقًا . قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ وَمَا بَعُدَ مِنَ الْعُمْرَانِ ، فَإِنْ قَرُبَ فَلَا يَجُوزُ إِحْيَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ . وَقَالَ أَشْهَبُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ : يُحْيِيهَا مَنْ شَاءَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، قَالَهُ سَحْنُونٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَائِلًا : عَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا أَثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ . وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ إِذْنَهُ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُحْيِيهَا إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ ، وَصَارَ الْخِلَافُ : هَلِ الْحَدِيثُ حُكْمٌ أَوْ فَتْوَى ؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : لَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَالَ : لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَهَذَا نَظِيرُ حَدِيثِ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَاةِ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ . ( وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ ( ظَالِمٍ ) صِفَةٌ لِلْعِرْقِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ ، كَأَنَّ الْعِرْقَ بِغَرْسِهِ صَارَ ظَالِمًا حَتَّى كَانَ الْفِعْلُ لَهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فَجَعَلَ الْعِرْقَ نَفْسَهُ ظَالِمًا وَالْحَقُّ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ يَكُونُ الظَّالِمُ مِنْ صِفَةِ الْعِرْقِ اهـ ، أَيْ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ . وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ فَالظَّالِمُ صَاحِبُ الْعِرْقِ وَهُوَ الْغَارِسُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَيْسَ لَهُ ( حَقٌّ ) فِي الْإِبْقَاءِ فِيهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيْ حُفِرَ ( أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّنْوِينِ ، وَبِهِ جَزَمَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فَقَالَ : وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَنْوِينَ عِرْقٍ وَذَكَرَ نَصَّهُ هَذَا ، وَنَصَّ الشَّافِعِيِّ بِنَحْوِهِ ، وَبِالتَّنْوِينِ جَزَمَ الْأَزْهَرِيُّ ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلَّطَ مَنْ رَوَاهُ بِالْإِضَافَةِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ ثَبَتَتْ وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا فَالْحَدِيثُ يُرْوَى بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَصْلُ الْعِرْقِ الظَّالِمِ فِي الْغَرْسِ يَغْرِسُهُ فِي الْأَرْضِ غَيْرُ رَبِّهَا لِيَسْتَوْجِبَهَا بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ بِنَاءٍ وَاسْتِنْبَاطِ مَاءٍ أَوِ اسْتِخْرَاجِ مَعْدِنٍ ، سُمِّيَتْ عِرْقًا لِشَبَهِهَا فِي الْإِحْيَاءِ بِعِرْقِ الْغَرْسِ . وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ عُرْوَةُ وَرَبِيعَةُ : الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ عِرْقَانِ ظَاهِرَانِ : الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ ، وَعِرْقَانِ بَاطِنَانِ : الْمِيَاهُ وَالْمَعَادِنُ ، فَلَيْسَ لِلظَّالِمِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ فِي بَقَاءٍ أَوِ انْتِفَاعٍ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ظُلْمًا فَلِرَبِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بَقِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى حَالِهِ بِلَا عِوَضٍ . اهـ . وَرَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ كَثِيرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهُوَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ . وَكَثِيرٌ ضَعِيفٌ لَكِنَّ شَاهِدَهُ حَدِيثُ الْبَابِ .
1420 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 1457 1420 - ( مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ) وَالْمَيِّتَةُ الْخَرَابُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ بِهَا ، وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا ، شُبِّهَتْ عِمَارَةُ الْأَرْضِ بِحَيَاةِ الْأَبْدَانِ ، وَتَعَطُّلُهَا وَخُلُوُّهَا عَنِ الْعِمَارَةِ بِفَقْدِ الْحَيَاةِ وَزَوَالِهَا عَنْهَا . وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَوْقُوفِ عَقِبَ الْمَرْفُوعِ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ بِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى عَدَمِ تَطَرُّقِ نَسْخِهِ وَلِذَا أَكَّدَهُ حَيْثُ قَالَ ( مَالِكٌ : وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ .
30 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَا يُعْطَى الْعُمَّالُ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى الْغَسَّالِ ثَوْبًا يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ ، فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ : لَمْ آمُرْكَ بِهَذَا الصِّبْغِ ! وَقَالَ الْغَسَّالُ : بَلْ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ - فَإِنَّ الْغَسَّالَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ وَالْخَيَّاطُ مِثْلُ ذَلِكَ وَالصَّائِغُ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ لَا يُسْتَعْمَلُونَ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلْيَحْلِفْ صَاحِبُ الثَّوْبِ ، فَإِنْ رَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حُلِّفَ الصَّبَّاغُ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الصَّبَّاغِ يُدْفَعُ إِلَيْهِ الثَّوْبُ فَيُخْطِئُ بِهِ فَيَدْفَعُهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ حَتَّى يَلْبَسَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ : إِنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الَّذِي لَبِسَهُ ، وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ - وَذَلِكَ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ، فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ . 30 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَا يُعْطَى الْعُمَّالُ بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عَامِلٍ ، أَيِ الصُّنَّاعُ ، وَفِي نُسْخَةٍ : الْغَسَّالُ . ( مَالِكٌ : فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى الْغَسَّالِ ثَوْبًا يَصْبُغُهُ ) مُثَلَّثَ الْبَاءِ ( فَصَبَغَهُ ، فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ : لَمْ آمُرْكَ بِهَذَا الصِّبْغِ ) الْأَحْمَرِ مَثَلًا بَلْ أَسْوَدُ ، ( وَقَالَ الْغَسَّالُ : بَلْ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ - فَإِنَّ الْغَسَّالَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِأَنَّ رَبَّهُ مُقِرٌّ بِإِذْنِهِ لِلصَّبَّاغِ فِي الْعَمَلِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَا أَمَرَهُ بِهِ لِيَمْضِيَ عَمَلُهُ بَاطِلًا . وَقَالَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : الْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِاعْتِرَافِ الصَّبَّاغِ بِأَنَّهُ لِرَبِّهِ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهِ حَدَثًا ادَّعَى إِذْنَهُ وَإِجَازَتَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَإِلَّا حَلَفَ صَاحِبُهُ وَضَمِنَهُ مَا أَحْدَثَ فِيهِ . ( وَالْخَيَّاطُ مِثْلُ ذَلِكَ ) يُصَدَّقُ إِذَا قَطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصًا وَقَالَ لِرَبِّهِ : أَمَرْتَنِي بِهِ ، وَقَالَ صَاحِبُهُ : أَمَرْتُكَ بِقَبَاءٍ مَثَلًا . ( وَالصَّائِغُ مِثْلُ ذَلِكَ ) إِذَا صَاغَ الْفِضَّةَ أَسَاوِرَ وَقَالَ صَاحِبُهَا : بَلْ خَلَاخِلَ . ( وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ لَا يُسْتَعْمَلُونَ فِي مِثْلِهِ ، فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلْيَحْلِفْ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَإِن رَدَّهَا ) أَيِ الْيَمِينُ ( وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ حُلِّفَ الصَّبَّاغُ ) وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ . ( مَالِكٌ فِي الصَّبَّاغِ يُدْفَعُ إِلَيْهِ الثَّوْبُ فَيُخْطِئُ بِهِ ) أَيْ يَدْفَعُهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَهُوَ الَّذِي فِي النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ ، وَلَمْ يَفْهَمْهُ مَنْ زَادَ فِي الْمَتْنِ : فَيَدْفَعُهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ لِأَنَّهُ عَيْنُ قَوْلِهِ فَيُخْطِئُ بِهِ ( حَتَّى يَلْبَسَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ : أنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الَّذِي لَبِسَهُ ) لِأَنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ مِنْهُ . ( وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ ، وَذَلِكَ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ) ، بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ ، ( فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ .
29 - بَاب الْقَضَاءِ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبَهَائِمِ إِنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الْجَمَلِ يَصُولُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَعْقِرُهُ : فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ وَصَالَ عَلَيْهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إِلَّا مَقَالَتُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْجَمَلِ . 29 - بَابُ الْقَضَاءِ فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ أَنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ) إِنْ لَمْ تُتْلَفْ مَنْفَعَتُهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا مِنْ عَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ وَالْبَقَرَةِ رُبْعُ ثَمَنِهَا ، وَفِي شَاةِ الْقَصَّابِ مَا نَقَصَهَا . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ ، وَالْقِيَاسُ إِيجَابُ النُّقْصَانِ ، لَكِنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِقَضَاءِ عُمَرَ فِي عَيْنِ دَابَّةٍ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ من غَيْرَ خِلَافٍ . ( مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ يَصُولُ ) يَثِبُ ( عَلَى الرَّجُلِ فَيَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَعْقِرُهُ ) بِكَسْرِ قَوَائِمِهِ ( فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ وَصَالَ عَلَيْهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ) ، كَمَا لَوْ قَصَدَهُ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ فَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ إِلَّا بِضَرْبِهِ فَقَتَلَهُ كَانَ هَدَرًا ، وَإِذَا سَقَطَ الْأَكْثَرُ فَالْأَقَلُّ أَوْلَى . ( وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إِلَّا مَقَالَتُهُ ) أَيْ دَعْوَاهُ ( فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْجَمَلِ ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِدَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ .
25 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْمِيَاهِ 1421 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ . 25 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِيَاهِ 1458 1421 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) وَفِي نُسْخَةٍ : قَضَى ( فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ آخِرُهُ رَاءٌ ( وَمُذَيْنِبٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مَكْسُورَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَادِيَانِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ بِالْمَدِينَةِ ، يَتَنَافَسُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا ( يُمْسَكُ ) سَيْلُهُمَا ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ يُمْسِكُهُ الْأَعْلَى أَيِ الْأَقْرَبُ إِلَى الْمَاءِ فَيَسْقِي زَرْعَهُ أَوْ حَدِيقَتَهُ ( حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ) هَكَذَا ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، فَإِنْ كَانَ رِوَايَةً وَإِلَّا فَيَصِحُّ ضَبْطُهُ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الْأَعْلَى فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى ) الْمَاءَ ( عَلَى الْأَسْفَلِ ) الْأَبْعَدِ مِنْهُ عَنِ الْمَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُهُ يَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفٌ مَعْمُولٌ بِهِ . وَسُئِلَ الْبَزَّارُ عَنْهُ فَقَالَ : لَسْتُ أَحْفَظُ فِيهِ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا يَثْبُتُ . اهـ . وَهُوَ تَقْصِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ مِثْلِهِمَا ، فَلَهُ إِسْنَادٌ مَوْصُولٌ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَاهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّهُ مُرْسَلُ ثَعْلَبَةَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمُطَرِّفٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونَ : يُرْسِلُ صَاحِبُ الْحَائِطِ الْأَعْلَى جَمِيعَ الْمَاءِ فِي حَائِطِهِ وَيَسْقِي حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ فِي الْحَائِطِ إِلَى كَعْبَيْ مَنْ يَقُومُ فِيهِ أَغْلَقَ مَدْخَلَ الْمَاءِ . وَرَوَى عِيسَى فِي الْمَدَنِيَّةِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : يَسْقِي الْأَوَّلُ حَتَّى يَرْوِيَ حَائِطَهُ ثُمَّ يُمْسِكُ بَعْدَ رَيِّهِ مَا كَانَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ إِلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يُرْسِلُ . وَرَوَى زِيَادٌ ، عَنْ مَالِكٍ : يُجْرِي الْأَوَّلُ مِنَ الْمَاءِ فِي سَاقِيَتِهِ إِلَى حَائِطِهِ قَدْرَ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِي السَّاقِيَةِ حَتَّى يَرْوِيَ حَائِطَهُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ ، فَإِذَا رَوَى أَرْسَلَهُ كُلَّهُ . قَالَ ابْنُ مُزَيَّنٍ : هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ إِذَا سَقَى بِالسَّيْلِ الزَّرْعَ أَمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ شِرَاكَ النَّعْلِ ، وَإِذَا سَقَى النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَمَا لَهُ أَصْلٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ، وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يُمْسِكَ فِي الزَّرْعِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّيِّ .
1422 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ . 1459 1422 - ( مَالِكٌ : عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُمْنَعُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ( فَضْلُ الْمَاءِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : بَعْدَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ ( لِيُمْنَعَ ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا ( بِهِ الْكَلَأُ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورَةٌ ، اسْمٌ لِجَمِيعِ النَّبَاتِ ثُمَّ الْأَخْضَرَ مِنْهُ يُسَمَّى الرَّطْبُ ، بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ، وَالْكَلَأُ الْيَابِسُ يُسَمَّى حَشِيشًا ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلنَّاقَةِ : أَحْشَتْ وَلَدَهَا : إِذَا أَلْقَتْهُ يَابِسًا ، وَحَشَتْ يَدُ فُلَانٍ : إِذَا يَبِسَتْ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ مَنْ سَبَقَ الْمَاءَ بِفَلَاةٍ وَكَانَ حَوْلَ ذَلِكَ الْمَاءِ كَلَأٌ لَا يُوصَلُ إِلَى رَعْيِهِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْمَوَاشِي تَرِدُ ذَلِكَ الْمَاءَ ، فَنَهَى صَاحِبَ الْمَاءِ أَنْ يَمْنَعَ فَضْلَهُ لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَتْ مِنْهُ مُنِعَتْ مِنْ رَعْيِ ذَلِكَ الْكَلَأِ ، وَالْكَلَأُ لَا يُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَاللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ( سورة الْقَصَصِ : الْآيَةُ 8 ) الْآيَةَ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْكَلَأِ . اهـ ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْبَاجِيُّ . وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِالنَّهْيِ عَنْ مَنْعِ الْكَلَأِ ، فَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ وَلَا تَمْنَعُوا الْكَلَأَ ، فَيَهْزِلُ الْمَالُ وَتَجُوعُ الْعِيَالُ . وَهُوَ مَحْمُولُ على غير الْمَمْلُوكِ وَهُوَ الْكَلَأُ النَّابِتُ فِي أَرْضِهِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ بِالْإِحْيَاءِ ، فَفِيهِ خِلَافٌ : صَحَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ الْجَوَازَ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَمُطَرِّفٍ عَنْهُ فِي الْوَاضِحَةِ ، وَأَنْكَرَهَا أَشْهَبُ ، فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الْكَلَأِ بِمَالٍ وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ وَمَرْجِهِ وَحِمَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَاضِحَةِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي آبَارِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي فِي الْفَلَوَاتِ . وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ : ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ يَنْزِلُهَا لِلرَّعْيِ لَا لِلْعِمَارَةِ فَهُوَ وَالنَّاسُ فِي الرَّعْيِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ يَبْدُونَ بِمَالِهِمْ . الْبَاجِيُّ : بِئْرُ الْمَاشِيَةِ مَا حَفَرَهَا الرَّجُلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فِي الْبَرَارِيِّ وَالْقِفَارِ لِشُرْبِ مَاشِيَتِهِ وَيُبِيحُ فَضْلَهَا لِلنَّاسِ ، فَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ فَضْلُهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا يُبَاعُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ مَا حُفِرَ مِنْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ ، وَإِنْ حُفِرَتْ فِي قُرْبٍ . ابْنُ الْقَاسِمِ : يُرِيدُ قُرْبَ الْمَنَازِلِ إِذَا حَفَرَهَا لِلصَّدَقَةِ فَمَا فُضِّلَ مِنْهَا فَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ ، أَمَّا مَنْ حَفَرَهَا لِبَيْعِ مَائِهَا أَوْ سَقْيِ مَاشِيَتِهِ لَا لِلصَّدَقَةِ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا اهـ . وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، والليث ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشُّرْبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1423 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ . 1460 1423 - ( مَالِكٌ : عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ) بِالْجِيمِ ( مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ) مُرْسَلًا ، وَوَصَلَهُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُمْنَعُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( نَقْعُ بِئْرٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَمُهْمَلَةٍ ، زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ : يَعْنِي فَضْلَ مَائِهَا . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قِيلَ لَهُ نَقْعٌ لِأَنَّهُ يُنْقَعُ بِهِ ، أَيْ يُرْوَى بِهِ ، يُقَالُ : نَقَعَ بِالرَّيِّ وَشَرِبَ حَتَّى نَقَعَ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَيُرْوَى وَهُوَ مَاءٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا : مَعْنَاهُ فَضْلُ مَاءٍ . قَالَ أَبُو الرِّجَالِ : النَّقْعُ وَالرَّهْوُ هُوَ الْمَاءُ الْوَاقِفُ الَّذِي لَا يُسْقَى عَلَيْهِ أَوْ يُسْقَى وَفِيهِ فَضْلٌ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ مَالِكٍ : مَعْنَاهُ الْبِئْرُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَسْقِي هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا ، وَيَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا يَوْمَهُ أَوْ بَعْضَهُ عَنِ السَّقْيِ ، فَيُرِيدُ صَاحِبُهُ السَّقْيَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِمَّا لَا يَنْفَعُهُ حَبْسُهُ وَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ ، فَإِنِ احْتَاجَ مَنْ لَا شِرْكَ لَهُ إِلَى فَضْلِ مَائِهَا فَلَا ، إِلَّا أَنْ تَنْهَارَ بِئْرُهُ فَيَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ وَيَسْقِي بِفَضْلِ مَاءِ جَارِهِ إِنْ زَرَعَ أَوْ غَرَسَ عَلَى أَصْلِ مَاءٍ فَانْهَارَ وَخِيفَ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ غَرْسِهِ وَشَرَعَ فِي إِصْلَاحِ مَا انْهَارَ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِ الْمَاءِ .
1430 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ : أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ ! ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ : كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ! فَقَالَ عُمَرُ : أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ ، وَلَكِنْ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ أَوْ الدَّابَّةِ يَوْمَ يَأْخُذُهَا . 1468 1430 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَاطِبِ ) بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَأَبُوهُ لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَعَدُّوهُ فِي كِبَارِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَجَدُّهُ بَدْرِيٌّ شَهِيرٌ . ( أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ ، قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ يُنْسَبُونَ إِلَى جَدَّتِهِمُ الْعُلْيَا مُزَيْنَةَ بِنْتِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ ( فَانْتَحَرُوهَا ) أَيْ نَحَرُوهَا ( فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : فَاعْتَرَفَ الْعَبِيدُ ، أَيْ بِالسَّرِقَةِ ( فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ( ابْنَ الصَّلْتِ ) بْنِ مَعْدِيكَرِبٍ الْكِنْدِيَّ الْمَدَنِيَّ التَّابِعِيَّ الْكَبِيرَ الثِّقَةَ ، وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ صَحَابِيًّا ( أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ) ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ : ثُمَّ أَرْسَلَ وَرَاءَهُ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بِهِمْ ( ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَرَاكَ ) أَظُنُّكَ ( تُجِيعُهُمْ ) ، وَلِابْنِ وَهْبٍ : وَقَالَ وَاللَّهِ لَوْلَا أَظُنُّ أَنَّكُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُمْ وَتُجِيعُونَهُمْ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ وَجَدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَكَلَهُ حَلَّ لَهُ لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ . ( ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ) لِحَاطِبٍ : ( وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : لَعَلَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ لِإِجَاعَتِهِ رَقِيقَهُ وَإِحْوَاجِهِ لَهُمْ إِلَى السَّرِقَةِ ، وَلَعَلَّهُ قَدْ كَرَّرَ نَهْيَهُ إِيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ وَحَدَّ لَهُ فِي قُوَّتِهِمْ حَدًّا لَمْ يَمْتَثِلْهُ ، وَلَعَلَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِدَعْوَى الْمُزَنِيِّ مَعْرِفَةَ حَاطِبٍ ذَلِكَ ، وَطَلَبَ يَمِينَهُ فَنَكَلَ ، وَحَلَفَ الْمُزَنِيُّ فَغَرَّمَ حَاطِبًا وَتَرَكَ قَطْعَ الْعَبِيدِ لِلْجُوعِ ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ جَمَعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمُ غَلَّطَهُ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ : إِنَّمَا أَمَرَ بِهِ ثُمَّ عَذَرَهُمْ بِالْجُوعِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ سَارِقًا عَامَ الرَّمَادَةِ ، ( ثُمَّ قَالَ ) عُمَرُ ( لِلْمُزَنِيِّ : كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ : قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ ! فَقَالَ عُمَرُ ) لِحَاطِبٍ : ( أَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةَ دِرْهَمٍ ) اجْتِهَادًا مِنْهُ خُولِفَ فِيهِ ، وَلِذَا قَالَ ( مَالِكٌ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ ، وَلَكِنْ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ أَوِ الدَّابَّةِ يَوْمَ يَأْخُذُهَا ) فَلَا يَعْمَلُ بِفِعْلِ عُمَرَ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِحَدِيثٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُرِكَ ، وَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوهُ إِلَّا لِأَمْرٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ مَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا إِلَّا مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ لِحَدِيثِ : لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَهُنَا صَدَقَ الْمُزَنِيُّ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ ثَمَنِ نَاقَتِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ ، وَهُنَا أَغْرَمَهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ عَبِيدُهُ ، وَهُوَ خَبَرٌ تَدْفَعُهُ الْأُصُولُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ . وَمَرَّ عَنِ الْبَاجِيِّ جَوَابُ بَعْضِ هَذَا ترجيا . وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : سَأَلْتُ أَصْبَغَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ - أَكَانَ مَالِكٌ يَرَى الْغُرْمَ عَلَى السَّيِّدِ بِلَا تَضْعِيفٍ ؟ فَقَالَ : لَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ فِي مَالِهِ وَلَا فِي رِقَابِ الْعَبِيدِ الَّذِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَطْعُ ، وَإِنَّمَا غُرْمُهَا فِي مَالِ الْعَبِيدِ إِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ سَرِقَةٌ لَا قَطْعَ فِيهَا فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُمْ بَيْنَ إِسْلَامِهِمْ وَافْتِكَاكِهِمْ .
28 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ 1429 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ : أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا . 28 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَارِي وَالْحَرِيسَةِ الضَّوَارِي بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ الْعَوَادِيَ ، وَهِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي ضَرَبَتْ أَكْلَ زُرُوعِ النَّاسِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالرُّمُكِ الَّتِي تَعْدُو فِي زُرُوعِ النَّاسِ قَدْ ضَرَبَتْ ذَلِكَ تُغَرَّبُ وَتُبَاعُ فِي بَلَدٍ لَا زَرْعَ فِيهِ . ابْنُ الْقَاسِمِ : وَكَذَا الْغَنَمُ وَالدَّوَابُّ إِلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا أَهْلُهَا عَنِ النَّاسِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَرِيسَةُ الْمَحْرُوسَةُ فِي الْمَرْعَى . 1467 1429 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( عَنْ حَرَامِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( ابْنِ سَعْدِ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ، وَيُقَالُ : ابْنُ سَاعِدَةَ ( ابْنُ مُحَيِّصَةَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ ، ابْنِ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبٍ الْخَزْرَجِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ، جَدُّهُ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ ، وَأَبُوهُ قِيلَ لَهُ صُحْبَةٌ أَوْ رُؤْيَةٌ ، وَرِوَايَتُهُ مُرْسَلَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : لَمْ يُتَابَعْ مَعْمَرٌ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلَ الْخَطَأَ مِنْ مَعْمَرٍ . وَالْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الثِّقَاتِ ، وَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعِرَاقِ بِالْقَبُولِ ، وَجَرَى عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ . ( أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ( دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَقَضَى ) حَكَمَ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ ) الْبَسَاتِينِ ( حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ) فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِهَا فِيمَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ إِنْ سَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ وَلَا رَاعِيَ مَعَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعِهَا ضَمِنَ . ( وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ مَضْمُونٌ ( عَلَى أَهْلِهَا ) زَادَ الرَّافِعِيُّ : كَقَوْلِهِمْ سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ ، وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ أَيْ مَرْضِيَّةٌ اهـ . فَيَضْمَنُونَ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ فِيهِمَا لِحَدِيثِ : جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ وَعَطَاءٌ : يَضْمَنُ فِيهِمَا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ( سورة الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 78 ) وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيمَنْ أَمَرَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي قَوْلِهِ : فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ( سورة الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 90 ) ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ التَّأْوِيلِ وَاللُّغَةِ أَنَّ النَّفْشَ لَا يَكُونُ إِلَّا لَيْلًا وَالْهَمْلُ بِالنَّهَارِ . وَقَالَ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنَا أَنَّ حَرْثَهُمْ كَانَ عِنَبًا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْآيَةِ بِالْحُكْمِ ، وَلَوْ صَرَّحَ أَنَّهُ ضَمِنَ أَهْلَ الْمَاشِيَةِ الَّتِي نَفَشَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنِ الرَّاعِيَةِ نَهَارًا إِلَّا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ ، أَيِ الْمَفْهُومِ ، فَكَيْفَ وَالْآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَفْسِيرًا وَلَا بَيَانًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ .
27 - بَاب الْقَضَاءِ فِي قَسْمِ الْأَمْوَالِ 1428 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ أَمْوَالًا بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ : إِنَّ الْبَعْلَ لَا يُقْسَمُ مَعَ النَّضْحِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّ الْبَعْلَ يُقْسَمُ مَعَ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ يُشْبِهُهَا ، وَأَنَّ الْأَمْوَالَ إِذَا كَانَتْ بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَقَارِبٌ ، أَنَّهُ يُقَامُ كُلُّ مَالٍ مِنْهَا ثُمَّ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ ، وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ . 27 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي قَسْمِ الْأَمْوَالِ 1465 1428 - ( مَالِكٌ : عَنْ ثَوْرٍ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( ابْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ ( أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا ) أَيُّ مُبْتَدَأٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَزِيدَتْ مَا لِتَوْكِيدِهِ وَزِيَادَةِ التَّعْمِيمِ . ( دَارٍ أَوْ أَرْضٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) هِيَ مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ ، وَقِيلَ : مَا قَبْلَ الْفَتْحِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ : اسْقِنِي كَأْسًا دِهَاقًا . وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا وُلِدَ فِي الشِّعْبِ ( فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تَقَدَّمَ قَسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَأْوِيلِ ابْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ اسْتَحَقَّتْ سِهَامُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ مَاتَ مَيِّتٌ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فَأَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ رَدِّ مَا سَلَفَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَأَمْضَاهَا عَلَى مَا وَقَعَتْ ، وَلِذَا لَا يُرَدُّ تبرعتهم وَأَنْكِحَتُهُمُ الْفَاسِدَةُ بَلْ يُصَحِّحُ الْإِسْلَامُ الْمِلْكَ الْوَاقِعَ بِهَا ، قَالَ : وَقَوْلُهُ ( وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ فَلَمْ تُقْسَمْ ) الْفَاءُ لِلْحَالِ عَلَى مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْفَاءَ تَجِيءُ لَهُ ، وَفِي نُسْخَةٍ : وَلَمْ تُقَسَّمْ ( فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ ) يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَيْنِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا كَانَ مُشْتَرِكًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الْقَسَمِ فَهُوَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، مِثْلُ أَنْ يَرِثُوا دَارًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ يُسْلِمُوا قَبْلَ قَسْمِهَا فَيَقْتَسِمُونَهَا عَلَى مَوَارِيثِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : إِنَّ هَذَا فِي الْمَجُوسِ وَالْفُرْسِ وَالْفَرَازِنَةِ وَكُلِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ ، وَأَمَّا الْيَهُودُ والنصارى فَإِنَّمَا يُقْسِمُونَهَا عَلَى مُقْتَضَى شَرْعِهِمْ يَوْمَ وَرِثُوهَا ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ ذِكْرُهُ الْجَاهِلِيَّةَ . وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فِي الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ أَهْلِ كِتَابٍ أَمْ لَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرَوَاهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْجُمْهُورِ ، وَهُوَ أَوْلَى لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا تَفْتَرِقُ أَحْكَامُهُ فِيمَنْ أَسْلَمَ أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهِ ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، فَلَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ أَكْلِ ذَبَائِحِ الْكِتَابِيِّينَ وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُقْسِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِيرَاثَهُمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْكُفْرِ . ( مَالِكٌ : فِيمَنْ هَلَكَ ) مَاتَ ( وَتَرَكَ أَمْوَالًا ) أَرَضِينَ وَمَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ ( بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ ) جِهَتَانِ بِالْمَدِينَةِ ( أنَّ الْبَعْلَ ) مَا يُشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ وَلَا سَمَاءٍ ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ . وَقِيلَ : هُوَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ ، أَيِ الْمَطَرُ ( لَا يُقْسَمُ مَعَ النَّضْحِ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيِ الْمَاءُ الَّذِي يَحْمِلُهُ النَّاضِحُ وَهُوَ الْبَعِيرُ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يُجْمَعَانِ فِي الْقَسْمِ ، يُرِيدُ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي تَكُونُ بِالْجَبْرِ ( إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذَلِكَ ) أَيْ قَسْمَهَا بَيْنَهُمْ بِالْقَرْعَةِ أَوْ يَقْسِمُهَا مُرَاضَاةً دُونَ قُرْعَةٍ ( وأنَّ الْبَعْلَ يُقْسَمُ مَعَ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ يُشْبِهُهَا ) لِأَنَّهُمَا يُزَكَّيَانِ بِالْعُشْرِ ، بِخِلَافِ النَّضْحِ الَّذِي يُزَكَّى بِنِصْفِهِ وَهَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ . ( وَأَنَّ الْأَمْوَالَ إِذَا كَانَتْ بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَقَارِبٌ فَإِنَّهُ يُقَامُ كُلُّ مَالٍ مِنْهَا ثُمَّ يُقْسَمُ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ : يُسْهَمُ ( بَيْنَهُمْ ، وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ) لِأَنَّ جَمْعَهَا لِلْقَسْمِ أَقَلُّ ضَرَرًا ، وَإِذَا قُسِمَتْ كُلُّ دَارٍ فَسَدَ كَثِيرٌ مِنْ مَنَافِعِهَا ، وَلِذَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي الْأَمْلَاكِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يُقْسَمُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نَصِيبُهُ مِنْ كُلِّ دَارٍ وَمِنْ كُلِّ أَرْضٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بُقْعَةٍ وَدَارٍ تُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا ، وَلِتَعَلُّقِ الشُّفْعَةِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا .
26 - بَاب الْقَضَاءِ فِي الْمَرْفِقِ 1424 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . 26 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمِرْفَقِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْمِيمِ ، مَا ارْتَفَقَ بِهِ ، وَبِهِمَا قُرِئَ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ( سورة الْكَهْفِ : الْآيَةُ 16 ) وَمِنْهُ مِرْفَقُ الْإِنْسَانِ . 1461 1424 - ( مَالِكٌ : عَنْ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ) بِكَسْرِ الزَّايِ ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى بَعْدَ الثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ ، وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ التَّابِعِيُّ الثِّقَةُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا ضَرَرَ ) خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، أَيْ لَا يَضُرُّ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ ( وَلَا ضِرَارَ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فِعَالَ ، أَيْ لَا يُجَازِي مَنْ ضَرَّهُ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بَلْ يَعْفُو ، فَالضَّرَرُ فِعْلُ وَاحِدٍ ، وَالضِّرَارُ فِعْلُ اثْنَيْنِ ، فَالْأَوَّلُ إِلْحَاقُ مَفْسَدَةٍ بِالْغَيْرِ مُطْلَقًا ، وَالثَّانِي إِلْحَاقُهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَلَةِ ، أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْصِدُ ضَرَرَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ جِهَةِ الِاعْتِدَاءِ بِالْمِثْلِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، أَيْ لَا يَضُرُّهُ ابْتِدَاءً وَلَا يُضَارُّهُ إِنْ ضَرَّهُ وَلْيَصْبِرْ ، فَهِيَ مُفَاعَلَةٌ وَإِنِ انْتَصَرَ فَلَا يَعْتَدِي كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ . يُرِيدُ بِأَكْثَرِ مِنَ انْتِصَافِكَ مِنْهُ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( سورة الشُّورَى : الْآيَةُ 43 ) وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ الْفِعْلُ ، أَيْ لَا تُدْخِلْ عَلَى أَحَدٍ ضِرَارًا بِحَالٍ . وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ يَنْصَرِفُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ ، وَالْفُقَهَاءُ يَنْزِعُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُمَا لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ ، أَيْ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِضْرَارُهُ بِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ فِي الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِيفَاءٌ لِحَقٍّ أَوْ رَدْعٍ عَنِ اسْتِدَامَةِ ظُلْمٍ ، فَمَا أَحْدَثَهُ الرَّجُلُ بِعَرْصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ لِخُبْزٍ أَوْ سَبْكِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَمَلِ حَدِيدٍ أَوْ رَحًى فَلَهُمْ مَنْعُهُ ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ اهـ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا ، أَيْ لَا لُحُوقَ أَوْ إِلْحَاقَ ، أَوْ لَا فَعَلَ ضَرَرًا وَضِرَارًا بِأَحَدٍ ، أَيْ لَا يَجُوزُ شَرْعًا إِلَّا لِمُوجِبٍ خَاصٍّ ، فَقَيَّدَ النَّفْيَ بِالشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْقَدَرِ لَا يُنْتَفَى ، وَخَصَّ مِنْهُ مَا وَرَدَ لُحُوقُهُ بِأَهْلِهِ كَحَدٍّ وَعُقُوبَةِ جَانٍ وَذَبْحِ مَأْكُولٍ ، فَإِنَّهَا ضَرَرٌ وَلَاحق بِأَهْلِهِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إِجْمَاعًا ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ، ثُمَّ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْصُولًا بِزِيَادَةِ : وَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ الْعَلَائِيُّ : لَهُ شَوَاهِدُ وَطُرُقٌ يَرْتَقِي بِمَجْمُوعِهَا إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ . وَذَكَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الطَّائِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ لَهُ أَنَّ الْفِقْهَ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ هَذَا أَحَدُهَا ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ حَدِيثُ : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ مَاكَرَهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ ، وَقَالَ : لَكِنَّهُ مِمَّا يَخَافُ عُقُوبَةَ مَا جَاءَ فِيهِ . قَالَ : وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ أَخِيهِ . وَجَابِرٌ ضَعِيفٌ اهـ ، أَيْ فَلَا يُعْتَبَرُ بِزِيَادَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلِلرَّجُلِ إِلَخْ ، فَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تُقْبَلُ مِنَ الثِّقَةِ إِنْ لَمْ يُخَالِفْ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ ، ثُمَّ الْإِنْكَارُ إِنَّمَا هُوَ وُرُودُهَا فِي حَدِيثِ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ؛ إِذْ هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ التَّالِي .
1427 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّهِ رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ . 1464 1427 - ( مَالِكٌ : عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ) يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ ( أَنَّهُ ) أَيْ يَحْيَى ( قَالَ : كَانَ في حائط جَدُّهُ ) جَدُّ يَحْيَى وَهُوَ أَبُو حَسَنٍ وَاسْمُهُ تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ ( رَبِيعٌ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ جَدْوَلٌ وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ ( لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ ( فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ ) جِهَةٍ ( مِنَ الْحَائِطِ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ ) أَيْ أَرْضِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ فِي سَقْيِهَا مِنَ الْبَعِيدِ ( فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ) أَبُو الْحَسَنِ ( فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ ) لِأَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعَدَّاهُ إِلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْجَارُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ دَارِ جَارِهِ وَأَرْضِهِ . رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَرَوَى زِيَادٌ عَنْهُ : إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ قَضَى عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ : لَمْ يَرُدَّ مَالِكٌ عَنِ الصَّحَابَةِ خِلَافَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ ، بَلْ رَدَّ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَالْأَنْصَارِيَّ صَاحِبَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ رَأْيُهُمَا خِلَافَ رَأْيِ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَجَعَ إِلَى النَّظَرِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَرَامٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنَ الْمَالِ خَاصَّةً ، وَحَدِيثُ أَنَّ غُلَامًا اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولُ : هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ ، ضَعِيفٌ وَمَشْهُورٌ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنْ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ لِحَدِيثِ : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَرَوَى أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا يُؤْخَذُ بِقَضَاءِ عُمَرَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْخَلِيجِ ، وَأَمَّا تَحْوِيلُ الرَّبِيعِ فَيُؤْخَذُ بِهِ لِأَنَّ مَجْرَاهُ ثَابِتٌ لِابْنِ عَوْفٍ فِي الْحَائِطِ ، وَإِنَّمَا حَوَّلَهُ لِنَاحِيَةٍ أُخْرَى أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَأَرْفَقُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ اهـ . وَمَرَّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَمَشْهُورٌ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
1425 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ . 1462 1425 - ( مَالِكٌ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بَدَلَ الزُّهْرِيِّ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَهِشَامُ بْنُ يُوسُفَ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَدَلَ الْأَعْرَجِ ، وَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَقَالَ : الْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ الْأَوَّلُ ، أَيْ مَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْجَمِيعِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعُ ) بِالرَّفْعِ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ لَا نَاهِيَةٌ ، وَلِأَحْمَدَ : لَا يَمْنَعَنَّ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّوْكِيدِ وَهِيَ تُؤَكِّدُ رِوَايَةَ الْجَزْمِ ( أَحَدُكُمْ جَارَهُ ) الْمُلَاصِقَ لَهُ ( خَشَبَةً ) بِالتَّنْوِينِ مُفْرَدٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْهَاءِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : خَشَبه بِلَا تَنْوِينٍ ، وَقَالَ : عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ خَشَبَةً بِالتَّنْوِينِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاحِدَةِ الْجِنْسُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَإِلَّا فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِأَنَّ أَمْرَ الْخَشَبَةِ الْوَاحِدَةِ أَخَفُّ فِي مُسَامَحَةِ الْجَارِ بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْكَثِيرِ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِالْإِفْرَادِ ، وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ ، فَقَالَ : كُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَهُ بِالْجَمْعِ إِلَّا الطَّحَاوِيَّ فَقَالَ : خَشَبَةً بِالتَّوْحِيدِ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا إِنْ أَرَادَ خَاصًّا مِنَ النَّاسِ كَالَّذِينَ رَوَى عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ فَلَهُ اتِّجَاهٌ اهـ . وَفِي الْمُفْهِمِ : إِنَّمَا اعْتَنَى الْأَئِمَّةُ بِضَبْطِ هَذَا الْحَرْفِ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ تَخِفٌّ عَلَى الْجَارِ أَنْ يَسْمَحَ بِهَا بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْكَثِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِهِ ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رِوَايَةَ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مِرْفَقٌ وَهِيَ الَّتِي يُحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهَا ، وَأَمَّا الْخَشَبُ فَكَثِيرٌ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْحَائِطِ عَلَى الْجَارِ وَيَشْهَدُ لَهُ وَضْعُ الْخَشَبِ ، يَعْنِي فَلَا يَنْدُبُهُ الشَّرْعُ إِلَى ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( يَغْرِزُهَا ) أَيِ الْخَشَبَةَ أَوِ الْخَشَبَ ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ : أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً ( فِي جِدَارِهِ ) أَيِ الْأَحَدُ الْمَنْهِيُّ تَنْزِيهًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُمْنَعَ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ . رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ . الْقُرْطُبِيُّ : وَإِذَا لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ عَلَى إِخْرَاجِ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ فَأَحْرَى بِغَيْرِ عِوَضٍ . ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ جَاءَ لِلنَّدْبِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ : يُجْبَرُ إِنِ امْتَنَعَ لِأَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْأُصُولِ أَنَّ صِيغَةَ لَا تَفْعَلْ لِلتَّحْرِيمِ ، فَالْإِذْنُ لَازِمٌ بِشَرْطِ احْتِيَاجِ الْجَارِ ، وَأَنْ لَا يَضَعَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَالِكُ ، وَأَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى حَاجَةِ الْمَالِكِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاجَ فِي وَضْعِ الْجِذْعِ إِلَى ثَقْبِ الْجِدَارِ أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْجِذْعِ يَسُدُّ الْمُنْفَتِحَ وَيُقَوِّي الْجِدَارَ ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ تَقَدُّمَ اسْتِئْذَانِ الْجَارِ فِي ذَلِكَ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ : مَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ . وَكَذَا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعُقَيْلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، الثَّلَاثَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَجَزَمَ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِالْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ نَجِدْ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْحُكْمَ إِلَّا عُمُومَاتٍ لَا يُنْكَرُ أَنْ يَخُصَّهَا ، وَقَدْ حَمَلَهُ الرَّاوِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ بِمَا حَدَّثَ بِهِ ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ : ( ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ) بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَافَظَةً عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَحَضًّا عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُمْ تَوَقَّفُوا عَنْهُ ، فَفِي التِّرْمِذِيِّ : أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا طَاطَوْا رُءُوسَهُمْ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ : فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ ، فَقَالَ : ( مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا ) أَيْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوِ الْمَقَالَةِ ( مُعْرِضِينَ ) إِنْكَارًا لِمَا رَأَى مِنْ إِعْرَاضِهِمْ وَاسْتِثْقَالِهِمْ مَا سَمِعُوا مِنْهُ وَعَدَمِ إِقْبَالِهِمْ عَلَيْهَا بَلْ طَاطَوْا رُءُوسَهُمْ ( وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا ) أَيْ لَأَصْرُخَنَّ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ( بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ) رَوَيْنَاهُ بِالْفَوْقِيَّةِ ، جَمْعُ كَتِفٍ ، وَبِالنُّونِ جَمْعُ كَنَفٍ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْجَانِبُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَيْ لَأَشِيعَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِيكُمْ وَلَأَقْرَعَنَّكُمْ بِهَا كَمَا يُضْرَبُ الْإِنْسَانُ بِالشَّيْءِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَيَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِهِ ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْخَشَبَةِ ، وَالْمَعْنَى : إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَتَعْمَلُوا بِهِ رَاضِينَ لَأَجْعَلَنَّ الْخَشَبَةَ بَيْنَ رِقَابِكُمْ كَارِهِينَ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ ، لَكِنَّ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ وَإِنْ كَرِهْتُمْ . وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِلْزَامِهِمْ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، أَيْ لَا أَقُولُ الْخَشَبَةَ تُرْمَى عَلَى الْجِدَارِ بَلْ بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ لِمَا وَصَّى بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بِرِّ الْجَارِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَحَمْلِ أَثْقَالِهِ ، وَهَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَرَى الْوُجُوبَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ الظَّاهِرُ ، وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَذْهَبَهُ النَّدْبُ ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلْوُجُوبِ لَوَبَّخَ الْحُكَّامَ عَلَى تَرْكِهِ وَلَحَكَمَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَخْلَفًا بِالْمَدِينَةِ ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَلِي إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ نِيَابَةً عَنْ مَرْوَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَرَافَعْ إِلَيْهِ حِينَ تَوْلِيَتِهِ وَلَمْ يُوَبِّخِ الْحُكَّامَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ ، وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا جَهِلَ الصَّحَابَةُ تَأْوِيلَهُ وَلَا أَعْرَضُوا عَنْهُ لِأَنَّهُمْ لَا يُعْرِضُونَ عَنْ وَاجِبٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ فَقَالَ : مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُعْرِضِينَ صَحَابَةٌ وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا يَجْهَلُ مِثْلُهُمُ الْحُكْمَ ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ; إِذْ لَوْ كَانُوا صَحَابَةً أَوْ فُقَهَاءَ مَا وَاجَهَهُمْ بِذَلِكَ اهـ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَظَالِمِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْقَضَاءِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1426 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعُرَيْضِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ؟ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا ، فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا وَاللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ . 1463 1426 - ( مَالِكٌ : عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ ( أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَشْهَلِيَّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَهِدَ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ وَلَهُ فِيهَا ذِكْرٌ ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ . وَقَالَ ابْنُ شَاهِينَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي دَاوُدَ يَقُولُ : هُوَ الَّذِي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ذُو مَسْحَةٍ مِنْ جَمَالٍ ، زِنَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زِنَةَ أُحُدٍ . فَطَلَعَ الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ . ( سَاقَ خَلِيجًا لَهُ ) قَالَ الْمَجْدُ : الْخَلِيجُ النَّهْرُ وَشَرْمٌ مِنَ الْبَحْرِ وَالْجَفْنَةُ وَالْحَبْلُ ( مِنَ الْعُرَيْضِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، وَادٍ بِالْمَدِينَةِ بِهِ أَمْوَالٌ لِأَهْلِهَا ( فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ ، أَكْبَرُ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ( فَأَبَى ) امْتَنَعَ ( مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : لِمَ ) لِأَيِّ شَيْءٍ ( تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَجُوزُ لِجَهْلِ قَدْرِ شُرْبِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ الْأَعْلَى أَوْلَى حَتَّى يُرْوَى ( فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا ) أَفْعَلُ ذَلِكَ ( فَقَالَ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ ) فِي الْإِسْلَامِ وَالصُّحْبَةِ ( مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ ) لِأَنَّكَ ( تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا ) أَرْضَى بِهَذَا ( وَاللَّهِ ) أَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ ( فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ ) الْبَاجِيُّ : فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ لَا الْأَلْفَاظِ إِنْ كَانَتْ يَمِينُ عُمَرَ عَلَى مَعْنَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَ لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ عَلَى بَطْنِ مُحَمَّدٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ : إِنْ خَالَفْتَ حُكْمِي عَلَيْكَ وَحَارَبْتَ وَأَدَّتِ الْمُحَارَبَةُ إِلَى قَتْلِكَ وَإِجْرَائِهِ عَلَى بَطْنِكَ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ نُصْرَةً لِلْحُكْمِ بِالْحَقِّ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . ( فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ ) أَيْ يُجْرِيهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدٍ ( فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ ) ذَلِكَ ، أَيْ أَجْرَاهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ قَوْلُ عُمَرَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلِمَالِكٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : الْمُخَالَفَةُ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِحَدِيثِ : لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . وَاللَّبَنُ مُتَجَدِّدٌ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ وَالْأَرْضُ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا بِالسَّاقِيَةِ لَا يُعْتَاضُ مِنْهَا . وَالثَّانِي : الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا ، وَهِيَ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ . وَالثَّالِثُ : الْمُوَافَقَةُ لَهُ عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُخَالَفَةُ أَهْلِ زَمَنِ مَالِكٍ لِزَمَنِ عُمَرَ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ ، كَأَنْ يُقَالُ : تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُونَ مِنَ الْفُجُورِ ، وَأَخَذَ بِهِ مَنْ يُوثَقُ بِرَأْيِهِ ، فَلَوْ كَانَ الشَّأْنُ مُعْتَدِلًا فِي زَمَانِنَا كَاعْتِدَالِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَأَيْتُ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِكَ لِأَنَّكَ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ، وَلَكِنْ فَسَدَ النَّاسُ وَاسْتَحَقُّوا التُّهْمَةَ ، فَأَخَافُ أَنْ يَطُولَ وَيَنْسَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَرْيُ هَذَا الْمَاءِ ، وَقَدْ يَدَّعِي بِهِ جَارُكَ دَعْوَى فِي أَرْضِكَ . وَالثَّانِي : أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا صَارَتْ لَهُ أَرْضُهُ بِإِحْيَائِهِ لَهَا بَعْدَ أَنْ أَحْيَا الضَّحَّاكُ أَرْضَهُ عَلَى مَا قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ أَحْيَيْتَ أَرْضَكَ بَعْدَ إِحْيَاءِ عَيْنِهِ وَأَرْضِهِ قَضَى عَلَيْكَ بِمَمَرِّهِ فِي أَرْضِكَ وَإِجْرَاءِ مَائِهِ فِيهَا إِلَى أَرْضِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُكَ قَبْلَ عَيْنِهِ وَأَرْضِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْضِ عَلَى مُحَمَّدٍ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ إِلَى الْأَفْضَلِ ثِقَةً أَنَّهُ لَا يُحَنِّثُهُ اهـ مُلَخَّصًا .
4 - بَاب أَمْرِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ وَالَّذِي يَحْضُرُ الْقِتَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ غَيْرُ الْمَخُوفِ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي مَالِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ . قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ أَوَّلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ وَسُرُورٌ ، وَلَيْسَ بِمَرَضٍ وَلَا خَوْفٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَقَالَ : حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهَا ، فَأَوَّلُ الْإِتْمَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ وَقَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمَ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ فِي مَالِهَا إِلَّا فِي الثُّلُثِ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ : إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِّ لِلْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا فِي الثُّلُثِ ، وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ . 4 - بَابُ أَمْرِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ وَالَّذِي يَحْضُرُ الْقِتَالَ فِي أَمْوَالِهِمْ - ( مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا : أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ فَإِذَا كَانَ ) وُجِدَ ( الْمَرَضُ الْخَفِيفُ غَيْرُ الْمَخُوفِ ) مِنْهُ الْمَوْتُ ( عَلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي مَالِهِ مَا يَشَاءُ ) كَالصَّحِيحِ ( وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ ) الْمَوْتُ مِنْهُ ( لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ ) شَيْءٌ ( إِلَّا فِي ثُلُثِهِ ) لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمَرِيضِ إِنَّمَا هِيَ فِيهِ ( قَالَ : وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ أَوَّلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ، فَرَحٌ ( وَسُرُورٌ وَلَيْسَ بِمَرَضٍ وَلَا خَوْفٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَبَشَّرْنَاهَا ) أَيِ امْرَأَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( بِإِسْحَاقَ ) تَحْمِلُ بِهِ بَعْدَ الْكِبَرِ ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَلِذَا قَالَتْ : يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ؟ ( وَمِنْ وَرَاءِ ) بَعْدِ ( إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) بْنَ إِسْحَاقَ ، تَعِيشُ إِلَى أَنْ تَرَاهُ ، فَجَعَلَ أَوَّلَ الْحَمْلِ بِشَارَةً وَفَرَحً فَلَيْسَ بِمَرَضٍ . ( وَقَالَ ) فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا هُوَ النُّطْفَةُ فَمَرَّتْ بِهِ ذَهَبَتْ وَجَاءَتْ لِخِفَّتِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ بِكِبَرِ الْوَلَدِ فِي بَطْنِهَا ، وَإِشْفَاقًا أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً دَعَوَا أَيْ آدَمُ وَحَوَّاءُ اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا وَلَدًا صَالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لَكَ عَلَيْهِ ، فَسَمَّى أَوَّلَ الْحَمْلِ خَفِيفًا وَآخِرَهُ ثَقِيلًا . ( قَالَ : وَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهَا ، فَأَوَّلُ الْإِتْمَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ) وَهِيَ مَبْدَأُ الثِّقَلِ الَّذِي يُصَيِّرُهَا كَالْمَرِيضِ ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَيْ لِيُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ عَامَيْنِ ( كَامِلَيْنِ ) صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ . ( وَقَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ مِنَ الرَّضَاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا سِتَّةٌ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْبَاقِي أَكْثَرُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ . ( فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمَ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ ) حُكْمٌ ( فِي مَالِهَا إِلَّا فِي الثُّلُثِ ) إِلَى أَنْ تَضَعَ ( وَالرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِّ لِلْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا فِي الثُّلُثِ وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ ) لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ( وَالْمَرِيضِ الْمَخُوِفِ عَلَيْهِ ) الْمَوْتُ ( مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ بِهَا .
6 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ مِنْ الرِّجَالِ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ 1451 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الطَّائِفَ غَدًا فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ . 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ مِنَ الرِّجَالِ وَمَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ نُبِّهَ بِالتَّعْبِيرِ بِالْمُؤَنَّثِ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْمُخَنَّثِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِنَّ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ ، فَإِنْ فَهِمَ مَعَانِيَهُنَّ مُنِعَ دُخُولُهُ ، كَمَا مُنِعَ الْمُخَنَّثُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ( سورة النُّورِ : الْآيَةَ 31 ) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ اخْتِلَافًا مُتَقَارِبًا مَعْنَاهُ يَجْمَعُهُ أَنَّهُ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ وَلَا هِمَّةَ يَتَنَبَّهُ بِهَا إِلَى أَمْرِ النِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِيهِنَّ وَلَا يَسْتَطِيعُ غِشْيَانَهُنَّ ، وَلَيْسَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي يُعْرَفُ فِيهِ الْفَاحِشَةُ خَاصَّةً وَإِنَّمَا هُوَ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ وَالْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَالنَّغْمَةِ وَالْفِعْلِ وَالْعَقْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ عَاهَةُ الْفَاحِشَةِ أَمْ لَا . 1498 1451 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : الصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ بِنْتِهَا زَيْنَبَ عَنْهَا ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي ، وَرِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الِاسْتِئْذَانِ ، وَلَهُ طُرُقٌ عَدِيدَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كُلُّهَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ( أَنَّ مُخَنَّثًا ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَكَسْرُهَا أَفْصَحُ آخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ ، وَهُوَ مَنْ فِيهِ انْخِنَاثٌ ، أَيْ تَكَسُّرٌ وَلِينٌ كَالنِّسَاءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا الْيَوْمَ بِالْمُؤَنَّثِ ، وَاسْمُهُ هِيتٌ كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ ، وَضَبَطَهُ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَزَعَمَ أَنَّ مَا سِوَاهُ تَصْحِيفٌ ، قَالَ : وَالْهِنْبُ الْأَحْمَقُ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اسْمَهُ مَاتِعٌ بِفَوْقِيَّةٍ ، وَقِيلَ بِنُونٍ ، وَفِي أَنَّ مَاتِعً لَقَبُ هِيتٍ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ هُمَا اثْنَانِ خِلَافٌ ، وَقِيلَ اسْمُهُ أَنَّةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ النُّونِ ، وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ اسْمَهُ هِيتٌ . ( كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ ( زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِيتًا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ( فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ) الْمَخْزُومِيِّ أُخَيْ أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ عَمَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاهِبٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فَشَهِدَهُ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ فَاسْتُشْهِدَ بِهَا بِسَهْمٍ أَصَابَهُ ، وَكَانَ هِيتٌ مَوْلًى فَقَالَ لَهُ ( وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا ) زَادَ أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : وَهُوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ ( فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ، ابْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعْتِبِ ابْنِ مَالِكٍ الثَّقَفِيِّ ، أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ ، فَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا ، وَاسْمُهَا بَادِيَةُ ، بِمُوَحَّدَةٍ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ ، عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ بِالنُّونِ ، وَصَوَّبَ أَبُو عُمَرَ التَّحْتِيَّةَ ، أَسْلَمَتْ وَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ بُرَيْهَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ( فَإِنَّهَا تُقْبِلُ فِي أَرْبَعٍ ) مِنَ الْعُكَنِ ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ ، جَمْعُ عُكْنَةٍ ، وَهِيَ مَا انْطَوَى وَتَثَنَّى مِنْ لَحْمِ الْبَطْنِ سِمَنًا ( وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ) مِنْهَا ، قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ : مَعْنَاهُ أَنَّ فِي بَطْنِهَا أَرْبَعَ عُكَنٍ يَنْعَطِفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ رُؤِيَتْ مَوَاضِعُهَا بَارِزَةً مُتَكَسِّرًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ كَأَنَّ أَطْرَافَهَا عِنْدَ مُنْقَطَعِ جَنْبَيْهَا ثَمَانِيَةٌ وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَانِيَةٍ مَعَ أَنَّ وَاحِدَ الْأَطْرَافِ مُذَكَّرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ كَمَا يُقَالُ : هَذَا الثَّوْبُ سَبْعٌ فِي ثَمَانٍ ، أَيْ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْبَارٍ ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرِ الْأَشْبَارَ أَنَّثَ لِتَأْنِيثِ الْأَذْرُعِ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلًّا مِنَ الْأَطْرَافِ عُكْنَةً تَسْمِيَةً لِلْجُزْءِ بِاسْمِ الْكُلِّ ، قِيلَ : وَهَذَا أَحْسَنُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى : إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْتَ تَمْشِي عَلَى سِتَّةٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ قُلْتَ : عَلَى أَرْبَعٍ ، فَكَأَنَّهُ يَعْنِي ثَدْيَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَطَرَفَيْ ذَلِكَ مِنْهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً ، وَإِنَّمَا نَقَصَ إِذَا أَدْبَرَتْ لِأَنَّ الثَّدْيَيْنِ يَحْتَجِبَانِ حِينَئِذٍ ، وَزَادَ الْكَلْبِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ إِنْ جَلَسَتْ تَثَنَّتْ ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ ، بَيْنَ رِجْلَيْهَا مِثْلُ الْإِنَاءِ الْمَكْفُوءِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ حَلَّقْتَ النَّظَرَ فِيهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، ثُمَّ أَجْلَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحِمَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالُوا : قَوْلُهُ تَغَنَّتْ مِنَ الْغُنَّةِ لَا مِنَ الْغِنَاءِ ، أَيْ تَتَغَنَّنُ فِي كَلَامِهَا مِنْ لِينِهَا وَرَخَامَةِ صَوْتِهَا ، يُقَالُ : تَغَنَّنَ وَتَغَنَّى مِثْلُ تَظَنَّنَ وَتَظَنَّى ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ ) الْمُخَنَّثُونَ ( عَلَيْكُمْ ) بِالْمِيمِ فِي جَمِيعِ النِّسْوَةِ لِلتَّعْظِيمِ ، كَقَوْلِهِ : وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُو وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدَا وَقَوْلِهِ : وَكَمْ ذَكَرْتُكِ لَوْ أُجْزَى بِذِكْرِكُمُو يَا أَشْبَهَ النَّاسِ كُلِّ النَّاسِ بِالْقَمَرِ وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَيْكُنَّ بِالنُّونِ . وَفِي شَرْحِ أَمَالِي الْقَالِي لِأَبِي عُبَيْدٍ الْبَكْرِيِّ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ يَدْخُلُونَ عَلَى النِّسَاءِ فَلَا يَحْجُبُهُمْ : هِيتٌ ، وَهَرَمٌ ، وَمَانِعٌ اهـ . فَكَأَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَؤُلَاءِ إِلَيْهِمْ . وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ حَبِيبٍ كَاتِبُ مَالِكٍ ، قُلْتُ لِمَالِكٍ : إِنَّ سُفْيَانَ زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنَةِ غَيْلَانَ : أَنَّ مُخَنَّثًا يُقَالُ لَهُ هِيتٌ ، فَقَالَ مَالِكٌ : صَدَقَ وَغَرَّبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحِمَى ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ذَاتُ الشِّمَالِ مِنْ مَسْجِدِهَا ، قَالَ حَبِيبٌ : وَقُلْتُ لِمَالِكٍ ، وَقَالَ سُفْيَانُ فِي الْحَدِيثِ : إِذَا قَعَدَتْ تَثَنَّتْ وَإِذَا تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ . فَقَالَ : صَدَقَ كَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَا سُفْيَانَ ، وَلَمْ يَقُلْ فِي نَسَقِ الْحَدِيثِ : إِنَّ مُخَنَّثًا يُدْعَى هَيْتًا ، إِنَّمَا قَالَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بَعْدَ تَمَامِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا إِذَا قَعَدَتْ إِلَخْ ، فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ وَلَا يُحْفَظُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ ، وَابْنِ الْكَلْبِيِّ ، فَعَجَبٌ مِنْ حَبِيبٍ يَحْكِيهِ عَنْ سُفْيَانَ وَأَنَّ مَالِكًا صَدَّقَهُ فَصَارَ رِوَايَةً عَنْهُمَا وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْهُمَا غَيْرَ حَبِيبٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ بِاتِّفَاقٍ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً وَهُوَ بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَيْتَ عِنْدِي مَنْ رَآهَا وَمَنْ يُخْبِرُنِي عَنْهَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مُخَنَّثٌ يُدْعَى هِيتًا : أَنَا أَنْعَتُهَا لَكَ : إِذَا أَقْبَلَتْ قُلْتَ تَمْشِي عَلَى سِتَّةٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ قُلْتَ تَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَرَى هَذَا إِلَّا مُنْكَرًا ، مَا أُرَاهُ إِلَّا يَعْرِفُ أَمْرَ النِّسَاءِ ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى سَوْدَةَ فَنَهَاهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَفَاهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى أُمِّرَ عُمَرُ فَجُهِدَ فَكَانَ يُرَخِّصُ لَهُ ، يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : يَعْنِي يَسْأَلُ النَّاسَ ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي خَطَبَهَا سَعْدٌ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا ابْنَةُ غَيْلَانَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَوْفٍ كَمَا مَرَّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا غَيْرُهَا وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِلَافِ السِّيَاقِ . وَأَخْرَجَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى هِيتًا فِي كَلِمَتَيْنِ تَكَلَّمَ بِهِمَا ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ : إِذَا فَتَحْتُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَعَلَيْكُمْ بِابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تُدْخِلُوهُمْ بُيُوتَكُمْ . وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : إن فَتَحْتَ الطَّائِفَ فَلَا تُفْلِتَنَّ مِنْكَ بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ هَذَا مِنْهُ : أَلَا أُرَى هَذَا الْخَبِيثَ يَفْطِنُ لِمَا أَسْمَعُ ، ثُمَّ قَالَ لِنِسَائِهِ : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ ، فَحُجِبَ عَنْ بَيْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ حَضَّ كُلًّا مِنْ سَيِّدِهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَخَالِدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الصِّدِّيقِ عَلَيْهَا وَوَصَفَهَا لَهُمْ بِتِلْكَ الْمَحَاسِنِ ، فَسَمِعَهُ الْمُصْطَفَى لَمَّا أَخْبَرَ سَيِّدَهُ وَابْنَ الصِّدِّيقِ ، وَبَلَغَهُ لَمَّا أَخْبَرَ خَالِدً ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : وَلَمْ يَزَلْ هِيتٌ بِالْمَكَانِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ حَتَّى وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ فَكُلِّمَ فِيهِ فَأَبَى رَدَّهُ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كُلِّمَ فِيهِ فَأَبَى ثُمَّ كُلِّمَ فِيهِ بَعْدُ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ كَبِرَ وَضَعُفَ وَاحْتَاجَ فَأَذِنَ لَهُ يَدْخُلُ كُلَّ جُمُعَةٍ يَسْأَلُ وَيَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهِ ، وَنَحْوُ هَذَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا مَعْشَرٍ قَالَ : أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغُرِّبَ إِلَى عَيْرِ جَبَلٍ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَشَفَعَ لَهُ نَاسٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَقَالُوا : إِنَّهُ يَمُوتُ جُوعًا فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ جُمُعَةٍ يَسْتَطْعِمُ ثُمَّ يَلْحَقُ بِمَكَانِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ . وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَصْلَ الْإِذْنِ فِي دُخُولِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَفَاعَةِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ كُلِّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ فِي رَدِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ رَأْسًا نَظَرًا لِمَنْ تَكَلَّمَ إِلَى أَنَّ تَعْزِيرَهُ بِالنَّفْيِ قَدِ اسْتوفي بتلك الْمُدَّةَ فَامْتَنَعَ الْعُمَرَانُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا نَقْضَ فِعْلِ الْمُصْطَفَى ، وَلَعَلَّ عُمَرَ زَادَ فِي مَنْعِهِ حَتَّى عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِقَطْعِ طَمَعِ مَنْ أَرَادَ إِدْخَالَهُ رَأْسًا إِلَى أَنْ وَصَفَ لَهُ حَالَهُ فَأَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ يَوْمَهَا ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1452 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ ، ثُمَّ إِنَّهُ فَارَقَهَا ، فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءً ، فَوَجَدَ ابْنَهُ عَاصِمًا يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : ابْنِي ، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : ابْنِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ، قَالَ : فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ . 1498 1452 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ ( يَقُولُ : كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) هِيَ جَمِيلَةُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، بِنْتُ ثَابِتِ ابْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ بِالْقَافِ وَاللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ ، الْأَنْصَارِيَّةُ أُخْتُ عَاصِمٍ ، كَانَ اسْمُهَا عَاصِيَةَ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيلَةَ ، تَزَوَّجَهَا عُمَرُ سَنَةَ سَبْعٍ ( فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) وُلِدَ فِي الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَمَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ سَنَتَانِ ، قَالَهُ كُلَّهُ فِي الِاسْتِيعَابِ . وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ : وُلِدَ فِي السَّادِسَةِ فَعَلَيْهِ يَكُونُ عُمَرُ تَزَوَّجَ أُمَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ عُمَرَ زَوَّجَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ شَهْرًا ثُمَّ قَالَ : حَسْبُكَ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِبَعْضِ مَا لَا يُرِيدُ إِلَّا عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ ، وَقَالَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ : ( أَنَا وَأَخِي عَاصِمٌ لَا نَغْتَابُ النَّاسَ ، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا حَتَّى أَنَّ ذِرَاعَهُ يَزِيدُ عَلَى نَحْوِ شِبْرَيْنِ ، وَهُوَ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأُمِّهِ ثُمَّ إِنَّهُ فَارَقَهَا ) فَتَزَوَّجَهَا يَزِيدُ بْنُ جَارِيَةَ ، بِالْجِيمِ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ( فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءً ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمَدِّ ، مُذَكَّرٌ ( فَوَجَدَ ابْنَهُ عَاصِمًا يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ ) أَيْ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ : ابْنُ سِتِّ سِنِينَ ( فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ ) لِأُمِّهِ الشَّمُوسُ ، بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، بِنْتُ أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيٍّ الْأَنْصَارِيَّةُ ، مَنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنْ أَوَّلِ من بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ هِيَ وَبِنْتُهَا ( فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ ) طَلَبَتْ أَخْذَهُ مِنْهُ فَامْتَنَعَ ( حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ) وَهُوَ خَلِيفَةٌ ( فَقَالَ عُمَرُ : ابْنِي ) فَأَنَا أَحَقُّ بِهِ ( وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ : ابْنِي ) فَأَنَا أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الصِّبْيَانِ مِنَ الرِّجَالِ . ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ ) وَخَلَّى بَيْنَهُمَا انْقِيَادًا لِلْحَقِّ ، وَمَاتَ عَاصِمٌ بِالرَّبَذَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَقَبْلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ . ( مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ ) وَهُوَ أَنَّ الْجَدَّةَ لِلْأُمِّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْحَضَانَةِ عَلَى الْأَبِ .
1449 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ فُلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصِي ؟ قَالَ : فَلْيُوصِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً قَالَ : فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمٍ ، فَبَاعَهَا أَهْلُهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ وَالسَّفِيهَ وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يَعْرِفُ بِذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ وَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ . 1493 1449 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، فَذُكِرَ ) بِضَمِّ الذَّالِ ( ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ فَلَانًا يَمُوتُ أَفَيُوصِي ؟ قَالَ : فَلْيُوصِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ أَوِ ثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، قَالَ : فَأَوْصَى بِبِئْرِ جُشَمَ ) لِابْنَةِ عَمِّهِ أُمِّ عَمْرٍو كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى ( فَبَاعَهَا أَهْلُهَا ) أَيِ الَّتِي أَوْصَى إِلَيْهَا بِهَا ( بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ) فِضَّةٍ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ هَذِهِ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ بَيَانِ سِنِّ الْغُلَامِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَفِيهِ صِحَّةُ وَصِيَّةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِمَا إِذَا عَقَلَ وَلَمْ يُخَلِّطْ ، وَأَحْمَدُ وَقَيَّدَهُ بِابْنِ سَبْعٍ وَعَنْهُ بِعَشْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ وَمَالَ إِلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ الْوَارِثَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ وَصِيَّةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ، وَمَنَعَهُمَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَظْهَرِ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ أَثَرِ عُمَرَ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ وَلَهُ شَاهِدٌ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ وَالسَّفِيهَ ) الْمُبَذِّرَ لِلْمَالِ ( وَالْمُصَابَ ) الْمَجْنُونَ ( الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانًا تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ مَا ) أَيْ تَمْيِيزٌ ( يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يَعْرِفُ بِذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ ، وَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ ) صَحِيحَةً ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّمْيِيزِ .
2 - بَاب جَوَازِ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ 1448 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ ، وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَلْيُوصِ لَهَا ، قَالَ : فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ : بِئْرُ جُشَمٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ : فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ . 2 - بَابُ جَوَازِ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمُصَابِ وَالسَّفِيهِ 1493 1448 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ( بْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ ( أَنَّ عَمْرَو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنَ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ( الزُّرَقِيَّ ) بِضَمِّ الزَّايِ ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي زُرَيْقٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَيُقَالُ لَهُ رُؤْيَةُ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ ( أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ هَاهُنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( غُلَامًا يَفَاعًا ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْفَاءِ بِزِنَةِ كَلَامٍ ، مُرْتَفِعًا ( لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَزْدِ ( وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ ، وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ ) فَهَلْ يُوصِي لَهَا ؟ ( فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَلْيُوصِ لَهَا ، قَالَ ) عَمْرٌو ( : فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ : بِئْرُ جُشَمَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ : فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَابْنَةُ عَمِّهِ ) أَيِ الْغُلَامِ ( الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ) رَاوِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ .
37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ 1 - بَاب الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1447 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبْدِلَهَا فَعَلَ إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا ، فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَلَا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ ، كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ . 37 - كِتَابُ الْوَصِيَّةِ 1 - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ 1492 1447 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) الثِّقَةِ الثَّبْتِ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا ) نَافِيَةٌ ، أَيْ لَيْسَ ( حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالْوَصْفُ بِهِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، أَوْ ذُكِرَ لِلتَّهْيِيجِ لِتَقَعَ الْمُبَادَرَةُ لِامْتِثَالِهِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْإِسْلَامِ عَنْ تَارِكِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الَّذِي يَمْتَثِلُ لِأَمْرٍ وَيَجْتَنِبُ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ لِمُسْلِمٍ ، وَوَصِيَّةُ الْكَافِرِ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَبَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهَا شُرِعَتْ زِيَادَةً فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَالْكَافِرُ لَا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَالْإِعْتَاقِ وَهُوَ يَصِحُّ مِنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ ( لَهُ شَيْءٌ ) صِفَةٌ لِامْرِئٍ ( يُوصَى فِيهِ ) صِفَةٌ لِشَيْءٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا حَقُّ امْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالْوَصِيَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَسَّرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، أَيْ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إِلَخْ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ . وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ عَوْنٍ جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طُرُقِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَالٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعِ ابْنَ عَوْنٍ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : إِنْ عَنَى عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِهِمَا فَمُسْلِمٌ ، لَكِنَّ الْمَعْنَى يُمْكِنُ أَنْ يَتَّحِدَ كَمَا يَأْتِي ، وَإِنْ عَنَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَمَرْدُودٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ لَهُ مَالٌ أَوْلَى عِنْدِي مِنْ رِوَايَةِ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْمَالِ ، كَذَا قَالَ وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا فَرِوَايَةُ شَيْءٌ أَشْمَلُ لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْمُتَمَوِّلَ وَغَيْرَهُ كَالْمُخْتَصَّاتِ اهـ . ( يَبِيتُ ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِمُسْلِمٍ ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ آمَنَّا أَوْ ذَاكِرًا أَوْ مَوْعُوكًا كَمَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ ، وَالْخَبَرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ( يَبِيتُ ) خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ : مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَةُ لَيْلَتَيْنِ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَارْتَفَعَ الْفِعْلُ بَعْدَ حَذْفِ ( أَنْ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ( سورة الرُّومِ : الْآيَةُ 24 ) قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغَيُّرُ الْمَعْنَى أَيْضًا ، وَإِنَّمَا قَدْ رَأَتْ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ مُبْتَدَأٌ فَيُقَدَّرَانِ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً ، فَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ يَعْلَمُ هَذَا وَيَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى ، وَرَدَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ أَنْ يَبِيتَ فَصَرَّحَ بِأَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ فَسَادٌ وَلَا تَغَيُّرُ مَعْنًى إِذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ ظَرْفٌ وَالْآيَةُ مُبْتَدَأٌ ، فَاخْتِلَافُ الْإِعْرَابِ فِيهِمَا لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْقِيَاسِ ؛ إِذِ التَّنْظِيرُ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيرِ أَنَّ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَابِ ، وَالْفِعْلُ مَرْفُوعٌ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ( لَيْلَتَيْنِ ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ . وَلِأَبِي عَوَانَةَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ : لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ . وَلِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، وَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا ، فَفُسِحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرُ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ ، وَالْمَعْنَى : لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَلَوْ قَلَّ ( إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ ) بِخَطِّهِ أَوْ بِغَيْرِ خَطِّهِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي تَخْصِيصِ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ بِالذِّكْرِ تَسَامُحٌ فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ، أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ زَمَنًا مَا وَقَدْ سَامَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَجَاوُزُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا أَثْبَتُ مِنَ الضَّبْطِ بِالْحِفْظِ لِأَنَّهُ يَخُونُ غَالِبًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ . وَخَصَّ أَحْمَدُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ أَيْ بِشَرْطِهَا مَشْهُودٌ عَلَيْهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِضْمَارَ الْإِشْهَادِ فِيهِ بَعْدُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا لَهُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 106 ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَصِيَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَكَرَ الْكِتَابَةَ مُبَالَغَةً فِي زِيَادَةِ التَّوَثُّقِ وَإِلَّا فَالْوَصِيَّةُ الْمَشْهُودُ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً اهـ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ : إِذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةٌ بِخَطِّ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ وَعُلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ وَلَا يَعْزِمُ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَدَاوُدُ وَآخَرُونَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِهَا حَتَّى نَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى الْإِجْمَاعِ سِوَى مَنْ شَذَّ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَعَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا حَقُّ الْجَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْجَأُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وَصِيَّةٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ ، وَبِهَذَا أَجَابَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحَقُّ لُغَةً الشَّيْءُ الثَّابِتُ ، وَيُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ أَيْضًا لَكِنْ بِقِلَّةٍ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ : فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ عَلَى أَوْ نَحْوُهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ ، بَلِ اقْتَرَنَ هَذَا الْحَقُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ تَفْوِيضُهُ الْوَصِيَّةَ إِلَى إِرَادَةِ الْمُوصِي فِي رِوَايَةِ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا عَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ لَا يَحِلُّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ رَاوِيهَا ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى ، وَأَرَادَ بِنَفْيِ الْحِلِّ ثُبُوتَ الْجَوَازِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ . وَأَجَابَ أَبُو ثَوْرٍ بِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ يُخْشَى ضَيَاعُهُ عَلَى صَاحِبِهِ إِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ وَدَيْنٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَنْجِيزِهِ وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا ، فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِهِ سَاغَ لَهُ ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجِبُ لِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ لِعَيْنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلْغَيْرِ بِتَنْجِيزٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، وَمَحِلُّ وُجُوبِهَا إِذَا عَجَزَ عَنْ تَنْجِيزِ مَا عَلَيْهِ وَكَانَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ ، فَإِنْ قَدَرَ أَوْ عَلِمَ غَيْرُهُ فَلَا وُجُوبَ ، فَعُلِمَ أَنَّهَا قَدْ تَجِبُ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَجَا مِنْهَا كَثْرَةَ الْأَجْرِ ، وَقَدْ تُكْرَهُ فِي عَكْسِهِ وَتُبَاحُ فِيمَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ ، فَتُحَرَّمُ كَمَا إِذَا كَانَ فِيهَا إِضْرَارٌ لِحَدِيثِ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، رَفَعَهُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ فَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا تَرَكَهَا ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى ، عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ : لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَةٌ عِنْدِي . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُوصِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : أَلَا تُوصِي ؟ قَالَ : أَمَّا مَالِي فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِهِ ، وَأَمَا رِبَاعِي فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَ وَلَدِي فِيهَا أَحَدٌ . وَجَمَعَ الْحَافِظُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ وَيَتَعَاهَدُهَا ثُمَّ صَارَ يُنْجِزُ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ مُعَلَّقًا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي قَوْلِهِ لَهُ شَيْءٌ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَمَنَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَمُطْلَقُهَا يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ ، لَكِنْ خَصَّهَا السَّلَفُ بِالْمَرِيضِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْخَبَرِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِهِ ، وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى التَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ وَالِاحْتِرَازِ قَبْلَ الْفَوْتِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَأُهُ الْمَوْتُ ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِنٍّ يُفْرَضُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْعٌ جَمٌّ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ جَائِزٌ أَنْ يَمُوتَ فِي الْحَالِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ وَيَجْمَعَ فِيهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ وَيَحُطُّ عَنْهُ الْوِزْرَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ ، وَأُسَامَةُ اللَّيْثِيُّ ، وَيُونُسُ ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَةُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، مَصْدَرٌ كَالْعِتْقِ ( رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ) كَوَصِيَّةٍ بِمَالٍ ( فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ ) يُبَدِّلُ ( مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ ) لِأَنَّ عَقْدَهَا مُنْحَلٌّ ( وَيَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ) فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُبَدِّلْ لَزِمَتْ فِي ثُلُثِهِ . ( وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ ) يُلْقِيَ ، أَيْ يُبْطِلَ ( تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَيُبْدِلَهَا ) بِغَيْرِهَا ( فَعَلَ ) بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِلَا إِبْدَالٍ ( إِلَّا أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكًا ) لَهُ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٌ بِنَحْوِ أَنْ يَقُولَ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ( فَإِنْ دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ ) لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ ) قَالَ الطِّيبِيُّ ، وَالْكِرْمَانِيُّ : مَا نَافِيَةٌ وَلَهُ شَيْءٌ صِفَةُ امْرِئٍ وَيُوصَى فِيهِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ وَيَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَالْمُسْتَثْنَى خَبَرٌ ، وَمَفْعُولُ ( يَبِيتُ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : ذَاكِرًا أَوْ آمِنًا . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : تَقْدِيرُهُ مَوْعُوكًا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْوَصِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَرِيضِ ، نَعَمْ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَا يُنْدَبُ أَنْ يَكْتُبَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَقَّرَةِ وَلَا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْوَفَاءِ لَهُ عَنْ قُرْبٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيتِهِ وَلَا مَا ذَكَرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ ) مَنَعَ ( مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ مِنَ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا ) فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ ( وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ لَزِمَ الْحَجْرُ ( وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ غَيْرَ التَّدْبِيرِ ) لِأَنَّهُ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ .
7 - باب الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ وَضَمَانِهَا قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ الثِّيَابِ أَوْ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ ، فَيُرَدُّ وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ وَلَيْسَ يَوْمَ يَرُدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَمِنَهَا مِنْ يَوْمَ قَبَضَهَا فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُقْصَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ ، فَبِذَلِكَ كَانَ نِمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا لَهُ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْبِضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا ، ثُمَّ يَرُدُّهَا فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنُهَا ذَلِكَ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا ، وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ يَقْبِضُهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ أَوْ يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا وَقِيمَتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبْضِهِ . قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا ؛ فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ إِمَّا فِي سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي شَأْنِهِ وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ السَّارِقُ ثُمَّ يُؤْخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ قَطْعِهِ بِالَّذِي يَضَعُ عَنْهُ حَدًّا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ ، وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ أَخَذَهَا إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ . 7 - بَابُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ وَضَمَانِهَا - ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزٍ فَيُرَدُّ وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ دَخَلَهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ ) لِتَغَيُّرِ سُوقِهَا وَنَحْوِهِ ( فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ وَلَيْسَ يَوْمَ يَرُدُّ ذَلِكَ إِلَيْهِ ) لِأَنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ يَوْمَ الْقَبْضِ ( وَذَلِكَ أَنَّهُ ضمها مِنْ يَوْمَ قَبَضَهَا ) لِأَنَّ ضَمَانَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ ( فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُقْصَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ فَبِذَلِكَ ) أَيْ بِسَبَبِهِ ( كَانَ نَمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا ) عُطْلُ تَفْسِيرٍ ( لَهُ ، وأن الرَّجُلَ يَقْبِضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ ) بِالْقَافِ ، رَابِحَةٌ ( مَرْغُوبٌ فِيهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فِي زَمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ ) بَائِرَةٌ كَاسِدَةٌ ( لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ ، فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنُهَا ذَلِكَ ) أَيِ الْعَشَرَةُ ( ثُمَّ يَرُدُّهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ) لِكَسَادِهَا ( فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ يَقْبِضُهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ ، أَوْ يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ ثُمَّ يَرُدُّهَا ، وَقِيمَتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ ، إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبْضِهِ ) وَذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا ، فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) بِأَنْ بَلَغَ النِّصَابَ ( كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ إِمَّا فِي ) أَيْ بِسَبَبِ ( سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي شَأْنِهِ ) أَيَلْزَمُهُ الْقَطْعُ أَمْ لَا ؟ ( وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ( السَّارِقُ ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ ) أَيْ تَأْخِيرُ ( قَطْعِهِ ) لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ( بِالَّذِي يَضَعُ ) يُسْقِطُ ( عَنْهُ حَدًّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ ، وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ) مُبَالَغَةً ( وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ أَخْذِهَا ) لِنَقْصِ ثَمَنِهَا عَنِ النِّصَابِ ( إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ) فَالْعِبْرَةُ بِيَوْمِ السَّرِقَةِ .
3 - بَاب الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى 1450 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، فَقُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ، فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ ، وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ فَيَقُولُ : لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، وَلِفُلَانٍ : كَذَا وَكَذَا يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ ، وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ ، إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ . 3 - بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ لَا يتَعَدَّى 1495 1450 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ) الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، أَحَدُ الْعَشَرَةِ ( أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ ، يَزُورُنِي ( عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) سَنَةَ عَشْرٍ ، هَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ إِلَّا ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ : بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتْحَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ وَجَدْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَنَدًا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْقَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ فَخَلَفَ سَعْدًا مَرِيضًا حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَإِنِّي أُورَثُ كَلَالَةً أَفَأُوصِي بِمَالِي ؟ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَيِّتٌ أَنَا بِالدَّارِ الَّتِي خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا ؟ قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَكَ اللَّهُ حَتَّى يَنْفَعَ بِكَ أَقْوَامًا . الْحَدِيثَ ، فَلَعَلَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا ، وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ فَقَطْ ( مِنْ وَجَعٍ ) اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ ( اشْتَدَّ بِي ) أَيْ قَوِيَ عَلَيَّ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى ) أَيِ الْغَايَةَ ( وَأَنَا ذُو مَالٍ ) كَثِيرٍ ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ لِلْكَثْرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : ذُو مَالٍ كَثِيرٍ ( وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ أَوْ مِنْ خَوَاصِّ الْوَرَثَةِ أَوْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لِسَعْدٍ عَصَبَاتٌ لِأَنَّهُ مِنْ زُهْرَةَ وَكَانُوا كَثِيرًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ أَوْ خَصَّهَا بِذِكْرٍ عَلَى تَقْدِيرِ : لَا يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ وَالْعَجْزَ إِلَّا ابْنَةٌ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ أَوِ اسْتَكْثَرَ لَهَا التَّرِكَةَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذِهِ الْبِنْتُ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ أَنَّ اسْمَهَا عَائِشَةُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهِيَ غَيْرُ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْوَصَايَا وَالطِّبِّ ، وَهِيَ تَابِعِيَّةٌ عَمَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا مَالِكٌ وَرَوَى عَنْهَا ، وَمَاتَتْ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّسَّابِينَ لِسَعْدٍ ابْنَةً تُسَمَّى عَائِشَةَ غَيْرَ هَذِهِ ، وَذَكَرُوا أَنَّ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ أُمُّ الْحَكَمِ الْكُبْرَى وَأُمُّهَا بِنْتُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَذَكَرُوا لَهُ بَنَاتٍ أُخْرَى أُمَّهَاتُهُنَّ مُتَأَخِّرَاتُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنْتَ هِيَ أُمُّ الْحَكَمِ الْمَذْكُورَةُ لِتَقَدُّمِ تَزْوِيجِ سَعْدٍ بِأُمِّهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ . وَقَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ : وَهَمَ مَنْ قَالَ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ . ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ ) بِالتَّثْنِيَةِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِخْبَارِ ، هَكَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا فِي الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلًا عَنِ الْكُلِّ ثُمَّ عَنِ الثُّلُثَيْنِ ثُمَّ عَنِ النِّصْفِ ثُمَّ عَنِ الثُّلُثِ ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَبِكِيرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنِ النَّسَائِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّصَدُّقِ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّنْجِيزَ لِأَنَّ الْمَخْرَجَ مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، قَالَ ) سَعْدٌ ( فَقُلْتُ : فَالشَّطْرِ ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى ثُلُثَيْ مَالِي ، أَيْ : فَأَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ ؟ وَقَيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، أَيْ : أُسَمِّي أَوْ أُعَيِّنُ الشَّطْرَ ، وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَمَالِيهِ الْجَرَّ ، قَالَ : لِأَنَّ النِّصْفَ بِإِضْمَارِ أَفْعَلُ وَالْخَفْضُ مَرْدُودٌ ، أَيْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ثُلُثَيْ مَالِي وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ أَتَصْدَّقُ بِهِ . ( قَالَ : لَا ) وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : النِّصْفُ كَثِيرٌ ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ . ( ثُمَّ قَالَ ) بَعْدَ أَنْ سَأَلَ عَنِ الثُّلُثِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُّلُثَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوَ : عَيِّنِ الثُّلُثَ ، وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : مَشْرُوعٌ الثُّلُثُ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، أَيِ : الثُّلُثُ كَافٍ ، أَوْ فَاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ ، أَيْ : يَكْفِيكَ الثُّلُثُ . ( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) بِمُثَلَّثَةٍ ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَسُوقٌ بِالنِّسْبَةِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالثُّلُثِ ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ ، أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهِ ، يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبُعِ لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ، وَغَضَّ بِغَيْنٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ ، أَيْ نَقَصَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ : كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ سَعْدٍ : أَوْصَيْتُ بِمَالِي كُلِّهِ ، قَالَ : فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ ، أَوْصِ بِالْعُشُرِ ، فَمَا زَالَ يَقُولُ وَأَقُولُ حَتَّى قَالَ : أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ . يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُوَطَّأِ التِّنِّيسِيِّ بِالشَّكِّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمَحْفُوظُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ اهـ . وَبِهِ يُعْلَمُ تَسَمُّحُ مَنْ قَالَ : رُوِيَ بِمُثَلَّثَةٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالشَّكِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ الْعُلَمَاءِ فِي قَصْرِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الثُّلُثِ لَا أَصْلَ لَهُمْ غَيْرَهُ . ( إِنَّكَ ) بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِالْفَتْحِ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ ، أَيْ لِأَنَّكَ ( أَنْ تَذَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، تَتْرُكَ ( وَرَثَتَكَ ) بِنْتَكَ الْمَذْكُورَةَ وَأَوْلَادَ أَخِيكَ هَاشِمِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الصَّحَابِيِّ وَإِخْوَتِهِ ، فَعَبَّرَ بِوَرَثَةٍ لِيُدْخِلَ الْبِنْتَ وَغَيْرَهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ مَاتَ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ( أَغْنِيَاءَ ) بِمَا تَتْرُكُ لَهُمْ ( خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً ) فُقَرَاءَ ، جَمْعُ عَائِلٍ وَفِعْلُهُ يُعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِأَكُفِّهِمْ ، يُقَالُ : تَكَفَّفَ النَّاسَ وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفَّهُ لِلسُّؤَالِ ، أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفُّ عَنْهُ الْجُوعَ ، أَوْ سَأَلَ كَفَافًا مِنْ طَعَامِ ، أَوِ الْمَعْنَى يَطْلُبُونَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَكُفِّ النَّاسِ ، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : وَأَنَا ذُو مَالٍ يُؤْذِنُ بِكَثْرَتِهِ ، فَإِذَا تَصَدَّقَ بِثُلُثَيْهِ أَوْ شَطْرِهِ وَأَبْقَى ثُلُثَهُ بَيْنَ بِنْتِهِ وَغَيْرِهَا لَا يَصِيرُونَ عَالَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى التَّقْدِيرِ لِأَنَّ بَقَاءَ الْمَالِ الْكَثِيرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ ، إِذْ لَوْ تَصَدَّقَ الْمَرِيضُ بِثُلُثَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ طَالَتْ حَيَاتُهُ وَنَقَصَ وَفَنِيَ الْمَالُ فَقَدْ تجحف الْوَصِيَّةُ بِالْوَرَثَةِ ، فَرَدَّ الشَّارِعُ الْأَمْرَ إِلَى شَيْءٍ مُعْتَدِلٍ وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَقَدْ رُوِيَ : أَنْ تَذَرَ ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا مَعْنَى لِلشَّرْطِ هُنَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَا جَوَابَ لَهُ وَيَبْقَى خَيْرٌ لَا رَافِعَ لَهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : سَمِعْنَاهُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ بِالْكَسْرِ ، وَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ الْخَشَّابِ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ الْكَسْرُ لِأَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهُ لِخُلُوِّ لِفْظَةِ ( خَيْرٌ ) مِنَ الْفَاءِ وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتُرِطَ فِي الْجَوَابِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَقْدِيرِهِ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : جَزَاءُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ خَيْرٌ وَحَذْفُ الْفَاءِ جَائِزٌ كَقِرَاءَةِ طَاوُسٍ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 220 ) أَيْ فَهُوَ خَيْرٌ ، وَمِنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ كَقَوْلِهِ : مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرْهَا . فَقَدْ بَعُدَ عَنِ التَّحْقِيقِ وَضَيَّقَ حَيْثُ لَا ضِيقَ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ قَلِيلٌ فِي غَيْرِهِ ، قَالَ : وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ ، أَيْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا بِحَذْفِ الْفَاءِ ، وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ : إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ مَا هُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، فَقَالَ : ( وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا ) تَطْلُبُ ( وَجْهَ اللَّهِ ) ذَاتَهُ عَزَّ وَجَلَّ ( إِلَّا أُجِرْتَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ كَأَنَّهُ قِيلَ : لَا تَفْعَلْ لِأَنَّكَ إِنْ مِتَّ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ عِشْتَ تَصَدَّقْتَ وَأَنْفَقْتَ ، فَالْأَجْرُ حَاصِلٌ لَكَ فِي الْحَالَيْنِ ، وَنَبَّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ ( حَتَّى مَا تَجْعَلُ ) أَيِ الَّذِي تَجْعَلُهُ ( فِي فِي ) أَيْ فَمِ ( امْرَأَتِكَ ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : اللُّقْمَةُ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ . وَقَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ تَجْعَلُ بِالرَّفْعِ وَ مَا كَافَّةٌ كَفَّتْ حَتَّى عَمَلَهَا تَعَقَبَّهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّرْكِيبِ حِينَئِذٍ إِنْ تَأَمَّلْتَ ، بَلْ هِيَ اسْمٌ مَوْصُولٌ وَحَتَّى عَاطِفَةٌ ، أَيْ إِلَّا أُجِرْتَ بِتِلْكَ النَّفَقَةِ حَتَّى بِالشَّيْءِ الَّذِي تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ، وَلَا يُرَدُّ أَنَّ شَرْطَ حَتَّى الْعَاطِفَةِ عَلَى الْمَجْرُورِ وَإِعَادَةِ الْخَافِضِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَالِكٍ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا تَتَعَيَّنَ لِلْعَطْفِ نَحْوَ : عَجِبْتُ مِنَ الْقَوْمِ حَتَّى بَنِيهِمْ ، وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَخْفُوضِ بِغَيْرِ إِعَادَةِ الْخَافِضِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ نَثْرًا وَنَظْمًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْعَطْفَ عَلَى الْمَنْصُوبِ الْمُتَقَدِّمِ ، أَيْ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً حَتَّى الشَّيْءَ الَّذِي تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ ، لَاسْتَقَامَ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ اهـ . وَوَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا بِالْوَصِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ سَعْدٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَغِبَ فِي كَثْرَةِ الْأَجْرِ ، فَلَمَّا مَنَعَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ سَلَّاهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُهُ فِي مَالِهِ مِنْ صَدَقَةٍ نَاجِزَةٍ وَمِنْ نَفَقَةٍ وَلَوْ وَاجِبَةٍ يُؤْجَرُ بِهَا إِذَا ابْتَغَى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِاسْتِمْرَارِ نَفَقَتِهَا دُونَ غَيْرِهَا . قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَجْرَ الْوَاجِبِ يَزْدَادُ بِالنِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَاجِبٌ وَفِيهِ الْأَجْرُ ، فَإِذَا نَوَى بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ازْدَادَ أَجْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ : أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوطٌ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا عَسِرٌ إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ الْغَرَضَ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، وَيَشُقَّ تَخْلِيصُ هَذَا الْقَصْدِ مِمَّا يَشُوبُهُ ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أُثِيبَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : حَتَّى مَا تَجْعَلُ لَا تَخْصِيصَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ ، وَلَفْظَةُ حَتَّى هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَحْصِيلِ الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى ، كَمَا يُقَالُ : جَاءَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ . هَذَا وَقَوْلُ الزَّيْنِ ابْنِ الْمُنِيرِ عَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ وَلَمْ يَقُلْ بَنِيكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَوْتِهِ مِنَ الْمَرَضِ وَبَقَائِهَا بَعْدَهُ حَتَّى تَرِثَهُ ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَمُوتَ قَبْلَهُ ، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ كُلِّيٍّ مُطَابِقٍ لِكُلِّ حَالَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَرَثَتَكَ وَلَمْ يَخُصَّ بِنْتًا مِنْ غَيْرِهَا . تَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْ تَذَرَ بِنْتَكَ لَيْسَ مُتَعَيَّنًا لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا ، فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَوْلَادٌ إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الصَّحَابِيُّ ، قُتِلَ بِصِفِّينَ ، فَعَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ لِتَدْخُلَ الْبِنْتُ وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُ لَوْ مَاتَ إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَبَّرَ بِوَرَثَتِكَ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا يَعِيشُ وَيَأْتِيهِ أَوْلَادٌ غَيْرُ الْبِنْتِ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ لَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ قُصُورٌ شَدِيدٌ ، فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ ، وَمُصْعَبٍ ، وَمُحَمَّدٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ أَبِيهِمْ سَعِدٍ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ ، عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الثَّلَاثَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَيْهِمْ فَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ ذُكُورٍ غَيْرَهُمْ عُمَرَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَيَحْيَى ، وَإِسْحَاقَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ ، وَفَاتَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ غَيْرِ السَّبْعَةِ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرٌو وَعِمْرَانُ ، وَصَالِحٌ ، وَعُثْمَانُ ، وَإِسْحَاقُ الْأَصْغَرُ ، وَعُمَرُ الْأَصْغَرُ ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ لَهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِنْتًا ، وَكَأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْهُمْ . ( قَالَ ) سَعْدٌ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأُخَلَّفُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ ( بَعْدَ أَصْحَابِي ) الْمُنْصَرِفِينَ مَعَكَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ مَرَضِي ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ بِهَا لِكَوْنِهِمْ هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ ) بَعْدَ أَصْحَابِكَ ( فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ ) أَيْ بِالْعَمَلِ ( دَرَجَةً وَرِفْعَةً ) عِنْدَ اللَّهِ ( وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ ) بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُكَ فَلَا تَمُوتَ بِمَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ ، أَيْ يُطِيلَ عُمُرَكَ ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ) أَيِ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ بِمَا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ . ( وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ) وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْهَالِكُونَ عَلَى يَدَيْكَ وَجُنْدِكَ . وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّفْعَ مَا وَقَعَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْفُتُوحِ كَالْقَادِسِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَبِالضُّرِّ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْمِيرِ ابْنِهِ عُمَرَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ وَمَنْ مَعَهُ . وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ بِلَا ضَرُورَةٍ تُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ الضُّرِّ الْحَاصِلِ مِنْ وَلَدِهِ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ هُوَ الضَّرَرُ لِلْكُفَّارِ . وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَمَّا أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ أُتِيَ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا فَاسْتَتَابَهُمْ ، فَتَابَ بَعْضُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُمْ ، فَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ تَابَ وَحَصَلَ الضَّرَرُ لِلْآخَرِينَ ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ فَإِنَّهُ عَاشَ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ وَحَصَلَ نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَضُرُّ الْكُفَّارِ ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . ( اللَّهُمَّ أَمْضِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنَ الْإِمْضَاءِ وَهُوَ الْإِنْفَاذُ ، أَيْ أَتْمِمْ ( لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) الَّتِي هَاجَرُوهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ( وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) بِتَرْكِ هِجْرَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ مُسْتَقِيمِ حَالِهِمْ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِالْمَرَضِ أَحَدٌ لِأَجْلِ حُبِّ الْوَطَنِ . ( لَكِنِ الْبَائِسُ ) بِمُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ ، أَيْ شِدَّةُ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ ( سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَلَامٍ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ ، الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ ، وَقِيلَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ ، وَقِيلَ مِنْ مَوَالِيهِمْ ، وَقِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ ، حَالَفَ بَنِي عَامِرٍ وَشَهِدَ بَدْرًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي اسْمِهِ خَوْلِيٌّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ بِسُكُونِ الْوَاوِ ، وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيُّ فَقَالَ بِفَتْحِهَا . وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ . وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ : يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عَفْرَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : هُوَ وَهْمٌ ، وَالْمَعْرُوفُ ابْنُ خَوْلَةَ ، قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَهْمَ مِنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، فَالزُّهْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْهُ اهـ . وَقَدْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ . وَقَالَ التَّيْمِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ لِأُمِّهِ اسْمَيْنِ خَوْلَةَ وَعَفْرَاءَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْمٌ وَالْآخَرُ لَقَبٌ ، أَوْ أَحَدُهُمَا اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمُ أَبِيهِ أَوِ الْآخَرُ اسْمُ جَدَّةٍ لَهُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ عَفْرَاءَ اسْمُ أُمِّهِ وَالْآخَرُ اسْمُ أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَةُ أَوْ خَوْلِيٌّ ( يَرْثِي ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ، يَتَوَجَّعُ وَيَتَحَزَّنُ ( لَهُ ) لِأَجْلِهِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَا يَصِحُّ كَسْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَهُوَ كَانَ قَدْ ( مَاتَ بِمَكَّةَ ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِهِ جَزَمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : مَاتَ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ سَنَةَ سَبْعٍ ، فَتَوَجَّعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْتِهِ فِي أَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَمْ يُهَاجِرْ ، فَسَبَبُ بُؤْسِهِ عَدَمُ هِجْرَتِهِ ، فَإِنَّمَا بُؤْسُهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْإِقَامَةَ فِي أَرْضٍ هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا مَعَ حُبِّهِمْ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى ؛ فَلِذَا خَشِيَ سَعْدٌ أَنْ يَمُوتَ بِهَا ، وَتَوَجَّعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِهَا ، وَرُوِيَ أَنَّهُ خَلَّفَ مَعَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَجُلًا وَقَالَ : إِنْ تُوفِّيَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا . وَالرِّثَاءُ يُطْلَقُ عَلَى التَّوَجُّعِ وَالتَّحَزُّنِ وَهَذَا هُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُصْطَفَى ، وَيُطْلَقُ عَلَى ذِكْرِ أَوْصَافِ الْمَيِّتِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَاللَّوْعَةِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرَاثِي وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : نَهَانَا أَنْ نَتَرَاثَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : زَعَمَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ : يَرْثِي إِلَخْ ، مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ ، لَكِنْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، قَالَ سَعْدٌ يَرْثِي لَهُ إِلَخْ ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وَصْلِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِإِدْرَاجِهِ . وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا : ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ وَجْهِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهَا . وَلِمُسْلِمٍ : قُلْتُ : فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَشْفِيَنِي ، قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ زِيَارَةِ الْمَرِيضِ لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونَهُ ، وَيَتَأَكَّدُ بِاشْتِدَادِ الْمَرَضِ وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَمَسْحِ وَجْهِهِ وَالْعُضْوِ الَّذِي يَأْلَمُهُ وَالْفَسْحِ لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ ، وَجَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرِيضِ بِشِدَّةِ مَرَضِهِ وَقُوَّةِ أَلَمِهِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِمَّا يُمْنَعُ أَوْ يُكْرَهُ مِنَ التَّبَرُّمِ وَعَدَمِ الرِّضَا بَلْ لِطَلَبِ دُعَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاتِّصَافَ بِالصَّبْرِ الْمَحْمُودِ ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ أَثْنَاءَ الْمَرَضِ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بَعْدَ الْبُرْءِ أَجْوَزَ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا لًا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ قَامَ غَيْرُهُ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ مَقَامَهُ ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوتَ فِي الدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَفُوتَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَجْرِ هِجْرَتِهِ ، فَأَخْبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَارِ هِجْرَتِهِ فَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْرٌ يُعَوِّضُ مَا فَاتَهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، وَالْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَأَنَّ صِلَتَهُمْ أَفْضَلُ ، وَالْإِنْفَاقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ صَارَ طَاعَةً ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلِّ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْعَادِيَّةِ ، وَهِيَ وَضْعُ اللُّقْمَةِ فِي فَمِ الزَّوْجَةِ ؛ إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُمَازَحَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَرُ فَاعِلُهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا ، فَكَيْفَ بِمَا فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلًا مَحْضًا وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَحَظِّ الْأَنْفَعِ ، وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءُ ، وَلَنَفَّذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتِهِمْ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ مَحْضٌ فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ لَا لِلزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى الْمُوصِي قَالَ : إِلَّا أَنَّ الِانْحِطَاطَ عَنْهُ أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ فُقَرَاءَ ، وَفِيهِ الِاسْتِفْسَارُ عَنِ الْمُجْمَلِ إِذَا احْتَمَلَ وُجُوهًا ؛ لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ الْمَنْعُ فِيمَا دُونَهُ وَالْجَوَازُ فَاسْتَفْسَرَ عَنْهُ ، وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ الْوَاحِدِ يَعُمُّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ لِلْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ كَمَا مَرَّ ، وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهِ لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَهَا فَرْضَهَا ثُمَّ يَرُدُّونَ عَلَيْهَا الْبَاقِيَ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَرِثُ الْجَمِيعَ ابْتِدَاءً ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ ، وَتَابَعَ شَيْخَهُ الزُّهْرِيَّ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ . ( مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ وَيَقُولُ : غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَانًا مَا عَاشَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ ) بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ ( فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ، فيؤخذ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ ، قَالَ : فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ ) وَفِي نُسْخَةٍ الْغُلَامِ ( تُقَوَّمُ ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ ، يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوِّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ بِقِدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ عَتَقَ الْعَبْدُ ) عَمَلًا بِالْوَصِيَّةِ . ( مَالِكٌ : فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا يُسَمِّي مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَيَقُولُ وَرَثَتُهُ : قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ ) الْبَاقِيَ بَعْدَ إِعْطَائِهِمْ ( وَبَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ فيكون حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرَادُوا بَالِغًا مَا بَلَغَ ) لِأَنَّ الْوَرَثَةَ كَمَا لَمْ يُمَكِّنُوا الْمَيِّتَ مِنْ بَخْسِ حُقُوقِهِمْ فَلَا يَبْخَسُونَ حَقَّهُ ، فَإِمَّا أَجَازُوا فِعْلَهُ وَإِلَّا دَفَعُوا جَمِيعَ مَالِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَتُلَقَّبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِخَلْعِ الثُّلُثِ وَلَهَا صُوَرٌ فِي الْفُرُوعِ .
5 - باب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْحِيَازَةِ قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضٌ ؛ جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ أَبَى أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ : لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُثُهُ ، فَيَأْذَنُونَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ ، فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ وَمَا أُذِنَ لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ . قَالَ : فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ فَيَأْذَنُونَ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إِنْ شَاءُوا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ خَرَجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ ، فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ ، فَإِنْ سَأَلَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيَفْعَلُ ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَبَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ : فُلَانٌ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ضَعِيفٌ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ . قَالَ : وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ ، فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْطَى بَعْضَ وَرَثَتِهِ شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ : فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَلَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 5 - بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَالْحِيَازَةِ ( سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَوْلُ ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ وَالرَّفْعُ أَيْ وَهِيَ قَوْلُ ( اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا أَيْ مَالًا الْوَصِيَّةُ مَرْفُوعٌ نَائِبُ فَاعِلٍ بِكُتِبَ ، وَمُتَعَلِّقُ إِذَا إِنْ كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَدَالًّا عَلَى جَوَابِهَا إِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً ، وَجَوَابُ إِنْ فَلْيُوصِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( نَسَخَهَا مَا نَزَلَ مِنْ قِسْمَةِ الْفَرَائِضِ ) لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ ( فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا لَا أَنَّهُ فِي تَفْسِيرٍ وَأَخْبَارٍ كَمَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ ، وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْمُوصِي مِنَ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّفْضِيلِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْفَرَائِضِ ، وَقِيلَ بِحَدِيثِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَقِيلَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ دَلِيلُهُ ، وَزَعَمَ ابْنُ سُرَيْجٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مُكَلَّفِينَ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَدْرِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي فِي عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَهَا ، وَشَدَّدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بَلْ مَخْصُوصَةً لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ أَعَمُّ مِنَ الْوَارِثِ ، فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِجَمِيعِهِمْ فَخَصَّ مِنْهَا مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ لِآيَةِ الْفَرَائِضِ وَالْحَدِيثِ ، وَبَقِيَ حَقُّ مَنْ لَا يَرِثُ مِنَ الْأَقْرَبِينَ عَلَى حَالِهِ ( مَالِكٌ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ ) لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَعَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَعَنْ جَابِرٍ كِلَاهُمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ وَلَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا ، بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى أَنَّ الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَقَالَ : وَجَدْنَا أَهْلَ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . وَيَأْثُرُونَهُ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقَوْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَكَانَ نَقْلَ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ ، وَنَازَعَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ قَضِيَّةُ نَصِّ الْمُوَطَّأِ ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا لِلْوَارِثِ عَدَمُ اللُّزُومِ ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ . ( إِلَّا أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ ، وَإِنَّهُ إِنْ أَجَازَ لَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضٌ جَازَ لَهُ حَقُّ مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ وَمَنْ أَبَى أَخَذَ حَقَّهُ ) لِأَنَّ الْمَنْعَ فِي الْأَصْلِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ ، فَإِذَا أَجَازُوهُ لَمْ يَمْتَنِعْ ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ الْوَرَثَةُ . وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَإِنْ أُعِلَّ بِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ عَطَاءً هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى دَاوُدَ ، وَالْمُزَنِيِّ فِي قَوْلِهِمَا : إِنَّهَا بَاطِلَةٌ لِلْوَارِثِ وَلِغَيْرِهِ بِأَزْيَدَ مِنَ الثُّلُثِ ، لَوْ أَجَازَهَا والْوَرَثَةُ . ( وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُوصِي فَيَسْتَأْذِنُ وَرَثَتَهُ في وصيته وَهُوَ مَرِيضٌ لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا ثُلُثَهُ ) يَتَصَرَّفُ فِيهِ فَيَأْذَنُونَ لَهُ ( أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ أَوْ ) لِغَيْرِ وَارِثٍ ( بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ ) إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ فِي عَائِلَتِهِ وَيَخْشَى مِنَ امْتِنَاعِهِ قَطْعَ مَعْرُوفِهِ عَنْهُ لَوْ عَاشَ فَلَهُ الرُّجُوعُ ( وَلَوْ جَازَ لَهُمْ ذَلِكَ ) أَيِ الرُّجُوعُ ( صَنَعَ كُلُّ وَارِثٍ ذَلِكَ ، فَإِذَا هَلَكَ الْمُوصِي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَمَنَعُوهُ الْوَصِيَّةَ فِي ثُلُثِهِ وَ ) مَنَعُوهُ ( مَا أُذِنَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ ، قَالَ : فَأَمَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ وَرَثَتَهُ فِي وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا لِوَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ فَيَأْذَنُونَ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ ) لِأَنَّهُمْ أَسْقَطُوا قَبْلَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ جَرَيَانِ سَبَبِهِ ( وَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إِنْ شَاءُوا ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِهِ خَرَجَ ) وَبَيَّنَ الْخُرُوجَ بِقَوْلِهِ : ( يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ شَاءَ ) فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَحْجُوبًا عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ إِذْنُهُمْ ؛ إِذْ لَوْ شَاءَ لَمَلَّكَ مَنْ أَوْصَى لَهُ فِي الْحَالِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ ( وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِئْذَانُهُ وَرَثَتَهُ جَائِزًا عَلَى الْوَرَثَةِ إِذَا أَذِنُوا لَهُ حِينَ يُحْجَبُ عَنْهُ مَالُهُ ) بِسَبَبِ الْمَرَضِ الْقَوِيِّ ( وَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهِ ، وَحِينَ هُمْ أَحَقُّ بِثُلُثَيْ مَالِهِ مِنْهُ فَذَلِكَ حِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَمَا أَذِنُوا لَهُ بِهِ ) لِكَوْنِهِ بَعْدَ جَرَيَانِ السَّبَبِ فَلَيْسَ مِنْ إِسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِلَا سَبَبٍ . ( فَإِنْ سَأَلَ ) الْمَرِيضُ ( بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ حِينَ تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ ) أَيْ أَسْبَابُهَا ( فَيَفْعَلُ ثُمَّ لَا يَقْضِي فِيهِ الْهَالِكُ شَيْئًا فَإِنَّهُ رَدٌّ ) مَرْدُودٌ ( عَلَى مَنْ وَهَبَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمَيِّتُ فُلَانٌ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ضَعِيفٌ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا سَمَّاهُ الْمَيِّتُ لَهُ ) لِأَنَّهَا هِبَةٌ لِمُعَيَّنٍ ( وَإِنْ وَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ ثُمَّ أَنْفَذَ الْهَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضٌ فَهُوَ ) أَيِ الْبَعْضُ الْبَاقِي ( رَدٌّ عَلَى الَّذِي وَهَبَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاةِ الَّذِي أُعْطِيَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَعْطَى بَعْضَ وَرَثَتِهِ شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ ) الْمُعْطَى ، بِالْفَتْحِ ( فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ مِيرَاثًا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ وَ ) لِذَلِكَ ( لَا يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ) .
10 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ النُّحْلِ 1455 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نُحْلَهُ فَأَعْلَنَ ذَلِكَ لَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا ، فَهِيَ جَائِزَةٌ وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا ثُمَّ هَلَكَ وَهُوَ يَلِيهِ ، إِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْابْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلْابْنِ . 10 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ النَّحْلِ 1503 1455 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ : مَنْ نَحَلَ ) أَعْطَى ( وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نِحْلَهُ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا ( فَأَعْلَنَ ذَلِكَ لَهُ ) أَظْهَرَهُ ( وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا ) أَيِ النَّحْلَةِ ( فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ ) لَهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقْدًا لَكِنْ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صغيرا ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا ) فِضَّةً ( ثُمَّ هَلَكَ ) مَاتَ الِابْنُ ( وَهُوَ يَلِيهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلِابْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ) الْأَبُ ( عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلٍ وَضَعَهَا لِابْنِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلِابْنِ ) لِتَمَامِ مِلْكِهِ .
9 - باب مَا جَاءَ فِيمَا أَفْسَدَ الْعَبِيدُ أَوْ جَرَحُوا قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدُ مِنْ جُرْحٍ جَرَحَ بِهِ إِنْسَانًا أَوْ شَيْءٍ اخْتَلَسَهُ أَوْ حَرِيسَةٍ احْتَرَسَهَا أَوْ ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ جَذَّهُ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهَا إِنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ لَا يَعْدُو ذَلِكَ الرَّقَبَةَ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ ، فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ غُلَامُهُ أَوْ أَفْسَدَ أَوْ عَقْلَ مَا جَرَحَ أَعْطَاهُ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَسَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ . 9 - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا أَفْسَدَ الْعَبِيدُ أَوْ جَرَحُوا - ( مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ مِنْ جُرْحٍ ) بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ ( جَرَحَ ) بِالْفَتْحِ ، فَعَلَ ( بِهِ إِنْسَانًا أَوْ شَيْءٍ اخْتَلَسَهُ ) أَخَذَهُ بِخُفْيَةٍ ( أَوْ حَرِيسَةٍ ) فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ ، أَيْ مَحْرُوسَةٍ ( احْتَرَسَهَا ) سَرَقَهَا ، وَحَرِيسَةُ الْجَبَلِ الشَّاةُ يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ رُجُوعِهَا إِلَى مَأْوَاهَا فَتُسْرَقُ مِنَ الْجَبَلِ فَلَا قَطْعَ فِيهَا لِأَنَّ الْجَبَلَ لَيْسَ بِحِرْزٍ ( أَوْ ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ جَذَّهُ ) قَطَعَهُ ( أَوْ أَفْسَدَهُ ) وَإِنْ لَمْ يحده ( أَوْ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهَا ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ ( إِنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ لَا تَعْد وذَلِكَ الرَّقَبَةَ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ ) عَنْ قِيمَةِ رَقَبَتهِ . ( فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ غُلَامُهُ أَوْ أَفْسَدَ أَوْ عَقَلَ ) أَيْ دِيَةَ ( مَا جَرَحَ أَعْطَاهُ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسَلِّمَهُ أَسْلَمَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَسَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ ) بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ .
8 - بَاب جَامِعِ الْقَضَاءِ وَكَرَاهِيَتِهِ 1453 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ : أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا تُدَاوِي ، فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَنَعِمَّا لَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُتَطَبِّبًا فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَانًا فَتَدْخُلَ النَّارَ ، فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ نَظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ : ارْجِعَا إِلَيَّ أَعِيدَا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا مُتَطَبِّبٌ وَاللَّهِ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ وَلِمِثْلِهِ إِجَارَةٌ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْعَبْدَ إِنْ أُصِيبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ فَطَلَبَ سَيِّدُهُ إِجَارَتَهُ لِمَا عَمِلَ ، فَذَلِكَ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقًّا : إِنَّهُ يُوقَفُ مَالُهُ بِيَدِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَكِنَّهُ يَأْكُلُ فِيهِ وَيَكْتَسِي بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِذَا هَلَكَ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ . قَالَ : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَالِدَ يُحَاسِبُ وَلَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ لِلْوَلَدِ مَالٌ نَاضًّا كَانَ أَوْ عَرْضًا إِنْ أَرَادَ الْوَالِدُ ذَلِكَ . 8 - بَابُ جَامِعِ الْقَضَاءِ وَكَرَاهَتِهِ 1500 1453 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ) عُوَيْمِرًا ، بِالتَّصْغِيرِ ، وَقِيلَ عَامِرٌ ، الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَكِنْ أَخْرَجَهُ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْمُجَالَسَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ : ( كَتَبَ ) أَبُو الدَّرْدَاءِ ( إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّامَهُرْمُزِيِّ ، وَقِيلَ : الْأَصْبِهَانِيُّ ، وَيُقَالُ لَهُ : سَلْمَانُ الْخَيْرِ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ ( أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ) زَادَ الدِّينَوَرِيُّ : وَأَرْضِ الْجِهَادِ ( فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا ) لَا تُطَهِّرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَلَا تَرْفَعُهُ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ( وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ ) الصَّالِحُ فِي أَيِّ مَكَانٍ ( وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا ) أَيْ قَاضِيًا ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ جُعِلَ قَاضِيًا بِالشَّامِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا ، كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَمَا يُبْرِئُ الْمُدَاوِي مِنَ الْحِسِّيَّةِ ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ : ( تُدَاوِي ، فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَنِعِمَّا لَكَ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَالْعَيْنُ مَكْسُورَةٌ ، وَبِهِمَا قُرِئَ ، أَيْ نِعْمَ شَيْئًا الْإِبْرَاءُ ( وَإِنْ كُنْتَ مُتَطَبِّبًا ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ ، مُتَعَاطِيًا لِعِلْمِ الطِّبِّ بِدُونِ إِبْرَاءٍ ( فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَانًا فَتَدْخُلَ النَّارَ ) أَيْ تَسْتَحِقُّ دُخُولَهَا إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْكَ ( فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَدْبَرَا ) وَلَّيَا ( عَنْهُ نَظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ : ارْجِعَا إِلَيَّ أَعِيدَا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا ) لِكَيْ أَتَثَبَّتَ فِي الْأَمْرِ ( مُتَطَبِّبٌ وَاللَّهِ ) مُتَعَاطٍ لِلطِّبِّ بِلَا إِبْرَاءٍ . ( مَالِكٌ : مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ ، وَلِمِثْلِهِ إِجَارَةٌ فَهُوَ ) أَيِ الْمُسْتَعِينُ ( ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْعَبْدَ إِنْ أُصِيبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ فَطَلَبَ سَيِّدُهُ إِجَارَتَهُ لِمَا عَمِلَ فَذَلِكَ لِسَيِّدِهِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِدَارِ الْهِجْرَةِ . ( مَالِكٌ : فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقًّا ) أَيْ رَقِيقًا ( أَنَّهُ يُوقَفُ مَالُهُ بِيَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يَأْكُلُ فِيهِ ) وَلِابْنِ وَضَّاحٍ مِنْهُ ( وَيَكْتَسِي بِالْمَعْرُوفِ ) بِلَا سَرَفٍ ( فَإِذَا هَلَكَ ) مَاتَ ( فَمَالُهُ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ ) وَلَوْ قَلَّ جُزْءُ رِقِّهِ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَالِدَ يُحَاسِبُ وَلَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَكُونُ لِلْوَلَدِ مَالٌ ) إِذْ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى وَلَدِهِ الْغَنِيِّ بِمَالٍ ( نَاضًّا ) أَيْ نَقْدًا ( كَانَ ) الْمَالُ ( أَوْ عَرْضًا إِنْ أَرَادَ الوالد ذَلِكَ ) لَا إِنْ لَمْ يُرِدْهُ .
1454 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَلَافٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ ، فَيُغْلِي بِهَا ، ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ فَأَفْلَسَ ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ ، أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ . 1501 1454 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عُمَرَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَطِيَّةَ ( بْنِ دَلَافٍ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ، مَضْبُوطٌ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّهَا وَآخِرُهُ فَاءٌ ( الْمُزَنِيِّ ) نِسْبَةً إِلَى مُزَيْنَةَ الْمَدَنِيِّ ، وَقَدْ يَسْقُطُ عَطِيَّةُ مِنْ نَسَبِهِ كَمَا هُنَا ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِي خُرُوجِ الدَّابَّةِ . وَعَنْهُ مَالِكٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُمْ . وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا ، وَكَفَى بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ تَوْثِيقًا ( عَنْ أَبِيهِ ) هَكَذَا لِبَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ ، قَالَهُ ابْنُ الْحَذَّاءِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ دَلَافٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عُمَرَ ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ الْأُسَيْفِعُ ( مِنْ جُهَيْنَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ ( كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ ) جَمْعُ رَاحِلَةٍ ، النَّاقَةُ الصَّالِحَةُ لِلرَّحْلِ ( يُغْلِي ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ ، يَزِيدُ ( بِهَا ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ ، فَأَفْلَسَ ) افْتَقَرَ وَقَلَّ مَالُهُ ( فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ ) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَدَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى أَفْلَسَ ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : لَا يَغُرَّنَّكُمْ صِيَامُ رَجُلٍ وَلَا صَلَاتُهُ ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِهِ إِذَا حَدَّثَ وَإِلَى أَمَانَتِهِ إِذَا اؤْتُمِنَ ، وَإِلَى وَرَعِهِ إِذَا اسْتَغْنَى ثُمَّ قَالَ : ( أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ ، مُصَغَّرٌ ، الْجُهَنِيَّ ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ ( أُسَيْفِعُ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ ) وَذَلِكَ لَيْسَ بِدِينٍ وَلَا أَمَانَةٍ ، وَالْمَعْنَى بِذَلِكَ ذَمُّهُ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِ وَزَجْرًا لَهُ . ( أَلَا ) بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ ( وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ ) اشْتَرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ( مُعْرِضًا ) عَنْ قَضَائِهِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : أَيِ اشْتَرَى بِدَيْنٍ وَلَمْ يَهْتَمَّ بِقَضَائِهِ ( فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : يَعْنِي أَحَاطَ بِمَالِهِ الدَّيْنُ ( فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ ) أَيْ بَيْنِ غُرَمَائِهِ ( وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ ) أَيِ احْذَرُوهُ ( فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ ) أَيْ حُزْنٌ ( وَآخِرَهُ حَرَبٌ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا ، أَخْذُ مَالِ الْإِنْسَانِ وَتَرْكُهُ لَا شَيْءَ لَهُ . فَائِدَةٌ : أَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ تَالِي التَّلْخِيصِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ جَبَلِ جِيَادٍ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالنَّاسُ بِمِنًى قَالَ : فَلِذَلِكَ جَاءَ سَابِقُ الْحَاجِّ يُخْبِرُ بِسَلَامَةِ النَّاسِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : هَذَا أَصْلٌ لِقُدُومِ الْمُبَشِّرِ عَنِ الْحَاجِّ ، وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، إِلَّا أَنَّ الْمُبَشِّرَ الْآنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَحَقُّهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، لَكِنْ خَرَّجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ ، أَرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ : تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً ، فَبَيْنَمَا هُمْ قُعُودٌ تَرْبُو الْأَرْضُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتْ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : تَخْرُجُ حِينَ يَسِيرُ الْإِمَامُ مِنْ جَمْعٍ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ سَابِقَ الْحَاجِّ لِيُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ تَخْرُجْ ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ خُرُوجَ الْمُبَشِّرِ يَوْمَ الْعِيدِ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ .
7 - باب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1466 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ هَلْ تُشْتَرَى بِشَرْطٍ ؟ فَقَالَ : لَا . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا الَّذِي يُعْتِقُهَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِشَرْطٍ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ تَامَّةٍ ، لِأَنَّهُ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا لِلَّذِي يَشْتَرِطُ مِنْ عِتْقِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّقَبَةَ فِي التَّطَوُّعِ ، وَيَشْتَرِطَ أَنْ يُعْتِقَهَا . قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِيهَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ ، وَلَا يُعْتَقُ فِيهَا مُكَاتَبٌ ، وَلَا مُدَبَّرٌ ، وَلَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَلَا مُعْتَقٌ إِلَى سِنِينَ ، وَلَا أَعْمَى ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ تَطَوُّعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً فَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا الرِّقَابُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهَا إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْعَمَ فِيهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا يُطْعَمُ فِيهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ . 7 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1466 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ ، هَلْ تُشْتَرَى بِشَرْطٍ ؟ فَقَالَ : لَا ) تُشْتَرَى بِشَرْطِ الْعِتْقِ ( قَالَ : وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا الَّذِي يُعْتِقُهَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ تَامَّةٍ لِأَنَّهُ ) أَيْ بَائِعُهَا ( يَضَعُ ) يُسْقِطُ ( مِنْ ثَمَنِهَا ) أَيْ بَعْضِهِ ( لِلَّذِي يَشْتَرِطُ مِنْ عِتْقِهَا ) تَحْصِيلًا لِبَعْضِ الثَّوَابِ . ( وَلَا بَأْسَ ) أَيْ يَجُوزُ ( أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّقَبَةَ فِي التَّطَوُّعِ وَيَشْتَرِطَ أَنْ يُعْتِقَهَا ) إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي شِرَاءِ رَقَبَةٍ وَيُعْتِقُوهَا تَطَوُّعًا فَوَاحِدٌ بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَوْلَى . ( قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِيهَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ ) وَلَا غَيْرُهُمَا مِنَ الْكُفَّارِ بِالْأَوْلَى . ( وَلَا يُعْتَقُ فِيهَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُدَبَّرٌ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ وَلَا مُعْتَقٌ إِلَى سِنِينَ ) أَيْ بَعْدَهَا لِمَا فِيهِمْ مِنْ عَقْدِ الْحُرِّيَّةِ فَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّرَةً لَمَا وَجَبَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةَ : 92 ) ( وَلَا أَعْمَى ) وَلَا نَحْوُهُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْفُرُوعِ . ( وَلَا بَأْسَ ) أَيْ يَجُوزُ ( أَنْ يُعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ تَطَوُّعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : ) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ( سورة مُحَمَّدٍ : الْآيَةَ : 4 ) ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ) أَيْ بَعْدَ شَدِّ الْوَثَاقِ ( وَإِمَّا فِدَاءً ) بِمَالٍ أَوْ أَسْرَى مُسْلِمِينَ ( فَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ ) أَيِ الْإِطْلَاقُ بِلَا شَيْءٍ ( وَأَمَّا الرِّقَابُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ ) فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ ( فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهَا إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ) لِأَنَّهُ قَيَّدَ بِهَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَحَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ . ( وَكَذَلِكَ فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْعِمَ فِيهَا إِلَّا الْمُسْلِمُونَ وَلَا يُطْعِمَ فِيهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ) مِنْ أَيِّ دِينٍ كَانَ .
1472 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا : نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا يَمْنَعَنَّكِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 1520 1472 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ) وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهَا ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَفَرُّدِهِ عَنْ مَالِكٍ بِذَلِكَ ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ، عَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِعْنَ هُنَا الرِّوَايَةَ عَنْهَا نَفْسِهَا بَلْ فِي السِّيَاقِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : عَنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ فِي أَنَّهَا ( أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً ) هِيَ بَرِيرَةُ ( تُعْتِقُهَا ) بِالرَّفْعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِتُعْتِقَهَا بِلَامٍ ، وَفِي أُخْرَى فَتُعْتِقَهَا بِالْفَاءِ بَدَلَ اللَّامِ ، فَهُوَ بِالنَّصْبِ ( فَقَالَ أَهْلُهَا ) مَوَالِيهَا ( نَبِيعُكِهَا ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا ، فَذَكَرَتْ ) عَائِشَةُ ( ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بَعْدَمَا سَأَلَهَا حِينَ سَمِعَ إِخْبَارَ بَرِيرَةَ لَهَا كَمَا مَرَّ ( فَقَالَ : لَا يَمْنَعَنَّكِ ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ ، وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ بِدُونِهَا ( ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي ، وَلَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنَ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ السَّابِقَةِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَعَلَّ هِشَامًا أَوْ عُرْوَةَ حِينَ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّكِ ذَلِكَ ، رَأَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ لَهُمُ الْوَلَاءَ فَلَمْ يَقِفْ مِنْ حَفِظَهُ عَلَى مَا وَقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ هِشَامًا ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، حَدِيثُهُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ بِمَا مَرَّ . ( فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) بِلَامِ الِاخْتِصَاصِ ، أَيْ أَنَّ الْوَلَاءَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَعْتَقَ ، قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( سورة الْمُطَفِّفِينَ : الْآيَةَ : 1 ) أَوْ لِلصَّيْرُورَةِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِغَيْرِ مَنْ أَعْتَقَ ، قَالَ الْمَازَرِيُّ : فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمُلْتَقِطِ اللَّقِيطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ ، وَلَا لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ، وَالْوَلَاءُ فِي جَمِيعِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ وَارِثٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَيَرِثَهُ . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْحُكْمَ لِلْمَذْكُورِ وَتَنْفِيهِ عَمَّا سِوَاهُ ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ بِتَحْقِيقِ الْمُتَّصِلِ وَتَمْحِيقِ الْمُنْفَصِلِ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : إِنَّمَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ إِنَّ الَّتِي هِيَ حَرْفُ نَفْيٍ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحُرُوفِ عَلَى مَعَانِيهَا ، عند الضَّمِّ ، وَلَمَّا اسْتَحَالَ رَدُّ النَّفْيِ إِلَى نَفْسِ الْمُثْبَتِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى إِثْبَاتِهِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيِهِ عَمَّا سِوَاهُ ، وَبِهِ عُرِفَ معنى تحقيق الْمُتَّصِلُ وَتَمْحِيقُ الْمُنْفَصِلِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1474 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَذِنَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مَا جَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ، وَعَنْ هِبَتِهِ ، فَإِذَا جَازَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لَهُ وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْهِبَةُ . 1522 1474 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودٌ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَلِيِّ وهو القرب ، وَأَمَّا مِنَ الْإِمَارَةِ فَالْوِلَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ ، وَقِيلَ فِيهِمَا بِالْوَجْهَيْنِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هَنَا وَلَاءُ الْإِنْعَامِ بِالْعِتْقِ . ( وَعَنْ هِبَتِهِ ) أَيِ الْوَلَاءِ ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْقُلُونَ الْوَلَاءَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ ابْنِ دِينَارٍ ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ فِيهِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ حَتَّى قَالَ مُسْلِمٌ : النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ سَبْعَةٍ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَوْرَدَهُ غَيْرُهُ عَنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدَّثُوا بِهِ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرَوَاهُ ابْنُ المَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ خَطَأٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَالصَّوَابُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ ، وَجَمِيعُ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَذْكُرُوا عُمَرَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . قَالَ الْأُبِّيُّ : هَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الْوَلَاءِ شَرْعًا ، وَلَا تَجِدُ تَعْرِيفًا أَتَمَّ مِنْهُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْعَتِيقِ نِسْبَةً تُشْبِهُ نِسْبَةَ النَّسَبِ وَلَيْسَتْ بِهِ ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْعَبْدَ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ كَالْمَعْدُومِ فِي نَفْسِهِ وَالْمُعْتِقُ صَيَّرَهُ مَوْجُودًا ، كَمَا أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَعْدُومًا فَتَسَبَّبَ الْأَبُ فِي وُجُودِهِ ، انْتَهَى . وَأَصْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ : مَعْنَى الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُ بِالْحُرِّيَّةِ إِلَى النَّسَبِ حُكْمًا كَمَا أَنَّ الْأَبَ أَخْرَجَهُ بِالنُّطْفَةِ إِلَى الْوُجُودِ حِسًّا ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا يَقْضِي وَلَا يَلِي وَلَا يَشْهَدُ ، فَأَخْرَجَهُ سَيِّدُهُ بِالْحُرِّيَّةِ إِلَى وُجُودِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ عَدَمِهَا ، فَلَمَّا شَابَهَ حُكْمَ النِّسَبِ أُنِيطَ بِالْعِتْقِ فَلِذَا جَاءَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُلْحِقَ بِرُتْبَةِ النَّسَبِ ، فَنَهَى عَنْ بَيْعِهِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، وَأَجَازَ بَعْضُ السَّلَفِ نَقْلَهُ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ) لَا يَصِحُّ ( وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) بِنَصِّ الْحَدِيثِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَكْثَرُ ، وَقِيلَ : لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ . ( وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَذِنَ لِمَوْلَاهُ ) عَتِيقَهُ ( أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مَا جَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) هَكَذَا وَرَدَ أَيْضًا بِدُونِ إِنَّمَا عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالْخَطِيبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . ( وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ ، حَقُّ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ مِنَ الْعَتِيقِ ( وَعَنْ هِبَتِهِ ، فَإِذَا جَازَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ ) أَيِ الْوَلَاءَ ( لَهُ ) أَيْ لِلْعَبْدِ ( أَوْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْهِبَةُ ) الْمَنْهِيُّ عَنْهَا ، فَلِذَا لَا يَجُوزُ .
1473 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا ، فَقَالُوا : لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 1521 1473 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ ، الْمُكْثِرَةِ عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ) تَطْلُبُ مِنْهَا الْإِعَانَةَ عَلَى مَا كُوتِبَتْ بِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : صُورَةُ سِيَاقِهِ الْإِرْسَالُ وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنِ الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ يَحْيَى : سَمِعْتُ عَمْرَةَ تَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ مَوْصُولٌ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : عَنْ عَائِشَةَ أَنْ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ ) سَادَاتُكِ ( أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً ) أَيْ أَدْفَعَهُ عَاجِلًا فِي مَرَّةٍ ، تَشْبِيهًا بِصَبِّ الْمَاءِ وَهُوَ انْسِكَابُهُ ( وَأُعْتِقَكِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَصُبَّ ( فَعَلْتُ ) ذَلِكَ ( فَذَكَرَتْ ) بِإِسْكَانِ التَّاءِ ( ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا ) لِمَوَالِيهَا ( فَقَالُوا : لَا ) نَبِيعُكِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ ، قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ ) شَيْخُهُ ( فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ ) الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ أَيْ قَالَتْ ( أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) لَا لِغَيْرِهِ ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ بِيعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُعَجِّزْ نَفْسَهُ ، وهو قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، والليث ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَلَى تَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ بِأَنَّهَا عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِعَانَةِ بَرِيرَةَ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي اسْتِعَانَتِهَا مَا يَسْتَلْزِمُ الْعَجْزَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ كتابة مَنْ لَا مَالَ عِنْدَهُ وَلَا حِرْفَةَ لَهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ النَّجْمِ وَلَا أَخْبَرَتْ بِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ اسْتِفْصَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَشْبَهُ مَا قِيلَ أنَّهَا عَجَزَتْ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى مِنَ الْحُقُوقِ إِلَّا مَا وَجَبَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهَا : كَاتَبْتُ أَهْلِي فَقَالَ : مَعْنَاهُ رَاوَضْتُهُمْ وَاتَّفَقْتُ مَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَلَمْ يَقَعِ الْعَقْدُ فَبَعْدَ رَدِّ ذَلِكَ بِيعَتْ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى بَيْعِ الْمُكَاتَبِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : الَّذِي اشْتَرَتْهُ عَائِشَةُ كِتَابَةُ بَرِيرَةَ لَا رَقَبَتُهَا ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَقَالَ : يُؤَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ عَجَزَ رَقَّ لَهُ . وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَرَأَيَاهُ غَرَرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهُ النُّجُومُ أَوِ الرَّقَبَةُ ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا ، وَقِيلَ : إِنَّهُمْ بَاعُوهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ صَحَّ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : يَبْطُلُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ .
10 - باب مَصِيرِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ 1471 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ ، فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَنْكِ عَدَدْتُهَا ، وَيَكُونَ لِي وَلَاؤُكِ فَعَلْتُ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . 10 - بَابُ مَصِيرِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ 1519 1471 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ) عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ( عَنْ ) خَالَتِهِ ( عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْ بَرِيرَةُ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَرَاءَيْنَ بِلَا نَقْطٍ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٍ بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبَرِيرِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ ، وَقِيلَ : كَأَنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنَ الْبُرِّ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كبرورة ، أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ كَرَحِيمَةٍ ، هَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ جُوَيْرِيَةَ ، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ ، وَقَالَ : لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ . فَلَوْ كَانَتْ بَرِيرَةُ مِنَ الْبِرِّ لَشَارَكَتْهَا فِي ذَلِكَ ، وَكَانَتْ بَرِيرَةُ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا عِنْد أَبِي نُعَيْمٍ ، وَقِيلَ : لِنَاسٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ ، وَقِيلَ : لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ زَوْجَهَا مُغِيثٌ هُوَ الَّذِي كَانَ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ ، وَقِيلَ : لِآلِ عُقْبَةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَوْلَى عُقْبَةَ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَذَكَرَتْ لَهُ قِصَّةَ بَرِيرَةَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَكَانَتْ بَرِيرَةُ تَخْدِمُ عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ ، وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَتَفَرَّسَتْ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ يَلِي الْخِلَافَةَ فَبَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ ، وَرَوَاهُ هُوَ عَنْهَا كَمَا قَدَّمْتُهُ . ( فَقَالَتْ : إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي ) يَعْنِي سَادَاتَهَا ، وَالْأَهْلُ فِي الْأَصْلِ الْآلُ ( عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ) بِوَزْنِ جَوَارٍ ، وَالْأَصْلُ أَوَاقِيُّ بِشَدِّ الْيَاءِ فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَالثَّانِيَةُ عَلَى طَرِيقَةِ قَاضٍ ( فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنْ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسُ أَوَاقٍ نَجَمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ ، وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهَا غَلَطٌ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ التِّسْعَ أَصْلٌ وَالْخَمْسَ كَانَتْ بَقِيَتْ عَلَيْهَا ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَيُعَكَّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَصَّلَتِ الْأَرْبَعَ أَوَاقٍ قَبْلَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِعَائِشَةَ ثُمَّ جَاءَتْهَا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا خَمْسَةٌ ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الْخَمْسَ هِيَ الَّتِي كَانَتِ اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهَا بِحُلُولِ نُجُومِهَا مِنْ جُمْلَةِ التِّسْعِ الْأَوَاقِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : فَقَالَ أَهْلُهَا : إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ مَا تَبَقَّى ( فَأَعِينِينِي ) بِصِيغَةِ أَمْرِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الْإِعَانَةِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ فَأَعْيَتْنِي بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الْمَاضِي مِنَ الْإِعْيَاءِ ، أَيْ أَعْجَزَتْنِي الْأَوَاقِيُّ عَنْ تَحْصِيلِهَا وَهُوَ مُتَّجِهُ الْمَعْنَى ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ : فَأَعْتِقِينِي ، مِنَ الْعِتْقِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، لَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ الْأَوَّلُ . ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ، مَوَالِيكِ ( أَنْ أَعُدَّهَا ) أَيِ التِّسْعَ أَوَاقٍ ( لَهُمْ ) ثَمَنًا ( عَنْكِ عَدَدْتُهَا ) فِيهِ أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَعْلُومَةِ الْوَزْنِ يَكْفِي عَنِ الْوَزْنِ ، وَأَنَّ الْمُعَامَلَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ بِالْأَوَاقِيِّ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْعَدِّ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ بِالْوَزْنِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةً بَرِيرَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَمَانِ سِنِينَ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ أَنْ أَعُدَّهَا أَيْ أَدْفَعَهَا لَا حَقِيقَةَ الْعَدِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ الْآتِيَةِ : أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً ( وَيَكُونَ ) بالنصب عَطْفًا عَلَى أَعُدَّهَا ( وَلَاؤُكِ لِي ) بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَكِ ( فَعَلْتُ ) جَوَابُ الشَّرْطِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيعَ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ ؛ إِذْ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ اللَّوْمُ عَلَى عَائِشَةَ بِطَلَبِهَا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ ، وَوُهَيْبٌ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً ، وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ ، فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تَعْتِقَهَا ؛ إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي ( فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ ( فَأَبَوْا عَلَيْهَا ) أَيِ امْتَنَعُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِعَائِشَةَ ( فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا ) إِلَى عَائِشَةَ ( وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ) عِنْدَهَا ( فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ الَّذِي قُلْتِيهِ ( فَأَبَوْا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ) اسْتِثْنَاءٌ مُفْرَّغٌ ؛ لِأَنَّ فِي أَبَى مَعْنَى النَّفْيِ ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ : فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ جَازَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا كَذَا وَلَا يُقَالُ كَرِهْتُ وَأَبْغَضْتُ إِلَّا زَيْدًا ؟ قُلْتُ : قَدْ أَجْرَى أَبَى مَجْرَى لَمْ يُرِدْ ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قُوبِلَ : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ : وَيَأْبَى اللَّهُ وَكَيْفَ أُوقِعَ مَوْقِعَ وَلَا يُرِيدُ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ . ( فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مِنْ بَرِيرَةَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ ( فَسَأَلَهَا ) أَيْ عَائِشَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ للبخاري : فَقَالَ : مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ ؟ ( فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ) بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ : فَجَاءَتْنِي بَرِيرَةُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَتْ لِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهَا مَا رَدُّ أَهْلِهَا ، فَقُلْتُ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا وَرَفَعْتُ صَوْتِي وَانْتَهَرْتُهَا ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذِيهَا ) أَيِ اشْتَرِيهَا مِنْهُمْ ، لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَقَالَ : ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي ، فَهَذِهِ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ خُذِيهَا ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ : دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ قَالَتْ : اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي ، قُلْتُ : نَعَمْ . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ التَّالِي : لِهَذَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا ( فَاشْتَرِطِي ) بِصِيغَةِ أَمْرِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الشَّرْطِ ( لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) فَعَبَّرَ بِإِنَّمَا الَّتِي لِلْحَصْرِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ ( فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ) الشِّرَاءَ وَالْعِتْقَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ : كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ ، وَاسْتُشْكِلَ صُدُورُ إِذْنهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ يُفْسِدُ الْبَيْعَ ، وَخِدَاعِ الْبَائِعِينَ ، وَشَرْطِ مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ ، وَلِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى تَضْعِيفِ رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمُصَرِّحَةِ بِالِاشْتِرَاطِ لِانْفِرَادِهِ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ أَبِيهِ ، وَرِوَايَاتُ غَيْرِهِ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّ هِشَامًا رَوَى بِالْمَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَأَثْبَتَ الرِّوَايَةَ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : هِشَامٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : وَكَلَامُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غَلَطٌ ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي التَّوْجِيهِ فَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ بِلَفْظِ : وَأَشْرِطِي بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ فَوْقِيَّةٍ ، وَمَعْنَاهُ أَظْهِرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ ، وَالِاشْتِرَاطُ الْإِظْهَارُ ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ يَذْكُرُ رَجُلًا نَزَلَ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ إِلَى نَبْقَةٍ يَقْطَعُهَا لِيَتَّخِذَ مِنْهَا قَوْسًا : فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا أَيْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ لَمَّا حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ ، انْتَهَى . فَأَنْكَرَ غَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَاشْتَرِطِي بِالْفَوْقِيَّةِ ، وَقِيلَ : إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( سورة الْإِسْرَاءِ : الْآيَةَ 7 ) قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاطَ وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلَى لَمْ يُنْكِرْهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا أَنْكَرَ إِرَادَةَ الِاشْتِرَاطِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ . فَالْجَوَابُ : أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ . وَضَعَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ اللَّامَ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ ، فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَمْرُ فِي اشْتَرِطِي لِلْإِبَاحَةِ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ كَأَنَّهُ قَالَ : اشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : اشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا . وَقِيلَ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ الْوَلَاءَ بَاطِلٌ ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ عُلِمَ بُطْلَانُهُ ، أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا التَّهْدِيدَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ( سورة التَّوْبَةِ : الْآيَةَ : 105 ) وَكَقَوْلِ مُوسَى : أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( سورة يُونُسَ : الْآيَةَ : 80 ) فَلَيْسَ بِنَافِعِكُمْ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : اشْتَرِطِي لَهُمْ فَسَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَبَّخَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ بِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ اللَّهِ بِإِبْطَالِهِ ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْ بَيَانَ ذَلِكَ لَبَدَأَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ فِي الْخُطْبَةِ لَا بِتَوْبِيخِ الْفَاعِلِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَقِيلَ : الْأَمْرُ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ( سورة فُصِّلَتْ : الْآيَةَ : 40 ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمَّا كَانَ مَنِ اشْتَرَطَ خِلَافَ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَاصِيًا وَكَانَ فِي الْمَعَاصِي حُدُودٌ وَأَدَبٌ ، كَانَ مِنْ أَدَبِ الْعَاصِينَ أَنْ تُعَطَّلَ عَلَيْهِمْ شُرُوطُهُمْ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَرْتَدِعَ غَيْرُهُمْ ، وَذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأَدَبِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى اشْتَرِطِي اتْرُكِي مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا شَرَطُوهُ وَلَا تُظْهِرِي نِزَاعَهُمْ فِيمَا طَلَبُوهُ مُرَاعَاةً لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ التَّرْكِ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ : 102 ) أَيْ بِتَرْكِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ إِبَاحَةَ الْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَقْوَى الْأَجْوِبَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِعَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ، وَأَنَّ سَبَبَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ ، وَهُوَ كَفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْحَجَّةِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ إِذَا اسْتَلْزَمَ إِزَالَةَ أَشَدِّهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَبِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَابِقًا عَلَيْهِ ، فَالْأَمْرُ بِقَوْلِهِ : اشْتَرِطِي مُجَرَّدُ وَعْدٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ شَخْصًا أَنْ يَعِدَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفِي بِذَلِكَ الْوَعْدِ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : كَانَ الْحُكْمُ ثابتا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ جَائِزًا فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ بِالْخُطْبَةِ . وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى بَعْدَهُ وَسِيَاقُ طُرُقِ الْحَدِيثِ تَدْفَعُ فِي وَجْهِ هَذَا الْجَوَابِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَمَّا كَانَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ ، وَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، وَلَوْ أَرَادَ نَقْلَ وَلَائِهِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لَمْ يَعْبَأْ بِاشْتِرَاطِهِمُ الْوَلَاءَ ، وَقِيلَ : اشْتَرِطِي وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَقْدِ ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ لَغْوِ الْكَلَامِ وَأَخَّرَ إِعْلَامَهُمْ لِيَكُونَ رَدُّهُ وَإِبْطَالُهُمْ قَوْلًا شَهِيرًا يُخْطَبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ظَاهِرًا ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكِيرِ وَآكَدُ فِي التَّغْيِيرِ ، انْتَهَى . وَهُوَ يُؤَوَّلُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ ) خَطِيبًا ( فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ( ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ) أَيْ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ ، وَفِيهِ الْقِيَامُ فِي الْخُطْبَةِ وَابْتِدَاؤُهَا بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَأَمَّا بَعْدُ ( فَمَا ) بِالْفَاءِ فِي جَوَابِ أَمَّا ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ بِلَا فَاءٍ عَلَى الْقَلِيلِ ( بَالُ ) أَيْ حَالُ ( رِجَالٍ ) وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ وَالْعِشْرَةِ فَلَمْ يُوَاجِهْهُمْ بِالْخِطَابِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْرِيرُ شَرْعٍ عَامٍّ لِلْمَذْكُورِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلِلصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا ، وَهَذَا بِخِلَافِ قِصَّةِ عَلِيٍّ فِي خِطْبَتِهِ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَكَانَتْ خَاصَّةً بِفَاطِمَةَ فَلِذَا عَيَّنَهَا ( يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ لَيْسَتْ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ مِنْ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ : لِمَا حَكَمَ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فِي نَصِّ الْكِتَابِ وَلَا دَلَالَتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . زَادَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَوْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ جَوَازُهُ أَوْ وُجُوبُهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْقُرْآنُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شَرْطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نُجُومِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا وَلَا تَفْصِيلًا ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُوجَدُ تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَالْوُضُوءِ ، وَمِنْهَا مَا يُوجَدُ تَأْصِيلُهُ دُونَ تَفْصِيلِهِ كَالصَّلَاةِ ، وَمِنْهَا مَا أُصِّلَ أَصْلُهُ لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَصْلِيَّةِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ فَكُلُّ مَا يُقْتَبَسُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ تَفْصِيلًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَأْصِيلًا . ( مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ) جَوَابُ مَا الْمَوْصُولَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَعْنَى الشَّرْطِ ( وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : خَرَجَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ : مَا كَانَ إِلَخْ ، دَالٌّ عَلَى بُطْلَانِ جَمِيعِ الشُّرُوطِ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى مِائَةِ شَرْطٍ ، يَعْنِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْغَيْرَ مَشْرُوعَةٍ بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَثُرَتْ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَشْرُوعَةَ صَحِيحَةٌ ، وَقَالَ الْمَازَرِيُّ : الشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ : شَرْطُ يقتضيه الْعَقْدِ كَالتَّسْلِيمِ وَالتَّصَرُّفِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ . وَشَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ بَلْ هُوَ مُصْلِحٌ لَهُ كَرَهْنٍ وَحَمِيلٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِشَرْطٍ . وَشَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِلْعَقْدِ ، فَهَذَا اضْطَرَبَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ مَعًا لِحَدِيثِ : مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ وَلِمَا فِي الْعَقْدِ مِنَ الْجَهَالَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُضِعَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ فَلَهُ حِصَّةٌ مِنَ الْمُعَاوَضَةِ ، فَيَجِبُ بُطْلَانُ مَا قَابَلَهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَجَهَالَتُهُ تُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ مَا سِوَاهُ فَيَجِبُ فَسْخُ الْجَمِيعِ ، وَقِيلَ : يَبْطُلُ الشَّرْطُ خَاصَّةً ( قَضَاءُ اللَّهِ ) أَيْ حُكْمُهُ ( أَحَقُّ ) بِالِاتِّبَاعِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ . ( وَشَرْطُ اللَّهِ ) أَيْ قَوْلُهُ : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ( سورة الْأَحْزَابِ : الْآيَةَ : 5 ) وَقَوْلُهُ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ( سورة الْحَشْرِ : الْآيَةُ 7 ) لِآيَةٍ قَالَهَا الدَّاوُدِيُّ . قَالَ عِيَاضٌ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . وَقَوْلُهُ : مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ . وَقَوْلُهُ : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ . ( أَوْثَقُ ) أَقْوَى بِاتِّبَاعِ حُدُودِهِ الَّتِي حَدَّهَا وَأَفْعَلُ فِيهِمَا لَيْسَ عَلَى بَابِهِ إِذْ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَقَدْ جَاءَ أفعل لِغَيْرِ التَّفْضِيلِ كَثِيرًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ الْجَوَازِ . ( وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثًى وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا ؛ لِأَنَّ مَنْ لِلْعُمُومِ لَا لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَا يَحْلِفُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَا لِلْمُلْتَقَطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ ، وَفِيهِ جَوَازُ السَّجْعِ غَيْرِ الْمُتَكَلَّفِ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَجْعِ الْكُهَّانِ وَشَبَّهَهُ لِتَكَلُّفِهِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَطْوِيِّ الْغَيْبِ ، وَجَوَازُ كِتَابَةِ الْأَمَةِ كَالْعَبْدِ ، وَكِتَابَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الزَّوْجُ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهَا لَوْ كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى فِرَاقِهَا ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْمُتَزَوِّجِ مَنْعُ السَّيِّدِ مِنْ عِتْقِ أَمَتِهِ الَّتِي تَحْتَهُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحِهَا ، وَجَوَازُ سَعْيِ الْمُكَاتَبَةِ وَسُؤَالِهَا وَاكْتِسَابِهَا وَتَمْكِينِ السَّيِّدِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ ، وَمَحَلُّهُ إِذَا عَلِمَ حِلَّ كَسْبِهَا ، وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حِلَّهُ أَوْ على غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ ، وَأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حِينِ الْكِتَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطَ عَجْزُهُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَهُ ، وَجَوَازُ السُّؤَالِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْجِيلُ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَالْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَتَشْدِيدِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ فِيهَا ، وَتَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ لِنَفْسِهَا فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مُتَزَوِّجَةً خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ لَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مُقَامَهُ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ جَازَ تَصَرُّفُهُ ، وَجَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ إِظْهَارُ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الرَّقَبَةِ لِيُسَاهِلُوهُ فِي الثَّمَنِ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِنْكَارِ الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ وَانْتِهَارِ الرَّسُولِ فِيهِ ، وَأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ فَالرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا إِذَا بِيعَ بِالنَّسِيئَةِ ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَّلَ بَعْضَ كِتَابَتِهِ قَبْلَ الْمَحَلِّ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ سَيِّدُهُ الْبَاقِيَ يُجْبَرُ ، وَجَوَازُ الْكِتَابَةِ عَلَى قِيمَةِ الرَّقِيقِ وَأَقَلَّ مِنْهَا وَأَكْثَرَ ؛ لِأَنَّ مِنَ الثَّمَنِ الْمَنَجَّزِ وَالْمُؤَجَّلِ فَرْقًا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَذَلَتْ عَائِشَةُ الْمُؤَجَّلَ نَاجِزًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا بِالتَّأْجِيلِ أَكْثَرُ مِمَّا كُوتِبَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُهَا بَاعُوهَا بِهِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ( سورة النُّورِ : الْآيَةَ : 33 ) الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ وَالْوَفَاءِ بِمَا وَقَعَتِ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَالَ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَالُ مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ : إِنِ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ ، فَنُسِبَ إِلَى التَّنَاقُضِ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ ؟ وَمَنْ يَقُولُ : الْعَبْدُ يَمْلِكُ ، لَا يُرَدُّ هَذَا عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ . وَفِيهِ جَوَازُ كتابة مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وَقَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ ، وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَذَلِكَ أَنْ بَرِيرَةَ اسْتَعَانَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا ، فَلَوْ كَانَ لَهَا حِرْفَةٌ أَوْ مَالٌ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهَا لَمْ تَكُنْ حَالَّةً . وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ابْتَاعَتْ بَرِيرَةَ مُكَاتَبَةً ، وَهِيَ لَمْ تَقْبِضْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا . وَجَوَازُ أَخْذِ الْكِتَابَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ ، وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ . وَمَشْرُوعِيَّةُ إِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ بِالصَّدَقَةِ ، وَجَوَازُ التَّأْقِيتِ فِي الدُّيُونِ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَجْهُولًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِانْقِضَاءِ الشَّهْرِ الْحُلُولُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَنَظَرَ فِيهِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ قَوْلَ بَرِيرَةَ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، أَيْ فِي غُرَّتِهِ مَثَلًا ، وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالدُّيُونِ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا ، وَقِصَّةُ بَرِيرَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ قَصَّرَ فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَإِلَّا يَصِيرُ الْأَجَلُ مَجْهُولًا ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَيْعِ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ أَكْثَرُوا فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَادَ وَمِنْهُمْ مَنْ خَلَطَ وَأَتَى بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : فِيهِ إِبَاحَةُ الْبُكَاءِ فِي الْمَحَبَّةِ لِبُكَاءِ زَوْجِ بَرِيرَةَ ، وَذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي النِّكَاحِ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ ، وَابْنَ جَرِيرٍ أَلَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا كِتَابًا فِي ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَبَلَّغَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَوَائِدَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ أَكْثَرُهَا مُسْتَبْعَدٌ مُتَكَلَّفٌ ، كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ لِلَّذِي صَنَّفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ فَبَلَغَ بِهِ أَلْفَ فَائِدَةٍ وَوَاحِدَةً . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبُيُوعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الشُّرُوطِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ بِكَثْرَةٍ عَنْ هِشَامٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ عِنْدَهُمْ .
1458 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَجُلًا فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ كُلَّهُمْ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بِتِلْكَ الرَّقِيقِ فَقُسِمَتْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَسْهَمَ عَلَى أَيِّهِمْ يَخْرُجُ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُونَ ، فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ ، فَعَتَقَ الثُّلُثُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ . 1507 1458 - ( مَالِكٌ : عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا فِي إِمَارَةِ أَبَانِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ فَأَلِفٍ فَنُونٍ ( ابْنِ عُثْمَانَ ) بْنِ عَفَّانَ عَلَى الْمَدِينَةِ ( أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ كُلَّهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بِتِلْكَ الرَّقِيقِ فَقُسِّمَتْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَسْهَمَ ) أَيْ أَقْرَعَ ( عَلَى أَيِّهِمْ يَخْرُجُ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُونَ ، فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ فَعَتَقَ الثُّلُثُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ ) وَرَقَّ الثُّلُثَانِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ هَذَا عَقِبَهُ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ بِهِ بَيَانُ اتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ احْتِمَالُ نَسْخِهِ .
3 - باب مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَا يَمْلِكُ مَالًا غَيْرَهُمْ 1457 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الْعَبِيدِ . قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ . 3 - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَا يَمْلِكُ مَالًا غَيْرَهُمْ 1506 1457 - ( مَالِكٌ : عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ ) كُلُّهُمْ ( عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ) وَاسْمُ أَبِيهِ يَسَارٌ ، بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ ، الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمُ الثِّقَةُ الْفَقِيهُ الْفَاضِلُ الْمَشْهُورُ ، وَكَانَ يُرْسِلُ كَثِيرًا وَيُدَلِّسُ ، قَالَ الْبَزَّارُ : كَانَ يَرْوِي عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَيَتَجَوَّزُ وَيَقُولُ : حَدَّثَنَا وَخَطَبَنَا ، يَعْنِي قَوْمَهُ الَّذِينَ حَدَّثُوا أَوْ خَطَبُوا بِالْبَصْرَةِ ، مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَقَدْ قَارَبَ التِسْعِينَ . ( وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) الْأَنْصَارِيِّ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ ، كَانَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى ، وَمَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ عَامَ مَوْتِ الْحَسَنِ ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ ، فَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، وَيَحْيَى بْنَ عَتِيقٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ( أَنَّ رَجُلًا ) مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ( فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَوْلًا شَدِيدًا . وَفُسِّرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهِيَ : لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ مَا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ فَدَعَاهُمْ ( فَأَسْهَمَ ) أَيْ أَقْرَعَ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الْعَبِيدِ ) وَلِمُسْلِمٍ : فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ، وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ أَبْطَلَ الِاسْتِسْعَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَنَجَّزَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِتْقَ ثُلُثِهِ وَأَمْرَهُ بِالِاسْتِسْعَاءِ فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ ، وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِسْعَاءِ ، وَبِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ إِلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ مَا إِذَا أَعْتَقَ جَمِيعَ مَا لَيْسَ لَهُ عِتْقُهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَلَاغَهُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ كَمَا رَأَيْتَ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 38 - كِتَابُ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ 1 - بَاب مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ 1456 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يُعْتِقُ سَيِّدُهُ مِنْهُ شِقْصًا ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ سَهْمًا مِنْ الْأَسْهُمِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ وَسَمَّى مِنْ ذَلِكَ الشِّقْصِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عَتَاقَةَ ذَلِكَ الشِّقْصِ إِنَّمَا وَجَبَتْ وَكَانَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ مَا عَاشَ فَلَمَّا وَقَعَ الْعِتْقُ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي إِلَّا مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَعْتِقْ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ ، فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسُوا هُمْ ابْتَدَءُوا الْعَتَاقَةَ وَلَا أَثْبَتُوهَا وَلَا لَهُمْ الْوَلَاءُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ ؟ وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْمَيِّتُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ وَأُثْبِتَ لَهُ الْوَلَاءُ فَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي مَالِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِشُرَكَائِهِ وَوَرَثَتِهِ وَلَيْسَ لِشُرَكَائِهِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ ثُلُثَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَتَّ عِتْقَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ فِي ثُلُثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَوْ عَاشَ رَجَعَ فِيهِ وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَبِتُّ سَيِّدُهُ عِتْقَ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِهِ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ الْمَيِّتِ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ الصَّحِيحِ جَائِزٌ فِي مَالِهِ كُلِّهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 38 - كِتَابُ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ الْعِتْقُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ إِزَالَةُ الْمِلْكِ ، يُقَالُ : عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتُفْتَحُ ، وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ ، وَعَتَقَ الْفَرْخُ إِذَا طَارَ ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ . 1 - بَابُ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ لَفْظَ عَبْدٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ تَرْجَمَ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ مَمْلُوكٍ ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ تَارَةً يُقَدِّمُ التَّرْجَمَةَ بِكِتَابٍ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَالْعُنْوَانِ فَيَجْعَلُ الْبَسْمَلَةَ مَبْدَأَ الْمَقْصُودِ ، وَتَارَةً يُقَدِّمُ الْبَسْمَلَةَ عَلَى كِتَابٍ تَفَنُّنًا . 1504 1456 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ ) يُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهِيَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ، فَتَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ لَا صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَعَبْدٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ أَذِنَ أَوْ أَمْضَاهُ لَزِمَهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ ، وَلَا كَافِرٌ لِأَنَّ الْعِتْقَ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِالْفُرُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَذَا قَالَهُ الْأُبِّيُّ ( شِرْكًا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ شِقْصًا بِمُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَقَافٍ سَاكِنَةٍ وَمُهْمَلَةٍ ، وَفِي أُخْرَى عَنْ أَيُّوبَ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ نَصِيبَا وَالْكُلُّ بِمَعْنًى ، وَالشِّرْكُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ جُزْءًا مُشْتَرَكًا وَمَا أَشْبَهَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ هُوَ الْجُمْلَةُ ( لَهُ فِي عَبْدٍ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْعَبْدُ لُغَةً الْمَمْلُوكُ الذَّكَرُ وَمُؤَنَّثُهُ أَمَةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ ، وَسُمِعَ : عَبْدَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْجِنْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ( سورة مَرْيَمَ : الْآيَةُ 93 ) فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى قَطْعًا أَوْ إِلْحَاقًا لِلْأُنْثَى بِهِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَغَلِطَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ فَقَالَ : لَا تَقْوِيمَ فِي عِتْقِ الْإِنَاثِ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ عَبْدٍ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ حُذَّاقُ أَهْلِ الْأُصُولِ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ فَهُوَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ . اهـ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ . وَهُوَ يَشْمَلُ الْأُنْثَى نَصًّا ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ . ( فَكَانَ لَهُ مَالٌ ) هُوَ مَا يُتَمَوَّلُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَسَعُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا بَلَا لَامٍ ، أَيْ شَيْءٌ ( يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ) أَيْ ثَمَنَ بَقِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِحِصَّتِهِ وَالْمُرَادُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا اشْتُرِيَ بِهِ وَاللَّازِمَ هُنَا الْقِيمَةُ لَا الثَّمَنُ ، وَقَدْ بُيِّنَ الْمُرَادُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَعُمَرَ بْنِ نَافِعٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : وَلَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ أَنْصِبَاءِ شُرَكَائِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِشُرَكَائِهِ أَنْصِبَاءَهُمْ وَيَعْتِقُ الْعَبْدَ . ( قُوِّمَ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ ثَقِيلَةٍ ( عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ) بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى قِيمَتِهِ وَلَا يُنْقَصَ عَنْهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ : لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَمُهْمَلَةٍ ، أَيْ نَقْصٍ ، وَشَطَطٌ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ وَالْفَتْحِ ، أَيْ جَوْرٌ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ أَوْ قِيمَةِ عَدْلٍ ، وَهُوَ شَكٌّ مِنْ سُفْيَانَ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ : قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ : يَبْلُغُ يُخْرِجُ مَا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَبْلُغُ قِيمَةَ النَّصَبِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْرِي إِلَى الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ تَنْفِيذًا لِلْعِتْقِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( فَأَعْطَى ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ( شُرَكَاءَهُ ) بِالنَّصْبِ هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِبِنَاءِ أَعْطَى لِلْمَجْهُولِ وَرَفْعِ شركاؤه ( حِصَصَهُمْ ) أَيْ قِيمَةُ حِصَصِهِمْ فَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ وَاحِدًا أَعْطَاهُ جَمِيعَ الْبَاقِي اتِّفَاقًا ، فَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ وَهِيَ الثُّلْثُ وَالثَّانِي حِصَّتَهُ وَهِيَ السُّدُسُ فَفِي تَقْوِيمِ نَصِيبِ صَاحِبِ النِّصْفِ بِالسَّوِيَّةِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْإِتْلَافِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ لَقُوِّمَ عَلَيْهِ قَلَّ نَصِيبُهُ أَوْ كَثُرَ ، أَوْ يُقَوَّمُ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ ، قَوْلَانِ : الْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ كَامِلًا لَا عِتْقَ فِيهِ ، وَهُوَ مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ حُرٌّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّقْوِيمِ جِنَايَةُ الْمُعْتِقِ بِتَفْوِيتِهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فَيَقُومُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ الْمُقَوَّمَةِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلِأَنَّ الْمُعْتِقَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَدْعُوَ شَرِيكَهُ لِيَبِيعَ جَمِيعَهُ فَيَحْصُلَ لَهُ نِصْفُ جَمِيعِ الثَّمَنِ ، فَلَمَّا مَنَعَهُ هَذَا ضَمِنَهُ مَا مَنَعَهُ مِنْهُ ( وَعَتَقَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( عَلَيْهِ الْعَبْدُ ) بَعْدَ إِعْطَاءِ الْقِيمَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ نَفَذَ عِتْقُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ( فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْأَوَّلِ ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ فِي الثَّانِي ، كَذَا قَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ : وَرَدَّدَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : عَتَقَ بِالْفَتْحِ ، وَأُعْتِقَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَلَا يُعْرَفُ عُتْقٌ - بِضَمِّ أَوَّلِهِ - لِأَنَّ الْفِعْلَ لَازِمٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ اهـ . ثُمَّ هَذَا مِنْ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ فِي وَصْلِهَا ، وَكَذَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَإِنِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا ، وَزَعَمَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ تَعَلُّقًا بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ نَافِعٌ : وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . قَالَ أَيُّوبُ : لَا أَدْرِي أَشَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ أَوْ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا شَكٌّ مِنْ أَيُّوبَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُكْمِ الْمُعْسِرِ هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةٌ أَوْ مُدْرَجَةٌ مَقْطُوعَةٌ ؟ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ ، وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَيْءٌ يَقُولُهُ نَافِعٌ مِنْ قِبَلِهِ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَوَافَقَ أَيُّوبَ عَلَى الشَّكِّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَرَوَاهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى فَجَزَمَ أَنَّهَا عَنْ نَافِعٍ أَدْرَجَهَا ، وَجَزَمَ مُسْلِمٌ بِأَنَّ أَيُّوبَ ، وَيَحْيَى شَكَّا ، وَالَّذِينَ أَثْبَتُوهَا حُفَّاظٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ فِي وَصْلِهَا وَلَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَإِنِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِهَا وَحَذْفِهَا فَأَثْبَتَهَا عَنْهُ كَثِيرُونَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا آخَرُونَ ، أَيْ وَالْحُجَّةُ فِيمَنْ ذَكَرَ لَا فِيمَنْ تَرَكَ ، وَأَثْبَتَهَا أَيْضًا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَرَجَّحَ الْأَئِمَّةُ رِوَايَةَ مَنْ أَثْبَتَهَا مَرْفُوعَةً ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَحْسَبُ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ يَشُكُّ فِي أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ لِحَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَ لَهُ مِنْهُ حَتَّى لَوِ اسْتَوَيَا فَشَكَّ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ صَاحِبُهُ كَانَتِ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ لَمْ يَشُكَّ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُثْمَانَ الدَّارَمِيِّ : قُلْتُ لِابْنِ مَعِينٍ : مَالِكٌ فِي نَافِعٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ أَيُّوبُ ؟ قَالَ : مَالِكٌ اهـ . وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ عِتْقِ نَصِيبٍ لِلْمُعَتَقِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ مِنْ إِبْطَالِهِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا أَصْلَ لَهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَكَأَنَّهُ رَاعَى حَقَّ الشَّرِيكِ لِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ بِحُرِّيَّةِ الشِّقْصِ ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الْوَضْعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَ الْحَدِيثِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْرَاجِ مِلْكِ الْإِنْسَانِ جَبْرًا عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : كَأَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ ، قَالَ : وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ : يُعْتَقُ كُلُّهُ وَيَكُونُ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يُعْتِقْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّقْوِيمِ عَلَى الْمُعْتِقِ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : يُخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ أَنْ يُقَوَّمَ نَصِيبُهُ أَوْ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ حَتَّى وَلَا صَاحِبَاهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ أَنَّ التَّقْوِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْمُوسِرِ ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْعِتْقِ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ - فِي الْأَصَحِّ - وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : يُعْتَقُ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ كَانَ لَغْوًا ، وَيُغَرَّمُ الْمُعْتِقُ حِصَّةَ نَصِيبِهِ بِالتَّقْوِيمِ لِرِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ فَهُوَ عَتِيقٌ . وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَلَهُ فِيهِ وَفَاءٌ فَهُوَ حُرٌّ ، وَيَضْمَنُ نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ اهـ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَثُرَتْ أَلْفَاظُهَا فَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِرَدِّ الْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ فَيُقَيَّدُ قَوْلُهُ فَهُوَ عَتِيقٌ أَوْ فَهُوَ حُرٌّ بِمَا إِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ لِشَرِيكِهِ لِحَدِيثِ الْبَابِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا لَكِنَّهَا فِي سِيَاقِ الْإخْبَارِ بِالْأَحْكَامِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ بِالْآيَةِ مَعَ أَنَّهَا بِالْوَاوِ ، وَيُؤَيِّدُهُ هُنَا رِوَايَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ : قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ عُتِقَ ، وَإِنْ أَجَازَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيبِ الْعِتْقِ عَلَى التَّقْوِيمِ تَرْتِيبُهُ عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْقِيمَةِ ، وَأَمَّا الدَّفْعُ فَقَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ جَعْلَ الْعِتْقِ مُتَرَاخِيًا عَنِ التَّقْوِيمِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِي الْحَالِ كَمَا قَالُوا ، فَلَوْ بَادَرَ الشَّرِيكُ بِعِتْقِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ نَفَّذَ كَمَا قُلْنَا ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ التَّكْمِيلِ وَجَبْرِ مَالِكِ الْبَعْضِ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ إِنَّمَا هُوَ تَتْمِيمُ الْعِتْقِ ، فَإِذَا طَلَعَ بِهِ نَفَذَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ تَصَرُّفِ الشَّخْصِ فِي مِلْكِهِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَرَى اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ ، وَإِكْمَالَ عِتْقِهِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ عِتْقَ مَا عَتَقَ وَرَدَّ مَا سِوَاهُ . وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَخْ ، مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ ، وَبِهِ جَزَمَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ . بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، فَقَالَ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَأَبَى ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَصَحَّحَا كَوْنَ الْجَمِيعِ مَرْفُوعًا ، وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ . وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَأَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمٍ قَائِلًا : كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْن عُمَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، انْتَهَى . وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا وَغَيْرِهِ وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ ، وَتَابَعَ نَافِعًا عَلَيْهِ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ( سَيِّدُهُ مِنْهُ شِقْصًا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ( ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ سَهْمًا مِنَ الْأَسْهُمِ ) وَلَوْ قُلْتَ : ( بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مِنْهُ إِلَّا مَا عَتَقَ سَيِّدُهُ ، وَيُسَمَّى مِنْ ذَلِكَ الشِّقْصُ ) الَّذِي أَوْصَى بِعِتْقِهِ ( وَذَلِكَ أَنَّ عَتَاقَةَ ذَلِكَ الشِّقْصِ إِنَّمَا وَجَبَتْ ) أَيْ ثَبَتَتْ ( وَكَانَتْ ) أَيْ وُجِدَتْ ( بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ ) لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ ( وَأَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ مَا عَاشَ ) أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ( فَلَمَّا وَقَعَ الْعِتْقُ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ ) الْمُوصِي ( لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي إِلَّا مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَعْتِقْ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ ) وَهُوَ وَرَثَتُهُ ، وَصَارَ الْمَيِّتُ مُعْسِرًا ( فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسَ هُمُ ابْتَدَءُوا الْعِتْقَ وَلَا أَثْبَتُوهَا ) أَيِ الْعَتَاقَةَ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا أَوَّلًا ، فَلِذَا أَنَّثَ ( وَلَا لَهُمُ الْوَلَاءُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْمَيِّتُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ وَأُثْبِتَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( الْوَلَاءُ لَهُ ) بِالسُّنَّةِ ( فَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ ) وَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ ، وَحُجَّتُهُمْ مَعَ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ السِّرَايَةَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَخْتَصُّ بِمُورِدِ النَّصِّ ، وَلِأَنَّ التَّقْوِيمَ سَبِيلُهُ سَبِيلُ غَرَامَةِ الْمَتْلَفَاتِ فَيَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِصُدُورِ أَمْرٍ يَجْعَلُ إِتْلَافًا ( إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي مَالِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِشُرَكَائِهِ وَوَرَثَتِهِ ، وَلَيْسَ لِشُرَكَائِهِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ حَقَّهُ وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ التَّكْمِيلِ فِي الْحَدِيثِ بِحَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِلْبَعْضِ أَوْ إِيصَائِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، أَمَّا إِنْ أَوْصَى بِعِتْقِ الْبَعْضِ فَلَا يَكْمُلُ لِلتَّوْجِيهِ الْوَجِيهِ الَّذِي قَالَهُ . ( وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ ثُلُثَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَتَّ عِتْقَهُ أَعْتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ فِي ثُلُثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ ) أَيْ يُوصِي بِعِتْقِهِ ( بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَوْ عَاشَ رَجَعَ فِيهِ ) لَأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي الْوَصِيَّةِ ( وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَبُتُّ سَيِّدُهُ عِتْقَ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِهِ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ عَاشَ ) أَيْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ دُونَ نَظَرٍ لِثُلُثٍ . ( وَإِنْ مَاتَ أُعْتِقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ الْمَيِّتِ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ الصَّحِيحِ جَائِزٌ فِي مَالِهِ كُلِّهِ ) لِعَدَمِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .
6 - باب مَا يَجُوزُ مِنْ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1462 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لِي فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاةٌ مِنْ الْغَنَمِ ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ : أَكَلَهَا الذِّئْبُ ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا ، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَقَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ فَقَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا . 6 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعِتْقِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ 1511 1462 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ ) نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ، وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أُسَامَةَ ، وَهُوَ هِلَالُ ابْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ ، يُعْرَفُ أَبُوهُ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ الْعَامِرِيُّ ، مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، مَاتَ سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ لمالك عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَهُوَ وَهْمٌ عِنْدَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَةُ ابْنُ الْحَكَمِ كَمَا قَالَ كُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِلَالٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ مَعْرُوفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَحَدِيثُهُ هَذَا مَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ فَتَابِعِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ مَعْرُوفٌ يَعْنِي فَلَا يَصِحُّ ( أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارِيَةً ) لَمْ تُسَمَّ ( كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لِي ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي نَاحِيَةِ أُحُدٍ ( فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ ) فِعْلٌ مَاضٍ تَاؤُهُ مَضْمُومَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ كَمَا ضَبَطَهُ فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ ( شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ : وَقَدْ فُقِدَتْ مِنْهَا شَاةٌ ( فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا ، فَقَالَتْ : أَكَلَهَا الذِّئْبُ فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا ) أَيْ غَضِبْتُ ( وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ ، تَقْدِيمٌ لِعُذْرِهِ فِي قَوْلِهِ : ( فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا ) ضَرَبْتُهَا عَلَيْهِ بِبَيَاضِ كَفِّي ( وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا ؟ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَفَاءٍ فَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَبِي عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً ثُمَّ انْصَرَفَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ ، فَعَظُمَ عَلَيَّ فَقُلْتُ : هَلَّا أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : ائْتِنِي بِهَا ، فَجِئْتُ بِهَا إِلَيْهِ ( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَقَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ( سورة الْمُلْكِ : الْآيَةَ : 16 ) ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ( سورة فَاطِرٍ : الْآيَةَ : 10 ) وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَعَلَّهَا تُرِيدُ وَصْفَهُ بِالْعُلُوِّ ، وَبِذَلِكَ يُوصَفُ مَنْ كَانَ شَأْنُهُ الْعُلُوَّ ، يُقَالُ مَكَانُ فُلَانٍ فِي السَّمَاءِ ، يَعْنِي عُلُوَّ حَالِهِ وَرِفْعَتَهُ وَشَرَفَهُ . ( فَقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ فَقَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَقُتَيْبَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ فَزَادُوا : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْيَاءُ كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ ، قُلْتُ : وَكُنَّا نَتَطَيَّرُ ، قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ الْحَكَمِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُمُورٌ كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَأْتِي الْكُهَّانَ ، قَالَ : فَلَا تَأْتُوهَا ، قُلْتُ : كُنَّا نَتَطَيَّرُ ، قَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ . فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ كَمَا قَالَ النَّاسُ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عُمَرُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هِلَالٍ فَرُبَّمَا كَانَ الْوَهْمُ مِنْ هِلَالٍ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْهُ فَقَالُوا مُعَاوِيَةُ ، انْتَهَى . مُلَخَّصًا وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَجْوِيزَ أَنَّ الْوَهْمَ مِنْهُ لَمَّا حَدَّثَ مَالِكًا وَتَنَبَّهَ لَمَّا حَدَّثَ غَيْرَهُ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي الْفَرَائِضِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ عِيسَى قَالَ لِمَالِكٍ : النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّك تُخْطِئُ أَسَامِيَ الرِّجَالِ ، تَقُولُ : عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : هَذَا حِفْظُنَا وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي ، أَخْرَجَهُ أَبُو الْفَضْلِ السُّلَيْمَانِيُّ .
1464 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ هَلْ يُعْتِقُ فِيهَا ابْنَ زِنًا ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَعَمْ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ . 1512 1464 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا ، كَيْسَانَ أَوِ ابْنِهِ سَعِيدٍ ( أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ هَلْ يُعْتَقُ فِيهَا ابْنُ زِنًى ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَعَمْ ، يُجْزِئُهُ ذَلِكَ ) لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِنَسَبٍ .
1463 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا . 1512 1463 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ لِلِقَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا وُجِدَ مُرْسَلٌ قَطُّ ؛ إِذْ المرسل مَا رَفَعَهُ التَّابِعِيُّ وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ لِلِقَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ لَهُ ، وَهَذَا مَوْصُولٌ ، وَرَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ( جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ) نَذَرَ عِتْقَهَا أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِكَفَّارَةِ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ ( فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ) أَيْ أَشْهَدُ بِذَلِكَ ( قَالَ : أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ) أُوقِنُ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ جَوَّدَ يَحْيَى لَفْظَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ فَلَمْ يَذْكُرَا فَإِنْ كُنْتَ تَرَاهَا مُؤْمِنَةً ، وَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ ؟ وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِلَفْظِ : أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ . الْحَدِيثَ ، فَحَذَفَ مِنْهُ أَنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً مَعَ أَنَّهُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ . وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ لَهَا : فَمَنْ أَنَا ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى السَّمَاءِ ، أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : إِنَّهُ خَالَفَ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَجَعَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ : رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : إِنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ ، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْ عَوْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، انْتَهَى . فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ فَلَا خُلْفَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّحِدَةً فَيُمْكِنُ أَنَّ لِعُبَيْدِ اللَّهِ فِيهِ شَيْخَيْنِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَوَاهَا لَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَوَاهَا عَنْ قِصَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ قَالَتْ : نَعَمْ ، عَلَى أَنَّهَا قَالَتْ بِالْإِشَارَةِ أَوْ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهَا الْأَمْرَانِ ، فَقَالَتْ : نَعَمْ ، بِاللَّفْظِ حِينَ قَوْلِهِ أَتَشْهَدِينَ إِلَخْ ، فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ قَوْلِهِ أَيْنَ اللَّهُ ؟ وَمَنْ أَنَا ؟ فَذَكَرَ كُلٌّ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَعَوْنٍ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ .
1465 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ : هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ . 1512 1465 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ فَضَالَةَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ( ابْنِ عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الْأَوْسِيِّ ( وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ نَزَلَ دِمَشْقَ وَوَلِيَ قَضَاءَهَا ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : قَبْلَهَا ( أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتِقَ وَلَدَ زِنًى ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ) إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فِي الْقَتْلِ نصا وَإِجْمَاعًا وَفِي الظِّهَارِ خِلَافٌ .
2 - باب الشَّرْطِ فِي الْعِتْقِ قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَتَتِمَّ حُرِّيَّتُهُ وَيَثْبُتَ مِيرَاثُهُ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يَشْتَرِطُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ ، وَلَا يَحْمِلَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الرِّقِّ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ . قَالَ مَالِكٌ : فَهُوَ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ خَالِصًا أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ ، وَلَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنْ الرِّقِّ . 2 - بَابُ الشَّرْطِ فِي الْعِتْقِ - ( مَالِكٌ : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ ) أَيْ نَجَّزَهُ ( حَتَّى تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَتَتِمَّ حُريته وَيَثْبُتَ مِيرَاثُهُ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يَشْتَرِطُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الرِّقِّ ) أَيْ لَا يُجْرِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ ( لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ ) نَاجِزًا أَوْ مُعَلِّقًا عَلَى شَيْءٍ وُجِدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ( شِرْكًا ) أَيْ شِقْصًا ، أَيْ نَصِيبًا لَهُ ( فِي عَبْدٍ ) أَيْ رَقِيقٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ( قُوِّمَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( قِيمَةَ الْعَدْلِ ) فَلَا يُزَادُ عَلَى قِيمَتِهِ وَلَا يُنْقَصُ ( فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ ) أَيْ قِيمَتَهَا ( وَعَتَقَ عَلَيْهِ ) الْعَبْدُ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ بِالْحُكْمِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ قُوِّمَ ، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مَنْ أَعْتَقَ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاتِّفَاقٍ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ ، وَفِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ وَالْكَافِرِ تَفَاصِيلُ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ : أَعْتَقَ مَا إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِأَنْ وَرِثَ بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِقَرَابَةٍ فَلَا سِرَايَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِالسِّرَايَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَهُوَ إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ خَالِصًا ) أَيْ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ ( أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالِ عَتَاقَتِهِ ) إِذَا أَعْتَقَ بَعْضَهُ ( وَلَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الرِّقِّ ) لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَهُ تَكْمِيلُهُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ لِشُرَكَائِهِ فَأَوْلَى إِذَا كَانَ لَهُ كُلُّهُ وَأَعْتَقَ بَعْضَهُ .
8 - باب عِتْقِ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ 1467 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ فَهَلَكَتْ ، وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تُعْتِقَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . 8 - بَابُ عِتْقِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ 1516 1467 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ) عَمْرِو بْنِ ( أَبِي عَمْرَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، الثِّقَةِ فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ ، رَوَى عَنِ الْقَاسِمِ وَعَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَمَا أَظُنُّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَلَا أَدْرَكَهُ ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ عَمِّهِ عَنْهُ ، وَيَرْوِي عَنْهُ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ ، وَابْنُ أَبِي الْمَوَالِي وَغَيْرُهُمْ ، وَجَدُّهُ أَبُو عَمْرَةَ صَحَابِيٌّ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ فَهَلَكَتْ ) مَاتَتْ ( وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تَعْتِقَ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) ابْنُهَا ( فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ) ابْنِ الصِّدِّيقِ ( أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : ) يَنْفَعُهَا ( إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ( قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي ) عَمْرَةَ بِنْتَ مَسْعُودٍ الْخَزْرَجِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ ( هَلَكَتْ ) مَاتَتْ وَأَنَا غَائِبٌ مَعَكَ فِي غَزْوَةِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ سَنَةَ خَمْسٍ ( فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ) زَادَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ أَعْتِقْ عَنْهَا وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْقَاسِمَ لَمْ يَلْقَ سَعْدًا ، لَكِنَّ قِصَّةَ سَعْدٍ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِلَةٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، فَلَعَلَّ الْقَاسِمَ رَوَاهُ عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْهَا كَمَا مَرَّ قَرِيبًا لَكِنْ بِلَفْظِ إنْ تَصَدَّقْ عَنْهَا نَعَمْ ، فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ . فَقَدْ وُجِدَ الْعِتْقُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي قِصَّةِ سَعْدٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا لَا كَمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ : لَا يَكَادُ يُوجَدُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فِي قِصَّةِ سَعْدٍ إِنَّمَا هِيَ فِي الصَّدَقَةِ ، قَالَ : وَكُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ عَنِ الْمَيِّتِ إِجْمَاعًا وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ عَنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَلِمَنْ أَعْتَقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ فَالْوَلَاءُ لَهُ وَإِلَّا فَلِلْمُعْتِقِ ، قَالَ - أَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ - : وَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمٍ حَدَّثَهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالِدَتِي كَانَتْ تَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِي وَتَعْتِقُ مِنْ مَالِي حَيَاتَهَا ، فَقَدْ مَاتَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا أَوْ عَتَقْتُ عَنْهَا أَتَرْجُو لَهَا شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى صَدَقَةٍ ، قَالَ : اسْقِ الْمَاءَ ، قَالَ : فَمَا زَالَتْ جِرَارُ سَعِدٍ بِالْمَدِينَةِ .
1468 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمٍ نَامَهُ ، فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِقَابًا كَثِيرَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 1517 1468 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) أَسْلَم قُبَيْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَالْفُتُوحَ ، وَمَاتَ ( فِي نَوْمٍ نَامَهُ ) فَجْأَةً فِي طَرِيقِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ ) شَقِيقَتُهُ ( عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِقَابًا كَثِيرَةً ) لِأَنَّهَا دُونَ قَوْلِ سَعْدٍ : أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، مَرَّ . وَالْعِتْقُ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الصَّدَقَةِ ، وَمَرَّتْ رِوَايَةُ : أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ فَلَعَلَّهَا سَمِعَتْ ذَلِكَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُرْوَى فِي الْعِتْقِ عَنِ الْمَيِّتِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ وَائِلَةَ ابْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقُلْنَا : إِنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ مَاتَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ . ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ .
1476 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ لَهُ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ لِمَنْ وَلَاؤُهُمْ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ مَاتَ أَبُوهُمْ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يُعْتَقْ فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَثَلُ ذَلِكَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ مِنْ الْمَوَالِي ، يُنْسَبُ إِلَى مَوَالِي أُمِّهِ ، فَيَكُونُونَ هُمْ مَوَالِيَهُ ؛ إِنْ مَاتَ وَرِثُوهُ ، وَإِنْ جَرَّ جَرِيرَةً عَقَلُوا عَنْهُ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ أَبُوهُ أُلْحِقَ بِهِ وَصَارَ وَلَاؤُهُ إِلَى مَوَالِي أَبِيهِ ، وَكَانَ مِيرَاثُهُ لَهُمْ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ وَيُجْلَدُ أَبُوهُ الْحَدَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُلَاعِنَةُ مِنْ الْعَرَبِ إِذَا اعْتَرَفَ زَوْجُهَا الَّذِي لَاعَنَهَا بِوَلَدِهَا صَارَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، إِلَّا أَنَّ بَقِيَّةَ مِيرَاثِهِ بَعْدَ مِيرَاثِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ لِأُمِّهِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يُلْحَقْ بِأَبِيهِ ، وَإِنَّمَا وَرَّثَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ الْمُوَالَاةَ مَوَالِيَ أُمِّهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ أَبُوهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ وَلَا عَصَبَةٌ ، فَلَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ صَارَ إِلَى عَصَبَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي وَلَدِ الْعَبْدِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ وَأَبُو الْعَبْدِ حُرٌّ أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْعَبْدِ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِ ابْنِهِ الْأَحْرَارِ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ يَرِثُهُمْ مَا دَامَ أَبُوهُمْ عَبْدًا ، فَإِنْ عَتَقَ أَبُوهُمْ رَجَعَ الْوَلَاءُ إِلَى مَوَالِيهِ ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ كَانَ الْمِيرَاثُ وَالْوَلَاءُ لِلْجَدِّ ، وَإِنْ الْعَبْدُ كَانَ لَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَأَبُوهُ عَبْدٌ ؛ جَرَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ حَامِلٌ وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ ثُمَّ يَعْتِقُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَوْ بَعْدَمَا تَضَعُ : إِنَّ وَلَاءَ مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا لِلَّذِي أَعْتَقَ أُمَّهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ الرِّقُّ قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ أُمُّهُ ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ إِذَا عَتَقَ أَبُوهُ جَرَّ وَلَاءَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا لَهُ فَيَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ : إِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ لَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَإِنْ عَتَقَ . 1523 1476 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ لَهُ وَلَدٌ مِنَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ لِمَنْ وَلَاؤُهُمْ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنْ مَاتَ أَبُوهُمْ وَهُوَ عَبْدٌ لَمْ يُعْتَقْ ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لـِ عَبْدٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ ( فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ ) وَإِنْ عُتِقَ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْوَلَاءُ ( قَالَ مَالِكٌ : وَمَثَلُ ) بِفُتْحَتَيْنِ ( ذَلِكَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ مِنَ الْمَوَالِي ) صِفَةٌ لَهَا ( يُنْسَبُ إِلَى مَوَالِي أُمِّهِ فَيَكُونُونَ هُمْ مَوَالِيَهُ إِنْ مَاتَ وَرِثُوهُ وَإِنَّ جَرَّ جَرِيرَةً ) فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعْوِلَةٍ ، مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَنْبٍ ، وَالْمَعْنَى : وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً ( عَقَلُوا عَنْهُ ) لِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِ ( فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ أَبُوهُ أُلْحِقَ بِهِ وَصَارَ وَلَاؤُهُ إِلَى مَوَالِي أَبِيهِ وَكَانَ مِيرَاثُهُ لَهُمْ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ وَيُجْلَدُ أَبُوهُ الْحَدَّ ) أَيْ حَدَّ الْقَذْفِ . ( وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُلَاعَنَةُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا ( مِنَ الْعَرَبِ ) أَيِ الْأَحْرَارِ أَصَالَةً ( إِذَا اعْتَرَفَ زَوْجُهَا الَّذِي لَاعَنَهَا بِوَلَدِهَا صَارَ بِمِثْلِ ) أَيْ صِفَةِ ( هَذِهِ الْمَنْزِلَة إِلَّا أَنَّ بَقِيَّةَ مِيرَاثِهِ بَعْدَ مِيرَاثِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ لِأُمِّهِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَلْحَقْ بِأَبِيهِ ) فَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ بِهِ ( وَإِنَّمَا وَرَّثَ ) بِشَدِّ الرَّاءِ ( وَلَدُ ) فَاعِلٌ ( الْمُلَاعَنَةِ الْمُوَالَاةَ ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ ( مَوَالِيَ أُمِّهِ ) مَفْعُولٌ ( قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ أَبُوهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ وَلَا عَصَبَةٌ ، فَلَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ ) بِاعْتِرَافِ أَبِيهِ ( صَارَ إِلَى عَصَبَتِهِ ) أَيْ عَادَ إِلَيْهِمْ ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي وَلَدِ الْعَبْدِ مِنَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ وَأَبُو الْعَبْدِ حُرٌّ : أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْعَبْدِ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِ ابْنِهِ الْأَحْرَارِ مِنَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ تَرِثُهُمْ مَا دَامَ أَبُوهُمْ عَبْدًا ، فَإِنْ عَتَقَ أَبُوهُمْ رَجَعَ الْوَلَاءُ إِلَى مَوَالِيهِ ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ كَانَ ) أَيِ اسْتَمَرَّ ( الْمِيرَاثُ وَالْوَلَاءُ لِلْجَدِّ ، وَإِنِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ ( الْعَبْدُ كَانَ لَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَأَبُوهُ عَبْدٌ حُرٌّ ) سَحَبَ ( الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ حَامِلٌ وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ ، ثُمَّ يُعْتَقُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَوْ بَعْدَمَا تَضَعُ : إِنَّ وَلَاءَ مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا لِلَّذِي أَعْتَقَ أُمَّهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ الرِّقُّ قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ أُمُّهُ ) فَثَبَتَ لِمُعْتِقِهَا فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ ( وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ إِذَا أُعْتِقَ أَبُوهُ جَرَّ وَلَاءَهُ ) أَيْ سَحَبَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا لَهُ فَيَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ ) فِي عِتْقِهِ ( إِنَّ وَلَاءَ الْمُعْتَقِ ) بِالْفَتْحِ ( لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ) لِأَنَّهُ الْمُعَتِقُ حَقِيقَةً ( لَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَإِنْ عَتَقَ ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ لَا يَنْتَقِلُ .
11 - باب جَرِّ الْعَبْدِ الْوَلَاءَ إِذَا أُعْتِقَ 1475 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَلِذَلِكَ الْعَبْدِ بَنُونَ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ الزُّبَيْرُ قَالَ : هُمْ مَوَالِيَّ ، وَقَالَ : مَوَالِي أُمِّهِمْ بَلْ هُمْ مَوَالِينَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؛ فَقَضَى عُثْمَانُ ، لِلزُّبَيْرِ بِوَلَائِهِمْ . 11 - بَابُ جَرِّ الْعَبْدِ الْوَلَاءَ إِذَا أُعْتِقَ 1523 1475 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ) الْحَوَارِيِّ ( اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، وَلِذَلِكَ الْعَبْدِ بَنُونَ ) جَمْعُ ابْنٍ ( مِنَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ الزُّبَيْرُ قَالَ : هُمْ ) أَيْ بَنُوهُ ( مَوَالِيَّ ) بِيَاءِ الْإِضَافَةِ ( وَقَالَ : مَوَالِي أُمِّهِمْ بَلْ هُمْ مَوَالِينَا ) لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ ( فَاخْتَصَمُوا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( فَقَضَى عُثْمَانُ لِلزُّبَيْرِ بِوَلَائِهِمْ ) دُونَ مَوَالِي أُمِّهِمْ .
1470 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَعْتَقَ وَلَدَ زِنًا وَأُمَّهُ . 1518 1470 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ وَلَدَ زِنًى وَأُمَّهُ ) أَيْ وَالِدَتَهُ الَّتِي زَنَتْ بِهِ .
9 - باب فَضْلِ عِتْقِ الرِّقَابِ وَعِتْقِ الزَّانِيَةِ وَابْنِ الزِّنَا 1469 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الرِّقَابِ أَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا . 9 - بَابُ فَضْلِ عِتْقِ الرِّقَابِ وَعِتْقِ الزَّانِيَةِ وَابْنِ الزِّنَى 1518 1469 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ ، وَمُطَرِّفٍ ، وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَأَرْسَلَهُ الْأَكْثَرُ ، وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ مُرْسَلًا ، وَهُوَ عِنْدَنَا فِي مُوَطَّأِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ عَنْهُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ ابْنُ الْجَارُودِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عَائِشَةَ غَيْرُ مَالِكٍ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ يُخَالِفُونَهُ فِي إِسْنَادِهِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْفَتْحِ ، ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ نَحْوَ عِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ أَيُّهَا أَفْضَلُ ) فِي الْعِتْقِ ، وَالسَّائِلُ أَبُو ذَرٍّ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي حَدِيثٍ فِيهِ قُلْتُ : فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَغْلَاهَا ثَمَنًا ) بِالْعَيْنِ مُعْجَمَةٌ وَمُهْمَلَةٌ رِوَايَتَانِ ، قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ : أَكْثَرُهَا ثَمَنًا ، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ ( وَأَنْفَسُهَا ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ أَكْثَرُهَا رَغْبَةً ( عِنْدَ أَهْلِهَا ) لِمَحَبَّتِهِمْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إِلَّا خَالِصًا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةَ : 92 ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ الشَّخْصِ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً فَيَعْتِقَهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً وَرَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ ، قَالَ : وَهَذَا بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ ، فَالْوَاحِدَةُ السَّمِينَةُ فِيهَا أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عَتَقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا فَمِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ ، وَقَالُوا : الْمُرَادُ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، انْتَهَى . وَقَالَ عِيَاضٌ : لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ عِتْقِ الْكَافِرِ ، لَكِنَّ الْفَضْلَ التَّامَّ إِنَّمَا هُوَ فِي عِتْقِ الْمُؤْمِنِ . وَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّ عِتْقَ الْأَغْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، يَعْنِي لِظَاهِرِ حَدِيثِهِ هَذَا ، قَالَ : وَخَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَلِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنَ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ كَالشَّهَادَةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْمُرَجَّحُ أَنَّ عِتْقَ الذَّكَرِ أَفْضَلُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ ، وَالنَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا : أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا بِعَظْمٍ مِنْهُ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ . فَجُعِلَ عِتْقُ الذَّكَرِ كَامْرَأَتَيْنِ . وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنَافِعَ الذَّكَرِ أَفْضَلُ كَالْجِهَادِ وَالشَّهَادَاتِ وَالْحُكْمِ ؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ مِنْهُمْ أَوْجَهُ ، وَالرِّقَّ فِيهِمْ أَكْثَرُ حَتَّى أنَّ الْجَوَارِيَ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْعِتْقِ وَتَضِيعُ مَعَهُ ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِسِرَايَةِ الْحُرِّيَّةِ فِيمَنْ تَلِدُ الْأُنْثَى كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ مَا ذُكِرَ أَنَّ عِتْقَ الْأُنْثَى غَالِبًا يَسْتَلْزِمُ ضَيَاعَهَا ، وَأَنَّ فِي عِتْقِ الذَّكَرِ مِنَ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِنَاثِ .
13 - باب مِيرَاثِ السَّائِبَةِ وَوَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ 1480 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبَةِ قَالَ : يُوَالِي مَنْ شَاءَ ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا ، وَأَنَّ مِيرَاثَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ : إِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا . قَالَ : وَلَكِنْ إِذَا أَعْتَقَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا عَلَى دِينِهِمَا ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ لِلْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ وَلَدٌ مُسْلِمٌ وَرِثَ مَوَالِيَ أَبِيهِ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ ، إِذَا أَسْلَمَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ حِينَ أُعْتِقَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَيْنِ مِنْ وَلَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ وَلَا لِلنَّصْرَانِيِّ وَلَاءٌ ؛ فَوَلَاءُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 13 - بَابُ مِيرَاثِ السَّائِبَةِ وَوَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ هِيَ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ سَائِبَةٌ ، يُرِيدُ بِهِ الْعِتْقَ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ الْعِتْقَ بِلَفْظِ سَائِبَةٍ لِاسْتِعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ لَهَا فِي الْأَنْعَامِ ، وَلِقَوْلِهِ : إِنَّهُ أَمْرٌ تَرَكَهُ النَّاسُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ . 1527 1480 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبَةِ ، فَقَالَ : يُوَالِي مَنْ شَاءَ ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ ) وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ . وَقَالَ ( مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا وَأَنَّ مِيرَاثَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ) وَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَنْهُمْ ( وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ ) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ . وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ ، وَقِيلَ : يَشْتَرِي بِتَرِكَتِهِ رِقَابًا فَتُعْتَقُ . ( مَالِكٌ : فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ ) فَيَمْضِي عِتْقُهُ نَظَرًا لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ لِلْعِتْقِ ( أَنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ( لِلْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ أو النصراني بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُمْ ( وَلَكِنْ إِذَا أَعْتَقَ الْيَهُودِيُّ أو النصراني عَبْدًا عَلَى دِينِهِمَا ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُعْتَقُ ) بِالْفَتْحِ ( قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي أَعْتَقَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ ) وَهُوَ لَا يَنْتَقِلُ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ رَجَعَ لَهُ الْوَلَاءُ ( وَإِنْ كَانَ لِلْيَهُودِيِّ أو النصراني وَلَدٌ مُسْلِمٌ وَرِثَ مَوَالِيَ أَبِيهِ الْيَهُودِيِّ أو النصراني إِذَا أَسْلَمَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ( قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ ) وَهُمَا كَافِرَانِ ( وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ ) بِالْفَتْحِ ( حِينَ أُعْتِقَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَوِ الْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَيْنِ ) بِالتَّثْنِيَةِ صِفَةٌ لِلْوَلَدَيْنِ ( مِنْ وَلَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ وَلَا لِلنَّصْرَانِيِّ وَلَاءٌ ، فَوَلَاءُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ) لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُ ابْنُ الْمُعْتِقِ الْكَافِرِ .
1479 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ مَوَالِيَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ عَتَاقَةً ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِيهِ هَلَكَا وَتَرَكَا أَوْلَادًا فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : يَرِثُ الْمَوَالِيَ الْبَاقِي مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا هَلَكَ هُوَ ، فَوَلَدُهُ وَوَلَدُ إِخْوَتِهِ فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي شَرَعٌ سَوَاءٌ . 1525 1479 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ مَوَالِيَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ عَتَاقَةً ) بِفَتْحِ السِّينِ وَوَهِمَ مَنْ كَسَرَهَا ( ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِيهِ هَلَكَا ) مَاتَا ( وَتَرَكَ أَوْلَادًا ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : يَرِثُ الْمَوَالِي ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَهُوَ خَطَأٌ وَصَوَابُهُ الْوَلَاءُ كَذَا قِيلَ ، وَالرِّوَايَةُ صَوَابٌ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ ، أَيْ وَلَاءُ الْمَوَالِي وَهُوَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ وَالْفَاعِلُ الِابْنُ ( الْبَاقِي مِنْ ) بَنِيهِ ( الثَّلَاثَةِ فَإِذَا هَلَكَ هُوَ ) أَيِ الثَّالِثُ ( فَوَلَدُهُ وَوُلَدُ إِخْوَتِهِ فِي وَلَاءِ الْمَوَالِي شَرْعٌ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، أَيْ ( سَوَاءٌ ) فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ .
1478 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَبُوهُ ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، فَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يُقَالُ لَهُ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ كُلَيْبٍ فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا ، فَقَالَ وَرَثَتُهُ : لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ فَقَالَ الْجُهَنِيُّونَ : لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا وَلَاؤُهُمْ وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ ، فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِيِّينَ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 1525 1478 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَبُوهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ) بْنِ عَفَّانَ ( فَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ( وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ) بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ( وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يُقَالُ لَهُ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ كُلَيْبٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ ، مُصَغَّرٌ ( فَمَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ ) عُتَقَاءً لَهَا ( فَوَرِثَهَا ابْنُهَا ) لَمْ يُسَمَّ ( وَزَوْجُهَا ) إِبْرَاهِيمُ ( ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا ، فَقَالَتْ وَرَثَتُهُ : لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي ) لِأَنَّهُ ( قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ ) ضَمَّهُ وَحَازَهُ ( فَقَالَ الْجُهَنِيُّونَ : لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا وَلَاؤُهُمْ وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ ، فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِيِّينَ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي ) دُونَ وَرَثَةِ الِابْنِ .
12 - باب مِيرَاثِ الْوَلَاءِ 1477 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً ؛ اثْنَانِ لِأُمٍّ وَرَجُلٌ لِعَلَّةٍ ، فَهَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَالَهُ وَوَلَاءَهُ مَوَالِيهِ ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمَوَالِي وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ ، فَقَالَ ابْنُهُ : قَدْ أَحْرَزْتُ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنْ الْمَالِ وَوَلَاءِ الْمَوَالِي ، وَقَالَ أَخُوهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ ، إِنَّمَا أَحْرَزْتَ الْمَالَ وَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا ، أَرَأَيْتَ لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْتُ أَرِثُهُ أَنَا ؟ فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَضَى لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي . 12 - بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ 1524 1477 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ حَزْمٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ) الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( أَنَّ الْعَاصِي بْنَ هِشَامٍ ) أَخَا الْحَارِثِ ( هَلَكَ ) قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا ( وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً اثْنَانِ لِأُمٍّ ) أَيْ شَقِيقَانِ ( وَرَجُلٌ لِعَلَّةٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ، أَيِ امْرَأَةٍ أُخْرَى ، وَالْجَمْعُ عَلَّاتٌ إِذَا كَانَ الْأَبُ وَاحِدًا وَالْأُمَّهَاتُ شَتَّى ، قِيلَ : مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلَلِ وَهُوَ الشُّرْبُ بَعْدَ الشُّرْبِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ أُخْرَى صَارَ كأنه شَرِبَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَفِي الْوَلَائِمِ أَوْلَادٌ لِوَاحِدَةٍ وَفِي الْعِيَادَةِ أَوْلَادٌ لِعَلَّاتٍ ( فَهَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ وَرِثَهُ ( ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَوَلَاءَ الْمُوَالِي وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ ) لِأَبِيهِ ( فَقَالَ ابْنُهُ : قَدْ أَحْرَزْتُ ) ضَمَمْتُ وَمَلَكْتُ ( مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنَ الْمَالِ وَوَلَاءِ الْمَوَالِي ، فَقَالَ أَخُوهُ ) أَخُو الْمَيِّتِ ، وَهُوَ عَمُّ الْمُنَازِعِ ( لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا أَحْرَزْتَ الْمَالَ ، وَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا ، أَرَأَيْتَ ) أَيْ أَخْبِرْنِي ( لَوْ هَلَكَ أَخِي ) الْأَوَّلُ الَّذِي وَرِثَ أَبُوكَ مِنْهُ الْمَالَ وَالْوَلَاءَ ( الْيَوْمَ بَعْدَ مَوْتِ شَقِيقِهِ ) الَّذِي هُوَ أَبُوكَ ( أَلَسْتُ أَرِثُهُ أَنَا ؟ ) دُونَكَ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَخِ الشَّقِيقِ ( فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَقَضَى عُثْمَانُ لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمُوَالِي ) دُونَ ابْنِهِ ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْعَاصِيَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا فَكَيْفَ يَمُوتُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ وَيَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ فِي إِرْثِهِ ؟ وَالَّذِي يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ فِي الْإِرْثِ تَأَخَّرَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ ، لَكِنَّ مَنْ يُقْتَلُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا لَا يُتَحَاكَمُ فِي إِرْثِهِ إِلَى عُثْمَانَ فِي خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ أَنَّ الَّذِي تَحَاكَمَ إِلَى عُثْمَانَ وَلَدُ الْعَاصِي بْنِ هِشَامٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَعِيدٌ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ : تَعْجِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَسَهْوُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَخَاصَمْ فِي إِرْثِ الْعَاصِي ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي صَدْرِ الْخَبَرِ لِبَيَانِ أَنَّهُ خَلَّفَ شَقِيقَيْنِ وَوَاحِدًا لِأُمٍّ أُخْرَى ، وَالَّذِي تَخَاصَمَ إِلَى عُثْمَانَ إِنَّمَا هُوَ ابْنُ الْعَاصِي وَابْنُ ابْنِهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ وَرِثَ شَقِيقُهُ مَالَهُ وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ لِمَوْتِهِ بِلَا وَلَدٍ فَاخْتَصَمَا فِي وَلَاءِ مَوَالِيهِ دُونَ إِرْثِهِ لَا ذِكْرَ لِمِيرَاثِ الْعَاصِي أَصْلًا فَلَا إِشْكَالَ .
4 - باب الْقَضَاءِ فِي مَالِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ 1459 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ تَبِعَهُ مَالُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ تَبِعَهُ مَالُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُكَاتِبُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الْوَلَاءِ إِذَا تَمَّ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ مَالُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ وَلَدٍ ، إِنَّمَا أَوْلَادُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رِقَابِهِمَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إِذَا أَفْلَسَا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمَا وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا ، وَلَمْ تُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَمْوَالٍ لَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي مَالِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَرَحَ أُخِذَ هُوَ وَمَالُهُ ، وَلَمْ يُؤْخَذْ وَلَدُهُ . 4 - بَابُ مَالِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ 1508 1459 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ لِأَنَّهُ يُبْنَى لِلْمَفْعُولِ إِذَا كَانَ فِيهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ ( تَبِعَهُ مَالُهُ ) إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالُوا : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ ) وَأَبْدَلَ مِنْ هَذِهِ الْإِشَارَةِ قَوْلَهُ : ( أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ ) كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ . ( وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالْكِتَابَةِ ( وَذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الْوَلَاءِ إِذَا تَمَّ ذَلِكَ ) بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ ( وَلَيْسَ مَالُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ وَلَدٍ إِنَّمَا أَوْلَادُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رِقَابِهِمَا ) أَيْ ذَوَاتِهِمَا ( لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ) لِأَنَّ الْأَوْلَادَ ذَوَاتٌ كَالْآبَاءِ فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا الْعِتْقِ لِلْآبَاءِ ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إِذَا أَفْلَسَا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمَا وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا وَلَمْ تُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَمْوَالٍ لَهُمَا ) بَلْ لِسَادَتِهِمَا . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي مَالِهِ ) بَلْ هُوَ لِسَيِّدِهِ ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَرَحَ ) إِنْسَانًا ( أُخِذَ هُوَ وَمَالُهُ ) فِي جِنَايَتِهِ ( وَلَمْ يُؤْخَذْ وَلَدُهُ ) وَلَوْ كَانَ كَمَالِهِ لَأُخِذَ ، وَأَصْلُ الْبَابِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ . وَسَبَقَ فِي الْبَيْعِ حَدِيثُ أَنَّ مَالَهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ . وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ صُورَةَ إِحْسَانٍ إِلَيْهِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُ مَا بِيَدِهِ تَكْمِيلًا لِلْإِحْسَانِ ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْمُكَاتَبَةُ وَسَاغَ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ تَسَلُّطًا عَلَى مَا بِيَدِهِ فِي الْعِتْقِ مَا أَغْنَى عَنْهُ ذَلِكَ شَيْئًا .
1461 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ وَلِيدَةٌ قَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ أَوْ أَصَابَهَا بِهَا فَأَعْتَقَهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ رَجُلٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْمُحْتَلِمِ ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَإِنْ بَلَغَ الْحُلُمَ حَتَّى يَلِيَ مَالَهُ . 1509 1461 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مِمَّا أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ وُجُوهٍ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ وَلِيدَةٌ ) أَمَةٌ ( قَدْ ضَرَبَهَا سَيِّدُهَا بِنَارٍ وَأَصَابَهَا ) أَيْ بِالنَّارِ ، شَكَّ الرَّاوِي ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ : قَالَ : أَقْعَدَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَمَةً لَهُ عَلَى مِقْلَاةٍ لَهُ فَاحْتَرَقَ عَجُزُهَا ، فَأَتَتْ عُمُرَ ( فَأَعْتَقَهَا ) أَيْ حَكَمَ عُمَرُ بِعِتْقِهَا لِوُقُوعِ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ سَنْدَرَ مَعَ سَيِّدِهِ زِنْبَاعِ بْنِ سَلَامَةَ الْجُذَامِيِّ ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ زِنْبَاعَ أَبَا رَوْحٍ وَجَدَ غُلَامًا مَعَ جَارِيَةٍ لَهُ فَجَدَعَ أَنْفَهُ وَجَبَّهُ ، فَأَتَى الْعَبْدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِزِنْبَاعٍ : مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ فَذَكَرَهُ ، فَقَالَ لِلْعَبْدِ : انْطَلِقْ فَأَنْتَ حُرٌّ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَسَمَّى الْعَبْدَ سَنْدَرا ، وَإِنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِ بِي ، قَالَ : أُوصِي بِكَ كُلَّ مُسْلِمٍ . وَرَوَى الْبَغَوِيُّ عَنْ سَنَدٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِزِنْبَاعِ بْنِ سَلَامَةَ الْجُذَامِيِّ فَذَكَرَهُ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْقِصَّةَ عَنْ زِنْبَاعٍ نَفْسِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَتَاقَةُ رَجُلٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ ) أَيْ يَسْتَغْرِقُهُ ( وَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْغُلَامِ ) الصَّبِيِّ وَلَوْ رَاهَقَ ( حَتَّى يَحْتَلِمَ ) أَيْ يُنْزِلَ فِي الْمَنَامِ ( أَوْ حَتَّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْمُحْتَلِمِ ) بِأَنْ يَبْلُغَ بِغَيْرِ الِاحْتِلَامِ كَالسِّنِّ ؛ لِأَنَّ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ لَا يَحْتَلِمُ ( وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ عَتَاقَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ) وَإِنْ بَلَغَ الْحُلُمَ ( حَتَّى يَلِيَ مَالَهُ ) بِرُشْدِهِ وَفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ .
5 - باب عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَجَامِعِ الْقَضَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ 1460 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ . 5 - بَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَجَامِعِ الْقَضَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ 1509 1460 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ) أَبَاهُ ( عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ : أَيُّمَا وَلِيدَةٍ ) أَيْ أَمَةٍ ( وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا ) أَيْ أَنَّهَا لَا تُورَثُ بَعْدَ مَوْتِهِ ( وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا ) بِالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَالْخِدْمَةِ الْقَلِيلَةِ ( فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ ) وَالْحُرَّةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا نَهَى عَنْهُ فَانْتَهَوْا صَارَ إِجْمَاعًا ، فَلَا عِبْرَةَ بِنُدُورِ الْمُخَالِفِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَيَّنُ مَعْرِفَةُ سَنَدِ الْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَحَادِيثَ أَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّا نُصِيبُ سَبَايَانَا فَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ ؟ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي الْبَيْعِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ لِعَزْلِهِمْ لِأَجْلِ مَحَبَّةِ الْأَثْمَانِ فَائِدَةٌ ، وَحَدِيثُ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا وَلَا أَمَةً . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ عَاشَتْ مَارِيَةُ أُمُّ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَهُ ، فَلَوْلَا أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ وَصْفِ الرِّقِّ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ : لَمْ يَتْرُكْ أَمَةً ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ نَجَّزَ عِتْقَهَا خِلَافُ الْأَصْلِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ وَلَا يُعَارِضُهَا حَدِيثُ جَابِرٍ : كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَّنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . وَفِي لَفْظٍ : بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا . لِأَنَّهُمْ لَمَّا انْتَهَوْا صَارَ إِجْمَاعًا فَلَا عِبْرَةَ بِنُدُورِ الْمُخَالِفِ بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ مَعَ عِلْمِ سَنَدِ الْإِجْمَاعِ .
11 - باب مَا لَا يَجُوزُ مِنْ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْقَوْمُ جَمِيعًا فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُعْتِقْ سَيِّدُهُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ دُونَ مُؤَامَرَةِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَرِضًا مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فَلَيْسَ مُؤَامَرَتُهُمْ بِشَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا كَانَ يَسْعَى عَلَى جَمِيعِ الْقَوْمِ وَيُؤَدِّي عَنْهُمْ كِتَابَتَهُمْ لِتَتِمَّ بِهِ عَتَاقَتُهُمْ فَيَعْمِدُ السَّيِّدُ إِلَى الَّذِي يُؤَدِّي عَنْهُمْ وَبِهِ نَجَاتُهُمْ مِنْ الرِّقِّ فَيُعْتِقُهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَجْزًا لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَضْلَ وَالزِّيَادَةَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَهَذَا أَشَدُّ الضَّرَرِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبِيدِ يُكَاتَبُونَ جَمِيعًا : إِنَّ لِسَيِّدِهِمْ أَنْ يُعْتِقَ مِنْهُمْ الْكَبِيرَ الْفَانِيَ وَالصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا ، وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوْنٌ وَلَا قُوَّةٌ فِي كِتَابَتِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ . 11 - بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ - ( مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْقَوْمُ جَمِيعًا فِي كتابة وَاحِدَةٍ لَمْ يُعْتِقْ سَيِّدُهُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ دُونَ مُؤَامَرَةِ ) أَيْ مُشَاوَرَةِ ( أَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَرِضًا مِنْهُمْ ) فَإِنْ رَضُوا فَعَلَ وَإِلَّا فَلَا . ( وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فَلَيْسَ مُؤَامَرَتُهُمْ ) مُشَاوَرَتُهُمْ ( بِشَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ) أَيْ رِضَاهُمْ ( عَلَيْهِمْ ) لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ . ( وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ ) مِنَ الْعَبِيدِ ( رُبَّمَا كَانَ يَسْعَى عَلَى جَمِيعِ الْقَوْمِ وَيُؤَدِّي عَنْهُمْ كِتَابَتَهُمْ لِيَتِمَّ بِهِ عَتَاقَتُهُمْ فَيَعْمِدَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، يَقْصِدُ ( السَّيِّدُ إِلَى الَّذِي يُؤَدِّي عَنْهُمْ وَبِهِ نَجَاتُهُمْ مِنَ الرِّقِّ فَيُعْتِقُهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَجْزًا لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَضْلَ وَالزِّيَادَةَ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( لِنَفْسِهِ ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ) بَلْ يُرَدُّ . ( وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) جَمَعَهُمَا تَأْكِيدًا أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَعْنًى ، فَهُوَ تَأْسِيسٌ وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ ( وَهَذَا أَشَدُّ الضَّرَرِ ) أَقْوَاهُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ ، فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُ الضَّرَرِ جَازَ ، وَلِذَا ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبِيدِ يُكَاتَبُونَ جَمِيعًا : إنَّ لِسَيِّدِهِمْ أَنْ يُعْتِقَ مِنْهُمُ الْكَبِيرَ الْفَانِيَ وَالصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا وَلَيْسَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوْنٌ وَلَا قُوَّةٌ فِي كِتَابَتِهِمْ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ) بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ .
9 - باب الشَّرْطِ فِي الْمُكَاتَبِ حَدَّثَنِي مَالِك فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ سَفَرًا أَوْ خِدْمَةً أَوْ ضَحِيَّةً : إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَمَّى بِاسْمِهِ ثُمَّ قَوِيَ الْمُكَاتَبُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ كُلِّهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا ، قَالَ : إِذَا أَدَّى نُجُومَهُ كُلَّهَا وَعَلَيْهِ هَذَا الشَّرْطُ عَتَقَ فَتَمَّتْ حُرْمَتُهُ وَنُظِرَ إِلَى مَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَالِجُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ ، فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لَيْسَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ ضَحِيَّةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُؤَدِّيهِ ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُقَوَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَدْفَعُهُ مَعَ نُجُومِهِ ، وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ مَعَ نُجُومِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ خِدْمَةِ عَشْرِ سِنِينَ ، فَإِذَا هَلَكَ سَيِّدُهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ قَبْلَ عَشْرِ سِنِينَ فَإِنَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَتِهِ لِوَرَثَتِهِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ عِتْقَهُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الْعَصَبَةِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنَّكَ لَا تُسَافِرُ وَلَا تَنْكِحُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِي إِلَّا بِإِذْنِي ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِي فَمَحْوُ كِتَابَتِكَ بِيَدِي ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ مَحْوُ كِتَابَتِهِ بِيَدِهِ إِنْ فَعَلَ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلْيَرْفَعْ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَا يُسَافِرَ وَلَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ سَيِّدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَنْطَلِقُ فَيَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فَيُصْدِقُهَا الصَّدَاقَ الَّذِي يُجْحِفُ بِمَالِهِ وَيَكُونُ فِيهِ عَجْزُهُ ، فَيَرْجِعُ إِلَى سَيِّدِهِ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ أَوْ يُسَافِرُ فَتَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا عَلَى ذَلِكَ كَاتَبَهُ ، وَذَلِكَ بِيَدِ سَيِّدِهِ إِنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ . 9 - بَابُ الشَّرْطِ فِي الْمُكَاتَبِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ سَفَرًا أَوْ خِدْمَةً أَوْ أُضْحِيَةً ) يَأْتِيهِ بِهَا ( إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سُمِّي بِاسْمِهِ ثُمَّ قَوِيَ الْمُكَاتَبُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ كُلِّهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا ) أَيْ حُلُولِهَا ( قَالَ : إِذَا أَدَّى نُجُومَهُ كُلَّهَا وَعَلَيْهِ هَذَا الشَّرْطُ عَتَقَ فَتَمَّتْ حُرْمَتُهُ ) بِسَبَبِ عِتْقِهِ ( وَنُظِرَ إِلَى مَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَالِجُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ ، فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ ) مَحْطُوطٌ سَاقِطٌ ( عَنْهُ لَيْسَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ ضَحِيَّةٍ أَوْ كِسْوَةٍ ، أَوْ شَيْءٍ يُؤَدِّيهِ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُقَوَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَدْفَعُهُ مَعَ نُجُومِهِ وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ مَعَ نُجُومِهِ ) لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَقَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ) تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ ، حَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ ( أَنَّ الْمُكَاتَبَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ خِدْمَةِ عَشْرِ سِنِينَ ) مَثَلًا ( فَإِذَا هَلَكَ سَيِّدُهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ قَبْلَ عَشْرِ سِنِينَ فَإِنَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَتِهِ لِوَرَثَتِهِ ) فَيَخْدِمُهُمْ إِلَى تَمَامِهَا ثُمَّ يُعْتَقُ ( وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ عِتْقَهُ وَلِوَلَدِهِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْعَصَبَةِ ) لَا الْإِنَاثِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ أُنْثَى . ( وَفِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنَّكَ لَا تُسَافِرُ ، وَلَا تَنْكِحُ ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِي إِلَّا بِإِذْنِي ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِي فَمَحْوُ ) إِبْطَالُ ( كِتَابَتِكَ بِيَدِي ، قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ مَحْوُ كِتَابَتِهِ بِيَدِهِ إِنْ فَعَلَ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلْيَرْفَعِ ) الْمُكَاتَبُ ( سَيِّدَهُ ذَلِكَ ) الْأَمْرَ ( إِلَى السُّلْطَانِ ) فَيَحْكُمُ بِعَدَمِ بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ . ( وَ ) إِنْ كَانَ ( لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَا يُسَافِرَ وَلَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ سَيِّدِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) سَوَاءٌ ( اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ) مَثَلًا ( وَلَهُ ) أَيِ الْعَبْدُ ( أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ أَكَثُرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَنْطَلِقُ فَيَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فَيُصْدِقُهَا الصَّدَاقَ الَّذِي يُجْحِفُ بِمَالِهِ ) أَيْ يَنْقُصُهُ نَقْصًا فَاحِشًا ( وَيَكُونُ فِيهِ عَجْزُهُ فَيَرْجِعُ إِلَى سَيِّدِهِ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ ) وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْكِتَابَةِ ( أَوْ يُسَافِرُ ) السَّفَرَ الْبَعِيدَ ( فَتَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ) أَيِ الْعَبْدِ ( وَلَا عَلَى ذَلِكَ كَاتَبَهُ ) سَيِّدُهُ ( وَذَلِكَ بِيَدِ سَيِّدِهِ إِنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ) لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ .
12 - باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ وَلَدِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَيَتْرُكُ أُمَّ وَلَدِهِ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ بَقِيَّةٌ وَيَتْرُكُ وَفَاءً بِمَا عَلَيْهِ : إِنَّ أُمَّ وَلَدِهِ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ حِينَ لَمْ يُعْتَقْ الْمُكَاتَبُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا فَيُعْتَقُونَ بِأَدَاءِ مَا بَقِيَ فَتُعْتَقُ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ بِعِتْقِهِمْ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتِقُ عَبْدًا لَهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِبَعْضِ مَالِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ سَيِّدُهُ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، قَالَ مَالِكٌ : يَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ، فَإِنْ عَلِمَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْمُكَاتَبُ فَرَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُجِزْهُ ، فَإِنَّهُ إِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَذَلِكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ ذَلِكَ الْعَبْدَ ، وَلَا أَنْ يُخْرِجَ تِلْكَ الصَّدَقَةَ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ طَائِعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ . 12 - بَابٌ جَامِعٌ مَا جَاءَ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ وَلَدِهِ - ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَيَتْرُكُ أُمَّ وَلَدِهِ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ بَقِيَّةٌ ، وَيَتْرُكُ وَفَاءً بِمَا عَلَيْهِ : أَنَّ أُمَّ وَلَدِهِ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ حِينَ لَمْ يُعْتَقِ الْمُكَاتَبُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا ، فَيُعْتَقُونَ بِأَدَاءِ مَا بَقِيَ ، فَتُعْتَقُ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ بِعِتْقِهِمْ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ مُسَبَّبٌ عَلَيْهِ ، فَالْمَعْنَى انْتَفَى عِتْقُهَا لِعَدَمِ وَلَدٍ تُعْتَقُ تَبَعًا لِعِتْقِهِ . ( وَفِي الْمُكَاتَبِ يُعْتِقُ عَبْدًا لَهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِبَعْضِ مَالِهِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ سَيِّدُهُ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ) بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ( قَالَ مَالِكٌ : يَنْفُذُ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، يَمْضِي ( ذَلِكَ عَلَيْهِ ) أَيِ الْمُكَاتَبِ ( وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ، فَإِنَّ عَلِمَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْمُكَاتَبُ فَرَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُجِزْهُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ مُسَاوٍ ، حَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ ( فَإِنَّهُ إِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَذَلِكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ ذَلِكَ الْعَبْدَ ، وَلَا أَنْ يُخْرِجَ تِلْكَ الصَّدَقَةَ ) لِأَنَّ رَدَّ السَّيِّدِ إِبْطَالٌ لِفِعْلِهِ ( إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ طَائِعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ) فَيَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٌ .
8 - باب مِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ إِذَا عَتَقَ 1487 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنََّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ مُكَاتَبٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا ، فَقَالَ : يُؤَدَّى إِلَى الَّذِي تَمَاسَكَ بِكِتَابَتِهِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بِالسَّوِيَّةِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ فَعَتَقَ فَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَنْ كَاتَبَهُ مِنْ الرِّجَالِ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمُكَاتَبُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا فِي كُلِّ مَنْ أُعْتِقَ فَإِنَّمَا مِيرَاثُهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يَوْمَ يَمُوتُ الْمُعْتَقُ بَعْدَ أَنْ يَعْتِقَ وَيَصِيرَ مَوْرُوثًا بِالْوَلَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : الْإِخْوَةُ فِي الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَدٌ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ هَلَكَ أَحَدُهُمْ وَتَرَكَ مَالًا ، أُدِّيَ عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابَتِهِمْ وَعَتَقُوا ، وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ دُونَ إِخْوَتِهِ . 8 - بَابُ مِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ إِذَا عَتَقَ 1487 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ مُكَاتَبٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا ، فَقَالَ : يُؤَدَّى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُعْطَى ( إِلَى الَّذِي تَمَاسَكَ بِكِتَابَتِهِ ) فَلَمْ يَعْتِقْ ( الَّذِي بَقِيَ لَهُ ) نَائِبُ فَاعِلِ يُؤَدَّى ( ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بِالسَّوِيَّةِ ) عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِمَا فِيهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ ، فَعَتَقَ فَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ مِمَّنْ كَاتَبَهُ مِنَ الرِّجَالِ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمُكَاتَبُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ ) بَيَانٌ لِأَوْلَى . ( قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا فِي كُلِّ مَنْ ) أَيْ رَقِيقٍ ( أُعْتِقَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( فَإِنَّمَا مِيرَاثُهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ مِنْ عَصَبَةٍ مِنَ الرِّجَالِ يَوْمَ يَمُوتُ الْمُعْتَقُ ) بِالْفَتْحِ ( بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ وَيَصِيرَ ) بِالنَّصْبِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ( مَوْرُوثًا بِالْوَلَاءِ ) لِلْعِتْقِ . ( وَالْإِخْوَةُ فِي الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَدٌ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ هَلَكَ أَحَدُهُمْ وَتَرَكَ مَالًا أُدِّيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الدَّالِ ( عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابَتِهِمْ وَعَتَقُوا ) لِأَنَّهُمْ حُمَلَاءُ بِجَمْعِهِمْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ( وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ ) إِرْثًا ( دُونَ إِخْوَتِهِ ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ .
13 - باب الْوَصِيَّةِ فِي الْمُكَاتَبِ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُقَامُ عَلَى هَيْئَتِهِ تِلْكَ الَّتِي لَوْ بِيعَ كَانَ ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي يَبْلُغُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وُضِعَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُنْظَرْ إِلَى عَدَدِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ لَمْ يَغْرَمْ قَاتِلُهُ إِلَّا قِيمَتَهُ يَوْمَ قَتْلِهِ وَلَوْ جُرِحَ لَمْ يَغْرَمْ جَارِحُهُ إِلَّا دِيَةَ جَرْحِهِ يَوْمَ جَرَحَهُ ، وَلَا يُنْظَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يُحْسَبْ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ لَهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَصَارَتْ وَصِيَّةً أَوْصَى بِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ كِتَابَتِهِ إِلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ فَأَوْصَى سَيِّدُهُ لَهُ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ حُسِبَتْ لَهُ فِي ثُلُثِ سَيِّدِهِ فَصَارَ حُرًّا بِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إِنَّهُ يُقَوَّمُ عَبْدًا ، فَإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِهِ سَعَةٌ لِثَمَنِ الْعَبْدِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ؛ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَ دِينَارٍ فَيُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ عَلَى مِائَتَيْ دِينَارٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ ثُلُثُ مَالِ سَيِّدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ أَوْصَى لَهُ بِهَا فِي ثُلُثِهِ ، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ بُدِئَ بِالْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَتَاقَةٌ وَالْعَتَاقَةُ تُبَدَّأُ عَلَى الْوَصَايَا ، ثُمَّ تُجْعَلُ تِلْكَ الْوَصَايَا فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ يَتْبَعُونَهُ بِهَا وَيُخَيَّرُ وَرَثَةُ الْمُوصِي ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ كَامِلَةً وَتَكُونُ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ لَهُمْ فَذَلِكَ لَهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا وَأَسْلَمُوا الْمُكَاتَبَ وَمَا عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا فَذَلِكَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ صَارَ فِي الْمُكَاتَبِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا أَحَدٌ فَقَالَ الْوَرَثَةُ : الَّذِي أَوْصَى بِهِ صَاحِبُنَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ قَالَ : فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يُخَيَّرُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ : قَدْ أَوْصَى صَاحِبُكُمْ بِمَا قَدْ عَلِمْتُمْ ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تُنَفِّذُوا ذَلِكَ لِأَهْلِهِ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَأَسْلِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ كُلِّهِ . قَالَ : فَإِنْ أَسْلَمَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا كَانَ لِأَهْلِ الْوَصَايَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ ، أَخَذُوا ذَلِكَ فِي وَصَايَاهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ كَانَ عَبْدًا لِأَهْلِ الْوَصَايَا لَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ حِينَ خُيِّرُوا ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا حِينَ أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ ضَمِنُوهُ فَلَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ كِتَابَتَهُ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَيْهِ فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْوَصَايَا ، وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ عَتَقَ وَرَجَعَ وَلَاؤُهُ إِلَى عَصَبَةِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيَضَعُ عَنْهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، قَالَ مَالِكٌ : يُقَوَّمُ الْمُكَاتَبُ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالَّذِي وُضِعَ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ وَذَلِكَ فِي الْقِيمَةِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ الْقِيمَةِ ، فَيُوضَعُ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إِلَى عُشْرِ الْقِيمَةِ نَقْدًا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَهَيْئَتِهِ لَوْ وُضِعَ عَنْهُ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُحْسَبْ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَّا قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُضِعَ عَنْهُ نِصْفُ الْكِتَابَةِ حُسِبَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَلَمْ يُسَمِّ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ كِتَابَتِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا وُضِعَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ عُشْرُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ أَوَّلِ كِتَابَتِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا وَكَانَ أَصْلُ الْكِتَابَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قُوِّمَ الْمُكَاتَبُ قِيمَةَ النَّقْدِ ثُمَّ قُسِمَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ ، فَجُعِلَ لِتِلْكَ الْأَلْفِ الَّتِي مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابَةِ حِصَّتُهَا مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ بِقَدْرِ قُرْبِهَا مِنْ الْأَجَلِ وَفَضْلِهَا ثُمَّ الْأَلْفُ الَّتِي تَلِي الْأَلْفَ الْأُولَى بِقَدْرِ فَضْلِهَا أَيْضًا ثُمَّ الْأَلْفُ الَّتِي تَلِيهَا بِقَدْرِ فَضْلِهَا أَيْضًا حَتَّى يُؤْتَى عَلَى آخِرِهَا تَفْضُلُ كُلُّ أَلْفٍ بِقَدْرِ مَوْضِعِهَا فِي تَعْجِيلِ الْأَجَلِ وَتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَأْخَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَقَلَّ فِي الْقِيمَةِ ، ثُمَّ يُوضَعُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ قَدْرُ مَا أَصَابَ تِلْكَ الْأَلْفَ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى تَفَاضُلِ ذَلِكَ إِنْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مُكَاتَبٍ أَوْ أَعْتَقَ رُبُعَهُ فَهَلَكَ الرَّجُلُ ثُمَّ هَلَكَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ ، قَالَ مَالِكٌ : يُعْطَى وَرَثَةُ السَّيِّدِ وَالَّذِي أَوْصَى لَهُ بِرُبُعِ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ لَهُمْ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ مَا فَضَلَ ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِرُبُعِ الْمُكَاتَبِ ثُلُثُ مَا فَضَلَ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ الثُّلُثَانِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّمَا يُورَثُ بِالرِّقِّ . قَالَ مَالِكٌ فِي مُكَاتَبٍ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، قَالَ : إِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَيُوضَعُ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ قَدْرُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ نَقْدًا ، وَيَكُونُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَتَقَ نِصْفُهُ وَيُوضَعُ عَنْهُ شَطْرُ الْكِتَابَةِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ : غُلَامِي فُلَانٌ حُرٌّ ، وَكَاتِبُوا فُلَانًا : تُبَدَّأُ الْعَتَاقَةُ عَلَى الْكِتَابَةِ . 13 - بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُكَاتَبِ - ( مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ ) وَفِي نسخة : سَمِعْتُ ( فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ : أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُقَامُ ) أَيْ يَقُومُ ( عَلَى هَيْئَتِهِ ) صِفَتِهِ ( تِلْكَ الَّتِي لَوْ بِيعَ كَانَ ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي يَبْلُغُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ وُضِعَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يُنْظَرْ إِلَى عِدَّةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ لَمْ يَغْرَمْ قَاتِلُهُ إِلَّا قِيمَتَهُ يَوْمَ قَتَلَهُ ، وَلَوْ جَرَحَهُ لَمْ يَغْرَمْ جَارِحُهُ إِلَّا دِيَةَ جُرْحِهِ يَوْمَ جَرَحَهُ ، وَلَا يُنْظَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يُحْسَبْ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ لَهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَصَارَتْ وَصِيَّةً ) أَيْ كَوَصِيَّةٍ ( أَوْصَى بِهَا ) فَهُوَ تَشْبِيهٌ حُذِفَتْ أَدَاتُهُ إِذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يُوصِ ، وَإِنَّمَا نَجَّزَ عِتْقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَحُكْمُهُ كَالْوَصِيَّةِ . ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) إِيضَاحُهُ بِالْمِثَالِ ( أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ كِتَابَتِهِ إِلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، فَأَوْصَى سَيِّدُهُ لَهُ بِالْمِائَةِ دِرْهَمٍ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ حُسِبَتْ لَهُ فِي ثُلُثِ سَيِّدِهِ فَصَارَ حُرًّا بِهَا ) وَلَا يُعْطَاهَا وَيَبْقَى بَعْضُهُ رَقِيقًا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ : أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِهِ سَعَةٌ لِثَمَنِ الْعَبْدِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ ) وَعَتَقَ ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِينَارٍ فَيُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ عَلَى مِائَتَيْ دِينَارٍ عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَيَكُونُ ثُلُثُ مَالِ سَيِّدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ ) لِحَمْلِ الثُّلُثِ لَهُ ( وَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ أَوْصَى بِهَا فِي ثُلُثِهِ ) لَا كِتَابَةً حَقِيقَةً . ( فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ بُدِئَ بِالْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَتَاقَةٌ ، وَالْعَتَاقَةُ تُبَدَّى عَلَى الْوَصَايَا ) لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ لِلْحُرِّيَّةِ ( ثُمَّ تُجْعَلُ تِلْكَ الْوَصَايَا فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ يَتْبَعُونَهُ بِهَا ، وَتُخَيَّرُ وَرَثَةُ الْمُوصِي فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ كَامِلَةً وَتَكُونَ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ لَهُمْ ) خَاصَّةً ( فَذَلِكَ ) لَهُمْ ( وَإِنْ أَبَوْا وَأَسْلَمُوا الْمُكَاتَبَ وَمَا عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا ، فَذَلِكَ لَهُمْ ) وَإِنَّمَا خُيِّرُوا ( لِأَنَّ الثُّلُثَ صَارَ فِي الْمُكَاتَبِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا أَحَدٌ ، فَقَالَ الْوَرَثَةُ : الَّذِي أَوْصَى بِهِ صَاحِبُنَا ) أَيْ مُورِثُنَا ( أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ وَقَدْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ ، فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يُخَيَّرُونَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : قَدْ أَوْصَى صَاحِبُكُمْ بِمَا قَدْ عَلِمْتُمْ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تُنْفِذُوا ) تُمْضُوا ( ذَلِكَ لِأَهْلِهِ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ ، وَإِلَّا فَأَسْلِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ كُلِّهِ ) وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَسْأَلَةِ خَلْعِ الثُّلُثِ ، وَتَقَدَّمَتْ وَأَعَادَهَا هُنَا اسْتِظْهَارًا . ( فَإِنْ أَسْلَمَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ إِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا ، كَانَ لِأَهْلِ الْوَصَايَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّى ) الْمُكَاتَبُ ( مَا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ أَخَذُوا ذَلِكَ فِي وَصَايَاهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ كَانَ عَبْدًا لِأَهْلِ الْوَصَايَا لَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ حِينَ خُيِّرُوا ) فَصَارَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ ( وَلِأَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا حِينَ أَسْلَمَ إِلَيْهِمْ ضَمِنُوهُ ، فَلَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ شَيْءٌ ) مِنَ التَّرِكَةِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ كِتَابَتَهُ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَيْهِ ، فَمَالُهُ لِأَهْلِ الْوَصَايَا ) لِمَلْكِهِمْ لَهُ ( وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ عَتَقَ ، وَرَجَعَ وَلَاؤُهُ إِلَى عَصَبَتِهِ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيَضَعُ ) يَحُطُّ ( عَنْهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ : أَنَّهُ يُقَوَّمُ الْمُكَاتَبُ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالَّذِي وُضِعَ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ ، وَذَلِكَ فِي الْقِيمَةِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ الْقِيمَةِ فَيُوضَعُ عَنْهُ عُشْرُ الْكِتَابَةِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إِلَى عُشْرِ الْقِيمَةِ نَقْدًا ) يُحَطُّ عَنْهُ ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَهَيْئَتِهِ لَوْ وُضَعَ عَنْهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُحْسَبْ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَّا قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ ) فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ . ( وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُضِعَ عَنْهُ نِصْفَ الْكِتَابَةِ حُسِبَ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ) كَالثُّلُثِ ( أَوْ أَكْثَرَ ) كَالثُّلُثَيْنِ ( فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ ) الَّذِي قُلْنَا . ( وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ) أَيْ مَوْتِ السَّيِّدِ ( أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ) كَاتَبَهُ عَلَيْهَا ( وَلَمْ يُسَمِّ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابَةِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا وُضِعَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ عَشْرَةٌ ) لِأَنَّ هَذَا عَدْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ سَيِّدِهِ . ( وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَنْ مُكَاتَبِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ أَوَّلِ كِتَابَتِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا ، وَكَانَ أَصْلُ الْكِتَابَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قُوِّمَ الْمُكَاتَبُ قِيمَةَ النَّقْدِ ثُمَّ قُسِّمَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ ، فَجُعِلَ لِتِلْكَ الْأَلْفِ الَّتِي مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابَةِ حِصَّتُهَا مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ بِقَدْرِ قُرْبِهَا مِنَ الْأَجَلِ وَفَضْلِهَا ، ثُمَّ الْأَلْفُ الَّتِي تَلِي الْأَلْفَ الْأُولَى ) أَيِ الثَّانِيَةِ تُجْعَلُ ( بِقَدْرِ فَضْلِهَا أَيْضًا ثُمَّ الْأَلْفُ الَّتِي تَلِيهَا ) أَيِ الثَّالِثَةُ ( بِقَدْرِ فَضْلِهَا أَيْضًا ، حَتَّى يُؤْتَى عَلَى آخِرِهَا بِفَضْلِ كُلِّ أَلْفٍ بِقَدْرِ مَوْضِعِهَا فِي تَعْجِيلِ الْأَجَلِ وَتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا ) أَيِ الَّذِي ( اسْتَأْخَرَ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ فِي الْقِيمَةِ ) مِمَّا يُعَجَّلُ . ( ثُمَّ يُوضَعُ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ قَدْرُ مَا أَصَابَ تِلْكَ الْأَلْفَ مِنَ الْقِيمَةِ عَلَى تَفَاضُلِ ذَلِكَ إِنْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ ) الْمَذْكُورِ . ( وَفِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مُكَاتَبٍ لَهُ أَوْ أَعْتَقَ ) وَفِي نُسَخٍ : وَعَتَقَ بِالْوَاوِ ( رُبُعَهُ ، فَهَلَكَ الرَّجُلُ ) الْمُوصِي ( ثُمَّ ) بَعْدَهُ ( هَلَكَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا كَثِيرًا أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ ، قَالَ مَالِكٌ : يُعْطَى وَرَثَةُ السَّيِّدِ ، وَالَّذِي أَوْصَى لَهُ بِرُبُعِ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ لَهُمْ عَلَى الْمُكَاتَبِ ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ( ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ مَا ) أَيِ الْمَالَ الَّذِي ( فَضَلَ ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِرُبُعِ الْمُكَاتَبِ ثُلُثُ مَا فَضَلَ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ الثُّلُثَانِ ) لِأَنَّ حِصَّةَ الْحَرِّيَّةَ الرُّبُعُ لَا يُؤْخَذُ بِهَا شَيْءٌ ، فَرَجَعَ ذَلِكَ إِلَى النِّصْفِ وَالرُّبُعِ ، فَالنِّصْفُ ثُلُثَانِ ، وَالرُّبُعُ ثُلُثٌ بِمَا رَجَعَ إِلَيْهِ مِنْ حِصَّةِ الْحُرِّيَّةِ . ( وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّمَا يُورَثُ بِالرِّقِّ ) أَيْ يُؤْخَذُ مَا خَلَّفَهُ ، وَتَسْمِيَتُهُ إِرْثًا مَجَازٌ . ( مَالِكٌ : فِي مُكَاتَبٍ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ ) لِلسَّيِّدِ ( إِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ ، وَيُوضَعُ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابَةِ قَدْرُ ذَلِكَ ) مَثَلًا ( إِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ نَقْدًا وَيَكُونُ ثُلُثُ الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، عَتَقَ نَصِفُهُ وَيُوضَعُ عَنْهُ شَطْرُ الْكِتَابَةِ ) أَيْ نِصْفُهَا . ( وَفِي رَجُلٍ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ : غُلَامِي فُلَانٌ حُرٌّ وَكَاتِبُوا فُلَانًا ) لِعَبْدٍ آخَرَ ( تُبَدَّى الْعَتَاقَةُ ) عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ ( عَلَى الْكِتَابَةِ ) لِأَنَّ الْعَتَاقَةَ تَحْرِيرٌ نَاجِزٌ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ .
7 - باب عِتْقِ الْمُكَاتَبِ إِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ 1486 - حَدَّثَنِي مَالِك : أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَغَيْرَهُ يَذْكُرُونَ أَنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِلْفُرَافِصَةِ بْنِ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيِّ ، وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَأَبَى الْفُرَافِصَةُ ، فَأَتَى الْمُكَاتَبُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا مَرْوَانُ الْفُرَافِصَةَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ، فَأَبَى ، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِذَلِكَ الْمَالِ أَنْ يُقْبَضَ مِنْ الْمُكَاتَبِ فَيُوضَعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ لِلْمُكَاتَبِ : اذْهَبْ فَقَدْ عتقت ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفُرَافِصَةُ قَبَضَ الْمَالَ قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِهِ قَبْلَ مَحِلِّهَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَضَعُ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِذَلِكَ كُلَّ شَرْطٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ عَتَاقَةُ رَجُلٍ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقٍّ وَلَا تَتِمُّ حُرْمَتُهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَجِبُ مِيرَاثُهُ وَلَا أَشْبَاهُ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً بَعْدَ عَتَاقَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي مُكَاتَبٍ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ نُجُومَهُ كُلَّهَا إِلَى سَيِّدِهِ ، لِأَنْ يَرِثَهُ وَرَثَةٌ لَهُ أَحْرَارٌ وَلَيْسَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَلَدٌ لَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَتِمُّ بِذَلِكَ حُرْمَتُهُ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَجُوزُ اعْتِرَافُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ النَّاسِ وَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ : فَرَّ مِنِّي بِمَالِهِ . 7 - بَابُ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ إِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ 1536 1486 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَعْرُوفَ بِالرَّأْيِ ( وَ ) سَمِعَ ( غَيْرَهُ يَذْكُرُونَ أَنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِلْفُرَافِصَةِ ) بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَفَتْحِ الرَّاءِ فَأَلِفٍ ، وَكَسْرِ الْفَاءِ الثَّانِيَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ( ابْنِ عُمَيْرٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، مُصَغَّرٌ ( الْحَنَفِيِّ ) نِسْبَةً إِلَى بَنِي حَنِيفَةَ الْيَمَامِيِّ بِالْمِيمِ ، الْمَدَنِيِّ ، الثِّقَةِ ( وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَأَبَى الْفُرَافِصَةُ ) امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ ( فَأَتَى الْمُكَاتَبُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ) بِفَتْحَتَيْنِ الْأُمَوِيَّ ( وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ) مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا مَرْوَانُ الْفُرَافِصَةَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ) أَيْ تَعَجَّلْ مِنْهُ مَا كَاتَبْتَهُ عَلَيْهِ ( فَأَبَى ، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِذَلِكَ الْمَالِ أَنْ يُقْبَضَ مِنَ الْمُكَاتَبِ فَيُوضَعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَقَالَ لِلْمُكَاتَبِ : اذْهَبْ فَقَدْ عَتَقْتَ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفُرَافِصَةُ قَبَضَ الْمَالَ ) وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ عُمَرُ ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَاتَبَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَتَيْتُهُ بِكِتَابَتِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا مِنِّي إِلَّا نُجُومًا ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : أَرَادَ أَنَسٌ الْمِيرَاثَ ، وَكَتَبَ إِلَى أَنَسٍ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنَ الرَّجُلِ ، فَقَبِلَهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ مُكَاتَبًا لِأَنَسٍ جَاءَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي أَتَيْتُ بِمُكَاتَبَتِي إِلَى أَنَسٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، فَقَالَ : أَنَسٌ يُرِيدُ الْمِيرَاثَ ، ثُمَّ أَمَرَ أَنَسًا أَنْ يَقْبَلَهَا أَحْسَبُهُ قَالَ : فَأَبَى ، فَقَالَ : آخُذُهَا فَأَصُبُّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فَقَبِلَهَا أَنَسٌ . وَسَبَقَهُ أَيْضًا عُثْمَانُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ مَرْوَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَضَى بِهِ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قُلَابَةَ قَالَ : كَاتَبَ عَبْدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةٍ ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى سَيِّدِهِ فَأَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَّا فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمًا رَجَاءَ أَنْ يَرِثَهُ ، فَأَتَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا ، فَأَبَى فَقَالَ لِلْعَبْدِ : ائْتِنِي بِمَا عَلَيْكَ ، فَأَتَاهُ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَكَتَبَ لَهُ عِتْقًا ، وَقَالَ لِلْمَوْلَى : ائْتِنِي كُلَّ سَنَةٍ فَخُذْ نَجْمًا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ مَالَهُ وَكَتَبَ لَهُ عِتْقَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا دَفَعَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِهِ قَبْلَ مَحِلِّهَا ) أَيْ حُلُولِهَا ( جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ ) يَحُطَّ ( عَنِ الْمُكَاتَبِ بِذَلِكَ كُلَّ شَرْطٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ عَتَاقَةُ رَجُلٍ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقٍّ وَلَا تَتِمُّ حُرْمَتُهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَجِبُ مِيرَاثُهُ وَلَا أَشْبَاهُ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً بَعْدَ عَتَاقَتِهِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ . ( وَفِي مَكَاتَبٍ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا ) قَوِيًّا يَخَافُ مِنْهُ الْمَوْتَ ( فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ نُجُومَهَا كُلَّهَا إِلَى سَيِّدِهِ لِأَنْ يَرِثَهُ وَرَثَةٌ لَهُ أَحْرَارٌ وَلَيْسَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَلَدٌ لَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَتِمُّ بِذَلِكَ حُرْمَتُهُ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَجُوزُ اعْتِرَافُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ النَّاسِ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ : فَرَّ مِنِّي بِمَالِهِ ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ثَمَرَاتِ كِتَابَتِهِ لَهُ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 39 - كِتَاب الْمُكَاتَبِ 1 - باب الْقَضَاءِ فِي الْمُكَاتَبِ 1481 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 39 - كِتَاب الْمُكَاتَبِ بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ ، وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ ، وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ ، قَالَ الرَّاغِبُ : اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ : 183 ) ، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةَ : 103 ) أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ ، وَمِنْهُ كَتَبَ عَلَى الْخَطِّ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الِالْتِزَامِ ، وَعَلَى الثَّانِي مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ لِوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِهَا غَالِبًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ فِي الْإِسْلَامِ أَبُو الْمُؤَمِّلِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعِينُوا أَبَا الْمُؤَمِّلِ فَأُعِينَ فَقَضَى كِتَابَتَهُ وَفَضَلَتْ عِنْدَهُ فَضْلَةٌ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : كَانُوا يَتَكَاتَبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ سَلْمَانُ ثُمَّ بَرِيرَةُ ، فَقَوْلُ الرُّويَانِيُّ لِلْكِتَابَةِ إِسْلَامِيَّةٌ ، وَلَمْ تُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِلَافُ الصَّحِيحِ . 1 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمُكَاتَبِ 1528 1481 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ) وَلَوْ قَلَّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . وَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ .
1482 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ رَأْيِي . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ هَلَكَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَلَهُ وَلَدٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ وَرِثُوا مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ قَضَاءِ كِتَابَتِهِ . 1528 1482 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ) وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَعَرَفَتْ صَوْتِي فَقَالَتْ : سُلَيْمَانُ ؟ فَقُلْتُ : سُلَيْمَانُ ، فَقَالَتْ : أَدَّيْتَ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا ، قَالَتْ : ادْخُلْ فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ رَأْيِي ) وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَنِ السَّلَفِ ، فَعَنْ عَلِيٍّ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ ، وَعَنْهُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَأَدَّى الْمِائَةَ عُتِقَ . وَعَنْ عَطَاءٍ : إِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ عَتَقَ . وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى . وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ ، حُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَهُوَ أَقْوَى ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنْ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ كُوتِبَتْ ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِيرُ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ حُر لَمُنِعَ بَيْعُهَا ، وَقَدْ نَاظَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَيْهَا فَقَالَ : أَتَرْجُمُهُ وَلَوْ زَنَى أَوْ تُجِيزُ شَهَادَتَهُ إِنْ شَهِدَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا ، فَقَالَ زَيْدٌ : فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ هَلَكَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَلَهُ وَلَدٌ وُلِدُوا فِي ) زَمَنِ ( كِتَابَتِهِ ) أَيْ بَعْدَ عَقْدِهَا ( أَوْ ) كَانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَهَا وَ ( كَاتَبَ عَلَيْهِمْ وَرِثُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ قَضَاءِ كِتَابَتِهِ ) إِلَى سَيِّدِهِ .
1483 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ : أَنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِابْنِ الْمُتَوَكِّلِ هَلَكَ بِمَكَّةَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنْ كِتَابَتِهِ وَدُيُونًا لِلنَّاسِ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ فَأَشْكَلَ عَلَى عَامِلِ مَكَّةَ الْقَضَاءُ فِيهِ ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ : أَنْ ابْدَأْ بِدُيُونِ النَّاسِ ثُمَّ اقْضِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ثُمَّ اقْسِمْ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَمَوْلَاهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ ، وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا يَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ إِنَّ ذَلِكَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ غُلَامَهُ ، ثُمَّ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا مُسَمًّى . قَالَ مَالِكٌ : فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَدْرَكْتُ عَمَلَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ تَبِعَهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ فِي كِتَابَتِهِ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ جَارِيَةٌ بِهَا حَبَلٌ مِنْهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ هُوَ وَلَا سَيِّدُهُ يَوْمَ كِتَابَتِهِ : فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، فَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّهَا لِلْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَالِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَرِثَ مُكَاتَبًا مِنْ امْرَأَتِهِ هُوَ وَابْنُهَا : إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ كِتَابَتَهُ اقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ؛ وَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ قَالَ : يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَرَادَ الْمُحَابَاةَ لِعَبْدِهِ وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا كَاتَبَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ وَطَلَبِ الْمَالِ وَابْتِغَاءِ الْفَضْلِ وَالْعَوْنِ عَلَى كِتَابَتِهِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَطِئَ مُكَاتَبَةً لَهُ : إِنَّهَا إِنْ حَمَلَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ عَلَى كِتَابَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَهِيَ عَلَى كِتَابَتِهَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُكَاتِبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ إِلَّا أَنْ يُكَاتِبَاهُ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْقِدُ لَهُ عِتْقًا وَيَصِيرُ إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ وَلَا يَكُونُ عَلَى الَّذِي كَاتَبَ بَعْضَهُ أَنْ يَسْتَتِمَّ عِتْقَهُ ، فَذَلِكَ خِلَافُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ رَدَّ إِلَيْهِ الَّذِي كَاتَبَهُ مَا قَبَضَ مِنْ الْمُكَاتَبِ ، فَاقْتَسَمَهُ هُوَ وَشَرِيكُهُ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا وَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ ، وَكَانَ عَبْدًا لَهُمَا عَلَى حَالِهِ الْأُولَى . قَالَ مَالِكٌ فِي مُكَاتَبٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَنْظَرَهُ أَحَدُهُمَا بِحَقِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ ، وَأَبَى الْآخَرُ أَنْ يُنْظِرَهُ ؛ فَاقْتَضَى الَّذِي أَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ بَعْضَ حَقِّهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : يَتَحَاصَّانِ مَا تَرَكَ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُمَا عَلَيْهِ ، يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فَإِنْ تَرَكَ الْمُكَاتَبُ فَضْلًا عَنْ كِتَابَتِهِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ اقْتَضَى الَّذِي لَمْ يُنْظِرْهُ أَكْثَرَ مِمَّا اقْتَضَى صَاحِبُهُ ؛ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلَ مَا اقْتَضَى ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ وَضَعَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا الَّذِي لَهُ ثُمَّ اقْتَضَى صَاحِبُهُ بَعْضَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَرُدُّ الَّذِي اقْتَضَى عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ لِلرَّجُلَيْنِ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيُنْظِرُهُ أَحَدُهُمَا وَيَشِحُّ الْآخَرُ ، فَيَقْتَضِي بَعْضَ حَقِّهِ ثُمَّ يُفْلِسُ الْغَرِيمُ ، فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اقْتَضَى أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ . 1530 1483 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ ) الْأَعْرَجِ الْقَارِي ( أَنَّ مُكَاتَبًا ) اسْمُهُ عَبَّادٌ ( كَانَ لِابْنِ الْمُتَوَكِّلِ ، هَلَكَ بِمَكَّةَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنْ كِتَابَتِهِ وَدُيُونًا لِلنَّاسِ ) عَلَيْهِ ( وَتَرَكَ ابْنَتَهُ فَأَشْكَلَ عَلَى عَامِلِ ) أَيْ أَمِيرِ ( مَكَّةَ ) يَوْمَئِذٍ ( الْقَضَاءُ فِيهِ ) لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ ( فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ) الْخَلِيفَةِ إِذْ ذَاكَ ( يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ) وَأَرْسَلَهُ إِلَى الشَّامِ ( فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنِ ابْدَأْ بِدُيُونِ النَّاسِ ) فَاقْضِهَا لَهُمْ ( ثُمَّ اقْضِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ) لِسَيِّدِهِ ( ثُمَّ اقْسِمْ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَمَوْلَاهُ ) مُعْتِقِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ نِصْفَيْنِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَضَى بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ قَبْلَهُ ، ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سَأَلَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ عَنِ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَلَهُ وَلَدٌ حُرٌّ ، فَقُلْتُ : قَضَى عُمَرُ أَنَّ مَالَهُ كُلَّهُ لِسَيِّدِهِ . وَقَضَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ سَيِّدَهُ يُعْطِي بَقِيَّةَ كِتَابَتِهِ ثُمَّ مَا بَقِيَ لِوَلَدِهِ الْأَحْرَارِ . وَمَالِكٌ لَا يَقُولُ بِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ بِنْتَهُ كَانَتْ حُرَّةً أُمُّهَا حُرَّةٌ ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يَرِثُهُ وَارِثُهُ الْحُرُّ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْعِتْقِ ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ فِي كِتَابَتِهِ وَإِلَّا فَكُلُّهُ لِسَيِّدِهِ كَمَا قَضَى بِهِ عَمْرٌو ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، انْتَهَى . مُلَخَّصًا . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ ) يَجِبُ ( عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ ) وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ ( وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ ) وَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ سِيرِينَ وَالِدَ مُحَمَّدٍ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْمُكَاتَبَةَ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى ، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ فَاسْتَعْدَاهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ : كَاتِبْهُ ، فَأَبَى ، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَتَلَا عُمَرُ : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ( سورة النُّورِ : الْآيَةَ : 33 ) فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : كَاتَبَ أَنَسٌ أَبِي عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَاتَبَنِي أَنَسٌ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنْ كَانَا مَحْفُوظَيْنِ جُمِعَ بَيْنِهِمَا بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْوَزْنِ وَالْآخَرِ عَلَى الْعَدَدِ . وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : هَذِهِ مُكَاتَبَةُ أَنَسٍ عِنْدَنَا : هَذَا مَا كَاتَبَ أَنَسٌ غُلَامَهُ سِيرِينَ عَلَى كَذَا وَكَذَا أَلْفًا ، وَعَلَى غُلَامَيْنِ يَعْمَلَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ . فَظَاهِرُ ضَرْبِ عُمَرَ لِأَنَسٍ حِينَ امْتَنَعَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى وُجُوبَ الْكِتَابَةِ إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّبَهُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ الْمُؤَكَّدِ . وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ الْكِتَابَةَ : لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا فَعَلْتُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى الْوُجُوبَ ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : إِنَّمَا عَلَا عُمَرُ أَنَسًا بِالدِّرَّةِ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ لِأَنَسٍ وَلَوْ لَزِمَتْهُ مَا أَبَى ، وَإِنَّمَا نَدَبَهُ عُمَرُ إِلَى الْأَفْضَلِ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ عُمَرَ بِأَنَسٍ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْسَانِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ . ( وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ أنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : ) وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( سورة النُّورِ : الْآيَةَ : 33 ) فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قِيلَ : مَالًا ، وَقِيلَ : صَلَاحًا ، وَقِيلَ : هَنَاءً وَأَدَاءً ، وَقِيلَ : صِدْقًا وَوَفَاءً وَقُوَّةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : دَلَّ حَدِيثُ بَرِيرَةَ أَنَّهُ الْكَسْبُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْهَا أَمَعَكِ مَالٌ أَمْ لَا ؟ وَلَمْ يَنْهَهَا عَنِ السُّؤَالِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَسْبُ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمَسْأَلَةُ آخِرُ كَسْبِ الْمُؤْمِنِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ : لَا يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخَيْرَ فِي الْآيَةِ الْمَالُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُغَةً أَنْ يُقَالَ فِي الْعَبْدِ مَالٌ أَوْ فِي الْأَمَةِ مَالٌ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ إِنَّمَا يَكُونُ لَهُ وَعِنْدَهُ وَفِي يَدِهِ لَا فِيهِ ، قَالَ : وَقَوْلُ مَنْ قَالَ يَعْنِي دِينًا وَأَمَانَةً وَصِدْقًا وَوَفَاءً أَوْلَى ، فَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ كَمَا قَالَ بِهِ مَسْرُوقٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إِمَّا بَيْعٌ أَوْ عِتْقٌ وَكِلَاهُمَا لَا يَجِبُ ، وَالْأَمْرُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ ، وَلِذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ( يَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَالصَّيْدُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ لَا يَجُبْ إِجْمَاعًا فَهُوَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَالِانْتِشَارُ وَالِابْتِغَاءُ لَا يَجِبَانِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ فَهُوَ لِلْإِبَاحَةِ . وَلِذَا ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ غَرَرٍ ، فَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ ، فَلَمَّا أَذِنَ فِيهَا كَانَ أَمْرًا بَعْدَ مَنْعٍ ، وَالْأَمْرُ بَعْدَ الْمَنْعِ لِلْإِبَاحَةِ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَهَا ثَبَتَ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا لَمْ يُجِبْ عَلَى السَّيِّدِ بَيْعُهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَفِي الْكِتَابَةِ إِخْرَاجُ مَلْكِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضًى وَلَا طِيبِ نَفْسٍ كَانَتِ الْكِتَابَةُ أَحْرَى أَنْ لَا تَجِبَ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ الشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ( سورة النُّورِ : الْآيَةَ : 33 ) فَإِنَّهُ وَكَّلَ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَوَالِي ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى عَدَمَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِكِتَابَتِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ : خُذْ كَسْبِي وَأَعْتِقْنِي ، بِمَنْزِلَةِ أَعْتِقْنِي بِلَا شَيْءٍ وَذَلِكَ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ أَمْرٌ لِلْمَوَالِي أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالنَّدْبِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَصَدَقة التَّطَوُّعِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْعِتْقِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَجِبُ ، وَفِي مَعْنَى الْإِيتَاءِ حَطُّ جُزْءٍ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ كَمَا قَالَ ( إِنَّ ذَاكَ أَنْ يَكْتُبَ الرَّجُلُ غُلَامَهُ ثُمَّ يَضَعَ ) يَحُطَّ ( عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا مُسَمًّى ) وَهُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ حُرًّا فَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ . ( قَالَ : فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ) أَيْ بَعْضِهِمْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَوَّلًا ( وَأَدْرَكْتُ عَمَلَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَقَدْ بَلَغَنِي ) لَعَلَّهُ مِنْ نَافِعٍ أَوِ ابْنِ دِينَارٍ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ) فِضَّةٍ ( ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ) فَخَرَجَ حُرًّا ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ تَبِعَهُ مَالُهُ ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعِتْقِ وَهُوَ يَتْبَعُهُ إِذَا أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ ( وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ ) لِأَنَّهُمْ ذَوَاتٌ أُخَرُ ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ فِي كِتَابَتِهِ ) فَيَدْخُلُونَ ؛ لِأَنَّهُ بِالشَّرْطِ كَأَنَّ الْكِتَابَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْجَمِيعِ . ( مَالِكٌ : فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ جَارِيَةٌ بِهَا حَبَلٌ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ حَمْلٌ ( مِنْهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ هُوَ وَلَا سَيِّدُهُ يَوْمَ كِتَابَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، فَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّهَا لِلْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَالِهِ ) وَهُوَ يَتْبَعُهُ مَالُهُ . ( مَالِكٌ : فِي رَجُلٍ وَرِثَ مُكَاتَبًا مِنَ امْرَأَتِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِوَرِثَ ( هُوَ ) أَيِ الرَّجُلُ ( وَابْنُهَا ) أَيِ الْمَرْأَةِ ( أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ كِتَابَتِهِ ) اقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ ( عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ) لِلزَّوْجِ الرُّبْعُ وَلِلِابْنِ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْكِتَابَةِ بَانَ أَنَّهُ مَوْرُوثٌ عَنِ الْمَرْأَةِ ( وَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرِثَ بِالْوَلَاءِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ فِيهِ دَخْلٌ ( وَالْمُكَاتَبُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ( يُكَاتِبُ عَبْدَهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَرَادَ الْمُحَابَاةَ ) الْمُسَامَحَةَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَبَوْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ ( لِعَبْدِهِ وَعُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ ) فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ ، وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ ( فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا كَاتَبَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ وَابْتِغَاءِ ) طَلَبِ ( الْفَضْلِ ) الزِّيَادَةِ ( وَالْعَوْنِ عَلَى كِتَابَتِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ) لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالْكِتَابَةِ ، فَصَارَ كَالْحُرِّ فِي تَصَرُّفِهِ إِلَّا فِي التَّبَرُّعَاتِ وَالْمُحَابَاةِ الْمُؤدِيَةِ إِلَى عَجْزِهِ . ( مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ) وَلِغَيْرِ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ مُكَاتَبَتَهُ ، فَإِنْ جَهِلَ وَ ( وَطِئَ مُكَاتَبَةً لَهُ أَنَّهَا إِنْ حَمَلَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدِ ) وَإِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ كَثِيرٌ ظَاهِرٌ وَقُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : إِذَا حَمَلَتْ بَطَلَتْ كِتَابَتُهَا وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ( وَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ عَلَى كِتَابَتِهَا ) وَنَفَقَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ مُدَّةَ حَمْلِهَا كَالْمَبْتُوتَةِ ( فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَهِيَ عَلَى كِتَابَتِهَا ) بَاقِيَةٌ ، وَيُؤَدَّبُ السَّيِّدُ فِي وَطْءِ مُكَاتَبَتِهِ إِلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُكَاتِبُ نَصِيبَهُ ) أَيْ حِصَّتَهُ ( مِنْهُ أَذِنَ بِذَلِكَ صَاحِبُهُ ) أَيْ شَرِيكُهُ ( أَوْ لَمْ يَأْذَنْ إِلَّا أَنْ يُكَاتِبَا جَمِيعًا ) فَيَجُوزُ ، وَعَلَّلَ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ : ( لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْقِدُ لَهُ عِتْقًا وَيَصْبِرُ إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُعْتَقَ نِصْفُهُ وَلَا يَكُونُ عَلَى الَّذِي كَاتَبَ بَعْضَهُ أَنْ يَسْتَتِمَّ عِتْقَهُ ) لِأَنَّ السِّرَايَةَ بِالتَّكْمِيلِ أَوِ التَّقْوِيمِ إِنَّمَا هِيَ بِالْعِتْقِ النَّاجِزِ لَا بِالْكِتَابَةِ ( فَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ نَصِيبًا ( لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ) أَيْ يَلْزَمُ ، لَوْ قِيلَ بِالْجَوَازِ مُخَالَفَتُهُ الْحَدِيثَ ( فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ ) أَيْ لَمْ يَعْلَمْ بِكِتَابَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ ( حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ رَدَّ عَلَيْهِ الَّذِي كَاتَبَهُ مَا قَبَضَ مِنَ الْمُكَاتَبِ فَاقْتَسَمَهُ هُوَ وَشَرِيكُهُ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا ) لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُمَا ( وَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ وَكَانَ عَبْدًا لَهُمَا عَلَى حَالَتِهِ الْأُولَى ) الَّتِي قَبْلَ الْكِتَابَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي مُكَاتَبٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَنْظَرَهُ أَحَدُهُمَا بِحَقِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ ، وَأَبَى الْآخَرُ أَنْ يُنْظِرَهُ ) يُؤَخِّرَهُ ( فَاقْتَضَى الَّذِي أَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ بَعْضَ حَقِّهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : يَتَحَاصَّانِ ) أَيْ يَقْتَسِمَانِ ( مَا تَرَكَهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُمَا عَلَيْهِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ) بَيَانٌ لِلْتَحَاصُصِ ( فَإِنْ تَرَكَ الْمُكَاتَبُ فَضْلًا ) زِيَادَةً ( عَنْ كِتَابَتِهِ أَخَذَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَقِيَ مِنَ الْكِتَابَةِ وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ ) أَيْ بِقَدْرِ حِصَصِهِمَا ( فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَقَدِ اقْتَضَى الَّذِي لَمْ يُنْظِرْهُ أَكْثَرَ مِمَّا اقْتَضَى صَاحِبُهُ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ) إِذَا كَانَ مِلْكُهُمَا لَهُ كَذَلِكَ ( وَلَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلَ مَا اقْتَضَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ) فَكَانَ تَرْكُهُ لَهُ ( وَإِنْ وَضَعَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا الَّذِي لَهُ ثُمَّ اقْتَضَى صَاحِبُهُ بَعْضَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ عَجَزَ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَرُدُّ الَّذِي اقْتَضَى عَلَى صَاحِبِهِ ) أَيْ لَهُ ( شَيْئًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ) وَذَلِكَ أَسَقَطَ مَالَهُ ( وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَكُونُ لِلرَّجُلَيْنِ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَيُنْظِرُهُ أَحَدُهُمَا وَيَشِحُّ ) أَيْ يَأْبَى ( الْآخَرُ فَيَقْضِي بَعْضَ حَقِّهِ ثُمَّ يُفْلِسُ الْغَرِيمُ ، فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اقْتَضَى أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ مَالَهُ .
6 - باب سَعْيِ الْمُكَاتَبِ 1485 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِيهِ ثُمَّ مَاتَ هَلْ يَسْعَى بَنُو الْمُكَاتَبِ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ أَمْ هُمْ عَبِيدٌ ؟ فَقَالَا : بَلْ يَسْعَوْنَ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ ، وَلَا يُوضَعُ عَنْهُمْ لِمَوْتِ أَبِيهِمْ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا لَا يُطِيقُونَ السَّعْيَ لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِمْ أَنْ يَكْبَرُوا وَكَانُوا رَقِيقًا لِسَيِّدِ أَبِيهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُكَاتَبُ تَرَكَ مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ نُجُومُهُمْ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّفُوا السَّعْيَ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ أُدِّيَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَتُرِكُوا عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا السَّعْيَ ، فَإِنْ أَدَّوْا عَتَقُوا ، وَإِنْ عَجَزُوا رَقُّوا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ مَالًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءُ الْكِتَابَةِ وَيَتْرُكُ وَلَدًا مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَأُمَّ وَلَدٍ فَأَرَادَتْ أُمُّ وَلَدِهِ أَنْ تَسْعَى عَلَيْهِمْ : إِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهَا الْمَالُ إِذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ وَلَا مَأْمُونَةً عَلَى الْمَالِ لَمْ تُعْطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَرَجَعَتْ هِيَ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً وَلَا رَحِمَ بَيْنَهُمْ فَعَجَزَ بَعْضُهُمْ وَسَعَى بَعْضُهُمْ حَتَّى عَتَقُوا جَمِيعًا ، فَإِنَّ الَّذِينَ سَعَوْا يَرْجِعُونَ عَلَى الَّذِينَ عَجَزُوا بِحِصَّةِ مَا أَدَّوْا عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ . 6 - بَابُ سَعْيِ الْمُكَاتَبِ 1485 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِيهِ ثُمَّ مَاتَ ، هَلْ يَسْعَى بَنُو الْمُكَاتَبِ فِي كتابة أَبِيهِمْ أَمْ هُمْ عَبِيدٌ ؟ ) فَلَا يَسْعَوْا ( فَقَالَا : بَلْ يَسْعَوْنَ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ وَلَا يُوضَعُ ) يُحَطُّ ( عَنْهُمْ لِمَوْتِ أَبِيهِمْ شَيْءٌ ) وَلَوْ قَلَّ هَذَا إِنْ قَدَرُوا عَلَى السَّعْيِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا لَا يُطِيقُونَ السَّعْيَ ، لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِمْ أَنْ يَكْبَرُوا ) بِفَتْحِ الْبَاءِ ( وَكَانُوا رَقِيقًا لِسَيِّدِ أَبِيهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمُكَاتَبِ مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ نُجُومُهُمْ إِلَى أَنْ يَتَكَلَّفُوا السَّعْيَ ) أَيْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ . ( فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ أُدِّيَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَتُرِكُوا عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا السَّعْيَ ، فَإِنْ أَدَّوْا ) مَا بَقِيَ ( عَتَقُوا وَإِنْ عَجَزُوا رَقُّوا ) للسيد . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ مَالًا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءُ الْكِتَابَةِ وَيَتْرُكُ وَلَدًا مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ وَأُمَّ وَلَدٍ ، فَأَرَادَتْ أُمُّ وَلَدِهِ أَنْ تَسْعَى عَلَيْهِمْ : إِنَّهُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( يُدْفَعُ إِلَيْهَا الْمَالُ ) الْمَتْرُوكُ عَنْهُ ( إِذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً عَلَى ذَلِكَ ) الْمَالِ بِأَنْ لَا تُضَيِّعَهُ ( قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ وَلَا مَأْمُونَةً عَلَى الْمَالِ لَمْ تُعْطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ) إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِعْطَاءِ حِينَئِذٍ . ( وَرَجَعَتْ هِيَ وَوَلَدُ الْمُكَاتَبِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ ) لِلْعَجْزِ . ( وَإِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ كِتَابَةً وَاحِدَةً وَلَا رَحِمَ ) أَيْ قَرَابَةَ ( بَيْنَهُمْ فَعَجَزَ بَعْضُهُمْ وَسَعَى بَعْضُهُمْ حَتَّى عَتَقُوا جَمِيعًا ، فَإِنَّ الَّذِينَ سَعَوْا يَرْجِعُونَ عَلَى الَّذِينَ عَجَزُوا بِحِصَّةِ مَا أَدَّوْا عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ ) أَيْ ضَامِنُونَ حُكْمًا .
5 - باب بَيْعِ الْمُكَاتَبِ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مُكَاتَبَ الرَّجُلِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ إِذَا كَانَ كَاتَبَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إِلَّا بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ قَالَ : وَإِنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ أَوْ الرَّقِيقِ ؛ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لِلْعُرُوضِ الَّتِي كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَيْهَا يُعَجِّلُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ . قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ إِذَا بِيعَ كَانَ أَحَقَّ بِاشْتِرَاءِ كِتَابَتِهِ مِمَّنْ اشْتَرَاهَا إِذَا قَوِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ نَقْدًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَهُ نَفْسَهُ عَتَاقَةٌ وَالْعَتَاقَةُ تُبَدَّأُ عَلَى مَا كَانَ مَعَهَا مِنْ الْوَصَايَا ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضُ مَنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبَ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَبَاعَ نِصْفَ الْمُكَاتَبِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ سَهْمًا مِنْ أَسْهُمِ الْمُكَاتَبِ ؛ فَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ شُفْعَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْقَطَاعَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاطِعَ بَعْضَ مَنْ كَاتَبَهُ إِلَّا بِإِذْنِ شُرَكَائِهِ ، وَأَنَّ مَا بِيعَ مِنْهُ لَيْسَتْ لَهُ بِهِ حُرْمَةٌ تَامَّةٌ وَأَنَّ مَالَهُ مَحْجُورٌ عَنْهُ وَأَنَّ اشْتِرَاءَهُ بَعْضَهُ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْعَجْزُ لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ الْمُكَاتَبِ نَفْسَهُ كَامِلًا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَنْ بَقِيَ لَهُ فِيهِ كِتَابَةٌ ، فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ كَانَ أَحَقَّ بِمَا بِيعَ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ بَيْعُ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَرَرٌ إِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بَطَلَ مَا عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ لَمْ يَأْخُذْ الَّذِي اشْتَرَى نَجْمَهُ بِحِصَّتِهِ مَعَ غُرَمَائِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَشْتَرِي نَجْمًا مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ بِمَنْزِلَةِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ فَسَيِّدُ الْمُكَاتَبِ لَا يُحَاصُّ بِكِتَابَةِ غُلَامِهِ غُرَمَاءَ الْمُكَاتَبِ ، وَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ أَيْضًا يَجْتَمِعُ لَهُ عَلَى غُلَامِهِ ، فَلَا يُحَاصُّ بِمَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْخَرَاجِ غُرَمَاءَ غُلَامِهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لِمَا كُوتِبَ بِهِ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْعَرْضِ أَوْ غَيْرِ مُخَالِفٍ مُعَجَّلٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَهْلِكُ وَيَتْرُكُ أُمَّ وَلَدٍ وَأَوْلَادًا لَهُ صِغَارًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَقْوَوْنَ عَلَى السَّعْيِ وَيُخَافُ عَلَيْهِمْ الْعَجْزُ عَنْ كِتَابَتِهِمْ ، قَالَ : تُبَاعُ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ إِذَا كَانَ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ جَمِيعُ كِتَابَتِهِمْ أُمَّهُمْ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أُمِّهِمْ يُؤَدَّى عَنْهُمْ وَيَعْتِقُونَ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا إِذَا خَافَ الْعَجْزَ عَنْ كِتَابَتِهِ فَهَؤُلَاءِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمْ الْعَجْزُ بِيعَتْ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ فَيُؤَدَّى عَنْهُمْ ثَمَنُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ وَلَمْ تَقْوَ هِيَ وَلَا هُمْ عَلَى السَّعْيِ رَجَعُوا جَمِيعًا رَقِيقًا لِسَيِّدِهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَبْتَاعُ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ كِتَابَتَهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ الَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ فَلَهُ رَقَبَتُهُ ، وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ إِلَى الَّذِي اشْتَرَاهَا وَعَتَقَ فَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ ، لَيْسَ لِلَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ مِنْ وَلَائِهِ شَيْءٌ . 5 - بَابُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ هُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ ، أَيْ كِتَابَتَهُ الْمُكَاتَبَ بِدَلِيلِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ ؛ إِذْ كُلُّهَا فِي كِتَابَتِهِ لَا رَقَبَتِهِ ؛ وَلِأَنَّ أَشْهَرَ قَوْلَيْهِ مَنْعُ بَيْعِ رَقَبَتِهِ ، وَمَرَّ الْجَوَابُ عَمَّا يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ ( مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ ) وَفِي نُسْخَةٍ : سَمِعْتُ ( فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مُكَاتَبَ الرَّجُلِ ) أَيْ كِتَابَتَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( إِذَا كَانَ كَاتَبَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إِلَّا بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ ) لَا بِنَقْدٍ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ ( وَيُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ) أَتَى بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ يَصْدُقُ بِمَا إِذَا كَانَ مَعَهُ تَأْخِيرٌ قَلِيلٌ ( لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ كَانَ دَيْنًا ) أَيْ يَبِيعُهُ ( بَدَيْنٍ ، وَقَدْ نُهِيَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ) بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ . ( وَإِنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ أَوِ الرَّقِيقِ ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ ) يَجُوزُ ( لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لِلْعُرُوضِ الَّتِي كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَيْهَا يُعَجِّلُ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ ) لِئَلَّا يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ . ( مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ إِذَا بِيعَ ) أَيْ بِيعَتْ كِتَابَتُهُ لِقَوْلِهِ : ( كَانَ أَحَقَّ بِاشْتِرَاءِ كِتَابَتِهِ مِمَّنِ اشْتَرَاهَا إِذَا قَوِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ نَقْدًا ، وَذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَهُ نَفْسَهُ عَتَاقَةٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَوَهِمَ مَنْ كَسَرَهَا ( وَالْعَتَاقَةُ تُبَدَّى عَلَى مَا كَانَ مَعَهَا مِنَ الْوَصَايَا ) لِتَشَوُّفِ الشَّرْعِ لِلْحُرِّيَّةِ أَقْوَى مِنْ مُطْلَقِ الْوَصِيَّةِ . ( وَإِنْ بَاعَ بَعْضُ مَنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَبَاعَ نِصْفَ الْمُكَاتَبِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ سَهْمًا مِنْ أَسْهُمِ الْمُكَاتَبِ فَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ شُفْعَةٌ وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْقَطَاعَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاطِعَ بَعْضَ مَنْ كَاتَبَهُ إِلَّا بِإِذْنِ شُرَكَائِهِ ، وَأَنَّ مَا بِيعَ مِنْهُ لَيْسَتْ لَهُ بِهِ حُرْمَةٌ تَامَّةٌ ) لِعَدَمِ خُرُوجِهِ حُرًّا ( وَأَنَّ مَالَهُ مَحْجُورٌ عَنْهُ ، وَأَنَّ اشْتِرَاءَ بَعْضِهِ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْعَجْزُ لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ الْمُكَاتَبِ نَفْسَهُ كَامِلًا ) لِأَنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِهِ . ( إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَنْ بَقِيَ لَهُ فِيهِ كِتَابَةٌ ) بِاشْتِرَاءِ الْبَعْضِ الْمَبِيعِ مِنْ كِتَابَتِهِ ( وَإِنْ أَذِنُوا لَهُ كَانَ أَحَقَّ بِمَا بِيعَ مِنْهُ ) مِنْ غَيْرِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ بَيْعُ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ ) وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي يُؤَدِّيهِ الْمُكَاتَبُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَبْنُونَ أُمُورَهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ عَلَى طُلُوعِ النَّجْمِ وَالْمَنَازِلِ ، لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ الْحِسَابَ يَقُولُونَ : إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ الْفُلَانِيُّ أَدَّيْتَ حَقَّكَ فَسُمِّيَتِ الْأَوْقَاتُ نُجُومًا بِذَلِكَ ثُمَّ سُمِّيَ الْمُؤَدَّى فِي الْوَقْتِ نَجْمًا ( وَذَلِكَ أَنَّهُ غَرَرٌ ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَكُونُ لَهُ أَوْ لَا لِأَنَّهُ ( إِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبِ بَطَلَ مَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ لَمْ يَأْخُذِ الَّذِي اشْتَرَى نَجْمَهُ بِحِصَّتِهِ مَعَ غُرَمَائِهِ شَيْئًا ) بَلْ يَخْتَصُّونَ دُونَهُ ( وَإِنَّمَا الَّذِي يَشْتَرِي نَجْمًا مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ بِمَنْزِلَةِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ ، فَسَيِّدُ الْمُكَاتَبِ لَا يُحَاصُّ بِكِتَابَةِ غُلَامِهِ غُرَمَاءَ الْمُكَاتَبِ ) فَكَذَا الْمُشْتَرِي مِنْهُ ( وَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ أَيْضًا ) الْمَجْعُولُ مِنَ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا ( يَجْتَمِعُ لَهُ عَلَى غُلَامِهِ فَلَا يُحَاصُّ بِمَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْخَرَاجِ غُرَمَاءَ غُلَامِهِ ) بَلْ يَكُونُ لَهُمْ دُونَهُ . ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لِمَا كُوتِبَ بِهِ مِنَ الْعَيْنِ أَوِ الْعَرْضِ أَوْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ) بَلْ مُوَافِقٌ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فَرَسٍ بِفَرَسٍ ( مُعَجَّلٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ كَالدُّيُونِ الثَّابِتَةِ وَلَا كَالْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ ، فَيَجُوزُ فِيهَا مَا مُنِعَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ فَسْخُ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي شَيْءٍ مُؤَخَّرٍ عَلَيْهِ ، وَفَسْخُ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَهَبٍ فِي وَرِقٍ وَعَكْسِهِ ، وَمِثْلُهُ التَّعْجِيلُ عَلَى إِسْقَاطِ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعْ وَتَعَجَّلْ وَسَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ عَجَّلَ الْعِتْقَ أَمْ لَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ سُحْنُونٌ إِلَّا بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَهْلِكُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، يَمُوتُ ( وَيَتْرُكُ أُمَّ وُلَدٍ وَأَوْلَادًا لَهُ صِغَارًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَقْوَوْنَ ) يَقْدِرُونَ ( عَلَى السَّعْيِ ، وَيُخَافُ عَلَيْهِمُ الْعَجْزُ عَنْ كِتَابَتِهِمْ ، قَالَ : تُبَاعُ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ إِذَا كَانَ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ جَمِيعُ كِتَابَتِهِمْ أُمَّهُمْ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أُمِّهِمْ يُؤَدَّى عَنْهُمْ ) ثَمَنُهَا لِلسَّيِّدِ ( وَيَعْتِقُونَ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا إِذَا خَافَ : الْعَجْزَ عَنْ كِتَابَتِهِ فَهَؤُلَاءُ ) بِمَنْزِلَتِهِ ( إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمُ الْعَجْزُ ، بِيعَتْ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ فَيُؤَدَّى عَنْهُمْ ) ثَمَنُهَا ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ ، وَلَمْ تَقْوَ هِيَ وَلَا هُمْ عَلَى السَّعْيِ رَجَعُوا جَمِيعًا رَقِيقًا لِسَيِّدِهِمْ ) وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَبْتَاعُ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ كِتَابَتَهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ ) أَيْ يَأْخُذُ مَالَهُ ( الَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ فَلَهُ رَقَبَتُهُ ) مِلْكًا ( وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ إِلَى الَّذِي اشْتَرَاهَا وَعَتَقَ فَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ ) وَهُوَ بَائِعُهَا ( لَيْسَ لِلَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ مِنْ وَلَائِهِ شَيْءٌ ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْعَاقِدِ وَهُوَ لَا يَنْتَقِلُ .
4 - باب جِرَاحِ الْمُكَاتَبِ قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ يَجْرَحُ الرَّجُلَ جَرْحًا يَقَعُ فِيهِ الْعَقْلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ قَوِيَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ مَعَ كِتَابَتِهِ أَدَّاهُ وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ هُوَ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ ذَلِكَ الْجَرْحِ خُيِّرَ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ فَعَلَ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ وَصَارَ عَبْدًا مَمْلُوكًا ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَى الْمَجْرُوحِ أَسْلَمَهُ ، وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسَلِّمَ عَبْدَهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يُكَاتَبُونَ جَمِيعًا فَيَجْرَحُ أَحَدُهُمْ جَرْحًا فِيهِ عَقْلٌ ، قَالَ مَالِكٌ : مَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ جَرْحًا فِيهِ عَقْلٌ قِيلَ لَهُ وَلِلَّذِينَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ : أَدُّوا جَمِيعًا عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ ، فَإِنْ أَدَّوْا ثَبَتُوا عَلَى كِتَابَتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوا فَقَدْ عَجَزُوا وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُمْ ، فَإِنْ شَاءَ أَدَّى عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ وَرَجَعُوا عَبِيدًا لَهُ جَمِيعًا ، وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ الْجَارِحَ وَحْدَهُ وَرَجَعَ الْآخَرُونَ عَبِيدًا لَهُ جَمِيعًا بِعَجْزِهِمْ عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ ذَلِكَ الْجَرْحِ الَّذِي جَرَحَ صَاحِبُهُمْ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أُصِيبَ بِجَرْحٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَقْلٌ أَوْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ ؛ فَإِنَّ عَقْلَهُمْ عَقْلُ الْعَبِيدِ فِي قِيمَتِهِمْ ، وَأَنَّ مَا أُخِذَ لَهُمْ مِنْ عَقْلِهِمْ يُدْفَعُ إِلَى سَيِّدِهِمْ الَّذِي لَهُ الْكِتَابَةُ ، وَيُحْسَبُ ذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ فَيُوضَعُ عَنْهُ مَا أَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَكَانَ دِيَةُ جَرْحِهِ الَّذِي أَخَذَهَا سَيِّدُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَدْ عَتَقَ ، وَإِنْ كَانَ عَقْلُ جَرْحِهِ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَخَذَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ وَعَتَقَ ، وَكَانَ مَا فَضَلَ بَعْدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ لِلْمُكَاتَبِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ فَيَأْكُلَهُ وَيَسْتَهْلِكَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ أَعْوَرَ أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ أَوْ مَعْضُوبَ الْجَسَدِ ، وَإِنَّمَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَى مَالِهِ وَكَسْبِهِ وَلَمْ يُكَاتِبْهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ وَلَدِهِ وَلَا مَا أُصِيبَ مِنْ عَقْلِ جَسَدِهِ فَيَأْكُلَهُ وَيَسْتَهْلِكَهُ ، وَلَكِنْ عَقْلُ جِرَاحَاتِ الْمُكَاتَبِ وَوَلَدِهِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ يُدْفَعُ إِلَى سَيِّدِهِ ، وَيُحْسَبُ ذَلِكَ لَهُ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ . 4 - بَابُ جِرَاحِ الْمُكَاتَبِ - ( مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ يَجْرَحُ الرَّجُلَ جَرْحًا يَقَعُ فِيهِ الْعَقْلُ عَلَيْهِ ) أَيْ يَلْزَمُهُ عَقْلُ مَا جَرَحَ ( أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِنْ قَوِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ مَعَ كِتَابَتِهِ ، أَدَّاهُ وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ ) بَقِيَ عَلَيْهَا ( وَإِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ ) فَعَادَ قِنًّا ( وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي ) يَجِبُ ( أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ هُوَ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ ذَلِكَ الْجُرْحِ ، فَعَلَ وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ وَصَارَ عَبْدًا مَمْلُوكًا ) لِعَجْزِهِ عَنِ الْكِتَابَةِ ( وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَى الْمَجْرُوحِ أَسْلَمَهُ ، وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسَلِّمَ عَبْدَهُ ) وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَمَّا فِي الْجُرْحِ . ( وَفِي الْقَوْمِ يَتَكَاتَبُونَ جَمِيعًا فَيُجْرَحُ أَحَدُهُمْ جُرْحًا فِيهِ عَقْلٌ ، قَالَ مَالِكٌ : مَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ جُرْحًا فِيهِ عَقْلٌ قِيلَ لَهُ وَلِلَّذِينِ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ : أَدُّوا جَمِيعًا عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ ) لِأَنَّكُمْ حُمَلَاءُ ( فَإِنْ أَدَّوْا ثَبَتُوا عَلَى كِتَابَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوهُ فَقَدْ عَجَزُوا ، وَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُمْ فَإِنْ شَاءَ أَدَّى عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ وَرَجَعُوا عَبِيدًا لَهُ جَمِيعًا ، وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ الْجَارِحَ وَحْدَهُ ) لِأَنَّهُ الْجَانِي ( وَرَجَعَ الْآخَرُونَ عَبِيدًا لَهُ جَمِيعًا بِعَجْزِهِمْ ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ ( عَنْ أَدَاءِ عَقْلِ ذَلِكَ الْجُرْحِ الَّذِي جَرَحَ صَاحِبُهُمْ ) الَّذِي مَعَهُمْ فِي الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ حُمَلَاءُ . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أُصِيبَ بِجُرْحٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَقْلٌ ، أَوْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ ، فَإِنَّ عَقْلَهُمْ عَقْلُ الْعَبِيدِ فِي قِيمَتِهِمْ ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ( وَأَنَّ مَا أُخِذَ لَهُمْ مِنْ عَقْلِهِمْ يُدْفَعُ إِلَى سَيِّدِهِمُ الَّذِي لَهُ الْكِتَابَةُ ، وَيُحْسَبُ ذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ فَيُوضَعُ عَنْهُ مَا أَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ ) لِإِحْرَازِهِ مَالَهُ وَهُوَ مَالُهُ . ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُ عِلَّةِ حُكْمِهِ ( أَنَّهُ كَانَ كَاتَبَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ) مَثَلًا ( وَكَانَ دِيَةُ جُرْحِهِ الَّذِي أَخَذَهَا سَيِّدُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَدْ عَتَقَ ) لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ . ( وَإِنْ كَانَ عَقْلُ جُرْحِهِ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، أَخَذَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ وَعَتَقَ ) الْمُكَاتَبُ ( وَكَانَ مَا فَضَلَ بَعْدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ لِلْمُكَاتَبِ ، وَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَجُوزُ ( أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ فَيَأْكُلَهُ ) بالنصب ( وَيَسْتَهْلِكَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ أَعْوَرَ أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ أَوْ مَعْضُوبَ ) بِمُهْمَلَةِ فَمُعْجَمَةٍ ، أَيْ مَقْطُوعَ ( الْجَسَدِ ) وَالْمَعْنَى يَرْجِعُ بِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْجُرْحِ ( وَإِنَّمَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَى مَالِهِ وَكَسْبِهِ وَلَمْ يُكَاتِبْهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ثَمَنَ وَلَدِهِ وَلَا مَا أُصِيبَ مِنْ عَقْلِ جَسَدِهِ فَيَأْكُلَهُ وَيَسْتَهْلِكَهُ ) فَلِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَقْلُ جِرَاحِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ ( وَلَكِنْ عَقْلُ جِرَاحَاتِ الْمُكَاتَبِ وَوَلَدِهِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ، يُدْفَعُ إِلَى سَيِّدِهِ وَيُحْسَبُ ذَلِكَ لَهُ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ ) لِيَخْرُجَ حُرًّا .
3 - باب الْقِطَاعَةِ فِي الْكِتَابَةِ 1484 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تُقَاطِعُ مُكَاتَبِيهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى حِصَّتِهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، وَلَوْ قَاطَعَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ثُمَّ حَازَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ أَوْ عَجَزَ ، لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَاطَعَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعَ حَقَّهُ فِي رَقَبَتِهِ ، وَلَكِنْ مَنْ قَاطَعَ مُكَاتَبًا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، فَإِنْ أَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ مِنْ الْقِطَاعَةِ وَيَكُونُ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا اسْتَوْفَى الَّذِي بَقِيَتْ لَهُ الْكِتَابَةُ حَقَّهُ الَّذِي بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ بَيْنَ الَّذِي قَاطَعَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا فِي الْمُكَاتَبِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَاطَعَهُ وَتَمَاسَكَ صَاحِبُهُ بِالْكِتَابَةِ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، قِيلَ لِلَّذِي قَاطَعَهُ : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَرُدَّ عَلَى صَاحِبِكَ نِصْفَ الَّذِي أَخَذْتَ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَكُمَا شَطْرَيْنِ ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَجَمِيعُ الْعَبْدِ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ خَالِصًا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُقَاطِعُهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ يَقْتَضِي الَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ مِثْلَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ ، قَالَ مَالِكٌ : فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اقْتَضَى أَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ الَّذِي قَاطَعَهُ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَأَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَبَى فَجَمِيعُ الْعَبْدِ لِلَّذِي لَمْ يُقَاطِعْهُ وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا فَأَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ ، وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالْكِتَابَةِ قَدْ أَخَذَ مِثْلَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ أَوْ أَفْضَلَ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ حَقَّهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُقَاطِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ حَقِّهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ثُمَّ يَقْبِضُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ أَقَلَّ مِمَّا قَاطَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ أَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَ الْعَبْدَ أَنْ يُرَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ ؛ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَرُدَّ ؛ فَلِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ حِصَّةُ صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ قَاطَعَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ فَيُكَاتِبَانِهِ جَمِيعًا ثُمَّ يُقَاطِعُ أَحَدُهُمَا الْمُكَاتَبَ عَلَى نِصْفِ حَقِّهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ الرُّبُعُ مِنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ ، فَيُقَالُ لِلَّذِي قَاطَعَهُ : إِنْ شِئْتَ فَارْدُدْ عَلَى صَاحِبِكَ نِصْفَ مَا فَضَلْتَهُ بِهِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَكُمَا شَطْرَيْنِ ، وَإِنْ أَبَى كَانَ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالْكِتَابَةِ رُبُعُ صَاحِبِهِ الَّذِي قَاطَعَ الْمُكَاتَبَ عَلَيْهِ خَالِصًا ، وَكَانَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ ، وَكَانَ لِلَّذِي قَاطَعَ رُبُعُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَرُدَّ ثَمَنَ رُبُعِهِ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يُقَاطِعُهُ سَيِّدُهُ فَيَعْتِقُ وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ قَطَاعَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ ، قَالَ مَالِكٌ : فَإِنَّ سَيِّدَهُ لَا يُحَاصُّ غُرَمَاءَهُ بِالَّذِي عَلَيْهِ مِنْ قَطَاعَتِهِ ، وَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يُبَدَّءُوا عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُقَاطِعَ سَيِّدَهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ فَيَعْتِقُ وَيَصِيرُ لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّيْنِ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ سَيِّدِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ ثُمَّ يُقَاطِعُهُ بِالذَّهَبِ فَيَضَعُ عَنْهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ ؛ أَنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ وَيَنْقُدُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الدَّيْنِ ، إِنَّمَا كَانَتْ قَطَاعَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا فِي أَنْ يَتَعَجَّلَ الْعِتْقَ فَيَجِبُ لَهُ الْمِيرَاثُ وَالشَّهَادَةُ وَالْحُدُودُ وَتَثْبُتُ لَهُ حُرْمَةُ الْعَتَاقَةِ وَلَمْ يَشْتَرِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ وَلَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ : ائْتِنِي بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَأَنْتَ حُرٌّ فَوَضَعَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ جِئْتَنِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَيْسَ هَذَا دَيْنًا ثَابِتًا ؛ وَلَوْ كَانَ دَيْنًا ثَابِتًا لَحَاصَّ بِهِ السَّيِّدُ غُرَمَاءَ الْمُكَاتَبِ إِذَا مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي مَالِ مُكَاتَبِهِ . 3 - بَابُ الْقَطَاعَةِ فِي الْكِتَابَةِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا ، اسْمُ مَصْدَرِ قَاطَعَ وَالْمَصْدَرُ الْمُقَاطَعَةُ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَلَبَ سَيِّدِهِ عَنْهُ بِمَا أَعْطَاهُ ، أَوْ قَطَعَ لَهُ بِتَمَامِ حُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ ، أَوْ قَطَعَ بَعْضَ مَا كَانَ لَهُ عِنْدَهُ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . 1484 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ) هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّةَ الْمَخْزُومِيَّةَ ( زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَرَضِيَ عَنْهَا ( كَانَتْ تُقَاطِعُ مُكَاتَبِيهَا ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، جَمْعُ مُكَاتَبٍ ، وَكَاتَبَتْ عِدَّةً مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْأَرْبَعَةُ أَوْلَادُ يَسَارٍ ، وَكُلُّهُمْ أُخِذَ عَنْهُ الْعِلْمُ ، وَعَطَاءٌ أَكْثَرُهُمْ حَدِيثًا ، وَسُلَيْمَانُ أَفْقَهُهُمْ ، وَالْآخَرَانِ قَلِيلَا الْحَدِيثِ ، وَكُلُّهُمْ ثِقَةٌ رِضًا كَمَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَكَاتَبَتْ أَيْضًا نَبْهَانَ ، وَنُفَيْعًا ( بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) أَيْ تَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عَاجِلًا فِي نَظِيرِ مَا كَاتَبَتْهُمْ عَلَيْهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ مَالِكٌ هَذَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْقَطَاعَةِ إِلَّا بِالْعُرُوضِ ، وَيَرَاهُ مِنْ بَابِ ضَعْ وَتَعَجَّلْ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى حِصَّتِهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بَيْنَهُمَا ) مُنَاصَفَةً أَوْ غَيْرَهَا ( فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ) أَيْ يَحْرُمُ ( وَلَوْ ) وَقَعَ ذَلِكَ وَ ( قَاطَعَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ثُمَّ حَازَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ ، أَوْ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَاطَعَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ ) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْمُقَاطَعَةِ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعَ حَقُّهُ فِي رَقَبَتِهِ ) إِذْ لَا حَقَّ لَهُ حَتَّى يَرْجِعَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهُ ( وَلَكِنْ مَنْ قَاطَعَ مُكَاتَبًا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، فَإِنْ أَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ مِنَ الْقَطَاعَةِ وَيَكُونُ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ) وَإِنْ أَحَبَّ لَمْ يَرُدَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمُكَاتَبِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا اسْتَوْفَى الَّذِي بَقِيَتْ لَهُ الْكِتَابَةُ حَقَّهُ الَّذِي بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ ) رَأْسِ ( مَالِهِ ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ بَيْنَ الَّذِي قَاطَعَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا فِي الْمُكَاتَبِ ) نِصْفًا أَوْ ثُلْثًا وَغَيْرَهُمَا ( وَإِنْ أَحَدُهُمَا قَاطَعَهُ وَتَمَاسَكَ صَاحِبُهُ بِالْكِتَابَةِ ) أَيْ لَمْ يُقَاطِعْهُ ( ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، قِيلَ لِلَّذِي قَاطَعَهُ : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَرُدَّ عَلَى صَاحِبِكَ نِصْفَ الَّذِي أَخَذْتَ وَيَكُونَ الْعَبْدُ بَيْنَكُمَا شَطْرَيْنِ ) فَلَكَ ذَلِكَ . ( وَإِنْ أَبَيْتَ فَجَمِيعُ الْعَبْدِ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ خَالِصًا ) لَا شَيْءَ لَكَ فِيهِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُقَاطِعُهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ يَقْبِضُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ ) مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ ( مِثْلَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ . قَالَ مَالِكٌ : فَهُوَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ) فَلَا يَرْجِعُ الْمُقَاطَعُ عَلَى الْمُتَمَسِّكِ بِمَا زَادَ . ( وَإِنِ اقْتَضَى أَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ الَّذِي قَاطَعَهُ ، ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَأَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ ) أَيْ زَادَ عَلَيْهِ ( بِهِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَبَى فَجَمِيعُ الْعَبْدِ لِلَّذِي لَمْ يُقَاطِعْهُ ) لِبَقَاءِ حَقِّهِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ مَالًا فَأَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالْكِتَابَةِ قَدْ أَخَذَ مِثْلَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ شَرِيكَهُ أَوْ أَفْضَلَ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَلْكِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ حَقَّهُ ) فَلَا كَلَامَ عَلَيْهِ لِمَنْ قَاطَعَ . ( وَفِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُقَاطِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ حَقِّهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ثُمَّ يَقْبِضُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ ) وَلَمْ يُقَاطِعْ ( أَقَلَّ مِمَّا قَاطَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ أَحَبَّ الَّذِي قَاطَعَ الْعَبْدَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفَ مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ ؛ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ ) نِصْفَيْنِ إِنْ كَانَا مَلَكَاهُ كَذَلِكَ ( وَإِنْ أَبَى أَنْ يَرُدَّ فَلِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ حِصَّةُ صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ قَاطَعَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَ ) أَيْ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا لِسُقُوطِ حَقِّ الْمُقَاطِعِ بِالْمُقَاطَعَةِ ، وَأَعَادَ هَذَا لِقَوْلِهِ : ( وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ ) أَيْ بَيَانُ وَجْهِهِ ( أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ فَيُكَاتِبَانِهِ جَمِيعًا ثُمَّ يُقَاطِعُ أَحَدُهُمَا الْمُكَاتَبُ عَلَى نِصْفِ حَقِّهِ ) بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَةٌ فَيَأْخُذَ خَمْسِينَ ( بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ الرُّبْعُ مِنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ فَيُقَالُ لِلَّذِي قَاطَعَهُ : إِنْ شِئْتَ فَارْدُدْ عَلَى صَاحِبِكَ ) شَرِيكَكَ ( نِصْفَ مَا فَضَلْتَهُ بِهِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَكُمَا شَطْرَيْنِ ، وَإِنْ أَبَى كَانَ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالْكِتَابَةِ رُبُعُ صَاحِبِهِ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَ خَالِصًا ) لَا شِرْكَ لَهُ فِيهِ ( وَكَانَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ ) أَصَالَةً ( فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ ، وَكَانَ لِلَّذِي قَاطَعَ رُبُعُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَرُدَّ ثَمَنَ رُبُعِهِ الَّذِي قَاطَعَ عَلَيْهِ ) وَهَذَا تَوْجِيهٌ وَجِيهٌ ( وَفِي الْمُكَاتَبِ يُقَاطِعُهُ سَيِّدُهُ فَيَعْتِقُ وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ قَطَاعَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ ، قَالَ مَالِكٌ : فَإِنَّ سَيِّدَهُ لَا يُحَاصُّ غُرَمَاءَهُ بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَطَاعَتِهِ وَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَبْدُوا عَلَيْهِ ) أَيْ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ ( وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُقَاطِعَ سَيِّدَهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ فَيَعْتِقُ وَيَصِيرُ لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّيْنِ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ سَيِّدِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ لَهُ ) لِأَنَّهُ يُقَاطِعُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ ثُمَّ يُقَاطِعُهُ بِالذَّهَبِ فَيَضَعُ عَنْهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ : أَنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ لِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ عَنْهُ ) بَعْضَهُ ( وَيُنْقِدُهُ ) الْبَاقِي يُعَجِّلُهُ ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِضَعْ وَتَعَجَّلْ ، فَقَالَ : عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبِ ( وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الدَّيْنِ إِنَّمَا كَانَتْ قَطَاعَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَنْ يَتَعَجَّلَ الْعِتْقَ فَيَجِبُ ) يَثْبُتُ ( لَهُ الْمِيرَاثُ وَالشَّهَادَةُ وَالْحُدُودُ وَتَثْبُتُ لَهُ حُرْمَةُ الْعَتَاقَةِ ، وَلَمْ يَشْتَرِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ وَلَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ ) حَتَّى يَكُونَ فِيهِ وَضْعٌ وَتَعَجُّلٌ فَلَا يَتِمُّ الْقِيَاسُ ؛ إِذِ الْعِتْقُ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ بِمَالٍ ثَابِتٍ إِنَّمَا هِيَ عِتْقٌ عَلَى مَالٍ . ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ) أَيْ صِفَةُ ( ذَلِكَ ) مَثَلُ ( رَجُلٌ قَالَ لِغُلَامِهِ : ائْتِنِي بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا ) كِنَايَةً عَنْ عَدَدٍ سَمَّاهُ ( وَأَنْتَ حُرٌّ فَوَضَعَ ) حَطَّ ( عَنْهُ مِنْ ) أَيْ بَعْضِ ( ذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ جِئْتَنِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَلَيْسَ هَذَا دَيْنًا ثابتا وَلَوْ كَانَ دَيْنًا ثابتا لَحَاصَّ بِهِ السَّيِّدُ غُرَمَاءَ الْمَكَاتَبِ إِذَا مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي مَالِ مُكَاتَبَتِهِ ) مَعَ أَنَّهُ لَا يُحَاصِصُ وَلَا يَدْخُلُ .
2 - باب الْحَمَالَةِ فِي الْكِتَابَةِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبِيدَ إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ ، وَإِنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْهُمْ لِمَوْتِ أَحَدِهِمْ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ : قَدْ عَجَزْتُ وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ ، فَإِنَّ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا يُطِيقُ مِنْ الْعَمَلِ وَيَتَعَاوَنُونَ بِذَلِكَ فِي كِتَابَتِهِمْ حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِهِمْ إِنْ عَتَقُوا ، وَيَرِقَّ بِرِقِّهِمْ إِنْ رَقُّوا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَنْبَغِ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ أَحَدٌ إِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ عَجَزَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، ثُمَّ اتَّبَعَ ذَلِكَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ قِبَلَ الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ ، أَخَذَ مَالَهُ بَاطِلًا لَا هُوَ ابْتَاعَ الْمُكَاتَبَ فَيَكُونَ مَا أُخِذَ مِنْهُ مِنْ ثَمَنِ شَيْءٍ هُوَ لَهُ وَلَا الْمُكَاتَبُ عَتَقَ فَيَكُونَ فِي ثَمَنِ حُرْمَةٍ ثَبَتَتْ لَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ وَكَانَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ يُتَحَمَّلُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِهَا إِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ إِنْ أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ سَيِّدُهُ بِكِتَابَتِهِ وَكَانَ الْغُرَمَاءُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ رُدَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ ، وَكَانَتْ دُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُونَ مَعَ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ رَقَبَتِهِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً وَلَا رَحِمَ بَيْنَهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ وَلَا يَعْتِقُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ حَتَّى يُؤَدُّوا الْكِتَابَةَ كُلَّهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِمْ ، أُدِّيَ عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ كَاتَبَ مَعَهُ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ شَيْءٌ ، وَيَتْبَعُهُمْ السَّيِّدُ بِحِصَصِهِمْ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكِتَابَةِ الَّتِي قُضِيَتْ مِنْ مَالِ الْهَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ إِنَّمَا كَانَ تَحَمَّلَ عَنْهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَتَقُوا بِهِ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ الْهَالِكِ وَلَدٌ حُرٌّ لَمْ يُولَدْ فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يُكَاتَبْ عَلَيْهِ لَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى مَاتَ . 2 - بَابُ الْحَمَالَةِ فِي الْكِتَابَةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبِيدَ إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ ) ضَامِنُونَ ( عَنْ بَعْضٍ ، وَإِنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْهُمْ لِمَوْتِ أَحَدِهِمْ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ : قَدْ عَجَزْتُ ، وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ ) لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ( فَإِنَّ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ مَا يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ ) لَا مَا لَا يُطِيقُهُ ( وَيَتَعَاوَنُونَ بِذَلِكَ فِي كِتَابَتِهِمْ حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِهِمْ إِنْ عَتَقُوا أَوْ يَرِقَّ بِرِقِّهِمْ إِنْ رَقُّوا ) وَهَذَا مِنْ ثَمَرَةِ كَوْنِهِمْ حُمَلَاءَ . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَنْبَغِ ) لَمْ يَجُزْ ( لِسَيِّدِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ أَحَدٌ ) فَاعِلُ يَتَحَمَّلُ ( إِنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ عَجَزَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ حَمَلَ ) ضَمِنَ ( رَجُلٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ قِبَلَ ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ ، جِهَةَ ( الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ أَخَذَ مَالَهُ بَاطِلًا ) بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ الْبُطْلَانِ بِقَوْلِهِ : ( لَا هُوَ ) أَيِ الْمُتَحَمِّلُ ( ابْتَاعَ ) اشْتَرَى ( الْمُكَاتَبَ فَيَكُونُ مَا أُخِذَ مِنْهُ مِنْ ثَمَنِ شَيْءٍ هُوَ لَهُ ، وَلَا لِمُكَاتَبٍ عُتِقَ فَيَكُونُ فِي ثَمَنِ حُرْمَةٍ ثَبَتَتْ لَهُ ) وَهِيَ حُرْمَةُ الْعِتْقِ لَوْ كَانَ ( فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ ، وَكَانَ عَبْدًا مَمْلُوكًا لَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ يُتَحَمَّلُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ( لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِهَا إِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ إِنْ أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ ) وَإِلَّا رَقَّ ، وَالْحَمَالَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الدُّيُونِ السَّابِقَةِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُحَاصَّ ) بِالْإِدْغَامِ ( الْغُرَمَاءَ ) مَفْعُولُ فَاعِلِهِ ( سَيِّدُهُ بِكِتَابَتِهِ ) أَيْ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا أَوْ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ ( وَكَانَ الْغُرَمَاءُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ ) أَيْ أَحَقُّ ، أَيْ أَنَّهُ حَقُّهُمْ دُونَهُ وَلَوْ كَانَتْ دَيْنًا ثَابِتًا لَحَاصَصَهُمْ ( وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ ، رُدَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ ، وَكَانَتْ دُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ ) وَيَتْبَعُونَهُ إِذَا عَتَقَ ( لَا يَدْخُلُونَ مَعَ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ رَقَبَتِهِ ) لِأَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ لَهُ إِنَّمَا هِيَ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ الْحَمَالَةَ لَا تَصِحُّ عَنِ الْمُكَاتَبِ الْجُمْهُورُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَحْسَنَ مَالِكٌ فِي احْتِجَاجِهِ لِذَلِكَ . ( وَإِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً وَلَا رَحِمَ بَيْنَهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ ، وَلَا يَعْتِقُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ حَتَّى يُؤَدُّوا الْكِتَابَةَ كُلَّهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِمْ أَدَّى عَنْهُمْ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْهُ ( لِسَيِّدِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ كَاتَبَ مَعَهُ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ ) أَيْ بَاقِيهِ ( شَيْءٌ وَيُتْبِعُهُمُ السَّيِّدُ بِحِصَصِهِمُ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكِتَابَةِ الَّتِي قُضِيَتْ مِنْ مَالِ الْهَالِكِ ) الْمَيِّتِ ( لِأَنَّ الْهَالِكَ إِنَّمَا كَانَ يَحْمِلُ عَنْهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَتَقُوا بِهِ مِنْ مَالِهِ ) لِأَجْلِ الْحَمَالَةِ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِسَيِّدِهِ مِلْكًا ( وَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ وَلَدٌ حُرٌّ لَمْ يُولَدْ فِي الْكِتَابَةِ وَلَمْ يُكَاتَبْ عَلَيْهِ لَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى مَاتَ ) وَهُوَ عَبْدٌ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ .
10 - باب وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ إِذَا أَعْتَقَ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ لَهُ ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ كَانَ وَلَاءُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ وَرِثَهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا فَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ الْآخَرُ قَبْلَ سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ ، فَإِنَّ وَلَاءَهُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ مَا لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ الَّذِي كَاتَبَهُ فَإِنْ عَتَقَ الَّذِي كَاتَبَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَاءُ مُكَاتَبِهِ الَّذِي كَانَ عَتَقَ قَبْلَهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَوْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ لَمْ يَرِثُوا وَلَاءَ مُكَاتَبِ أَبِيهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَبِيهِمْ الْوَلَاءُ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَتْرُكُ أَحَدُهُمَا لِلْمُكَاتَبِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَيَشِحُّ الْآخَرُ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَيَتْرُكُ مَالًا ، قَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا مَا بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْمَالَ كَهَيْئَتِهِ لَوْ مَاتَ عَبْدًا ؛ لِأَنَّ الَّذِي صَنَعَ لَيْسَ بِعَتَاقَةٍ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ مُكَاتَبًا وَتَرَكَ بَنِينَ رِجَالًا وَنِسَاءً ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُ الْبَنِينَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ لَهُ مِنْ الْوَلَاءِ شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَتْ عَتَاقَةً لَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إِذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُكَاتَبِ ، وَلَوْ كَانَتْ عَتَاقَةً قُوِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ فِي مَالِهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مُكَاتَبٍ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَلَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ دُونَ شُرَكَائِهِ ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ عَقَدَ الْكِتَابَةَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ وَرِثَ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ ، مِنْ النِّسَاءِ مِنْ وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ أَعْتَقْنَ نَصِيبَهُنَّ شَيْءٌ إِنَّمَا وَلَاؤُهُ لِوَلَدِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الذُّكُورِ أَوْ عَصَبَتِهِ مِنْ الرِّجَالِ . 10 - بَابُ وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ إِذَا أَعْتَقَ ( قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ ) لِأَنَّهُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فَلِسَيِّدِهِ رَدُّهُ ( إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ) فَيَجُوزُ ( فَإِنْ ) أَعْتَقَ بِلَا إِذْنِهِ وَ ( أَجَازَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ لَهُ ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ ) لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ فِي وَقْتٍ أَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ وَتَمَّ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ كَانَ وَلَاءُ الْمُعْتَقِ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ( لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ ) لِمَوْتِهِ وَهُوَ عَبْدٌ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُعْتَقُ ) بِالْفَتْحِ ( قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ وَرِثَهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ ) لَا هُوَ لِرِقِّهِ ( وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا فَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ الْآخِرُ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ( قَبْلَ سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ ، فَإِنَّ وَلَاءَهُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ ) لَا لَهُ لِرِقِّهِ ( مَا ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ ( لَمْ يَعْتِقِ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ الَّذِي كَاتَبَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَاءُ مُكَاتَبِهِ الَّذِي كَانَ عَتَقَ قَبْلَهُ ) لِأَنَّهُ الَّذِي عَقَدَهُ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِلرِّقِّ فَلَمَّا زَالَ عَادَ لَهُ . ( وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَوْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَتِهِ وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ ) صِفَةُ وَلَدٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا ( لَمْ يَرِثُوا وَلَاءَ مُكَاتَبِ أَبِيهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَبِيهِمُ الْوَلَاءُ ) لِرِقِّهِ ( وَلَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِرَقِيقٍ . ( وَفِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَتْرُكُ أَحَدُهُمَا لِلْمُكَاتَبِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَيَشِحُّ الْآخَرُ ) بِمَعْنَى يَمْتَنِعُ مِنَ التَّرْكِ لَا حَقِيقَةَ الشُّحِّ ( ثُمَّ يَمُوتُ الْمُكَاتَبُ وَيَتْرُكُ مَالًا ، قَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا مَا بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ( ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْمَالَ كَهَيْئَتِهِ ) أَيْ صِفَتِهِ ( لَوْ مَاتَ عَبْدًا لَأَنَّ الَّذِي فَعَلَ ) التَّارِكُ ( لَيْسَ بِعَتَاقَةٍ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ) وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ ) يُوَضِّحُهُ ( أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ مُكَاتَبًا وَتَرَكَ بَنِينَ رِجَالًا وَ ) تَرَكَ ( نِسَاءً ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُ الْبَنِينَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُكَاتَبِ إِنَّ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ لَهُ مِنَ الْوَلَاءِ شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَتْ عَتَاقَةً لَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَرْكٌ فَقَطْ . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ إِذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مَا بَقِيَ ) نَائِبُ فَاعِلِ يُقَوَّمْ ( مِنَ الْمُكَاتَبِ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَرْكٌ . ( وَلَوْ كَانَ عَتَاقَةً قُوِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ فِي مَالِهِ ) إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ( كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا ) نَصِيبًا ( لَهُ فِي عَبْدٍ ) أَيْ رَقِيقٍ ( قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ) بِلَا زَيْدٍ وَلَا نَقْصٍ ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ) وَبَقِيَ بَاقِيهِ رَقِيقًا . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ ) طَرِيقَتِهِمْ ( الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مُكَاتَبٍ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ دُونَ شُرَكَائِهِ ) عَمَلًا بِالْحَدِيثِ . ( وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ ) طَرِيقَتِهِمْ ( أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ عَقَدَ الْكِتَابَةَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ وَرِثَ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ وَلَاءِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ أَعْتَقْنَ نِصِيبَهُنَّ شَيْءٌ ) وَلَوْ كَانَ عِتْقًا حَقِيقَةً لَكَانَ لَهُنَّ وَلَاءُ نَصِيبِهِنَّ إِذَا أَعْتَقْنَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقَةِ ( إِنَّمَا وَلَاؤُهُ لِوَلَدِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الذُّكُورِ ) إِنْ كَانُوا ( أَوْ عَصَبَتِهِ مِنَ الرِّجَالِ ) إِنْ لَمْ يَكُونُوا ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَرِثُهُ أُنْثًى .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 40 - كِتَاب الْمُدَبَّرِ 1 - باب الْقَضَاءِ فِي الْمُدَبَّرِ حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ قَالَ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ دَبَّرَ جَارِيَةً لَهُ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ قَبْلَ الَّذِي دَبَّرَهَا إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ مِنْ الشَّرْطِ مِثْلُ الَّذِي ثَبَتَ لَهَا وَلَا يَضُرُّهُمْ هَلَاكُ أُمِّهِمْ ، فَإِذَا مَاتَ الَّذِي كَانَ دَبَّرَهَا ، فَقَدْ عَتَقُوا إِنْ وَسِعَهُمْ الثُّلُثُ . وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُعْتَقَةً إِلَى سِنِينَ أَوْ مُخْدَمَةً أَوْ بَعْضَهَا حُرًّا أَوْ مَرْهُونَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ ، فَوَلَدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى مِثَالِ حَالِ أُمِّهِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا ، وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي مُدَبَّرَةٍ دُبِّرَتْ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهَا بِحَمْلِهَا : إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعْتَقَ جَارِيَةً لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَمْلِهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنَّ وَلَدَهَا يَتْبَعُهَا وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ ، فَالْوَلِيدَةُ وَمَا فِي بَطْنِهَا لِمَنْ ابْتَاعَهَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَا يَدْرِي أَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَمْ لَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرٍ ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ ، قَالَ : وَلَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَارِيَتِهِ بِمَنْزِلَتِهِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهِ وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهِ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِذَا أُعْتِقَ هُوَ فَإِنَّمَا أُمُّ وَلَدِهِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا أُعْتِقَ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 40 - كِتَابُ الْمُدَبَّرِ أَيِ الَّذِي عَلَّقَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ عَلَى مَوْتِهِ ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمَوْتَ دُبُرُ الْحَيَاةِ ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ مَا وَرَاءَهُ ، بِسُكُونِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا ، وَالْجَارِحَةُ بِالضَّمِّ فَقَطْ ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّ السَّيِّدَ دَبَّرَ أَمْرَ دُنْيَاهُ بِاسْتِخْدَامِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ وَأَمْرَ آخِرَتِهِ بِإِعْتَاقِهِ . 1 - بَابُ الْقَضَاءِ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ دَبَّرَ جَارِيَةً لَهُ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إِيَّاهَا ثُمَّ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ قَبْلَ الَّذِي دَبَّرَهَا ) وَخَبَرُ الْأَمْرِ قَوْلُهُ : ( إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ مِنَ الشَّرْطِ مِثْلُ الَّذِي ثَبَتَ لَهَا ) مِنَ التَّدْبِيرِ ( وَلَا يَضُرُّهُمْ هَلَاكُ أُمِّهِمْ ) مَوْتُهَا قَبْلَ سَيِّدِهَا . ( فَإِذَا مَاتَ الَّذِي كَانَ دَبَّرَهَا فَقَدْ عَتَقُوا إِنْ حَمَلَهُمْ ) وَفِي نُسْخَةٍ : إِنْ وَسِعَهُمْ ( الثُّلُثُ ) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ فِي الثُّلُثِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُعْتَقَةً إِلَى سِنِينَ ) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّهَا ( أَوْ مُخْدَمَةً ) لِإِنْسَانٍ ثُمَّ تُعْتَقُ بَعْدَهُ ( أَوْ بَعْضُهَا حُرًّا ) وَبَعْضُهَا رَقِيقًا ( أَوْ مَرْهُونَةً أَوْ أُمَّ وُلَدٍ ، فَوَلَدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى مِثَالِ حَالِ أُمِّهِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا ) إِذَا عَتَقَتْ ( وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا ) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِهَا رَقِيقَةً ( وَفِي مُدَبَّرَةٍ دُبِّرَتْ وَهِيَ حَامِلَةٌ أَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعْتَقَ جَارِيَةً لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَمْلِهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنَّ وَلَدَهَا يَتْبَعُهَا وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ فَالْوَلِيدَةُ ) أَيِ الْأَمَةُ ( وَمَا فِي بَطْنِهَا لِمَنِ ابْتَاعَهَا ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ) لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ تَنَاوَلَ ذَلِكَ شَرْعًا ( وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَا يَدْرِي أَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ ) وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْأَجِنَّةِ . ( وَفِي مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرٍ ابْتَاعَ أَحَدَهُمَا جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَوُلَدَتْ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَارِيَتِهِ بِمَنْزِلَتِهِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهِ وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهِ ، فَإِذَا أُعْتِقَ هُوَ ) بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ ( فَإِنَّمَا أُمُّ وَلَدِهِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا عَتَقَ ) فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْحَمْلِ الْوَاقِعِ زَمَنَ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّحْرِيرِ .
7 - باب مَا جَاءَ فِي جِرَاحِ أُمِّ الْوَلَدِ قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَجْرَحُ : إِنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ ضَامِنٌ عَلَى سَيِّدِهَا فِي مَالِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلُ ذَلِكَ الْجَرْحِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ ، فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُخْرِجَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْعَبْدِ أَوْ الْوَلِيدَةِ إِذَا أَسْلَمَ غُلَامَهُ أَوْ وَلِيدَتَهُ بِجُرْحٍ أَصَابَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَثُرَ الْعَقْلُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِمَا مَضَى فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ قِيمَتَهَا فَكَأَنَّهُ أَسْلَمَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . 7 - بَابُ جِرَاحِ أُمِّ الْوَلَدِ ( قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَجْرَحُ ) شَخْصًا : ( إِنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ ضَامِنٌ ) أَيْ مَضْمُونٌ ( عَلَى سَيِّدِهَا فِي مَالِهِ ) كَقَوْلِهِمْ : سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ ، وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ أَيْ مَرَضِيَّةٌ . ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلُ ذَلِكَ الْجُرْحِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ ، فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُخْرِجَ ) أَيْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ ( أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ ) أَيْ سَيِّدَ ( الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ إِذَا أَسْلَمَ غُلَامَهُ أَوْ وَلِيدَتَهُ ) أَمَتَهُ ( بِجُرْحٍ ) أَيْ فِي جُرْحٍ ( أَصَابَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَثُرَ ) زَادَ ( الْعَقْلُ ) عَلَى قِيمَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا ( فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ ) لَمْ يَقْدِرْ ( سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا ( فَإِنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ قِيمَتَهَا فَكَأَنَّهُ أَسْلَمَهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ إِذْ هُوَ لَيْسَ بِجَانٍ ( وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ) بَلْ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشُ مَا جَنَتْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
2 - باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي التَّدْبِيرِ قَالَ مَالِكٌ فِي مُدَبَّرٍ قَالَ لِسَيِّدِهِ : عَجِّلْ لِي الْعِتْقَ وَأُعْطِيكَ خَمْسِينَ مِنْهَا مُنَجَّمَةً عَلَيَّ فَقَالَ سَيِّدُهُ : نَعَمْ أَنْتَ حُرٌّ ، وَعَلَيْكَ خَمْسُونَ دِينَارًا تُؤَدِّي إِلَيَّ كُلَّ عَامٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْعَبْدُ ، ثُمَّ هَلَكَ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : يَثْبُتُ لَهُ الْعِتْقُ وَصَارَتْ الْخَمْسُونَ دِينَارًا دَيْنًا عَلَيْهِ وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَمِيرَاثُهُ وَحُدُودُهُ ، وَلَا يَضَعُ عَنْهُ مَوْتُ سَيِّدِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ مَا يَخْرُجُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ ، قَالَ : يُوقَفُ الْمُدَبَّرُ بِمَالِهِ وَيُجْمَعُ خَرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ الْمَالِ الْغَائِبِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ مِمَّا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ عَتَقَ بِمَالِهِ وَبِمَا جُمِعَ مِنْ خَرَاجِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ مَا يَحْمِلُهُ ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ وَتُرِكَ مَالُهُ فِي يَدَيْهِ . 2 - بَابٌ جَامِعٌ مَا جَاءَ فِي التَّدْبِيرِ - ( مَالِكٌ : فِي مُدَبَّرٍ قَالَ لِسَيِّدِهِ : عَجِّلْ لِي الْعِتْقَ وَأُعْطِيكَ خَمْسِينَ دِينَارًا مُنَجَّمَةً عَلَيَّ ، فَقَالَ سَيِّدُهُ : نَعَمْ ، أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ خَمْسُونَ دِينَارًا تُؤَدِّي إِلَيَّ فِي كُلِّ عَامٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْعَبْدُ ، ثُمَّ هَلَكَ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : يَثْبُتُ لَهُ الْعِتْقُ ) لِأَنَّهُ نَجَّزَ عِتْقَهُ ( وَصَارَتِ الْخَمْسُونَ دِينَارًا دَيْنًا عَلَيْهِ ) عَلَى تَنْجِيمِهَا ( وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ وَمِيرَاثُهُ وَحُدُودُهُ ) لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا ( وَلَا يَضَعُ ) لَا يُسْقِطُ ( عَنْهُ مَوْتُ سَيِّدِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ ) لِأَنَّ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ وَقَعَ فَلَزِمَهُ . ( وَفِي رَجُلٍ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَمَالٌ غَائِبٌ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ مَا يَخْرُجُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ ) حُرًّا مِنْ ثُلُثِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : يُوقَفُ الْمُدَبَّرُ بِمَالِهِ وَيُجْمَعُ خَرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنَ الْمَالِ الْغَائِبِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ مِمَّا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ ) مِنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ ( عَتَقَ بِمَالِهِ وَبِمَا جُمِعَ مِنْ خَرَاجِهِ ) أَيْ يَكُونَانِ لَهُ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَرَكَ سَيِّدُهُ مَا يَحْمِلُهُ عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ ) مَحْمِلُ ( الثُّلُثِ ، وَتُرِكَ مَالُهُ فِي يَدَيْهِ ) يَتَصَرَّفُ فِيهِ .
5 - باب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يُحَوِّلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ ، وَأَنَّهُ إِنْ رَهِقَ سَيِّدَهُ دَيْنٌ ، فَإِنَّ غُرَمَاءَهُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَيْعِهِ مَا عَاشَ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ مَا عَاشَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْدُمَهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ يُعْتِقَهُ عَلَى وَرَثَتِهِ إِذَا مَاتَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَكَانَ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِالْمُدَبَّرِ بِيعَ فِي دَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْتِقُ فِي الثُّلُثِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يُحِيطُ إِلَّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ بِيعَ نِصْفُهُ لِلدَّيْنِ ، ثُمَّ عَتَقَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُدَبَّرُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ ، أَوْ يُعْطِيَ أَحَدٌ سَيِّدَ الْمُدَبَّرِ مَالًا وَيُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ الَّذِي دَبَّرَهُ ، فَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا . قَالَ مَالِكٌ : وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إِذْ لَا يُدْرَى كَمْ يَعِيشُ سَيِّدُهُ ، فَذَلِكَ غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُدَبِّرُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ : إِنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِهِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ الَّذِي دَبَّرَهُ كَانَ مُدَبَّرًا كُلَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ انْتَقَضَ تَدْبِيرُهُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ أَنْ يُعْطِيَهُ شَرِيكَهُ الَّذِي دَبَّرَهُ بِقِيمَتِهِ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِقِيمَتِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَكَانَ مُدَبَّرًا كُلَّهُ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ ، قَالَ مَالِكٌ : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَيُخَارَجُ عَلَى سَيِّدِهِ النَّصْرَانِيِّ وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ فَإِنْ هَلَكَ النَّصْرَانِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قُضِيَ دَيْنُهُ مِنْ ثَمَنِ الْمُدَبَّرِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ مَا يَحْمِلُ الدَّيْنَ فَيَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ . 5 - بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يُحَوِّلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ ) بِنَحْوِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفُ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنَ الثُّلُثِ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَضَعَّفَهُ هُوَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَالُوا : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ . وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاعَهُ ، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ . أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا بَاعَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ . فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ لِلْحَدِيثِ زِيَادَةٌ وَهِيَ : كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَفِيهِ فَأَعْطَاهَا ، فَقَالَ : اقْضِ دَيْنَكَ . وَلَا يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، فَقَالَ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهَا قَضَاءُ دَيْنِهِ . وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَتُحْمَلُ عَلَى بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَوَرَدَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، أَيْ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ لِذَلِكَ . ( وَإِنَّهُ إِنْ رَهِقَ ) بِكَسْرِ الْهَاءِ ، أَيْ غَشَّى ( سَيِّدَهُ دَيْنٌ ) بَعْدَ التَّدْبِيرِ ( فَإِنَّ غُرَمَاءَهُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَيْعِهِ مَا عَاشَ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ فِي ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ مَا عَاشَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْدُمَهُ حَيَاتَهُ ثُمَّ يُعْتِقَهُ عَلَى وَرَثَتِهِ إِذَا مَاتَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ) لِأَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ . ( وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ ) لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي الثُّلُثِ . ( فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالْمُدَبَّرِ ، بِيعَ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْتِقُ فِي الثُّلُثِ ) وَالْمُحِيطُ لَا ثُلُثَ لَهُ ( فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يُحِيطُ إِلَّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ ، بِيعَ نَصِفُهُ لِلدَّيْنِ ثُمَّ عَتَقَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ ) وَهُوَ سُدُسُهُ وَيَرِقُّ الثُّلُثُ لِلْوَرَثَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ) أَيْ يَحْرُمُ ( بَيْعُ الْمُدَبَّرِ ) لِأَنَّ فِيهِ إِرْقَاقَهُ بَعْدَ جَرَيَانِ شَائِبَةِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ ، وَالشَّرْعُ مُتَشَوِّفٌ لِلْحُرِّيَّةِ . ( وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ) ذَكَرَهُ ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ لَفْظِ بَيْعٍ لِقَوْلِهِ : ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُدَبَّرُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ ) لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عَتَقَ نَاجِزًا وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ التَّدْبِيرِ ( أَوْ يُعْطِيَ أَحَدٌ سَيِّدَ الْمُدَبَّرِ مَالَا وَيُعْتِقَهُ سَيِّدُهُ الَّذِي دَبَّرَهُ ، فَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا ) لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ ( وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ ) لِأَنَّهُ الَّذِي عَقَدَ ذَلِكَ لَا لِمَنْ أَعْطَى الْمَالَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّنْجِيزِ ، وَلِذَا كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ . ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إِذْ لَا يَدْرى كَمْ يَعِيشُ سَيِّدُهُ فَذَلِكَ غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ ) مِنَ الصَّلَاحِ ضِدَّ الْفَسَادِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِفَسَادِهِ بِالْغَرَرِ ، وَلِذَا تُعُقِّبَ مَنْ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ بَيْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَبَّرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ رَقَبَتَهُ ، وَإِنَّمَا بَاعَ خِدْمَتَهُ لِأَنَّ الْمَانِعِينَ مِنْ بَيْعِ رَقَبَتِهِ لَا يُجِيزُونَ بَيْعَ خِدْمَتِهِ أَيْضًا ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ : إِنَّمَا بَاعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ . مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا وَلَا يَصِحُّ بِهِ . ( مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُدَبِّرُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ : إنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِهِ فَإِنِ اشْتَرَاهُ الَّذِي دَبَّرَهُ كَانَ مُدَبَّرًا كُلَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ ) بَلِ اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ ( انْتَقَضَ تَدْبِيرُهُ ) مُرَاعَاةً لِحَقِّ الشَّرِيكِ ، وَهَذَا أَمْرٌ جَرَّ إِلَيْهِ حُكْمَ التَّقْوِيمِ ، فَلَيْسَ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ كَمَا زَعَمَ ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ أَنْ يُعْطِيَهُ شَرِيكَهُ الَّذِي دَبَّرَهُ بِقِيمَتِهِ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِقِيمَتِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَكَانَ مُدَبَّرًا كُلَّهُ ) فَإِنْ مَاتَ مُدَبَّرُ نَصْفِهِ عَتَقَ نِصْفُهُ وَلَمْ يُقَوَّمِ النِّصْفُ لِأَنَّهُ صَارَ لِلْوَرَثَةِ ( وَفِي رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ ، قَالَ مَالِكٌ : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ ) لِئَلَّا يَسْتَخْدِمَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ . ( وَيُخَارَجُ عَلَى سيده النصراني ) أَيْ يُجْعَلُ لَهُ عَلَيْهِ خَرَاجٌ ( وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ جَرَى فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ، فَإِنْ هَلَكَ النَّصْرَانِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قُضِيَ دَيْنُهُ مِنْ ثَمَنِ الْمُدَبَّرِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ مَا يَحْمِلُ الدَّيْنَ ) يَسَعُهُ ( فَيَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ ) مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي .
3 - باب الْوَصِيَّةِ فِي التَّدْبِيرِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عَتَاقَةٍ أَعْتَقَهَا رَجُلٌ فِي وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ ، أَنَّهُ يَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ ، وَيُغَيِّرُهَا مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ تَدْبِيرًا ، فَإِذَا دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى رَدِّ مَا دَبَّرَ . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ أَمَةٌ أَوْصَى بِعِتْقِهَا وَلَمْ تُدَبَّرْ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا لَا يَعْتِقُونَ مَعَهَا إِذَا عَتَقَتْ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ سَيِّدَهَا يُغَيِّرُ وَصِيَّتَهُ إِنْ شَاءَ وَيَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا عَتَاقَةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِجَارِيَتِهِ : إِنْ بَقِيَتْ عِنْدِي فُلَانَةُ حَتَّى أَمُوتَ فَهِيَ حُرَّةٌ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ أَدْرَكَتْ ذَلِكَ كَانَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ بَاعَهَا وَوَلَدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ وَلَدَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا جَعَلَ لَهَا قَالَ : وَالْوَصِيَّةُ فِي الْعَتَاقَةِ مُخَالِفَةٌ لِلتَّدْبِيرِ فَرَقَ بَيْنَ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ التَّدْبِيرِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ رَقِيقًا لَهُ جَمِيعًا فِي صِحَّتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ : إِنْ كَانَ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ ، وَإِنْ كَانَ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا فِي مَرَضِهِ فَقَالَ : فُلَانٌ حُرٌّ وَفُلَانٌ حُرٌّ وَفُلَانٌ حُرٌّ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ إِنْ حَدَثَ بِي فِي مَرَضِي هَذَا حَدَثُ مَوْتٍ أَوْ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحَاصَّوْا فِي الثُّلُثِ ، وَلَمْ يُبَدَّأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ ، وَإِنَّمَا لَهُمْ الثُّلُثُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ ثُمَّ يَعْتِقُ مِنْهُمْ الثُّلُثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، قَالَ : وَلَا يُبَدَّأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَرَضِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ فَهَلَكَ السَّيِّدُ وَلَا مَالَ لَهُ إِلَّا الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ وَلِلْعَبْدِ مَالٌ ، قَالَ : يُعْتَقُ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ ، وَيُوقَفُ مَالُهُ بِيَدَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي مُدَبَّرٍ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثُهُ ، وَيُوضَعُ عَنْهُ ثُلُثُ كِتَابَتِهِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ ثُلُثَاهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَتَّ عِتْقَ نِصْفِهِ أَوْ بَتَّ عِتْقَهُ كُلَّهُ ، وَقَدْ كَانَ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ : يُبَدَّأُ بِالْمُدَبَّرِ قَبْلَ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرُدَّ مَا دَبَّرَ وَلَا أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِأَمْرٍ يَرُدُّهُ بِهِ ، فَإِذَا عَتَقَ الْمُدَبَّرُ فَلْيَكُنْ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ شَطْرَهُ حَتَّى يَسْتَتِمَّ عِتْقُهُ كُلُّهُ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَضْلَ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَلَغَ فَضْلَ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ الْأَوَّلِ . 3 - بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي التَّدْبِيرِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عَتَاقَةٍ أَعْتَقَهَا رَجُلٌ فِي وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَنَّهُ يَرُدُّهَا ) أَيْ لَهُ ذَلِكَ ( مَتَى شَاءَ وَيُغَيِّرُهَا مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ تَدْبِيرًا ، فَإِذَا دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ ) لَهُ ( إِلَى رَدِّ مَا دَبَّرَ ) لِحَدِيثِ : الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . ( وَكُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ أَمَةٌ أوصى بِعِتْقِهَا وَلَمْ تُدَبَّرْ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا لَا يَعْتِقُونَ مَعَهَا إِذْ عَتَقَتْ ، وَذَلِكَ أَنَّ سَيِّدَهَا يُغَيِّرُ وَصِيَّتَهُ إِنْ شَاءَ وَيَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا عَتَاقَةٌ ) حَتَّى يَكُونَ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا ( وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِجَارِيَتِهِ : إِنْ بَقِيَتْ عِنْدِي فُلَانَةُ حَتَّى أَمُوتَ فَهِيَ حُرَّةٌ ، فَإِنْ أَدْرَكَتْ ذَلِكَ ) أَيْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ ( كَانَ لَهَا ذَلِكَ ) التَّحْرِيرُ ( وَإِنْ شَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ بَاعَهَا وَوَلَدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ وَلَدَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا جُعِلَ لَهَا ، وَالْوَصِيَّةُ فِي الْعَتَاقَةِ ) أَيْ بِهَا ( مُخَالِفَةٌ لِلتَّدْبِيرِ ، فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ ) فَيُتْبَعُ ( وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ التَّدْبِيرِ كَانَ كُلُّ مُوصٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ ) وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ( وَكَانَ قَدْ حَبَسَ ) مَنَعَ ( عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ) وَذَلِكَ حَرَجٌ شَدِيدٌ . ( مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ رَقِيقًا لَهُ جَمِيعًا فِي صِحَّتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، إِنْ كَانَ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ ) فَالْأَوَّلُ التَّالِي لَهُ سُمِّيَ أَوَّلًا بِالنَّظَرِ لِمَا بَعْدَهُ ( حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ ، وَإِنْ كَانَ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا فِي مَرَضِهِ ، فَقَالَ : فُلَانٌ حُرٌّ وَفُلَانٌ حُرٌّ وَفُلَانٌ حُرٌّ ) لِثَلَاثَةِ أَرِقَّاءَ ( فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ ) مَنْسُوقٍ بِلَا فَاصِلٍ ( إِنْ حَدَثَ بِي فِي مَرَضِي هَذَا حَدَثُ مَوْتٍ ، أَوْ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحَاصَّوْا فِي الثُّلُثِ ، وَلَمْ يُبْدَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ وَإِنَّمَا لَهُمُ الثُّلُثُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ ثُمَّ يَعْتِقُ مِنْهُمُ الثُّلُثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَلَا يُبْدَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ كُلُّهُ فِي مَرَضِهِ ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ . ( وَفِي رَجُلٍ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ فَهَلَكَ السَّيِّدُ ، وَلَا مَالَ لَهُ إِلَّا الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ وَلِلْعَبْدِ مَالٌ ، قَالَ مَالِكٌ : يُعْتَقُ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ وَيُوقَفُ مَالُهُ بِيَدَيْهِ ) وَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَزْعِهِ مِنْهُ وَتَرْكِهِ فَقِيرًا . ( وَفِي مُدَبَّرٍ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثُهُ وَيُوضَعُ عَنْهُ ثُلُثُ كِتَابَتِهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ ثُلُثَاهَا . وَفِي رَجُلٍ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَبَتَّ عِتْقَ نِصْفِهِ أَوْ بَتَّ عِتْقَهُ كُلَّهُ وَقَدْ كَانَ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ آخَرَ قَبْلَ ذَلِكَ ) فِي صِحَّتِهِ ( قَالَ مَالِكٌ : يُبْدَأُ بِالْمُدَبَّرِ ) فِي صِحَّتِهِ ( قَبْلَ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرُدَّ مَا دَبَّرَ وَلَا أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِأَمْرٍ يَرُدُّهُ بِهِ ) وَإِنَّمَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ لِلْعِتْقِ أَوِ الْكِتَابَةِ . ( فَإِذَا عَتَقَ الْمُدَبَّرُ فَلْيَكُنْ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ شَطْرَهُ حَتَّى يَسْتَتِمَّ عِتْقُهُ كُلِّهِ ) بِالْجَرِّ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ ( فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَضْلَ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَلَغَ فَضْلَ الثُّلُثِ ) زِيَادَتَهُ ( بَعْدَ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ الْأَوَّلِ ) .
6 - باب جِرَاحِ الْمُدَبَّرِ 1490 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ إِلَى الْمَجْرُوحِ فَيَخْتَدِمُهُ الْمَجْرُوحُ ، وَيُقَاصُّهُ بِجِرَاحِهِ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ ، فَإِنْ أَدَّى قَبْلَ أَنْ يَهْلِكَ سَيِّدُهُ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ثُمَّ يُقْسَمُ عَقْلُ الْجَرْحِ أَثْلَاثًا ، فَيَكُونُ ثُلُثُ الْعَقْلِ عَلَى الثُّلُثِ الَّذِي عَتَقَ مِنْهُ ، وَيَكُونُ ثُلُثَاهُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ اللَّذَيْنِ بِأَيْدِي الْوَرَثَةِ ، إِنْ شَاءُوا أَسْلَمُوا الَّذِي لَهُمْ مِنْهُ إِلَى صَاحِبِ الْجَرْحِ ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْهُ ثُلُثَيْ الْعَقْلِ وَأَمْسَكُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ الْعَبْدِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجَرْحِ إِنَّمَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ مِنْ الْعَبْدِ وَلَمْ تَكُنْ دَيْنًا عَلَى السَّيِّدِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَبْدُ بِالَّذِي يُبْطِلُ مَا صَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ عِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ مَعَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ بِيعَ مِنْ الْمُدَبَّرِ بِقَدْرِ عَقْلِ الْجَرْحِ وَقَدْرِ الدَّيْنِ ، ثُمَّ يُبَدَّأُ بِالْعَقْلِ الَّذِي كَانَ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ فَيُقْضَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ هِيَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا هَلَكَ وَتَرَكَ عَبْدًا مُدَبَّرًا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ دِينَارٍ ، وَكَانَ الْعَبْدُ قَدْ شَجَّ رَجُلًا حُرًّا مُوضِحَةً عَقْلُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا ، وَكَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُونَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْخَمْسِينَ دِينَارًا الَّتِي فِي عَقْلِ الشَّجَّةِ فَتُقْضَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ ، فَالْعَقْلُ أَوْجَبُ فِي رَقَبَتِهِ مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ ، وَدَيْنُ سَيِّدِهِ أَوْجَبُ مِنْ التَّدْبِيرِ الَّذِي إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ التَّدْبِيرِ وَعَلَى سَيِّدِ الْمُدَبَّرِ دَيْنٌ لَمْ يُقْضَ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ مَا يَعْتِقُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ عَتَقَ ، وَكَانَ عَقْلُ جِنَايَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَقْلُ الدِّيَةَ كَامِلَةً ؛ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ رَجُلًا فَأَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ إِلَى الْمَجْرُوحِ ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ فَقَالَ الْوَرَثَةُ : نَحْنُ نُسَلِّمُهُ إِلَى صَاحِبِ الْجُرْحِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ : أَنَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ : إِنَّهُ إِذَا زَادَ الْغَرِيمُ شَيْئًا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَيُحَطُّ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْرُ مَا زَادَ الْغَرِيمُ عَلَى دِيَةِ الْجَرْحِ ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا لَمْ يَأْخُذْ الْعَبْدَ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ وَلَهُ مَالٌ فَأَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْتَدِيَهُ : فَإِنَّ الْمَجْرُوحَ يَأْخُذُ مَالَ الْمُدَبَّرِ فِي دِيَةِ جُرْحِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَجْرُوحُ دِيَةَ جُرْحِهِ ، وَرَدَّ الْمُدَبَّرَ إِلَى سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ اقْتَضَاهُ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُدَبَّرَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ . 6 - بَابُ جِرَاحِ الْمُدَبَّرِ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، جَمْعُ جِرَاحَةٍ بِالْكَسْرِ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِرَاحَاتٍ . 1490 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) الْخَلِيفَةَ الْعَادِلَ ( قَضَى فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ ) إِنْسَانًا ( أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ ) وَهُوَ خِدْمَتُهُ ( إِلَى الْمَجْرُوحِ فَيَخْتَدِمَهُ الْمَجْرُوحُ وَيُقَاصَّهُ بِجِرَاحِهِ مِنْ دِيَةِ جَرْحِهِ ، فَإِذَا أَدَّى قَبْلَ أَنْ يَهْلَكَ سَيِّدُهُ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ ) مُدَبَّرًا عَلَى حَالِهِ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ ) شَخْصًا ( ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، أَنَّهُ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ثُمَّ يُقْسَمُ عَقْلُ الْجِرَاحِ أَثْلَاثًا ، فَيَكُونُ ثُلُثُ الْعَقْلِ الثُّلُثَ الَّذِي عَتَقَ مِنْهُ ، وَيَكُونُ ثُلُثَاهُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ لِلَّذِينِ بِأَيْدِي الْوَرَثَةِ ، إِنْ شَاءُوا أَسْلَمُوا الَّذِي لَهُمْ مِنْهُ ) مِنَ الْعَبْدِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ ( إِلَى صَاحِبِ الْجَرْحِ ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْا ثُلُثَيِ الْعَقْلِ وَأَمْسَكُوا نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَبْدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ إِنَّمَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ مِنَ الْعَبْدِ وَلَمْ تَكُنْ دَيْنًا عَلَى السَّيِّدِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَبْدُ بِالَّذِي يُبْطِلُ مَا صَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ عِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ( فَإِنْ كَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ مَعَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ بِيعَ مِنَ الْمُدَبَّرِ بِقَدْرِ عَقْلِ الْجُرْحِ وَقَدْرِ الدَّيْنِ ، ثُمَّ يُبْدَأُ بِالْعَقْلِ الَّذِي كَانَ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ فَيُقْضَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ هِيَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ ) لِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ( وَذَلِكَ ) أَيْ إِيضَاحُهُ بِالْمِثَالِ ( أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا هَلَكَ وَتَرَكَ عَبْدًا مُدَبَّرًا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ دِينَارٍ ، وَكَانَ الْعَبْدُ قَدْ شَجَّ رَجُلًا حُرًّا مُوضِحَةً ) أَوْضَحَتِ الْعَظْمَ ( عَقْلُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا وَكَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مِنَ الدَّيْنِ خَمْسُونَ دِينَارًا ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَمْسِينَ دِينَارًا الَّتِي فِي عَقْلِ الشَّجَّةِ ، فَتُقْضَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ فَالْعَقْلُ أَوْجَبُ ) أَثْبَتُ وَأَحَقُّ ( فِي رَقَبَتِهِ مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ ، وَدَيْنُ سَيِّدِهِ أَوْجَبُ ) أَحَقُّ ( مِنَ التَّدْبِيرِ الَّذِي إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ فَلَا يَنْبَغِي ) لَا يَصِحُّ ( أَنْ يَجُوزَ شَيْءٌ مِنَ التَّدْبِيرِ وَعَلَى سَيِّدِ الْمُدَبَّرِ دَيْنٌ لَمْ يُقْضَ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( وَإِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ ، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ إِجْمَاعًا . ( فَإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ مَا يَعْتِقُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ عَتَقَ وَكَانَ عَقْلُ جِنَايَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَقْلُ الدِّيَةَ كَامِلَةً ) مُبَالَغَةً ( وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ ) وَإِلَّا فَعَلَى مَا مَرَّ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَبَّرِ : إِذَا جَرَحَ رَجُلًا فَأَسْلَمَهُ ) أَيْ أَسْلَمَ خِدْمَتَهُ ( سَيِّدُهُ إِلَى الْمَجْرُوحِ ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهُ ، فَقَالَ الْوَرَثَةُ : نَحْنُ نُسَلِّمُهُ إِلَى صَاحِبِ الْجُرْحِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ ( وَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ : أَنَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، أنه إِذَا زَادَ الْغَرِيمُ شَيْئًا فَهُوَ أَوْلَى ) أَحَقُّ ( بِهِ ) وَلَا يُسَلَّمُ لِلْمَجْرُوحِ ( وَيُحَطُّ عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْرُ مَا زَادَ الْغَرِيمُ عَلَى دِيَةِ الْجَرْحِ ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا لَمْ يَأْخُذِ الْعَبْدَ ) بَلْ يُسَلَّمُ إِلَى الْمَجْرُوحِ إِنْ شَاءَ الْوَارِثُ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ ) شَخْصًا ( وَلَهُ مَالٌ فَأَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْتَدِيَهُ ، فَإِنَّ الْمَجْرُوحَ يَأْخُذُ مَالَ الْمُدَبَّرِ فِي دِيَةِ جُرْحِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَجْرُوحُ دِيَةَ جُرْحِهِ وَرُدَّ الْمُدَبَّرُ إِلَى سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ اقْتَضَاهُ ) أَخَذَهُ ( مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ وَاسْتَعْمَلَ الْمُدَبَّرَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِيَةِ جُرْحِهِ ) حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا .
1489 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا . 1547 1489 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا ) لِأَنَّهَا إِنْ حَمَلَتْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ عِتْقِ الْمُدَبَّرَةِ مِنَ الثُّلُثِ ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا ) لِأَنَّهُ انْعَقَدَ فِيهَا عَقْدُ حَرِّيَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا ( وَوَلَدُهَا بِمُنْزِلَتِهَا ) لِلْقَاعِدَةِ .
4 - باب مَسِّ الرَّجُلِ وَلِيدَتَهُ إِذَا دَبَّرَهَا 1488 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرَتَانِ . 4 - بَابُ مَسِّ الرَّجُلِ وَلِيدَتَهُ إِذَا دَبَّرَهَا 1546 1488 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرَتَانِ ) .
4 - باب مَا جَاءَ فِي الْمُغْتَصَبَةِ قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُوجَدُ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا فَتَقُولُ : قَدْ اسْتُكْرِهْتُ أَوْ تَقُولُ : تَزَوَّجْتُ ، إِنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَإِنَّهَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ مِنْ النِّكَاحِ بَيِّنَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا اسْتُكْرِهَتْ أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى إِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ اسْتَغَاثَتْ حَتَّى أُتِيَتْ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي تَبْلُغُ فِيهِ فَضِيحَةَ نَفْسِهَا ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُغْتَصَبَةُ لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ قَالَ : فَإِنْ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا فَلَا تَنْكِحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ . 4 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُغْتَصَبَةِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُوجَدُ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا ، فَتَقُولُ : قَدِ اسْتُكْرِهْتُ ) أَيْ أُكْرِهْتُ عَلَى الزِّنَى ( أَوْ تَقُولُ : تَزَوَّجْتُ ) وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ( أَنَّ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورَ مِنْ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ وَالتَّزَوُّجِ ( لَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَإِنَّهَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ مِنَ النِّكَاحِ بَيِّنَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا اسْتُكْرِهَتْ ) بَيِّنَةٌ ( أَوْ ) قرينة كَمَا إِذَا ( جَاءَتْ تَدْمَى ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا الدَّمُ ( إِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوِ اسْتَغَاثَتْ حَتَّى أُتِيَتْ ) أَيْ أَتَاهَا مَنْ يُغِيثُهَا ( وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي تَبْلُغُ فِيهِ فَضِيحَةَ نَفْسِهَا ) وَفِي نُسْخَةٍ لَا تَبْلُغُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ لَا تَبْلُغُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ عِظَمِ مَا دَهَاهَا . ( فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ ) بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا قَرِينَةٍ . ( وَالْمُغْتَصَبَةُ لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ ) إِنْ كَانَتْ حُرَّةً ؛ لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَهَا كَعِدَّتِهَا . ( فَإِنِ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا ) بِارْتِفَاعِهَا ( فَلَا تَنْكِحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ ) بِزَوَالِهَا .
1510 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَذَفَ قَوْمًا جَمَاعَةً ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ تَفَرَّقُوا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ . 1569 1510 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَذَفَ قَوْمَا جَمَاعَةً ) أَيْ مُجْتَمِعِينَ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ : يَا زُنَاةُ أَوْ أَنْتُمْ زُنَاةٌ مَثَلًا ( أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ) لِلْجَمِيعِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ تَفَرَّقُوا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ .
1511 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : وَاللَّهِ مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ قَائِلٌ : مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا ، نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ قَالَ مَالِكٌ : لَا حَدَّ عِنْدَنَا إِلَّا فِي نَفْيٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ تَعْرِيضٍ ، يُرَى أَنَّ قَائِلَهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيًا أَوْ قَذْفًا ، فَعَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ تَامًّا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ إِذَا نَفَى رَجُلٌ رَجُلًا مِنْ أَبِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ . 1569 1511 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ ) بِجِيمٍ ( مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ ( ابْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْجِيمِ الثَّقِيلَةِ بَطْنٍ مِنَ الْخَزْرَجِ قَالَ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ( عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ( أَنَّ رَجُلَيْنِ ) لَمْ يُسَمَّيَا ( اسْتَبَّا فِي زَمَنِ ) خِلَافَةِ ( عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : وَاللَّهِ مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ ) الْعُلَمَاءَ ( فَقَالَ قَائِلٌ : مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . ( وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا ) فَعُدُولُهُ إِلَى هَذَا فِي مَقَامِ الِاسْتِبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَّضَ بِالْقَذْفِ الْمُخَاطَبَةَ ، فَلِذَا ( نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَدَّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ) لِأَنَّهُ وَافَقَ رَأْيُهُ اجْتِهَادَهُمْ لَا تَقْلِيدًا لَهُمْ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا حَدَّ عِنْدِنَا إِلَّا فِي نَفْيٍ ) عَنْ أَبٍ لِثَابِتِ نَسَبِهِ ( أَوْ قَذْفٍ ) رَمْيٍ بِالزِّنَى وَنَحْوَهُ صَرِيحٌ ( أَوْ تَعْرِيضٍ يُرَى أَنَّ قَائِلَهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيًا أَوْ قَذْفًا ، فَعَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ تَامًّا ) كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ إِنْكَارٍ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا نَفَى ) رَجُلٌ ( رَجُلًا مِنْ أَبِيهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الَّذِي نُفِيَ مَمْلُوكَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأَبِ وَهُوَ ثَابِتٌ نَسَبُهُ لَهُ وَإِنَّ أُمَّهُ أَمَةٌ .
1509 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ الْأَيْلِيِّ : أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : مِصْبَاحٌ اسْتَعَانَ ابْنًا لَهُ ، فَكَأَنَّهُ اسْتَبْطَأَهُ ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ : يَا زَانٍ ، قَالَ زُرَيْقٌ : فَاسْتَعْدَانِي عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْلِدَهُ قَالَ ابْنُهُ : وَاللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتَهُ لَأَبُوأنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ ، فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ - أَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ : أَنْ أَجِزْ عَفْوَهُ ، قَالَ زُرَيْقٌ : وَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ رَجُلًا افْتُرِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ : إِنْ عَفَا فَأَجِزْ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَإِنْ افْتُرِيَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَخُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ سِتْرًا . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُفْتَرَى عَلَيْهِ يَخَافُ إِنْ كُشِفَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَإِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ فَعَفَا ، جَازَ عَفْوُهُ . 1568 1509 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رزيق ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَقَافٍ وَيُقَالُ فِيهِ : زُرَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ ( ابْنِ حَكِيمٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ مُصَغَّرٌ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا مُكَبِّرًا ( الْأَيْلِيِّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ ثِقَةٌ ( أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : مِصْبَاحٌ اسْتَعَانَ ابْنًا لَهُ ) فِي شَيْءٍ ( فَكَأَنَّهُ اسْتَبْطَاهُ ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ : يَا زَانٍ ، فَقَالَ زُرَيْقٌ : فَاسْتَعْدَانِي ) طَلَبَ تَقْوِيَتِي وَنَصْرَهُ ( عَلَيْهِ فَلَمَّا أَنْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْلِدَهُ ) الْحَدَّ ( قَالَ ابْنُهُ : وَاللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتَهُ لِأَبُوأَنَّ ) لَأَرْجِعَنَّ بِمَعْنَى لَأُقِرَّنَّ ( عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ ، فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ - ) بِالْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَالِي الْخَلِيفَةَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ ( أَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَهُ مِصْبَاحٌ وَابْنُهُ ( فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ أَنْ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( أَجِزْ ) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ أَمْضِ ( عَفْوَهُ ) عَنْ أَبِيهِ ( قَالَ زُرَيْقٌ : وَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا أَرَأَيْتَ رَجُلًا ) أَيْ أَخْبِرْنِي عَنِ الْحُكْمِ فِي رَجُلٍ ( افْتُرِيَ ) بِضَمِّ الْأَلْفِ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ ( عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبَوَيْهِ وَقَدْ هَلَكَا ) مَاتَا مَعًا ( أَوْ أَحَدُهُمَا قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ : إِنْ عَفَا فَأَجِزْ عَفْوَهُ فِي ) حَقِّ ( نَفْسِهِ ، وَإِنِ افتري عَلَى أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَقَدْ هَلَكَا فَحد لَهُ ) لِلْهَالِكِ الْمُتَعَدِّدِ أَوِ الْمُتَّحِدِ ( بِكِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ قَوْلِهِ : فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 24 ) ( إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ) الِابْنُ ( سِتْرًا ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ) أَيْ إِرَادَةُ السَّتْرِ ( أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُفْتَرَى عَلَيْهِ يَخَافُ إِنْ كَشَفَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ) بِمَا رُمِيَ بِهِ ( فَإِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ ) بِضَمِّ التَّاءِ ( فَعَفَا جَازَ عَفْوُهُ ) وَلَوْ بَلَغَ الْحَاكِمَ .
5 - باب الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيِ وَالتَّعْرِيضِ 1508 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ : جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ . 5 - بَابُ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ وَالنَّفْيِ وَالتَّعْرِيضِ 1567 1508 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( أَنَّهُ قَالَ : جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ قَذْفٍ ( ثَمَانِينَ ) حَمْلًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) عَلَى عُمُومِهِ إِذْ لَمْ يَخُصَّ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ ( قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ) الْعَدَوِيَّ مَوْلَاهُمُ الْعَنْزِيَّ وُلِدَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ( عَنْ ذَلِكَ ) الْفِعْلِ لِإِشْكَالِهِ إِذِ الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْحُرِّ ( فَقَالَ : أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا ) أَيْ بَعْدَهُمَا ( فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا ) مِنْهُمْ ( جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ ) جَلْدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ خَصَّصُوا الْآيَةَ بِالْأَحْرَارِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 25 ) وَالْعَبْدُ فِي مَعْنَى الْأَمَةِ بِجَامِعِ الرِّقِّ .
1504 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجُلِدَ الْحَدَّ ثُمَّ نُفِيَ إِلَى فَدَكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَعْتَرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ : لَمْ أَفْعَلْ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ : إِنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تُثْبِتُ عَلَى صَاحِبِهَا ، وَإِمَّا بِاعْتِرَافٍ يُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى اعْتِرَافِهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ مَالِكٌ : الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ إِذَا زَنَوْا . 1563 1504 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الثَّقَفِيَّةَ زَوْجَ ابْنِ عُمَرَ ( أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أُتِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بِرَجُلٍ ) لَمْ يُسَمَّ ( قَدْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجُلِدَ الْحَدَّ ) مِائَةَ جَلْدَةٍ ( ثُمَّ نُفِيَ إِلَى فَدَكَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ وَكَافٍ ، بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَيْبَرَ دُونَ مَرْحَلَةٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَعْتَرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ : لَمْ أَفْعَلْ ) أَيْ لَمْ أَزْنِ ( وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنِّي عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ ) يُعَذَّرُ بِهِ كَقَوْلِهِ : إِنَّمَا أَصَبْتُ امْرَأَتِي أَوْ أَمَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَظَنَنْتُ ذَلِكَ زِنًا ( أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَكْذِيبَ نَفْسِهِ بِدُونِ إِبْدَاءِ عُذْرٍ لَا يُقْبَلُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْإِمَامِ نَصًّا وَأَشْهَبَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ . وَالْمَذْهَبُ : قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِقَبُولِ رُجُوعِهِ مُطْلَقًا ( وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ ) كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ( لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تُثْبِتُ عَلَى صَاحِبِهَا ) مَا شَهِدَتْ بِهِ ( وَإِمَّا بِاعْتِرَافٍ يُقِيمُ ) يَسْتَمِرُّ ( عَلَيْهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) فَإِنْ رَجَعَ قُبِلَ ( وَإِنْ أَقَامَ عَلَى اعْتِرَافِهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي قَبُولِ عُذْرِهِ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ فِي مَذْهَبِهِ ، وَكَذَا يُتْرَكُ حَدُّ الْمُعْتَرِفِ إِذَا هَرَبَ وَإِنْ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا فَرَّ وَأَدْرَكُوهُ ، وَرَجَمُوهُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : بَلْ يُتَّبَعُ وَيُرْجَمُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُلْزِمْهُمْ دِيَتَهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بَعْدَ هُرُوبِهِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ لَوْ رَجَعَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا . ( قَالَ مَالِكٌ : الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ إِذَا زَنَوْا ) وَإِنَّمَا النَّفْيُ عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ عُقُوبَةً لِمَالِكِهِ بِمَنْعِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ نَفْيِهِ ، وَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ غَيْرُ الْجَانِي ؛ وَلِأَنَّهُ يُخْشَى فَسَادُ الْأُنْثَى وَضَيَاعُهَا بِالنَّفْيِ ، وَعَمَّمَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلَهُ قَوْلٌ لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ الْقَوْلَانِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا نَفْيَ عَلَى الزَّانِي مُطْلَقًا ، وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ وَغَرَّبَ ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ ، فَلَوْ كَانَ مَنْسُوخًا مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا .
2 - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا 1503 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ : دُونَ هَذَا ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ ، وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى 1562 1503 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمْ مُرْسَلًا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ مُرْسَلِ كُرَيْبٍ نَحْوَهُ وَلَا أَعْلَمُهُ يَسْتَنِدُ بِلَفْظِهِ مِنْ وَجْهٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ ) أَيْ زَمَانِ ( رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا ) طَلَبَ ( لَهُ ) لِأَجْلِهِ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ ) لِيُجْلَدَ بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ ، فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا ) لِخِفَّةِ إِيلَامِهِ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَالرَّاءِ وَفَوْقِيَّةٍ أَيْ طَرَفُهُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَثَمَرَةُ السِّيَاطِ عُقَدُ أَطْرَافِهَا ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : أَيْ لَمْ يَمْتَهِنْ وَلَمْ يَلِنْ وَالثَّمَرَةُ الطَّرَفُ ( فَقَالَ : دُونَ ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ ( هَذَا ) وَفَوْقَ الْأَوَّلِ ( فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ ) فَذَهَبَتْ عُقْدَةُ طَرَفِهِ ( وَلَانَ ) صَارَ لَيِّنًا مَعَ بَقَاءِ صَلَابَتِهِ بِعَدَمِ كَسْرِهِ ( فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ ) مِائَةَ جَلْدَةٍ ( ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ ) بِالْمَدِّ أَيْ حَانَ ( لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ ) الَّتِي حَرَّمَهَا ( مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورة ) كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُسْتَقْبَحُ كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَجَمْعُهَا قَاذُورَاتٌ ، سُمِّيَتْ قَاذُورَةً ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا أَنْ تُقْذَرَ فَوُصِفَتْ بِمَا يُوصَفُ بِهِ صَاحِبُهَا ( شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ ) الَّذِي أَسْبَلَهُ عَلَيْهِ وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَلَا يُظْهِرْهُ لَنَا ( فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي ) بِالْيَاءِ لِلْإِشْبَاعِ كَقِرَاءَةِ مَنْ يَتَّقِي ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِهَا أَيْ يُظْهِرُ ( لَنَا ) مَعَاشِرَ الْحُكَّامِ ( صَفْحَتَهُ ) هِيَ لُغَةً : جَانِبُهُ وَوَجْهُهُ وَنَاحِيَتُهُ ، وَالْمُرَادُ مَنْ يُظْهِرُ لَنَا مَا سَتَرَهُ أَفْضَلُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِير ( نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ) أَيِ الْحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالسُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ إِذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ حَدّ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ وَالتَّوْبَةُ ، فَإِنْ خَالَفَ وَاعْتَرَفَ عند الْحَاكِمُ أَقَامَهُ عَلَيْهِ ، وَكَمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ جَلْدِ هَذَا الرَّجُلِ قَالَهُ أَيْضًا بَعْدَ رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُهُ مَوْصُولًا بِوَجْهٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : مُرَادُهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ ، قَالَ : صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَتَعَجَّبَ مِنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَقَالَ : أَوْقَعَهُ فِيهِ عَدَمُ إِلْمَامِهِ بِصِنَاعَةِ الْحَدِيثِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا كُلُّ عَالَمٍ انْتَهَى . لِأَنَّ اصْطِلَاحَهُمْ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعًا .
1507 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ قَالَ : أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا . 1566 1507 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ ) بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ( ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ) وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ( الْمَخْزُومِيُّ ) الْقُرَشِيُّ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ( قَالَ : أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِفَتًى أَيْ شَبَابٍ أَحْدَاثٍ ( مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ ) إِمَاءً ( مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ ) كُلُّ وَاحِدَةٍ ( فِي الزِّنَى ) أَيْ بِسَبَبِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ وَلَائِدَ مِنَ الْخُمْسِ أَبْكَارًا فِي الزِّنَى ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ صَحَّ ، وَأَثْبَتُ مِمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ كَمْ حَدُّهَا ؟ فَقَالَ : أَلْقَتْ فَرْوَتَهَا وَرَاءَ الدَّارِ ، وَأَرَادَ بِالْفَرْوَةِ الْقِنَاعَ أَيْ لَيْسَ عَلَيْهَا قِنَاعٌ وَلَا حِجَابٌ لِخُرُوجِهَا إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ يُرْسِلُهَا أَهْلُهَا إِلَيْهِ لَا تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَلِذَا لَا تَكَادُ تَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْفُجُورِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، إِذْ لَا حِجَابَ لَهَا وَلَا قِنَاعَ وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْأَدَبُ وَتُجْلَدُ دُونَ الْحَدِّ ، وَهَكَذَا قَالَ طَائِفَةٌ : لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ حَتَّى تَنْكِحَ ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلُوا حَدِيثَ زَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ قُرِئَ : ( فَإِذَا أَحْصَنَّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ أَسْلَمْنَ أَوْ عَفَفْنَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْبَعْضِ تَزَوَّجْنَ ، وَبِضَمِّهَا أَيْ أُحْصِنَّ بِالْأَزْوَاجِ أَيْ أَنَّهُمْ أَحْصَنُوهُنَّ عِنْدَ مَنْ شَرَطَهُ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مَعْنَاهُ أُحْصِنَّ بِالْإِسْلَامِ ، فَكَمَا أَنَّ الزَّوْجَ يُحْصِنُ الْأَمَةَ ، فَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يُحْصِنُهَا ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَدَاخِلَانِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
1506 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدًا كَانَ يَقُومُ عَلَى رَقِيقِ الْخُمُسِ وَأَنَّهُ اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فَوَقَعَ بِهَا ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَنَفَاهُ وَلَمْ يَجْلِدْ الْوَلِيدَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا . 1565 1506 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدًا كَانَ يَقُومُ عَلَى رَقِيقِ الْخُمُسِ ) بِضَمَّتَيْنِ ، وَإِسْكَانُ الْمِيمِ لُغَةٌ ( وإنَّهُ اسْتَكْرَهَ ) بِسِينِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَكْرَهَ ( جَارِيَةً مِنْ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فَوَقَعَ بِهَا ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَنَفَاهُ ) لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ ( وَلَمْ يَجْلِدِ الْوَلِيدَةَ ) الْأَمَةَ ( لِأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا ) عَلَى الزِّنَى وَشَرْطُهُ الطَّوْعُ .
3 - باب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي حَدِّ الزِّنَا 1505 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ ، فَقَالَ : إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : وَالضَّفِيرُ : الْحَبْلُ . 3 - بُابٌ جَامِعٌ مَا جَاءَ فِي حَدِّ الزِّنَى 1564 1505 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) الْهُذَلِيِّ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ الصَّحَابِيِّ الشَّهِيرِ الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَلَمْ يَقِفِ الْحَافِظُ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ ( عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ بِإِسْنَادِ الْإِحْصَانِ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا تُحْصِنُ نَفْسَهَا بِعَفَافِهَا ، وَرُوِيَ وَلَمْ تُحْصَنْ بِفَتْحِ الصَّادِ بِإِسْنَادِ الْإِحْصَانِ إِلَى غَيْرِهَا ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جَاءَتْ نَوَادِرُ ، يُقَالُ أَحْصَنَ فَهُوَ مُحْصَنٌ ، وَأَسْهَبَ فَهُوَ مُسْهَبٌ ، وَأَلْفَجَ فَهُوَ مُلْفَجٌ قَلِيلٌ ، وَيُرْوَى أَيْضًا وَلَمْ تُحَصِّنْ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ زَنَتْ ، وَصَحِبَتِ الْوَاوُ مَعَ لَمْ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ ، وَجَاءَتْ بِلَا وَاوٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 174 ) وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ : تَفَرُّدَ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ وَلَمْ تُحْصِنْ ، أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَا بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِقَيْدٍ إِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ حَالٍ فِي السُّؤَالِ ، وَلِذَا أَجَابَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَالَ : إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ) غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْإِحْصَانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَإنَّ مُوجِبَهُ فِي الْأُمَّةِ مُطْلَقُ الزِّنَى أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِحْصَانِ الْمَنْفِيِّ الْحُرِّيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 25 ) أَوِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ لَمْ تُسْلِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِذَا أُحْصِنَّ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 25 ) الْآيَةَ قِيلَ : مَعْنَاهُ أَسْلَمْنَ وَقِيلَ : تَزَوَّجْنَ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُرْجَمُ إِذَا أُحْصِنَتْ بِمَعْنَى تَزَوَّجَتْ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، وَصَرِيحِ قَوْلِهِ : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 25 ) فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَلْدِ مَنْ لَمْ تُحْصِنْ ، وَالْآيَةُ عَلَى جَلْدِ الْمُحْصِنِ ، إِذِ الرَّجْمُ لَا يَنْتَصِفُ فَتُجْلَدُ وَلَوْ مُتَزَوِّجَةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ . ( ثُمَّ إِنْ زَنَتْ ) ثَانِيَةً ( فَاجْلِدُوهَا ) خِطَابٌ لِمُلَّاكِهَا فَفِيهِ أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ عَلَى رَقِيقِهِ الْحَدَّ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِمَا ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثُ وَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ ، لَكِنِ اسْتَثْنَى مَالِكٌ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُثْلَةً فَلَا يُؤْمَنُ السَّيِّدُ أَنْ يُمَثِّلَ بِرَقِيقِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ الْقَطْعَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ . ( ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةُ الْحَدِّ لَكِنْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْفَرَدَ بِهَا رَاوِيهَا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ غَيْرَهُ . ( ثُمَّ بِيعُوهَا ) أَتَى بِثُمَّ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مَطْلُوبٌ لِمَنْ أَرَادَ التَّمَسُّكَ بِأَمَتِهِ الزَّانِيَةِ ، أَمَّا مَنْ أَرَادَ بَيْعَهَا مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ فَلَهُ ذَلِكَ ( وَلَوْ بِضَفِيرٍ ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، عَبَّرَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا ، وَالْحَضِّ عَلَى مُبَاعَدَةِ الزَّانِيَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْخُبْثِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ . وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَوْلَادِ الزِّنَى قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَوْ شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنَى إِنْ أَيْ وَإِنْ كَانَ بِضَفِيرٍ فَيَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ ، وَحَذْفُ كَانَ بَعْدَ لَوْ هَذِهِ كَثِيرٌ ، وَيَجُوزُ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَلَوْ تَبِيعُونَهَا بِضَفِيرٍ وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ فِي وُجُوبِ بَيْعِهَا إِذَا زَنَتْ رَابِعَةً لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْحَدِّ وَهُوَ وَاجِبٌ ، وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَ غَيْرِ الْمُزَنِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَا أَدْرِي أَبَعْدَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ هَلْ أَرَادَ أَنَّ بَيْعَهَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّنْيَةِ ( الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ ) وَجَزَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِأَنَّهُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَلَفْظُهُ : ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ ) قِيلَ : مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ ، وَقِيلَ مِنَ الشَّعْرِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي الرِّوَايَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِهِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ التَّزْهِيدِ فِيهَا وَلَيْسَ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَحَ بِإِبْعَادِهَا ، وَالنَّصِيحَةُ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا الْمُشْتَرِي فَيُنْصَحُ فِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَهَا ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَصِيحَةُ الْجَانِبَيْنِ وَكَيْفَ يَقَعُ الْبَيْعُ إِذَا انْتَصَحَا مَعًا ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُبَاعَدَةَ إِنَّمَا تَوَجَّهَتْ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لُدِغَ فِيهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ مِنْهَا سُوءًا ، فَلَيْسَتْ وَظِيفَتُهُ فِي الْمُبَاعَدَةِ كَالْبَائِعِ انْتَهَى . وَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يُزَوِّجَهَا أَوْ يَعِفَّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ يَصُونَهَا بِهَيْبَتِهِ أَوْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا ، وَفِيهِ جَوَازُ بِيعِ الْغَبْنِ ، وَإِنَّ الْمَالِكَ الصَّحِيحَ الْمِلْكِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَالِهِ الْكَثِيرِ بِالتَّافِهِ الْيَسِيرِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إِذْ عَرَفَ قَدْرَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ فَخِلَافٌ ، وَحُجَّةُ مَنْ أَطْلَقَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لَبَادٍ وَفِيهِ أَنَّ الزِّنَى عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الرَّقِيقُ لِلْأَمْرِ بِالْحَطِّ مِنْ قِيمَتِهِ إِذَا زَنَى ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِجَوَازِ أَنَّ الْقَصْدَ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ وَلَوِ انْحَطَّتِ الْقِيمَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَا إِخْبَارًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ مِنْ حَطِّ الْقِيمَةِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَفِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ عَنْ يَحْيَى ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .
1500 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَنُ وَفُرِضَتْ لَكُمْ الْفَرَائِضُ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ : إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَتَبْتُهَا ، الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ؛ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ . 1560 1500 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ ) رِوَايَةُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ تَجْرِي مَجْرَى الْمُتَّصِلِ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ وَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَمَاعَهُ مِنْهُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( مِنْ مِنًى ) فِي آخِرِ حَجَّاتِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ( أَنَاخَ ) رَاحِلَتَهُ ( بِالْأَبْطَحِ ) أَيِ الْمُحَصَّبِ ( ثُمَّ كَوَّمَ ) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ جَمَعَ ( كَوْمَةً ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ قِطْعَةً ( بَطْحَاءَ ) أَيْ صِغَارَ الْحَصَى أَيْ جَمَعَهَا وَجَعَلَ لَهَا رَأْسًا ( ثُمَّ طَرَحَ ) أَلْقَى ( عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى ) عَلَى ظَهْرِهِ ( ثُمَّ مَدَّ ) رَفَعَ ( يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ) لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ كَبِرَتْ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( سِنِّي ) أَيْ عُمُرِي فَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ( وَضَعُفَتْ قُوَّتِي ) بِسَبَبِ كِبَرِ سِنِّي ( وَانْتَشَرَتْ ) كَثُرَتْ وَتَفَرَّقَتْ ( رَعِيَّتِي ) الَّتِي أَقُومُ بِتَدْبِيرِهَا وَسِيَاسَتِهَا ( فَاقْبِضْنِي ) تَوَفَّنِي ( إِلَيْكَ ) حَالَ كَوْنِي ( غَيْرَ مُضَيِّعٍ ) لِمَا أَمَرْتَنِي بِهِ ( وَلَا مُفَرِّطٍ ) مُتَهَاوِنٍ بِهِ . ( ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ ) وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الْحِجَّةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْنَا بِالرَّوَاحِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ . ( فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ ، وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ ( لَكُمُ السُّنَنُ ) جُمَعُ سُنَّةٍ ( وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ ( وَتُرِكْتُمْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا ( عَلَى ) الطَّرِيقِ ( الْوَاضِحَةِ ) الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى ( إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا ) عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحَةِ لِهَوَى أَنْفُسِكُمْ ( وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ) أَسَفًا وَتَعَجُّبًا مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ ضَلَالٌ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ الْبَالِغِ ( ثُمَّ قَالَ : إِيَّاكُمْ ) أُحَذِّرُكُمْ ( أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ ) أَنْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ( يَقُولُ قَائِلٌ : لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) إِنَّمَا فِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَلْدُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا ( فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ أَمَرَ بِرَجْمِ مَنْ أُحْصِنَ : مَاعِزٌ وَالْغَامِدِيَّةُ ، وَالْيَهُودِيُّ وَالْيَهُودِيَّةُ ( وَرَجَمْنَا ) بَعْدَهُ ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ : ظَاهِرُهُ أَنَّ كِتَابَتَهَا جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ قَوْلُ النَّاسِ ، وَالْجَائِزُ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَقُومُ مِنْ خَارِجِ مَا يَمْنَعُهُ ، وَإِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْمَكْتُوبِ ، قَالَ : وَقَدْ يُقَالُ : لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ بَاقِيَةً لَبَادَرَ عُمَرُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَقَالَةِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ مَانِعًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مُشْكِلَةٌ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ عُمَرَ هَذَا الظَّاهِرَ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الْمُبَالَغَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالرَّجْمِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ بَاقٍ وَإِنْ نُسِخَ لَفْظُهَا إِذْ لَا يَسَعُ مِثْلُ عُمَرَ مَعَ مَزِيدِ فِقْهِهِ تَجْوِيزَ كَتْبِهَا مَعَ نَسْخِ لَفْظِهَا ، فَلَا إِشْكَالَ وَضَمِيرُ كَتَبْتُهَا لآيَةِ الرَّجْمِ ، وَهِيَ ( الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ ) إِذَا زَنَيَا ( فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ جَزْمًا ( فإنا قَدْ قَرَأْنَاهَا ) ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْنَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ : وَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا انْسَلَخَ ) أَيْ مَضَى ( ذُو الْحِجَّةِ ) الشَّهْرُ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ هَذِهِ الْخُطْبَةَ ( حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَرَضِيَ عَنْهُ شَهِيدًا بِيَدِ فَيْرُوزَ النَّصْرَانِيِّ عَبْدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . ( مَالِكٌ : قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ ) أَيِ الْمُحْصَنَ وَالْمُحْصَنَةَ ، وَإِنْ كَانَا شَابَّيْنِ لَا حَقِيقَةَ الشَّيْخِ ، وَهُوَ مَنْ طَعَنَ فِي السِّنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ) فَإِنَّ الرَّجْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى الْإِحْصَانِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَاعِزٍ : أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَهْلِ مَاعِزٍ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ ؟ فَقَالُوا : بَلْ ثَيِّبٌ ، كَمَا مَرَّ .
1502 - حَدَّثَنِي مَالِك : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : عَلَيْهِ الرَّجْمُ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ . 1561 1502 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ) أَيْ يَأْتِي الذَّكَرُ فِي الدُّبُرِ ( فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : عَلَيْهِ الرَّجْمُ أُحْصِنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ ) وَلَوْ كَانَ كَافِرًا .
1501 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وَقَالَ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ فَالْحَمْلُ يَكُونُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي أَثَرِهَا فَوَجَدَهَا قَدْ رُجِمَتْ . 1560 1501 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أُتِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بِامْرَأَةٍ ) تَزَوَّجَتْ ( قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ ) مِنْ زَوَاجِهَا ( فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ ) لِأَنَّ الْغَالِبَ الْكَثِيرَ أَنَّ الْحَمْلَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ( فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : لَيْسَ ذَلِكَ ) الرَّجْمُ ( عَلَيْهَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ مِنَ الرِّضَاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا سِتَّةٌ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَالْبَاقِي أَكْثَرُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ . ( وَقَالَ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ عَامَيْنِ ( كَامِلَيْنِ ) صِفَةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ فَالْحَمْلُ يَكُونُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ) كَمَا أَفَادَتْهُ الْآيَتَانِ ( فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا فَبَعَثَ عُثْمَانُ فِي إِثْرِهَا ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ( فَوَجَدَهَا قَدْ رُجِمَتْ ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ قَالَ : تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَّا امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ تَمَامًا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَانْطَلَقَ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ( سورة الْأَحْقَافِ : الْآيَةُ 15 ) وَقَالَ : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ( سورة لُقْمَانَ : الْآيَةُ 14 ) فَلَمْ نَجِدْ بَقِيَ إِلَّا سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : وَاللَّهِ مَا فَطِنْتُ لِهَذَا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ : رُفِعَ إِلَى عُمَرَ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَسَأَلَ عَنْهَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وَقَالَ : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ فَكَانَ الْحَمْلُ هَاهُنَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَتَرَكَهَا عُمَرُ فَلَعَلَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَحْضُرْ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ .
1499 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ بِالشَّامِ ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ إِلَى امْرَأَتِهِ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَتَاهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ حَوْلَهَا فَذَكَرَ لَهَا الَّذِي قَالَ زَوْجُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَجَعَلَ يُلَقِّنُهَا أَشْبَاهَ ذَلِكَ لِتَنْزِعَ فَأَبَتْ أَنْ تَنْزِعَ وَتَمَّتْ عَلَى الْاعْتِرَافِ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ . 1559 1499 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ( عَنْ أَبِي وَاقِدٍ ) بِالْقَافِ ( اللَّيْثِيِّ ) الصَّحَابِيِّ قِيلَ : اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : ابْنُ عَوْفٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَوْنُ بْنُ الْحَارِثِ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَاهُ رَجُلٌ ) لَمْ يُسَمَّ ( وَهُوَ بِالشَّامِ ) لَمَّا قَدِمَهَا فِي خِلَافَتِهِ ( فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، أَبَا وَاقَدٍ اللِّيثِيَّ ) الصَّحَابِيَّ الْمَذْكُورَ ( إِلَى امْرَأَتِهِ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ عَنْ قَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا ( فَأَتَاهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ حَوْلَهَا ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( فَذَكَرَ لَهَا الَّذِي قَالَ زَوْجُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) مِنْ رَمْيِهَا بِالزِّنَى ( وَأَخْبَرَهَا ) أَبُو وَاقَدٍ ( أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ ) بَلْ إِنْ كَذَّبَتْهُ لَاعَنَ وَإِلَّا حُدَّ ( وَجَعَلَ يُلَقِّنُهَا أَشْبَاهَ ذَلِكَ لِتَنْزِعَ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ أَيْ تَرْجِعَ ( فَأَبَتْ أَنْ تَنْزِعَ ) تَرْجِعَ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَى ( وَتَمَّتْ ) اشْتَدَّتْ وَصَلُبَتْ ، وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ أَظْهَرُ وَثَبَتَتْ بِمُثَلَّثَةٍ مِنَ الثُّبُوتِ ( عَلَى الِاعْتِرَافِ ) بِالزِّنَى ( فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ ) لِثُبُوتِهَا عَلَى الِاعْتِرَافِ ، وَعَدَمِ رُجُوعِهَا عَنْهُ .
1498 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا أُحْصِنَ ؛ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الْاعْتِرَافُ . 1558 1498 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ ) عَلَى الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ ( الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ ) ثَابِتُ الْحُكْمِ مَنْسُوخُ اللَّفْظِ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ ( عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا أُحْصِنَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ تَزَوَّجَ وَوَطِئَ مُبَاحًا ، وَكَانَ بَالِغًا عَاقِلًا ( إِذَا أُقِيمَتِ الْبَيِّنَةُ ) بِالزِّنَى ( أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ وُجِدَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى ( أَوْ ) كَانَ ( الِاعْتِرَافُ ) الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ خُطْبَةٍ لِعُمَرَ طَوِيلَةٍ قَالَهَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ بِتَمَامِهَا مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ .
1497 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ . 1557 1497 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ ( ابْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) الْأَنْصَارِيَّ الْجَوَادَ الْمَشْهُورَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ( قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمَّا نَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 4 ) الْآيَةَ ( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعًا يَعْنِي امْرَأَتَهُ قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ ( أَأُمْهِلُهُ ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَضَمِّ الثَّانِيَةِ ( حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ : كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَفِيهِ قَطْعُ الذَّرِيعَةِ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَالنَّهْيُ عَنْ إِقَامَةِ حَدٍّ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ وَلَا شُهُودٍ ، وَهُوَ وَجْهُ إِدْخَالِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، وَمَرَّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 41 - كِتَاب الْحُدُودِ 1 - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ 1491 - حَدَّثَنَا مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتْ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ ، وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ . قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي يَحْنِي يُكِبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 41 - كِتَابُ الْحُدُودِ جَمْعُ حَدٍّ ، وَهُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ اخْتِلَاطَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ لِكَوْنِهِ مَانِعًا لِمُتَعَاطِيهِ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَهُ . 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ 1551 1491 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْيَهُودُ ) مِنْ خَيْبَرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الطَّبَرِيِّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَسْعَدِ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ عَازُورَاءَ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ ( فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ، وَفُتِحَتْ أَنَّ لِسَدِّهَا مَسَدَّ الْمَفْعُولِ ( وَامْرَأَةً ) اسْمُهَا بُسْرَةُ ، بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ( زَنَيَا ) وَ مِنْهُمْ صِفَةُ رَجُلًا وَصِفَةُ امْرَأَةً مَحْذُوفَةٌ ، أَيْ مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ السَّابِقِ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْهُمْ بِحَالٍ مِنْ ضَمِيرِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي زَنَيَا ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً زَنَيَا فِي حَالَةِ كَوْنِهِمَا مِنَ الْيَهُودِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ سَبَبَ مَجِيئِهِمْ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ ، وَكَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَقُلْنَا : فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ ، قَالَ : فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا ؟ ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ ) مَا مُبْتَدَأٌ مِنْ أَسْمَاءِ الِاسْتِفْهَامِ وَ تَجِدُونَ جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ ، وَالْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ مَعْمُولٌ لِلْقَوْلِ وَالتَّقْدِيرُ : أَيُّ شَيْءٍ تَجِدُونَهُ فِي التَّوْرَاةِ ؟ فَيَتَعَلَّقُ حَرْفُ الْجَرِّ بِمَفْعُولٍ ثَانٍ لِوَجَدَ ( فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ) أَيْ فِي حُكْمِهِ ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لِتَقْلِيدِهِمْ وَلَا مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِهِمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي كِتَابِهِمُ الْمُوَافِقِ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارًا لِمَا كَتَبُوهُ وَبَدَّلُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ ، فَأَرَادُوا تَعْطِيلَ نَصِّهَا فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ ، وَذَلِكَ إِمَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي التَّوْرَاةِ لَمْ يُغَيَّرْ ، وَإِمَّا بِإِخْبَارِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ( فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا فَاءٌ سَاكِنَةٌ ، مِنَ الْفَضِيحَةِ ، أَيْ نَكْشِفُ مَسَاوِيَهُمْ وَنُبَيِّنُهَا لِلنَّاسِ ( وَيُجْلَدُونَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ نَجِدُ أَنْ نَفْضَحَهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَهُوَ مَعْمُولٌ عَلَى الْحِكَايَةِ لِـ نَجِدُ الْمُقَدَّرَ ، أَيْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وهم كَاذِبُونَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا فَسَّرُوا بِهِ التَّوْرَاةَ ، يَكُونُ مَقْطُوعًا عَنِ الْجَوَابِ ، أَيِ الْحُكْمُ عِنْدَنَا أَنْ نَفْضَحَهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَيَكُونُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ أَنْ ، وَإِنَّمَا بُنِيَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ لِلْفَاعِلِ وَالْآخَرُ لِلْمَفْعُولِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفَضِيحَةَ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِمْ وَإِلَى اجْتِهَادِهِمْ بِكَشْفِ مَسَاوِيهِمْ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، فَقَالُوا : نَسْخَمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا . وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ قَالُوا : نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) بِخِفَّةِ اللَّامِ ، الْإِسْرَائِيلِيُّ الْحَبْرُ ، مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ، حَلِيفُ الْخَزْرَجِ ، لَهُ أَحَادِيثٌ وَفَضْلٌ وَشَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ ( كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ) عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ ، فَأَتَى بِهَا . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ قَالَ ، أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( فَأَتَوْا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ ( بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا ) أَيْ فَتَحُوهَا وَبَسَطُوهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ : يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ ( فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَاءَ الْيَهُودِيُّ الْأَعْوَرُ ( يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ ) عَنْهَا ( فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ ، وَ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُهُ : الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ إِذَا زَنَيَا وَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا . زَادَ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : فَإِنْ وَجَدُوا الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي ثَوْبِهَا أَوْ عَلَى بَطْنِهَا فَهِيَ رِيبَةٌ وَفِيهَا عُقُوبَةٌ . ( فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : وَلَكِنَّنَا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا . وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ قَالَ : قَالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالُوا : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ . زَادَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : نَجِدُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا ، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نَجْتَمِعُ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ جَابِرٍ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ( فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ عِنْدَ الْبَلَاطِ ، وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا عَنْ يَحْيَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِالْجِيمِ وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَجْنَأُ بِالْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ ، أَيْ يَمِيلُ ( عَلَى الْمَرْأَةِ ) وَالرُّؤْيَا بَصَرِيَّةٌ فَيَحْنِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهَا ( يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ) أَيْ حِجَارَةَ الرَّمْيِ ، فَأَلْ عَهْدِيَّةٌ وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنْ يَحْنِي أَوْ حَالٌ أُخْرَى . ( مَالِكٌ : مَعْنَى يَحْنِي يُكِبُّ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، أَيْ يَمِيلُ ( عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ ) دُونَهَا مِنْ حُبِّهِ لَهَا . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي حَرْفِ الْجِيمِ : يُقَالُ : أَجَنَى يَجْنِي إِجْنَاءً ، وَجَنَا عَلَى الشَّيْءِ يَجْنُو إِذَا أَكَبَّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَهْمُوزٌ ، وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ مِنْ : جَنَأَ إِذَا مَالَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ ثُمَّ خَفَّفَ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْجَنَأِ ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى عَلَيْهِ لَكَانَ أَشْبَهَ ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الَّذِي جَاءَ فِي السُّنَنِ يَجْنِي بِالْجِيمِ ، وَالْمَحْفُوظ بِالْحَاءِ ، أَيْ يُكِبُّ عَلَيْهَا ، يُقَالُ : حَنَا يَحْنُو حُنُوًّا ، وَمَرَّ أَنَّ أَبَا عُمَرَ صَوَّبَ رِوَايَةَ الْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا يُرْجَمُ كَافِرٌ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ تَنْفِيذًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ فِعْلٌ وَقَعَ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ عَيْنِيَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ كَافِرٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَقَبْلَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .
1492 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : فَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ ، حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى ، فَقَالَ سَعِيدٌ : فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ : أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ ؟ فَقَالُوا : بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ . 1552 1492 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) مُرْسَلٌ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ عَلَى إِرْسَالِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَرَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَشُعَيْبٌ ، وَعَقِيلٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ ) هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ ( جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَقَالَ : إِنَّ الْأَخِرَ زَنَى ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَمَعْنَاهُ الرَّذْلُ الدَّنِيُّ زَنَى ، كَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ وَيَعِيبُهَا بِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الزِّنَى ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ : السُّؤَالُ أَخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ ، أَيْ أَرْذَلُ كَسْبِ الرَّجُلِ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ حَدَثَ مِنْ نَفْسِهِ بِقَبِيحِ فِكْرِهِ أَنْ يَنْسُبَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَمَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ وَالْأَبْعَدُ وَالْأَدْنَى ، وَقِيلَ : اللَّئِيمُ ، وَقِيلَ : الشَّقِيُّ ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ ، وَمُرَادُهُ نَفْسُهُ فَحَقَّرَهَا وَعَابَهَا بِمَا فَعَلَ ( فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ ذَكَرْتَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِي ؟ ) وَفِي رِوَايَةٍ : لِأَحَدٍ قَبْلِي ( فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : ) لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ بِالْأُمَّةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ . ( فَتُبْ إِلَى اللَّهِ ) بِالنَّدَمِ عَلَى مَا فَعَلْتَ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ ( وَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ) الَّذِي أَسْبَلَهُ عَلَيْكَ إِذْ لَوْ شَاءَ لَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ وَفَضَحَكَ فَلَا تُظْهِرْ أَنْتَ مَا سَتَرَهُ عَلَيْكَ . ( فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) أَيْ مِنْهُمْ ( فَلَمْ تُقْرِرْهُ ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى ، أَيْ لَمْ تُمَكِّنْهُ ( نَفْسُهُ ) مِنَ الثُّبُوتِ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ رَأْفَتِهِ وَشَفَقَتِهِ ، وَمَاعِزٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَصَلَ لَهُ شِدَّةُ خَوْفٍ مِنْ ذَنْبِهِ ( حَتَّى أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) لَمَّا عَلِمَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَفِي الْحَدِيثِ : وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ . ( فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فِي أَمْرِ اللَّهِ لَكِنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَطْلُوبٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْرِ اللَّهِ ( فَلَمْ تُقْرِرْهُ نَفْسُهُ ) لِشِدَّةِ إِشْفَاقِهِ ( حَتَّى جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَنَادَاهُ ( فَقَالَ : إِنَّ الْأَخِرَ ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ ، أَيِ الرَّذْلَ الدَّنِيَّ ( زَنَى ، قَالَ سَعِيدٌ ) بْنُ الْمُسَيَّبِ ( فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ ، فَقَالَ : إِنِّي زَنَيْتُ ( حَتَّى إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ ) بِالْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ : فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ قَالَ : لَا ، فَقَالَ : أُحْصِنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَا يُنَافِي سُؤَالُهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ : ( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ : أَيَشْتَكِي ) مَرَضًا أَذْهَبَ عَقْلَهُ ( أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ، أَيْ جُنُونٌ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْهُ ؛ إِذْ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَقَعُ مِنْ صَحِيحٍ عَاقِلٍ . ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَحِيحٌ ) فِي الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ . ( فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبِكْرٌ ) هُوَ ( أَمْ ثَيِّبٌ ؟ ) أَيْ تَزَوَّجَ زَوْجَةً وَدَخَلَ بِهَا وَأَصَابَهَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَوَطْءٍ مُبَاحٍ ( فَقَالُوا : بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ ) زَادَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ : فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ ، فَلَمَّا أَدْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ . قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : وَالَّذِي أَدْرَكَهُ لَمَّا هَرَبَ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : عُمَرُ ، حَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَأْسَ الَّذِينَ رَجَمُوهُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، انْتَهَى . فَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ أَوَّلًا بِنُصْحِهِ بِأَمْرِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالسَّتْرِ فَلَمَّا ثَبَتَ عَلَى الْإِقْرَارِ تَقَرَّبَ ثَانِيًا إِلَى اللَّهِ فَكَانَ رَأْسَ مَنْ رَجَمَهُ . وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِظَاهِرِهِ فِي اشْتِرَاطِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمَا دُونَهَا قِيَاسًا عَلَى الشُّهُودِ ، وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا . وَلَمْ يَقُلْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ . وَبِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ إِذْ لَمْ يُنْقَلُ أَنَّهُ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهَا ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ عَلَى مَاعِزٍ ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ وَلِذَا قَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ وَقَالَ لِأَهْلِهِ : أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يُصِرُّ عَلَى إِقْرَارِ مَا يَقْتَضِي هَلَاكَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ، مَعَ أَنَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّوْبَةِ ، وَلِذَا سَأَلَ أَهْلَهُ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ حَالِهِ وَصِيَانَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ ، فَيُبْنَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ لَا عَلَى مُجَرَّدِ إِقْرَارِهِ بِعَدَمِ الْجُنُونِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُفِدْ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ لَأَنَّ إِقْرَارَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِيهِ أَنَّ الْمَجْنُونَ الْمَعْتُوهَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الْإِنْسَانِ مَا يَأْتِيهِ مِنَ الْفَوَاحِشِ جُنُونٌ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْمَجَانِينُ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ ذَوِي الْعُقُولِ كَشْفُ ذَلِكَ ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالتَّوْبَةُ ، وَكَمَا يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى غَيْرِهِمْ يَلْزَمُهُمُ السَّتْرُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّ حَدَّ الثَّيِّبِ غَيْرُ حَدِّ الْبِكْرِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، لَكِنْ قَلِيلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَأَى عَلَى الثَّيِّبِ الْجَلْدَ وَالرَّجْمَ مَعًا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعُبَادَةَ وَتَعَلَّقَ بِهِ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ . وَقَالَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ : لَا رَجْمَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْجَلْدُ لِثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ .
1493 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ : هَزَّالٌ : يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ ابْنِ هَزَّالٍ الْأَسْلَمِيِّ فَقَالَ يَزِيدُ : هَزَّالٌ جَدِّي ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ . 1553 1493 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي ) لَا خِلَافَ فِي إِسْنَادِهِ فِي الْمُوَطَّأِ كَمَا تَرَى ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنِ ابْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، قَبِيلَةٌ ، قَالَ فِيهَا الْمُصْطَفَى : أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ ( يُقَالُ لَهُ ) أَيِ اسْمُهُ ( هَزَّالٌ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَةِ الشَّدِيدَةِ ، ابْنُ يَزِيدَ الصَّحَابِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّ هَزَّالًا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ وَأَنَّ مَاعِزًا وَقَعَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُ هَزَّالٌ : انْطَلِقْ فَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَسَى أَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرْآنٌ ، فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ ) مِنْ أَمْرِكَ لَهُ بِإِخْبَارِي لِمَا فِي السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الْمَذْكُورِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ . ( قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَزِيدُ ) بِيَاءٍ قَبْلَ الزَّايِ ( ابْنُ نُعَيْمِ ) بِضَمِّ النُّونِ ( ابْنِ هَزَّالٍ الْأَسْلَمِيُّ ) تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، ثِقَةٌ ، مَقْبُولٌ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ جَدِّهِ مُرْسَلَةٌ ، وَأَمَّا أَبُوهُ نُعَيْمٌ فَصَحَابِيٌّ نَزَلَ الْمَدِينَةَ مَا لَهُ رَاوٍ إِلَّا ابْنُهُ يَزِيدُ . ( فَقَالَ يَزِيدُ : هَزَّالٌ جَدِّي وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ ) أَيْ صِدْقٌ لَا مَحَالَةَ .
1496 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ : أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَأْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ ، قَالَ : تَكَلَّمْ ، فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ ، وَبِجَارِيَةٍ لِي ، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ . وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا ، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَسِيفُ : الْأَجِيرُ . 1556 1496 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ( وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ( أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُمَا ( اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ ) احْكُمْ ( بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ( وَقَالَ الْآخَرُ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ ( وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا ) قَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدَّيْنِ الْعِرَاقِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ كَانَ عَارِفًا بِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمَا فَوَصَفَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ أَفْقَهُ مِنَ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا ، وَيُحْتَمَلُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْخَاصَّةِ لِحُسْنِ أَدَبِهِ فِي اسْتِئْذَانِهِ أَوَّلًا ، وَتَرْكِ رَفْعِ صَوْتِهِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ رَفَعَهُ ( أَجَلْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَخِفَّةِ اللَّامِ أَيْ نَعَمْ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ) إِنَّمَا سَأَلَا ذَلِكَ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِحُكْمِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْحُكْمِ الصَّرْفِ لَا بِالتَّصَالُحِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِهِمَا ، أَوْ أَمْرِهِمَا بِالصُّلْحِ إِذْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ( وَأْذَنْ لِي ) فِي ( أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ : تَكَلَّمْ ، فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ( كَانَ عَسِيفًا ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْفَاءِ أَيْ أَجِيرًا ( عَلَى هَذَا ) أَيْ عِنْدَهُ أَوْ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ ( فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهَا ( فَأَخْبَرَنِي ) بِالْإِفْرَادِ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَلِلْقَعْنَبِيِّ : فَأَخْبَرُونِي أَيْ بِالْجَمْعِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : فَسَأَلْتُ مَنْ لَا يَعْلَمُ فَأَخْبَرَنِي ( أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِافْتَدَيْتُ ، وَمِنْ لِلْبَدَلِ نَحْوُ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ، أَيِ افْتَدَيْتُ بِمِائَةِ شَاةٍ بَدَلَ الرَّجْمِ ( وَبِجَارِيَةٍ لِي ) وَفِي رِوَايَةٍ وَجَارِيَةٍ بِلَا مُوَحَّدَةٍ ( ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ ، وَلَا عَلَى عَدَدِهِمْ ( فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ) بِالْإِضَافَةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ بِكْرٌ ( وَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ ) لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَقْسَمَ تَأْكِيدًا ( لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ) أَيِ الْقُرْآنِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، الْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ الثَّابِتِ حُكْمُهُ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ عُمَرَ الْآتِي : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَثَبَتَ خَطُّهُ ، وَعَكْسُهُ فِي الْقِيَاسِ مِثْلُهُ ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ( سورة النِّسَاءِ الْآيَةُ 15 ) وَفَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّبِيلَ بِرَجْمِ الْمُحْصَنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، أَوِ الْمَعْنَى بِحُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ( سورة النِّسَاءِ الْآيَةُ 80 ) أَيْ حُكْمُهُ فِيكُمْ وَقَضَاؤُهُ عَلَيْكُمْ ، وَمَا قَضَى بِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 80 ) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( سورة الْحَشْرِ : الْآيَةُ 7 ) فَلَمَّا أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ : حُكْمُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ ، إِذْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مَنْ زَنَى وَافْتَدَى يُرَدُّ فَدَاؤُهُ ، وَلَا أَنَّ عَلَيْهِ نَفْيَ سَنَةٍ مَعَ الْجَلْدِ وَلَا أَنَّ عَلَى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ ، وَقَدْ أَقْسَمَ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ صَادِقٌ وَقَالَ : ( أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ ) أَيْ مَرْدُودٌ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ ، نَحْوِ : نَسْجِ الْيَمَنِ أَيْ مَنْسُوجِهِ ؛ وَلِذَا كَانَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِلْجَمْعِ وَالْوَاحِدِ ( وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً ) أَيْ أَمَرَ مَنْ يَجْلِدُهُ فَجَلَدَهُ ( وَغَرَّبَهُ عَامًا ) عَنْ وَطَنِهِ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ ابْنَهُ كَانَ بِكْرًا ، وَأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالزِّنَى ، فَإِنَّ إِقْرَارَ الْأَبِ عَلَيْهِ لَا يُقْبَلُ ، وَقَرِينة اعْتِرَافِهِ حُضُورُهُ مَعَ أَبِيهِ ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ ابْنِي هَذَا ، وَسُكُوتُهُ عَلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : كَانَ ابْنِي أَجِيرًا لِامْرَأَةِ هَذَا ، وَابْنِي لَمْ يُحْصِنْ فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ بِكْرٌ ، وَفِيهِ تَغْرِيبُ الْبِكْرِ الزَّانِي خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُغَرَّبُ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ نَسْخٌ فَلَا يَجُوزُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ إِذْ حُكْمُ النَّصِّ بَاقٍ وَهُوَ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ بِالسَّنَةِ . ( وَأَمَرَ أُنَيْسًا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرٌ ( الْأَسْلَمِيَّ ) جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالظَّاهِرُ فِي نَقْدِي أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ : لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ وَلَمْ أَجِدْ لَهُ رِوَايَةً غَيْرَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُقَالُ : هُوَ أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يُقَالُ : هُوَ أُنَيْسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّهُ غَنَوِيٌّ وَهَذَا أَسْلَمِيٌّ ، كَذَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : أُنَيْسٌ هُوَ ابْنُ الضَّحَّاكِ نَقَلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ ( الْأَسْلَمِيَّ ) ، وَوَهِمَ ابْنُ التِّينِ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَلَكِنَّهُ صُغِّرَ انْتَهَى . فَإِنَّهُ خَصَّ الْأَسْلَمِيَّ قَصْدًا إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤَمَّرُ فِي الْقَبِيلَةِ إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِنُفُورِهِمْ عَنْ حُكْمِ غَيْرِهِمْ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أَسْلَمِيَّةً . ( أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ ) لِيُعْلِمَهَا أَنَّ الرَّجُلَ قَذَفَهَا بِابْنِهِ فَلَهَا عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ فَتُطَالِبُهُ أَوْ تَعْفُو عَنْهُ . ( فَإِنِ اعْتَرَفَتْ ) بِأَنَّهُ زَنَى بِهَا ( رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا ) أُنَيْسٌ لِأَنَّهُ حَكَّمَهُ فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أُنَيْسًا إِنَّمَا كَانَ رَسُولًا لِيَسْمَعَ إِقْرَارَهَا فَقَطْ ، وَأَنَّ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُشْكِلُ كَوْنُهُ اكْتَفَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ أَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ضَبْطِهِ وَخُصُوصًا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، فَإِنَّهُ أَعْرَفُ النَّاسِ بِهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أُنَيْسًا كَانَ حَاكِمًا ، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ رَسُولٌ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَصٌّ عَلَى انْفِرَادِهِ بِالشَّهَادَةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ غَيْرَهُ شَهِدَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَالِدُ الْعَسِيفِ فَقَطْ ، وَأَمَّا الْعَسِيفُ وَالزَّوْجُ فَلَا ، وَغَفَلَ بَعْضُ مَنْ تَبِعَ عِيَاضًا فَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ وَإِلَّا لَزِمَ الِاكْتِفَاءُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ أُنَيْسًا بُعِثَ حَاكِمًا فَاسْتَوْفَى شُرُوطَ الْحُكْمِ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجْمِهَا فَأَذِنَ لَهُ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ حُجَّةٌ لمالك فِي جَوَازِ إِنْفَاذِ الْحَاكِمِ رَجُلًا وَاحِدًا فِي الْإِعْذَارِ ، وَفِي أَنْ يَتَّخِذَ وَاحِدًا يَثِقُ بِهِ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الْوَاحِدِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ لَا الشَّهَادَةُ . انْتَهَى . وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَلَدِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : إنَّ الَّذِينَ كَانُوا يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُفْتِيَانِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ حِرَاشٍ الْأَسْلَمِيِّ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِمَّنْ يُفْتِي فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَقْبَلُ الْفِدَاءَ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْحِرَابَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقَذْفِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ ، وَإِرْسَالُ الْإِمَامِ إِلَى الْمَرْأَةِ لِيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ ، وَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ وُجُوبَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِبَعْثِ أُنَيْسٍ ، لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ سَبَبَ الْبَعْثِ مَا وَقَعَ بَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَالِدِ الْعَسِيفِ مِنَ الْخِصَامِ ، وَالْمُصَالَحَةِ عَلَى الْحَدِّ ، وَاشْتِهَارِ الْقِصَّةِ حَتَّى صَرَّحَ وَالِدُ الْعَسِيفِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ زَوْجُهَا ، فَالْإِرْسَالُ إِلَى هَذِهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِهَا مِنَ التُّهْمَةِ الْقَوِيَّةِ بِالْفُجُورِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ ) وَزْنًا وَمَعْنًى لِأَنَّهُ يَعْسِفُ الطُّرُقَ أَيْ يَسْلُكُهَا مُتَرَدِّدًا فِي الِاشْتِغَالِ ، وَالْجَمْعُ عُسَفَاءُ بِزِنَةِ أُجَرَاءَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْقَضَاءِ الْخَلِيفَةُ الْعَالِمُ بِوُجُوهِ الْقَضَاءِ ، وَأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَوْلَى بالقول ، وَالطَّالِبَ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ بِالْكَلَامِ ، وَإِنْ بَدَأَ الْمَطْلُوبُ بِرَدِّ هَذَا الْبَاطِلِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بقضيه فِي مِلْكِهِ وَلَا يُصَحِّحُهُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَأَنَّهُ لَا جَلْدَ مَعَ الرَّجْمِ ، وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ ، وَبَعْضِ السَّلَفِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا : خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ جَمَاعَةً وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ وَلَمْ يَجْلِدُوا ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي شُرَافةِ الْهَمْدَانِيَّةِ : جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَمُنْقَطِعٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِنَحْوِهِ .
1494 - حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ . 1554 1494 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) مُرْسَلًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، وَشُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَمَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيُّ بِاتِّفَاقٍ ، وَبِهِ صُرِّحَ فِي كَثِيرٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ ( اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ ) أَيْ زَمَنِ ( رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ) فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثَلَاثَةً ، ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِهِ : أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالِ الَّذِي يُشْبِهُ حَالَ الْمَجْنُونِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مُنْتَفِشَ الشَّعْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ يَقُولُ : زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَاسْمُ الْمَرْأَةِ الَّتِي زَنَى بِهَا فَاطِمَةُ ، فَتَاةُ هَزَّالٍ ، وَقِيلَ مُنِيرَةُ ، وَفِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ : اسْمُهَا مُهَيْرَةُ ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : جَاءَ مَاعِزٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ ، فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيمَ أُطَهِرُّكَ ؟ قَالَ : مِنَ الزِّنَى ، فَسَأَلَ أَبِهِ جُنُونٌ ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ ، فَقَالَ : أَشَرِبَ خَمْرًا ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَزَنَيْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ( فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَ ) زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرًا . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ : قَائِلٌ يَقُولُ : هَلَكَ ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ . وَقَائِلٌ يَقُولُ : مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلُ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ جَاءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالُوا : غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ . يَعْنِي يَتَنَعَّمُ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ : قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ . وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَاعِزٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَحَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى طَلَبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مَعَ تَوْبَتِهِ لِيَتِمَّ تَطْهِيرُهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ إِقْرَارِهِ ، مَعَ أَنَّ الطَّبْعَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يَقْتَضِي مَوْتَهُ ، فَجَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَوِيَ عَلَيْهَا . وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ ، قَالَ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَنِكْتَهَا ؟ لَا يُكَنِّي ، قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ ) بِالزِّنَى أَوْ بِغَيْرِهِ حَيْثُ كَانَ مُكَلَّفًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ .
1495 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي ، فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ ، فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ جَاءَتْهُ فَقَالَ : اذْهَبِي فَاسْتَوْدِعِيهِ ، قَالَ : فَاسْتَوْدَعَتْهُ ، ثُمَّ جَاءَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ . 1555 1495 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ ) القرشي التَّيْمِيِّ أَبِي يُوسُفَ الصَّدُوقِ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ( عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ ) التَّيْمِيِّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فَظَنَّهُ الْحَاكِمُ صَحَابِيًّا وَقَالَ : إِنَّ مَالِكًا هُوَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْإِصَابَةِ ، فَقَالَ : لَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، فَلَيْسَ لِزَيْدٍ وَلَا لِأَبِيهِ وَلَا لِجَدِّهِ صُحْبَةٌ فَهُوَ زَيْدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، كَمَا نَسَبَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَجَدُّهُ مَشْهُورٌ فِي التَّابِعِينَ ( عَنْ ) جَدِّهِ ( عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، بِضَمِّهَا ( ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) بِالتَّصْغِيرِ ، ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ، وَيُقَالُ : اسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرٌ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ ، أَدْرَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فَجَعَلَ الْحَدِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا عَنْهُ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ : مَالِكٌ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، فَجَعَلُوا الْحَدِيثَ لِزَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ مُرْسَلًا ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَصَحَّ بِمَعْنَاهُ عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ( أَنَّ امْرَأَةً ) مِنْ غَامِدٍ ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَلَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ ، وَلَا تَنَافِيَ : فَغَامِدٌ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٍ فَمِيمٍ مَكْسُورَةٍ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ ، بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ : سَمِعْتُ سُبَيْعَةَ الْقُرَشِيَّةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ حَدَّ اللَّهِ . الْحَدِيثُ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنْ صَحَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمَا مَعًا . ( جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا زَنَتْ ) وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَة فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي ، فَقَالَ : وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَتْ : أَنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى ( وَهِيَ حَامِلٌ ) مِنَ الزِّنَى كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عِمْرَانَ ، وَبُرَيْدَةَ . ( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي ) حَمْلَكِ لِمَنْعِ رَجْمِ الْحُبْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَتْلُ الْوَلَدِ بِلَا جِنَايَةٍ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ ، وَفِيهِ عَنْ عِمْرَانَ : فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ وَلِيَّهَا ، فَقَالَ : أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا ( فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْهُ ) وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ : هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ ) وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ : فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ ، فَقَالَ : إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا ، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : إِلَيَّ رِضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ : فَرَجَمَهَا . وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ ، فَقَالَتْ : هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْضَ قَوْلَ الرَّجُلِ إِلَيَّ رِضَاعُهُ ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ أَرْفَقُ بِهِ فِي رِضَاعِهِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهَا حَتَّى فَطَمَتْهُ ، وَيَكُونُ التَّعْقِيبُ فِي قَوْلِهِ فِي الْأُولَى فَرَجَمَهَا نَحْوَ : تَزَوَّجَ زَيْدٌ فَوُلِدَ لَهُ ، هَكَذَا ظَهَرَ لِي ، ثُمَّ رَأَيْتُ النَّوَوِيَّ قَالَ : الرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ ، وَالثَّانِيَةُ صَرِيحَةٌ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِخِلَافِ الْأُولَى ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهَا عَلَى وَفْقِ الثَّانِيَةِ ، بِأَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ إِلَيَّ رِضَاعُهُ إِنَّمَا قَالَ بَعْدَ الْفِطَامِ ، وَأَرَادَ بِهِ كَفَالَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ وَسَمَّاهُ رِضَاعًا مَجَازًا ، انْتَهَى . وَلَعَلَّ مَا قُلْتُهُ أَقْرَبُ لِإِبْقَاءِ الرِّضَاعِ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْقِيبُ ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ . ( فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ جَاءَتْهُ فَقَالَ : اذْهَبِي فَاسْتَوْدِعِيهِ ) اجْعَلِيهِ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ ( قَالَ فَاسْتَوْدَعَتْهُ ) لَا يُنَافِي رِوَايَةَ مُسْلِمٍ : فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَمَّا اسْتَوْدَعَتْهُ وَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ أَحْضَرَهُ بِالصَّبِيِّ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ؛ لِيَكُونَ أَشَدَّ تَوَثُّقًا فِي حِفْظِهِ مِنْ مَزِيدِ رَأْفَتهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ . ( ثُمَّ جَاءَتْهُ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ) وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ : ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا ، فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجْرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَنَضَخَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ ، فَسَبَّهَا فَسَمِعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا فَدُفِنَتْ وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ : ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ ؟ قَالَ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا ؟ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا . وَأَمَّا الْأُولَى فَقَالَ عِيَاضٌ : هِيَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِضَمِّ الصَّادِ ، قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا انْتَهَى . وَقَدْ يُجْمَعُ بِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ قَبْلَ الصَّلَاةِ صَلَّى عَلَيْهَا لَمَّا عَلِمَ تَوْبَتَهَا .
1527 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أُتِيَ بِإِنْسَانٍ قَدْ اخْتَلَسَ مَتَاعًا ، فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ قَطْعٌ . 1585 1527 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أُتِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بِإِنْسَانٍ قَدِ اخْتَلَسَ ) أَيِ اخْتَطَفَ بِسُرْعَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ ( مَتَاعًا فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) أَحَدِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ( يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ زَيْدٌ : لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ قَطْعٌ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ مَا يُخْلَسُ .
11 - باب مَا لَا قَطْعَ فِيهِ 1525 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ ، فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ ، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ ، فَوَجَدَهُ فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ، فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ ، فَانْطَلَقَ سَيِّدُ الْعَبْدِ إِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ ، وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخَذَ غُلَامًا لِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَهُ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِيَ إِلَيْهِ ، فَتُخْبِرَهُ بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَشَى مَعَهُ رَافِعٌ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ : أَخَذْتَ غُلَامًا لِهَذَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ قَطْعَ يَدِهِ ، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ ، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ . 11 - بَابُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ 1583 1525 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ( أَنَّ عَبْدًا ) أَسْوَدَ لِوَاسِعِ ابْنِ حَبَّانَ عَمِّ مُحَمَّدٍ وَاسْمُ الْعَبْدِ فِيلٌ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَهُوَ بِلَفْظِ الْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ ( سَرَقَ وَدِيًّا ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ أَيْ نَخْلًا صِغَارًا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ سَرَقَ نَخْلًا صِغَارًا ( مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ ) لَمْ يُسَمَّ ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنَّ غُلَامًا لِعَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ أَرْضِ جَارٍ لَهُ ( فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ فَوَجَدَهُ ) فِي حَائِطِ جَارِهِ ( فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ) أَمِيرَ الْمَدِينَةِ حِينَئِذٍ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ( فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ فَانْطَلَقَ سَيِّدُ الْعَبْدِ ) وَاسِعُ ابْنُ حَبَّانَ ( إِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَجِيمٍ ابْنِ رَافِعِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ الْحَارِثِيِّ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، وَقِيلَ : قَبْلَ ذَلِكَ ( فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ ) رَافِعٌ ( أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا قَطْعَ ) جَائِزٌ ( فِي ثَمَرٍ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ مُعَلَّقٌ عَلَى الشَّجَرِ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُحْرَزَ ( وَلَوْ فِي كَثَرٍ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ ( وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ جُمَّارُ النَّخْلِ وَهُوَ شَحْمُهُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ الْكَافُورُ وَهُوَ وِعَاءُ الطَّلْعِ مِنْ جَوْفِهِ سُمِّيَ جُمَّارًا وَكَثَرًا لِأَنَّهُ أَصْلُ الْكَوَافِيرِ ، وَحَيْثُ تَجْتَمِعُ وَتَكْثُرُ كَمَا فِي الْفَائِقِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ ، فَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : مَا الْكَثَرُ ؟ فَقَالَ : الْجُمَّارُ ، وَبِهِ تُعُقِّبَ تَفْسِيرُ ابْنِ الْأَثِيرِ للكثر بِالتَّمْرِ الرُّطَبِ مَا دَامَ فِي النَّخْلَةِ فَإِذَا قُطِعَ فَهُوَ رُطَبٌ فَإِذَا كَثَرَ فَهُوَ تَمْرٌ وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ ، وَهُوَ الْقَصْدُ مِنَ الْوَدِيِّ الَّذِي هُوَ النَّخْلُ الصِّغَارُ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ ، فَالدَّلِيلُ طِبْقَ الْمَدْلُولِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ( فَقَالَ الرَّجُلُ : فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( أَخَذَ غُلَامًا ) عَبْدًا ( لِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَهُ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِيَ إِلَيْهِ فَتُخْبِرَهُ بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَشَى مَعَهُ رَافِعٌ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ : أَخَذْتَ غُلَامًا لِهَذَا ) الرَّجُلِ ؟ ( قَالَ : نَعَمْ ) أَخَذْتُهُ ( قَالَ : فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ ) فَاعِلٌ ( بِهِ ؟ ) وَفِي هَذَا مِنَ اللُّطْفِ فِي الْخِطَابِ مَا لَا يَخْفَى حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ هَذَا قَدْ أَخَذْتَ لَهُ غُلَامًا وَأَرَدْتَ قَطْعَهُ ( قَالَ : أَرَدْتُ قَطْعَ يَدِهِ ) لِأَنَّهُ سَرَقَ ( فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : إِلَّا مَا آوَاهُ الْجَرِينُ . ( فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ ) أُطْلِقَ مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ . فَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ . وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : فَأَرْسَلَهُ مَرْوَانُ فَبَاعَهُ أَوْ نَفَاهُ أَيْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ كُلِّهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَتَلَقَّتِ الْأَئِمَّةُ مَتْنَهُ بِالْقَبُولِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَافِعٍ ، وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَمَّادَانِ وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعٍ ، عَنْ رَافِعٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ الْمَدَائِنِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ لَكِنْ قَدْ خُولِفَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ دُلَيْلٍ فَقِيلَ عَنْ مُحَمَّدٍ عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ ، وَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ عَمَّةٍ لَهُ ، وَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ رَافِعٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ خُولِفَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ دُلَيْلٍ أَيْضًا ، فَإِنَّمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ غَيْرُ قَادِحٍ كَمَا قَدْ يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَتْنُ فَصَحِيحٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَبُو عُمَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ .
1526 - وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ جَاءَ بِغُلَامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ : اقْطَعْ يَدَ غُلَامِي هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَاذَا سَرَقَ ؟ فَقَالَ : سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ . 1584 1526 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ) بْنِ سَعِيدٍ الْكِنْدِيِّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ لَهُ أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ : قَبْلَهَا وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَّارٍ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ قُتِلَ أَبُوهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ كَافِرًا ، اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ مُفَوَّزٍ ، وَابْنُ فَتْحُونٍ وَاسْتَبْعَدَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : وَمُقْتَضَى مَوْتِ أَبِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ نَحْوُ تِسْعِ سِنِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ أَيِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ . ( جَاءَ بِغُلَامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ : اقْطَعْ يَدَ غُلَامِي هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَاذَا سَرَقَ ؟ فَقَالَ : سَرَقَ مِرْآةً ) وِزَانُ مِفْتَاحٍ وَالْجَمْعُ مَرَاءٍ وِزَانُ جَوَارٍ وَغَوَاشٍ آلَةُ النَّظَرِ ( لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ خَادِمِكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ ) فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْكُمْ أَمْرَانِ .
1528 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنَّهُ أَخَذَ نَبَطِيًّا قَدْ سَرَقَ خَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ ، فَحَبَسَهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَاةً لَهَا يُقَالُ لَهَا أُمَيَّةُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَجَاءَتْنِي وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّاسِ فَقَالَتْ : تَقُولُ لَكَ خَالَتُكَ عَمْرَةُ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، أَخَذْتَ نَبَطِيًّا فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ ذُكِرَ لِي ، فَأَرَدْتَ قَطْعَ يَدِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَتْ : فَإِنَّ عَمْرَةَ تَقُولُ لَكَ : لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَأَرْسَلْتُ النَّبَطِيَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي اعْتِرَافِ الْعَبِيدِ : أَنَّهُ مَنْ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يَقَعُ الْحَدُّ فِيهِ أَوْ الْعُقُوبَةُ فِيهِ فِي جَسَدِهِ ، فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يُتَّهَمُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا . قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا مَنْ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِأَمْرٍ يَكُونُ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ ، فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى سَيِّدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ يَكُونَانِ مَعَ الْقَوْمِ يَخْدُمَانِهِمْ إِنْ سَرَقَاهُمْ قَطْعٌ ؛ لِأَنَّ حَالَهُمَا لَيْسَتْ بِحَالِ السَّارِقِ ، وَإِنَّمَا حَالُهُمَا حَالُ الْخَائِنِ وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَةَ فَيَجْحَدُهَا : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا جَحَدَهُ قَطْعٌ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي السَّارِقِ يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ ، قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَمْرًا لِيَشْرَبَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ ، وَمَثَلُ ذَلِكَ رَجُلٌ جَلَسَ مِنْ امْرَأَةٍ مَجْلِسًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَهَا حَرَامًا فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدٌّ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ قَطْعٌ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا يُقْطَعُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ . 1586 1528 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ ( أَنَّهُ أَخَذَ نَبَطِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةً إِلَى النَّبَطِ قَرْيَةٍ مِنَ الْعَجَمِ ( قَدْ سَرَقَ خَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ فَحَبَسَهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةُ ( مَوْلَاةً لَهَا يُقَالُ لَهَا أُمَيَّةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَجَاءَتْنِي ) أُمَيَّةُ ( وَأَنَا بَيْنَ ظَهَرَانَيِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَلَا تُكْسَرُ أَيْ بَيْنَ ( النَّاسِ ) وَزِيدَ ظَهْرَانَيِ لِإِفَادَةِ أَنَّ إِقَامَتَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ بِهِمْ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ . كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامَهُ وَظَهْرًا وَرَاءَهُ فَكَأَنَّهُ مَكْتُوفٌ مِنْ جَانِبَيْهِ هَذَا أَصْلُهُ ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَكْتُوفٍ بَيْنَهُمْ ( فَقَالَتْ : تَقُولُ لَكَ خَالَتُكَ عَمْرَةُ : يَا ابْنَ أُخْتِي أَخَذْتَ نَبَطِيًّا فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ ذُكِرَ لِي فَأَرَدْتَ قَطْعَ يَدِهِ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَتْ : فَإِنَّ عَمْرَةَ تَقُولُ لَكَ : لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ ) ذَهَبًا ( فَصَاعِدًا ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ ، وَهَذَا قَدْ رَوَتْهُ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ كَمَا مَرَّ . ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَأَرْسَلْتُ النَّبَطِيَّ ) أَطْلَقْتُهُ بِلَا قَطْعٍ ؛ لِأَنَّ الْخَوَاتِمَ لَا تُسَاوِي ذَلِكَ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي اعْتِرَافِ الْعَبِيدِ ) بِالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا ( أَنَّ مَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ تَقَعُ الْعُقُوبَةُ أَوِ الْحَدُّ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ ) كَاعْتِرَافِهِ بِزِنًى أَوْ شُرْبٍ ( فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ( وَلَا يُتَّهَمُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ ) أَيْ جَسَدِهِ ( هَذَا ) أَيِ الضَّرْبَ أَوِ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . ( وَأَمَّا مَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِأَمْرٍ يَكُونُ غُرْمًا ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ( عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى سَيِّدِهِ ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ ( وَلَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ يَكُونَانِ مَعَ الْقَوْمِ يَخْدُمَانِهِمْ ) بِضَمِّ الدَّالِ ( إِنْ سَرَقَاهُمْ ) أَيْ شَيْئًا مِنْهُمْ ( قَطْعٌ لِأَنَّ حَالَهُمَا لَيْسَتْ بِحَالِ السَّارِقِ ) وَهُوَ مَنْ أَخَذَ مِنْ مَوْضِعٍ مَمْنُوعٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ ( وَإِنَّمَا حَالُهُمَا حَالُ الْخَائِنِ ) وَهُوَ الَّذِي خَانَ مَا جُعِلَ أَمِينًا عَلَيْهِ ( وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ ) لِأَنَّ النَّصَّ إِنَّمَا جَاءَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ دُونَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَةَ فَيَجْحَدُهَا : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ ) إِذْ لَيْسَ بِسَارِقٍ ( إِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ) أَيْ صِفَتُهُ بِمَعْنَى قِيَاسِهِ ( مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلِ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا جَحَدَهُ قَطْعٌ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي السَّارِقِ يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحِرْزِ ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَمْرًا لِيَشْرَبَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ ) لِعَدَمِ الشُّرْبِ ( وَمَثَلُ ذَلِكَ ) أَيْ قِيَاسُهُ ( رَجُلٌ جَلَسَ مِنَ امْرَأَةٍ مَجْلِسًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَهَا ) يُجَامِعَهَا ( حَرَامًا فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْهَا ) أَيْ لَمْ يُدْخِلْ حَشَفَتَهُ فِيهَا ( فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدٌّ ) لِعَدَمِ الْوَطْءِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ ) أَيْ مَا يُخْلَسُ وَيُخْطَفُ بِسُرْعَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ ( قَطْعٌ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا يُقْطَعُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَرِقَةٍ .
10 - باب جَامِعِ الْقَطْعِ 1523 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ ، فَكَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ : وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ ، فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِرَارًا ثُمَّ يُسْتَعْدَى عَلَيْهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ لِجَمِيعِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، قُطِعَ أَيْضًا . 10 - بَابُ جَامِعِ الْقَطْعِ 1581 1523 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصِّدِّيقِ ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ) لَمْ يُسَمَّ ( أَقْطَعَ الْيَدِ ) الْيُمْنَى ( وَالرِّجْلِ ) الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ ( قَدِمَ ) الْمَدِينَةَ ( فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) فِي خِلَافَتِهِ ( فَشَكَى إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ) أَيْ بَعْضِهِ ( فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ ) مُتَعَجِّبًا ( وَأَبِيكَ ) قَسَمٌ عَلَى مَعْنَى وَرَبِّ أَبِيكَ ، أَوْ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ وَلَا يَقْصِدُونَ بِهَا الْقَسَمَ ( مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ ) لِأَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يُنَافِي السَّرِقَةَ ( ثُمَّ إنَّهُمْ فَقَدُوا ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْقَافِ ( عِقْدًا ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ قِلَادَةً ( لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمِلَةِ وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ مُصَغَّرٌ ( امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) أُمِّ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ شَهِيرَةٌ ( فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ ) يَدُورُ ( مَعَهُمْ ) أَيْ مَعَ الَّذِينَ بُعِثُوا لِلتَّفْتِيشِ عَلَى الْعِقْدِ ( وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ الثَّقِيلَةِ ( أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ ) أَيْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا يَأْخُذُ الْعِقْدَ ( فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ ) الَّذِي هُوَ الْعِقْدُ ( عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الْأَقْطَعُ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ ) شَكَّ الرَّاوِي ( فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي ) وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيَّ وَفِي أُخْرَى عَلَيْهِ ( مِنْ سَرِقَتِهِ ) لِأَنَّ فِيهَا حَظًّا لِلنَّفْسِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ عَلَيْهَا ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالْكَبَائِرِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِرَارًا ثُمَّ يُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ لِجَمِيعِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ ) لِأَنَّ حَدَّ الْقَطْعِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِمَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ وَإِلَّا لَجَازَ عَفْوُهُمْ إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ ، وَهَذَا ( إِذَا لَمْ يَكُنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ أَيْضًا ) مِنْ خِلَافٍ .
1524 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ وَلَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ أَوْ يَقْتُلَ ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَوْ أَخَذْتَ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ الَّتِي تَكُونُ مَوْضُوعَةً بِالْأَسْوَاقِ مُحْرَزَةً ، قَدْ أَحْرَزَهَا أَهْلُهَا فِي أَوْعِيَتِهِمْ ، وَضَمُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ : إِنَّهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ حِرْزِهِ ، فَبَلَغَ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ عِنْدَ مَتَاعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، لَيْلًا ذَلِكَ أَوْ نَهَارًا . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ ، ثُمَّ يُوجَدُ مَعَهُ مَا سَرَقَ ، فَيُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ : إِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تُقْطَعُ يَدُهُ وَقَدْ أُخِذَ الْمَتَاعُ مِنْهُ وَدُفِعَ إِلَى صَاحِبِهِ ؟ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّارِبِ يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَلَيْسَ بِهِ سُكْرٌ فَيُجْلَدُ الْحَدَّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُجْلَدُ الْحَدَّ فِي الْمُسْكِرِ إِذَا شَرِبَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا شَرِبَهُ لِيُسْكِرَهُ ، فَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ ، وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَرَجَعَتْ إِلَى صَاحِبِهَا ، وَإِنَّمَا سَرَقَهَا حِينَ سَرَقَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَأْتُونَ إِلَى الْبَيْتِ فَيَسْرِقُونَ مِنْهُ جَمِيعًا ، فَيَخْرُجُونَ بِالْعِدْلِ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا ، أَوْ الصُّنْدُوقِ أَوْ الْخَشَبَةِ أَوْ بِالْمِكْتَلِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُ الْقَوْمُ جَمِيعًا : إِنَّهُمْ إِذَا أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ حِرْزِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا ، فَبَلَغَ ثَمَنُ مَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا ، فَعَلَيْهِمْ الْقَطْعُ جَمِيعًا ، قَالَ : وَإِنْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَتَاعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ مُغْلَقَةً عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا شَيْئًا الْقَطْعُ ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الدَّارِ كُلِّهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا هِيَ حِرْزُهُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ غَيْرُهُ ، وَكَانَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ ، وَكَانَتْ حِرْزًا لَهُمْ جَمِيعًا ، فَمَنْ سَرَقَ مِنْ بُيُوتِ تِلْكَ الدَّارِ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَخَرَجَ بِهِ إِلَى الدَّارِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إِلَى غَيْرِ حِرْزِهِ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ : أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ ، ثُمَّ دَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إِذَا سَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهَا . وَقَالَ فِي الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ فَدَخَلَ سِرًّا ، فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ : إِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ . قَالَ : وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِخَادِمٍ لَهَا وَلَا لِزَوْجِهَا ، وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا ، فَدَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ مِنْ خَدَمِهَا وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا فَدَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، أَنَّهَا تُقْطَعُ يَدُهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَتِهِ ، أَوْ الْمَرْأَةُ تَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، إِنْ كَانَ الَّذِي سَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ ، فِي بَيْتٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي يُغْلِقَانِ عَلَيْهِمَا ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ ، فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ : أَنَّهُمَا إِذَا سُرِقَا مِنْ حِرْزِهِمَا أَوْ غَلْقِهِمَا ، فَعَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا الْقَطْعُ ، وَإِنْ خَرَجَا مِنْ حِرْزِهِمَا وَغَلْقِهِمَا ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا قَطْعٌ ، قَالَ : وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ وَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَنْبِشُ الْقُبُورَ : أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَا أَخْرَجَ مِنْ الْقَبْرِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ . وَقَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ ، كَمَا أَنَّ الْبُيُوتَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا ، قَالَ : وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْقَبْرِ . 1582 1524 - ( مَالِكٌ : أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مُقَاتَلَةٍ وَبِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ أَيْضًا ضُبِطَ بِهِمَا بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَيُقَالُ خَرَبَ بِالْمُعْجَمَةِ يَخْرُبُ مِنْ بَابِ قَتَلَ خِرَابَةً بِالْكَسْرِ إِذَا سَرَقَ لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْإِهْمَالَ قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَقْتُلُوا ) أَحَدًا ( فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ أَوْ يَقْتُلَ ) إِذِ التَّخْيِيرُ فِي ذَلِكَ وَفِي الصَّلْبِ وَالنَّفْيِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحِرَابَةِ بِالْإِهْمَالِ لَا فِي الْخِرَابَةِ بِالْإِعْجَامِ بِمَعْنَى السَّرِقَةِ ، إِذْ لَا قَتْلَ فِيهَا وَلَا غَيْرَهُ سِوَى الْقَطْعِ . ( فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ أَخَذْتَ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ ) أَهْوَنِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ ، فَحُذِفَ جَوَابُ لَوْ أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا جَوَابَ لَهَا ، وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ الْإِهْمَالَ إِذْ لَوْ كَانُوا سَرَقُوا لِأَمَرَ بِالْقَطْعِ جَزْمًا . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَسْرِقُ أَمْتِعَةَ النَّاسِ الَّتِي تَكُونُ مَوْضُوعَةً بِالْأَسْوَاقِ مُحْرَزَةً ) فِي حِرْزِ مِثْلِهَا ( قَدْ أَحْرَزَهَا أَهْلُهَا ) أَصْحَابُهَا ( فِي أَوْعِيَتِهِمْ وَضَمُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ أَنَّهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ حِرْزِهِ فَبَلَغَ قِيمَتُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ( فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ عِنْدَ مَتَاعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، لَيْلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَهَارًا ) إِذْ لَا فَرْقَ فِي الْمُخْرَجِ مِنَ الْحِرْزِ فِي ذَلِكَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ ثُمَّ يُوجَدُ مَعَهُ مَا سَرَقَ فَيُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ إِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ ) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ . ( فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ تُقْطَعُ يَدُهُ وَ ) الْحَالُ أَنَّهُ ( قَدْ أُخِذَ الْمَتَاعُ مِنْهُ وَدُفِعَ إِلَى صَاحِبِهِ ؟ ) فَلَا يَقُلْ ذَلِكَ ( فَإِنَّمَا هُوَ ) أَيِ السَّارِقُ ( بِمَنْزِلَةِ الشَّارِبِ ) لِلْخَمْرِ ( يُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ ) شَأْنُهُ ( وَلَيْسَ بِهِ سُكْرٌ ) لِنَحْوِ اعْتِيَادٍ فَصَارَ لَا يُسْكِرُهُ ( فَيُجْلَدُ الْحَدَّ وَإِنَّمَا يُجْلَدُ الْحَدَّ فِي الْمُسْكِرِ إِذَا شَرِبَهُ وَلَمْ يُسْكِرْهُ وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا شَرِبَهُ لِيُسْكِرَهُ ، فَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَرَجَعَتْ إِلَى صَاحِبِهَا وَ ) ذَلِكَ أَنَّهُ ( إِنَّمَا سَرَقَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا ) فَحَاصِلُ جَوَابِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ الِانْتِفَاعُ بِالْفِعْلِ ، بَلْ مُجَرَّدُ الْقَصْدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْحِرْزِ كَافٍ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ السُّكْرُ بِالْفِعْلِ بَلْ تَعَاطِيهِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَأْتُونَ إِلَى الْبَيْتِ فَيَسْرِقُونَ مِنْهُ جَمِيعًا فَيَخْرُجُونَ بِالْعِدْلِ ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ الْحِمْلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَنَحْوِهَا ( يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا أَوْ ) يَخْرُجُونَ ( بِالصُّنْدُوقِ ) بِضَمِّ الصَّادِ وَقَدْ تُفْتَحُ ، وَالزُّنْدُوقُ وَالصُّنْدُوقُ لُغَاتٌ جَمْعُهُ صَنَادِيقُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ( أَوْ بِالْخَشَبَةِ ) وَاحِدَةُ الْخَشَبِ ( أَوْ بِالْمِكْتَلِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ الزِّنْبِيلُ ، وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْخُوصِ يُحْمَلُ فِيهِ التَّمْرُ وَغَيْرُهُ ( أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُ الْقَوْمُ جَمِيعًا ) لِثِقَلِهِ ( إِنَّهُمْ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( إِذَا أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ حِرْزِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ جَمِيعًا فَبَلَغَ ثَمَنَ مَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِمُ الْقَطْعُ جَمِيعًا ) أَيْ يُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذْ لَوْلَا اجْتِمَاعُهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى إِخْرَاجِهِ . ( وَإِنْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَتَاعٍ عَلَى حِدَتِهِ ) بِالْكَسْرِ ( فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ) لِنَقْصِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَهُوَ النِّصَابُ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ مُغْلَقَةً ) مُقْفَلَةً ( عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا شَيْئًا الْقَطْعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنَ الدَّارِ كُلِّهَا وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا هِيَ حِرْزُهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ سَاكِنٌ غَيْرُهُ وَكَانَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يُغْلِقُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ( عَلَيْهِ بَابَهُ وَكَانَتْ حِرْزًا لَهُمْ جَمِيعًا ، فَمَنْ سَرَقَ مِنْ بُيُوتِ تِلْكَ الدَّارِ شَيْئًا فَخَرَجَ بِهِ إِلَى الدَّارِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إِلَى غَيْرِ حِرْزِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَسْرِقُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ( مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ ثُمَّ دَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إِذَا سَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهَا ) وَحَاصِلُهُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى رَقِيقٍ سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ . ( وَقَالَ فِي الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مِنْ خَدَمِهِ وَلَا مِمَّنْ يَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهِ فَدَخَلَ سِرًّا فَسَرَقَ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ ، وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ بِخَادِمٍ لَهَا وَلَا لِزَوْجِهَا وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا فَدَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) عَلَى غَيْرِهَا ( فَلَا قَطْعَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ أَمَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ مِنْ خَدَمِهَا وَلَا مِمَّنْ تَأْمَنُ عَلَى بَيْتِهَا فَدَخَلَتْ سِرًّا فَسَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِ سَيِّدَتِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنَّهَا تُقْطَعُ يَدُهَا ) إِذْ لَا مِلْكَ لِزَوْجِ سَيِّدَتِهَا فِيهَا . ( وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَةٍ أَوِ الْمَرْأَةُ تَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِنْ كَانَ الَّذِي سَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ فِي بَيْتٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي يُغْلِقَانِ عَلَيْهِمَا وَكَانَ فِي حِرْزٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ) كَذَا إِنْ سُرِقَ كُلُّ مَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَلَوْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأَعْجَمِيَّتِهِ ( أَنَّهُمَا إِذَا سُرِقَا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( مِنْ حِرْزِهِمَا وَغَلْقِهِمَا فَعَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا الْقَطْعُ فَإِنْ خَرَجًا مِنْ حِرْزِهِمَا وَغَلْقِهِمَا فَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا قَطْعٌ ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ ( وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ ) أَيْ مَا يُحْرَسُ فِيهِ ( الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ ) عَلَى شَجَرِهِ ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَنْبُشُ ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا : يَكْشِفُ ( الْقُبُورَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَا أَخْرَجَ مِنَ الْقَبْرِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَمَا الْبُيُوتَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنَ الْقَبْرِ ) فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا قَطْعَ .
1512 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ خَرَجَ بِجَارِيَةٍ لِامْرَأَتِهِ مَعَهُ فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَهَا فَغَارَتْ امْرَأَتُهُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَهَبَتْهَا لِي ، فَقَالَ عُمَرُ : لَتَأْتِينِي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَأَرْمِيَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ ، قَالَ : فَاعْتَرَفَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ . ( مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ خَرَجَ بِجَارِيَةٍ لِامْرَأَتِهِ مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَهَا ) جَامَعَهَا ( فَغَارَتِ امْرَأَتُهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ ) أَيِ الرَّجُلَ ( عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ ) الَّذِي قَالَتْهُ امْرَأَتُهُ ( فَقَالَ : وَهَبَتْهَا لِي ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَتَأْتِيَنِي بِالْبَيِّنَةِ ) أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَكَ ( أَوْ لَأَرْمِيَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ ) إِذْ لَا شُبْهَةَ لَكَ فِي مَالِ امْرَأَتِكَ . ( قَالَ ) رَبِيعَةُ ( فَاعْتَرَفَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ ) فَلَمْ يَرْجُمْهُ .
6 - باب مَا لَا حَدَّ فِيهِ 1512 - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الْأَمَةِ يَقَعُ بِهَا الرَّجُلُ وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ : أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ ، فَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ مِنْ الثَّمَنِ وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ جَارِيَتَهُ : إِنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ ، قُوِّمَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أَصَابَهَا حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ، وَدُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ ، فَإِنْ حَمَلَتْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوْ ابْنَتِهِ : أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ . 6 - بَابُ مَا لَا حَدَّ فِيهِ 1571 1512 - ( مَالِكٌ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الْأَمَةِ يَقَعُ بِهَا الرَّجُلُ ) أَيْ يَطَؤُهَا ( وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) لِمَا لَهُ فِيهَا مِنَ الْمِلْكِ . ( وَأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَتُقَامُ ) وَفِي نُسْخَةٍ وَتَتَقَوَّمُ ( عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ حِينَ حَمَلَتْ فَيُعْطي شُرَكَاءهُ حِصَصَهُمْ مِنَ الثَّمَنِ وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ ) كُلُّهَا ( وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُحِلُّ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ( لِلرَّجُلِ جَارِيَتَهُ إِنَّهُ ) بِالْكَسْرِ ( إِنْ أَصَابَهَا ) جَامَعَهَا ( الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أَصَابَهَا حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ) حَتَّى لَا يَتِمَّ مَا أَرَادَهُ مِنَ التَّحْلِيلِ ( وَدُرِئَ ) دُفِعَ ( عَنْهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ ) لِلشُّبْهَةِ ( فَإِنْ حَمَلَتْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ) لِلْقَاعِدَةِ إِنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يَدْرَأُ الْحَدَّ وَيُلْحِقُ الْوَلَدَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ أَنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ ) لِمَا لَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ لِخَبَرِ : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ . ( وَتُقَامُ ) أَيْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ ( الْجَارِيَةُ حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ) وَيُؤَدَّبُ .
9 - باب تَرْكِ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إِذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ 1521 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ : أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ : إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ . 9 - بَابُ تَرْكِ الشَّفَاعَةِ لِلسَّارِقِ إِذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ 1579 1521 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ ) بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّهِ فَوَصَلَهُ ، وَرَوَاهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ ( أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ) بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ جُمَحٍ الْقُرَشِيَّ الْمَكِّيَّ صَحَابِيٌّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ ، مَاتَ أَيَّامَ قَتْلِ عُثْمَانَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ( قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ ) وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَدْ هَاجَرَ فَقَالَ : لَا أَنْزِلُ مَنْزِلِي حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ ) النَّبَوِيِّ ( وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ ) جَعَلَهُ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ ( فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ صَفْوَانُ : لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ) وَإِنَّمَا أَرَدْتُ تَأْدِيبَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ( هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ) مِنِّي كَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْقَطْعَ مَوْكُولٌ إِلَى إِرَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلَّا ) بِشَدِّ اللَّامِ ( قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ) فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ فَلَيْسَ لَهَا مَتْرَكٌ ، كَمَا زَادَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ . وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنَ الْمَفْصِلِ أَيْ مَفْصِلِ الْكُوعِ . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ صَفْوَانَ قَالَ : كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي ، ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي ، فَأُخذَ الرَّجُلَ فَأَتي بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ فَقُلْتُ لَهُ : أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا أَنَا أُمَتِّعُهُ ثَمَنَهَا ، فَقَالَ : فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ؟ .
1522 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ ، فَقَالَ : لَا حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ . 1580 1522 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ ابْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخٍ الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ ) يُطْلِقَهُ وَلَا يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ ( فَقَالَ : لَا حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ فَقَالَ الزُّبَيْرُ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ ) عِنْدَهُ ( وَالْمُشَفِّعَ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ شَدِيدَةٍ أَيْ قَابِلَ شَفَاعَتِهِ وَهُوَ السُّلْطَانُ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا : اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَالِي ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي ذَوِي الذُّنُوبِ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ ، وَأَنَّ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَتْهُ إِقَامَتَهَا .
1520 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ الْآبِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، قُطِعَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، قُطِعَ . 1578 1520 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ ) بْنِ الصِّدِّيقِ ( وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عُمَرَ ( وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ) وَالثَّلَاثَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ( كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا سَرَقَ الْعَبْدُ الْآبِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ) أَيْ قَطْعُ الْآبِقُ ( الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) بِسَرِقَةِ رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مُقَوَّمٍ بِهَا ( قُطِعَ ) .
8 - باب مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ 1518 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ ، فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ ، فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَقَالَ : لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ السَّارِقِ إِذَا سَرَقَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هَذَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ . 8 - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَطْعِ الْآبِقِ وَالسَّارِقِ 1577 1518 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدًا ) لَمْ يُسَمَّ ( لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي ) بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيِّ الْأُمَوِيِّ لَهُ صُحْبَةٌ وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ سِنِينَ ، وَقُتِلَ أَبُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا ، وَكَانَ سَعِيدٌ فَصِيحًا مَشْهُورًا بِالْكَرَمِ ، فَلَمَّا مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ كَانَ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِينَارٍ فَوَفَّاهَا عَنْهُ وَلَدُهُ عَمْرُو الْأَشْدَقُ ( وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ) مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ عَاتَبَهُ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنْهُ فِي حُرُوبِهِ فَاعْتَذَرَ ثُمَّ وَلَّاهُ الْمَدِينَةَ فَكَانَ يُعَاقِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَرْوَانَ فِي وِلَايَتِهَا ( لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَقَالَ : لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ إِذَا سَرَقَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) مُنْكِرًا عَلَيْهِ ( فِي أَيِّ ) آيَةٍ مِنْ ( كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هَذَا ؟ ) الَّذِي تَقُولَهُ ( ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ) لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ .
1519 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا قَدْ سَرَقَ ، قَالَ : فَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ قَالَ : فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ ، قَالَ : فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيضَ كِتَابِي يَقُولُ : كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَإِنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فَاقْطَعْ يَدَهُ . 1578 1519 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زريق ) بِالتَّصْغِيرِ وَتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَعَكْسِهِ ( ابْنِ حَكِيمٍ ) مُصَغَّرٌ وَقِيلَ : مُكَبَّرٌ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا قَدْ سَرَقَ قَالَ : فَأَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ ، قَالَ : فَكَتَبْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ ) عَلَى النَّاسِ ( وَ ) كَتَبْتُ إِلَيْهِ ( أُخْبِرُهُ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ وَهُوَ آبِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ ) وَكَأَنَّ شُبْهَةَ قَائِلِ ذَلِكَ أَنَّ الْآبِقَ يَجُوعُ غَالِبًا وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقٍ زَمَنَ الْمَجَاعَةِ . ( قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَقِيضَ كِتَابِي ) أَيْ إِبْطَالَهُ ، يُقَالُ : تَنَاقَضَ الْكَلَامَانِ تَدَافَعَا كأن كُلُّ وَاحِدٍ نَقْضَ الْآخَرِ ، وَفِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ إِذَا كَانَ بَعْضُهُ يَقْتَضِي إِبْطَالَ بَعْضٍ ( يَقُولُ : كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنَّكَ كُنْتَ تَسْمَعُ أَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ إِذَا سَرَقَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ ) فَكَيْفَ تَعْتَمِدُ عَلَى سَمَاعٍ مُخَالِفٍ لِلنَّصِّ ( وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ارْتَفَعَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمُ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أَوِ الْخَبَرُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا أَيْ يَدَيْهُمَا . وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ . وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِمَا مَعْنَى الشَّرْطِ إِذِ الْمَعْنَى : وَالَّذِي سَرَقَ وَالَّتِي سَرَقَتْ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وَالِاسْمُ الْمَوْصُولُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَبَدَأَ بِالرَّجُلِ لِأَنَّ السَّرِقَةَ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَهِيَ فِي الرِّجَالِ أَكْثَرُ ، وَقُدِّمَتِ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي لِأَنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَى فِي الْإِنَاثِ أَكْثَرُ وَلِأَنَّ الْأُنْثَى سَبَبٌ فِي وُقُوعِ الزِّنَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إِلَّا بِطَوْعِهَا ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ثُمَّ التَّثْنِيَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ السَّارِقِ فَلُوحِظَ فِيهِ الْمَعْنَى فَجُمِعَ وَالتَّثْنِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُتَلَفَّظِ بِهِمَا جَزَاءً نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَا كَسَبَا نَكَالا عُقُوبَةً لَهُمَا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ حَكِيمٌ فِي خَلْقِهِ ( فَإِنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ ) أَيِ الْآبِقِ ( رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ ( فَاقْطَعْ يَدَهُ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ : أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِقَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَطْعِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانَ أَوَّلُ سَارِقٍ قَطَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرِّجَالِ الْجَبَّارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَمِنَ النِّسَاءِ فَاطِمَةُ الْمَخْزُومِيَّةِ .
1517 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ ، لَهَا وَمَعَهَا غُلَامٌ لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ قَدْ خِيطَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ خَضْرَاءُ ، قَالَتْ : فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ فَفَتَقَ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَهُ ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا أَوْ فَرْوَةً ، وَخَاطَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَوْلَاتَانِ الْمَدِينَةَ دَفَعَتَا ذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَلَمَّا فَتَقُوا عَنْهُ وَجَدُوا فِيهِ اللِّبْدَ وَلَمْ يَجِدُوا الْبُرْدَ ، فَكَلَّمُوا الْمَرْأَتَيْنِ ، فَكَلَّمَتَا عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَتَبَتَا إِلَيْهَا وَاتَّهَمَتَا الْعَبْدَ ، فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ ، فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . وَقَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَإِنْ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ اتَّضَعَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 1576 1517 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ نَسَبُهُ لِجَدِّهِ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ ) فِي نُسُكٍ ( وَمَعَهَا مَوْلَاتَانِ لَهَا وَمَعَهَا غُلَامٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ ( لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( فَبَعَثَتْ مَعَ الْمَوْلَاتَيْنِ بِبُرْدٍ مُرَجَّلٍ ) بِالْجِيمِ وَالْحَاءِ أَيْ عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ الرِّجَالِ أَوِ الرِّحَالِ كَمَا أَفَادَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، وَمَنْعُ تَصْوِيرِ الْحَيَوَانِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَمَّ تَصْوِيرُهُ وَكَانَ لَهُ ظِلٌّ دَائِمٌ ، وَهَذَا مُجَرَّدُ وَشْيٍ فِي الْبُرْدِ لَا ظِلَّ لَهُ وَلَيْسَ بِتَامٍّ ( قَدْ خِيطَ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ خَضْرَاءُ قَالَتْ : فَأَخَذَ الْغُلَامُ الْبُرْدَ فَفَتَقَ عَنْهُ ) نَقَضَ خِيَاطَتَهُ ( فَاسْتَخْرَجَهُ وَجَعَلَ مَكَانَهُ لِبْدًا ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مَا يَتَلَبَّدُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ ( أَوْ فَرْوَةً ) بِالْهَاءِ وَيُقَالُ أَيْضًا بِحَذْفِهَا مَا يُلْبَسُ مِنْ جِلْدِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا شَكَّ الرَّاوِي ( وَخَاطَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمَتَا ) بِالْأَلِفِ عَلَى لُغَةٍ ( الْمَوْلَاتَانِ الْمَدِينَةَ دَفَعَتَا ذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَلَمَّا فَتَقُوا عَنْهُ وَجَدُوا فِيهِ اللِّبْدَ وَلَمْ يَجِدُوا الْبُرْدَ ، فَكَلَّمُوا الْمَرْأَتَيْنِ ) أَيِ الْمَوْلَاتَيْنِ ( فَكَلَّمَتَا عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَتَبَتَا إِلَيْهَا ) شَكَّ الرَّاوِي ( وَاتَّهَمَتَا ) أَيِ الْمَرْأَتَانِ ( الْعَبْدَ فَسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ ) بِأَنَّهُ سَرَقَهُ ( فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ) مِنَ الذَّهَبِ ( قَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ) لِلسَّارِقِ ( إِلَيَّ ) أَيْ عِنْدِي ( ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) مِنَ الْفِضَّةِ ( وَإِنِ ارْتَفَعَ ) زَادَ ( الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ ) نَقَصَ ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي ) سَرِقَةِ ( مِجَنٍّ ) حُجْفَةٍ أَيْ تُرْسٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ( ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) أَيْ قِيمَتُهُ . ( وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ ) الْفَاكِهَةِ الْمَأْكُولَةِ ( قَوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ) فِضَّةً وَكَانَ الْأُتْرُجُّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَالِيًا ( وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ فَقِيلَ فِيمَا كَثُرَ وَقَلَّ تَافِهًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَقِيلَ : إِلَّا فِي التَّافِهِ ، وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَقِيلَ : دِرْهَمَانِ ، وَقِيلَ : مَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثَةً ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَيُقَوَّمُ مَا عَدَاهَا بِهَا ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا فَرُبُعُ دِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ وَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ نِصْفَ دِينَارٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَالْقَطْعُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا ، وَقِيلَ : رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ مَا بَلَغت قِيمَتَهُ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَرَضٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عَرَضٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ .
1516 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيتُ ، الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . 1575 1516 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَمْرَةَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَدَنِيَّةِ الْأَنْصَارِيَّةِ ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا طَالَ عَلَيَّ ) أَيِ الزَّمَانُ ( وَمَا ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا ( نَسِيتُ ) حُكْمَ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ وَهُوَ ( الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ) مِنَ الذَّهَبِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ ، لَكِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالرَّفْعِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا .
7 - باب مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ 1513 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ . 7 - باب مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ 1572 1513 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ ) يَدَ سَارِقٍ فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهِ ( فِي ) سَبَبِيَّةٌ ( مِجَنٍّ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ مِفَعْلٍ مِنْ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالِاخْتِفَاءُ مِمَّا يُحَاذِرُهُ الْمُسْتَتِرُ وَكُسِرَتْ مِيمُهُ لِأَنَّهُ آلَةٌ . قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ وَحُذِفَ الْهَاءُ مِنْ ثَلَاثَةٍ مَعَ أَنَّهُ عَدَدُ شُخُوصٍ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ شُخُوصَ الْمَرْأَةِ فَأَنَّثَ الْعَدَدَ لِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ اسْتَتَرَ بثلاث نِسْوَة عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ ، وَاسْتَظْهَرَ فِي مَحَلِّ التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ بِهِنَّ ، وَالْكَاعِبُ الَّتِي نَهَدَ ثَدْيُهَا ، وَالْمُعْصِرُ الدَّاخِلَةُ فِي عَصْرِ شَبَابِهَا ( ثَمَنُهُ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) فِضَّةً هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْ نَافِعٍ ( ثَمَنُهُ ) ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْهُ بِلَفْظِ ( قِيمَتُهُ ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِالثَّمَنِ هُنَا ، وَأَصْلُ الثَّمَنِ مَا يُقَابَلُ بِهِ الشَّيْءُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْقِيمَةِ ثَمَنًا مَجَازًا أَوْ لِتَسَاوِيهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ فِي ظَنِّ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعُهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، كُلُّهُمْ بِلَفْظِ ( ثَمَنُهُ ) ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ ( قِيمَتُهُ ) كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِهِ .
1515 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً ، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تُقَوَّمَ ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ . 1574 1515 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ سِوَاهُ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) ابْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ ( أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ ) أَيْ خِلَافَةِ ( عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُنْجَةً ) وَاحِدُ تُرُنْجٍ فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ ، وَاللُّغَةُ الصَّحِيحَةُ أُتْرُجٌّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْجِيمِ ، الْوَاحِدَةُ أُتْرُجَّةٌ ، وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْفُصَحَاءُ وَارْتَضَاهُ النَّحْوِيُّونَ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ( فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تَقُومَ ) لِيَنْظُرَ هَلْ تَبْلُغُ النِّصَابَ ( فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ ) أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهَا . قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَكَانَتْ تِلْكَ الْأُتْرُجَّةُ تُؤْكَلُ ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ لَمَا قَوَّمَهَا عُثْمَانُ أَيْ لِأَنَّ الذَّهَبَ لَا يُقَوَّمُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وَزْنُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الْأَثْمَانِ وَقَيِّمُ الْمُتْلَفَاتِ .
1514 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ ، فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ ، فَالْقَطْعُ فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ . 1573 1514 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ( الْمَكِّيِّ ) النَّوْفَلِيِّ ثِقَةٌ عَالِمٌ بِالْمَنَاسِكِ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ تَخْتَلِفْ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ فِي إِرْسَالِهِ ، وَيَتَّصِلُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ ( مُعَلَّقٍ ) بِالْخَلِّ وَالشَّجَرِ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُحْرَزَ . ( وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ لَيْسَ فِيمَا يُحْرَسُ بِالْجَبَلِ إِذَا سُرِقَ قَطْعٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ ، وَحَرِيسَةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ أَنَّ لَهَا مَنْ يَحْرُسُهَا وَيَحْفَظُهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْحَرِيسَةَ السَّرِقَةَ نَفْسَهَا أَيْ لَيْسَ فِيمَا يُسْرَقُ مِنَ الْمَاشِيَةِ بِالْجَبَلِ قَطْعٌ . ( فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَوْضِعُ مَبِيتِ الْغَنَمِ ( أَوِ الْجَرِينِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ لِمَوْضِعٍ يُجَفَّفُ فِيهِ الثِّمَارُ ، وَالْجَمْعُ جُرُنٌ كَبَرِيدٍ وَبُرُدٍ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ . ( فَالْقَطْعُ فِيمَا بلغ ثَمَنَ الْمِجَنِّ ) ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَالَةَ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ ، وَهِيَ حَالَةُ كَوْنِ الْمَالِ فِي حِرْزِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ إِجْمَاعًا إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ الْحَسَنُ وَالظَّاهِرِيَّةُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مُحْرَزًا بِحِرْزٍ مِثْلِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِمَانِعٍ ، خِلَافًا لِقَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ لَا قَطْعَ فِي كُلِّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ وَلَوْ بِحِرْزِهَا ، وَقَاسُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَطْعِمَةَ الرَّطْبَةَ الَّتِي لَا تُدَّخَرُ ، قَالَ : وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَإِذَا آوَاهُ إِلَخْ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ لَهُ .
1538 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْغُبَيْرَاءِ فَقَالَ : لَا خَيْرَ فِيهَا ، وَنَهَى عَنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَا الْغُبَيْرَاءُ ؟ فَقَالَ : هِيَ الْأُسْكَرْكَةُ . 1596 1538 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) مُرْسَلًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَكَرَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَسْنَدَهُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالَّذِي عِنْدَنَا فِي مُوَطَّأِ ابْنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا كَالْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَحْدَهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْغُبَيْرَاءِ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فِرَاءٍ فَأَلْفٍ مَمْدُودَةٍ نَبِيذُ الذُّرَةِ ، وَقِيلَ : نَبِيذُ الْأَرُزِّ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُمَرَ ( فَقَالَ : لَا خَيْرَ فِيهَا ) لِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ ( وَنَهَى عَنْهَا ) تَحْرِيمًا . ( قَالَ مَالِكٌ : سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَا الْغُبَيْرَاءُ ؟ فَقَالَ : هِيَ الْأُسْكَرْكَةُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَافَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ هَاءٌ ، وَفِي نُسْخَةٍ السَّكْرَكَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْكَافِ الْأُولَى وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْكَافِ الثَّانِيَةِ وَبِالْهَاءِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : إِيَّاكُمْ وَالْغُبَيْرَاءَ فَإِنَّهَا خَمْرُ الْأَعَاجِمِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ ضَرْبٌ مِنَ الشَّرَابِ يَتَّخِذُهُ الْحَبَشُ مِنَ الذُّرَةِ يُسْكِرُ وَيُقَالُ لَهَا : السَّكْرَكَةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ فَخَطَبَ بِذَلِكَ بِحُضُورِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، لِأَنَّهُ خَبَرُ صَحَابِيٍّ شَهِدَ التَّنْزِيلَ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّفْعِ ، وَعَدَّ عُمَرُ الْخَمْسَةَ لِاشْتِهَارِ أَسْمَائِهَا فِي زَمَنِهِ وَجَعَلَ مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْ أَرُزٍّ وَغَيْرِهِ خَمْرًا إِذْ رُبَّمَا تُخَامِرُ الْعَقْلَ .
4 - باب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1537 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . 4 - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَهِيَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ كَمَا خَطَبَ بِذَلِكَ عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ الْأَكَابِرِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَشَمِلَ كُلَّ مُسْكِرٍ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْمُرُ الْعَقْلَ أَيْ تُغَطِّيهِ وَتَسْتُرُهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَطَّى شَيْئًا فَقَدْ خَمَرَهُ ، كَخِمَارِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يُغَطِّي رَأْسَهَا ، وَيُقَالُ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ الْخَمْرُ لِأَنَّهُ يُغَطِّي مَا تَحْتَهُ أَوْ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أُدْرِكَتْ ، كَمَا يُقَالُ : خَمَرَ الرَّأْيُ وَاخْتَمَرَ أَيْ تُرِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الْوَجْهُ ، وَاخْتَمَرَ الْخُبْزُ إِذَا بَلَغَ إِدْرَاكَهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْمُخَامَرَةِ الَّتِي هِيَ الْمُخَالَطَةُ ؛ لِأَنَّهَا تُخَالِطُ الْعَقْلَ ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَالثَّلَاثَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ ، لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتِ الْغَلَيَانَ ، وَحَّدَ الْإِسْكَارِ وَهِيَ مُخَالِطَةٌ لِلْعَقْلِ وَرُبَّمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَغَطَّتْهُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . 1595 1537 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِتْعِ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُفْتَحُ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَهُوَ شَرَابُ الْعَسَلِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ كَمَا زَادَهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ أَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ صَرِيحًا لَكِنِّي أَظُنُّهُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ . ( فَقَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ) عُمُومُهُ شَامِلٌ لِمَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنْ غَيْرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا خَرَجَ الْخَبَرُ بِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ عَلَى شَرَابِ الْعَسَلِ فَكُلُّ مُسْكِرٍ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ السُّؤَالِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ حُكْمِ جِنْسِ الْبِتْعِ لَا عَنِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَمَّا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ إِذَا سَأَلُوا عَنِ الْجِنْسِ قَالُوا : هَلْ هَذَا نَافِعٌ أَوْ ضَارٌّ مَثَلًا ؟ وَإِذَا سَأَلُوا عَنِ الْقَدْرِ قَالُوا : كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْمُفْتِيَ يُجِيبُ السَّائِلَ بِزِيَادَةٍ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ ، وَتَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ سَوَاءٌ اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ حَلَالٌ ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ حُرِّمَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، ثُمَّ إِنْ حَصَلَ لَهُ تَخَلُّلٌ بِنَفْسِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا ، فَوَقَعَ النَّظَرُ فِي تَبَدُّلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ هَذِهِ الْمُحَدَّدَاتِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الْإِسْكَارُ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ وُجِدَ فِيهِ الْإِسْكَارُ حَرَّمَ تناول قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ ، وَهَذَا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْمَازِرِيُّ ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الْقِيَاسِ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ فَتَحْرُمُ جَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْجُمْهُورُ . وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَالْإِطْرَابِ مِنْ أَجَلِّ الْأَقْيِسَةِ وَأَوْضَحِهَا وَالْمُقَايَسَةُ الَّتِي فِي الْخَمْرِ تُوجَدُ فِي النَّبِيذِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِذَةِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ حَرُمَ ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ حَتَّى يَسْكَرَ وَلَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ ، وَأَمَّا الَّذِي فِي مَاءِ الْعِنَبِ فَحَرَامٌ وَيُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ ، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مَضْمُونُهَا أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ ، وَيَكْفِي ذَلِكَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ ، وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ : حُرِّمْتُ الْخَمْرُ يَوْمَ حَرُمَتْ وَمَا كَانَ شُرْبُ النَّاسِ إِلَّا الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ . وَقَالَ مَالِكٌ : نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِالْمَدِينَةِ خَمْرٌ مِنْ عِنَبٍ . وَقَالَ الْحَكِيمِيُّ : لَنَا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ وَلَكِنْ مِنْ نِتَاجِ الْبَاسِقَاتِ كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولًا وَفَاتَ ثِمَارُهَا أَيْدِي الْجُنَاةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : إِذَا رَأَيْتَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُخَالِفِ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ . وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ رَجَّحَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِلَفْظِ وَالْمُسْكِرُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ لَا السُّكْرُ بِضَمِّ السِّينِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَهُوَ حَدِيثُ فَرْدٍ وَلَفْظُهُ مُحْتَمَلٌ فَكَيْفَ يُعَارِضُ عُمُومَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ مَعَ كَثْرَتِهَا وَصِحَّتِهَا ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .
1539 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ . 1597 1539 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ) أَيْ عَنْ شُرْبِهَا حَتَّى مَاتَ ، وَفِي لَفْظِ ثُمَّ إِشْعَارٌ بِأَنَّ تَرَاخِي التَّوْبَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ( حُرِمَهَا ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ مِنَ الْحِرْمَانِ أَيْ مُنِعَ مِنْ شُرْبِهَا ( فِي الْآخِرَةِ ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ : فَمَاتَ وَهُوَ مدمنها لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُهَا فِي الْجَنَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ ، فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ كَالْوَارِثِ إِذَا قَتَلَ مَوْرُثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثَهُ لِاسْتِعْجَالِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ وَتَوَقُّفٍ وَإِشْكَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : نَقُولُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ يُحْرَمُ ذَلِكَ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِذَا لَمْ يَتُبْ لِاسْتِعْجَالِ مَا أَخَّرَ اللَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ قَالَ : فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ إِنْ كَانَ كُلُّهُ مَرْفُوعًا ، وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مُدْرَجَةً مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي فَهُوَ أَعْرَفُ بِالْحَدِيثِ ، وَأَعْلَمُ بِالْحَالِ ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ عَلَى حِرْمَانِهِ وَقْتَ تَعْذِيبِهِ فِي النَّارِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ لَمْ يُحْرَمْ شَيْئًا مِنْهَا لَا خَمْرًا وَلَا حَرِيرًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حِرْمَانَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ فِي الْجَنَّةِ يُعَدُّ عُقُوبَةً وَمُؤَاخَذَةً ، وَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ بِدَارِ عُقُوبَةٍ وَلَا مُؤَاخَذَةَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَهِي ذَلِكَ كَمَا لَا يَشْتَهِي مَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ عُقُوبَةً انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ ، مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُهَا وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِيهَا إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ ، فَالْمَعْنَى جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يُحْرَمَهَا لِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالْعَفْوِ ثُمَّ لَا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ وَإِنْ عَلِمَ وَجُودَهُ فِيهَا ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفَصَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا مُسْتَحِلًّا فَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبُهَا أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَبَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ الَّذِي يُحْرَمُ شُرْبَهَا مُدَّةً وَلَوْ حَالَ تَعْذِيبِهِ إِنْ عُذِّبَ أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَأَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي الْعُقُوبَةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ كَالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الَّتِي تُوزَنُ وَالْمَصَائِبِ الَّتِي تُكَفَّرُ ، وَكَدُعَاءِ الْوَلَدِ بِشَرَائِطِ ذَلِكَ ، وَكَذَا شَفَاعَةُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ ، وَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَفْوُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ : أَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذَّنْبِ مُكَفِّرَةٌ لَهُ . وَبِهِ صَرَّحَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْكُفْرِ ، أَمَّا غَيْرُهُ فَهَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ أَوْ مَظْنُونٌ قَوْلَانِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالَّذِي أَقُولُهُ أَنَّ مَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ قُرْآنًا وَسُنَّةً عَلِمَ الْقَطْعَ وَالْيَقِينَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، وَالْقَعْنَبِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَأَيُّوبُ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
1542 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ شَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا ، وَقَالُوا : لَا يُصْلِحُنَا إِلَّا هَذَا الشَّرَابُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اشْرَبُوا هَذَا الْعَسَلَ ، قَالُوا : لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ : هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَطَبَخُوهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ ، فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ فَأَدْخَلَ فِيهِ عُمَرُ إِصْبَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ ، فَقَالَ : هَذَا الطِّلَاءُ ، هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ ، فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ : أَحْلَلْتَهَا وَاللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : كَلَّا وَاللَّهِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ . 1600 1542 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ وَاقِدٍ ) بِالْقَافِ ( ابْنِ عُمَرَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الْأَشْهَلِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ ، الثِّقَةُ التَّابِعِيُّ الصَّغِيرُ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ ( الْأَنْصَارِيِّ ) الْأَوْسِيِّ الْأَشْهَلِيِّ ، صَحَابِيٍّ صَغِيرٍ وَجُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سَبْعٍ وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ ) فِي خِلَافَتِهِ ( شَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ ) أَيْ مَرَضَ أَرْضِهِمُ الْعَامَّ ( وَثِقَلَهَا ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ ضِدَّ الْخِفَّةِ ( وَقَالُوا : لَا يُصْلِحُنَا إِلَّا هَذَا الشَّرَابُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اشْرَبُوا هَذَا الْعَسَلَ ) النَّحْلَ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً ( فَقَالُوا : لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ ) لَا يُوَافِقُ أَمْزِجَتَنَا ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ) يَعْنِي : أَرْضَ الشَّامِ : ( هَلْ لَكَ ) رَغْبَةٌ فِي ( أَنْ نَجْعَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَطَبَخُوهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ ، فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ ) لِيَعْرِضُوهُ عَلَيْهِ ( فَأَدْخَلَ عُمَرُ فِيهِ أصْبَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ ) يَتَمَدَّدُ ( فَقَالَ : هَذَا الطِّلَاءُ ) بِالْمَدِّ مَا يُطْبَخُ مِنَ الْعَصِيرِ حَتَّى يَغْلُظَ ( هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ ) أَيِ الْقَطِرَانِ الَّذِي يُطْلَى بِهِ جَرَبُهَا ( فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مُسْكِرًا ( فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ : ) أَحَدُ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ( أَحْلَلْتَهَا وَاللَّهِ ) أَيِ الْخَمْرَ ( فَقَالَ عُمَرُ : كَلَّا ) رَدْعٌ أَيِ انْزَجِرْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ ( وَاللَّهِ ) لَمْ أُحَلِّلْهَا لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ حِينَئِذٍ أَدَّاهُ إِلَى جَوَازِ مَا لَا يُسْكِرُ . ( اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا حْلَلْتَهُ لَهُمْ ) وَكَأَنَّ عُمَرَ اجْتَهَدَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَحَدَّ ابْنَهُ فِي شُرْبِ الطِّلَاءِ كَمَا مَرَّ .
5 - باب جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1540 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا . 5 - بَابُ جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1598 1540 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ( عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( الْمِصْرِيِّ ) التَّابِعِيِّ الصَّدُوقِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَإيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ( أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ ) هُوَ كَيْسَانُ الثَّقَفِيُّ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِهِ ( لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ) أَيْ مَزَادَةً وَأَصْلُ الرَّاوِيَةِ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ الْمَاءَ ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، ثُمَّ أُطْلِقَتِ الرَّاوِيَةُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ ثُمَّ عَلَى الْمَزَادَةِ ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ كَيْسَانَ : أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ جَيِّدٍ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ أَوْ دَوْسٍ فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا ) بِالْفَتْحِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ وَلِابْنِ وَهْبٍ هَلْ ( عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ) بِآيَةِ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إِلَى فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 90 ) ( قَالَ : لَا ) أَيْ لَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ ( فَسَارَّهُ ) بِالتَّثْقِيلِ ( رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ : بِعْهَا . وَلِابْنِ وَهْبٍ : فَسَارَّ إِنْسَانًا ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ ) بِأَيِّ شَيْءٍ كَلَّمْتَهُ سِرًّا ؟ أَيْ خُفْيَةً ( قَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ) لِيَنْتَفِعَ بِحَقِّهَا ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ) اللَّهَ ( الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ) لِأَنَّهُ قَالَ : رِجْسٌ أَيْ نَجَسٌ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى شُرْبِهَا . وَفِي حَدِيثِ كَيْسَانَ قَالَ : إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ ثَمَنُهَا . ( فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ ، تَثْنِيَةُ مَزَادَةِ الْقِرْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّدُ فِيهَا الْمَاءُ ( حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا ) مِنَ الْخَمْرِ . فَفِيهِ وُجُوبُ إِرَاقَتِهِ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ ، وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ الظَّاهِرُ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الرَّجُلَ الْمُهْدِي رَاوِيَةَ الْخَمْرِ لَقِيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِ أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَتِهِ فَقَالَ : أَشَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ ؟ قَالَ : أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِحَقِّهَا ؟ فَنَهَاهُ ، فَفِي هَذَا تَأْيِيدُ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّ إِسْلَامَ تَمِيمٍ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ . وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً ، فَنَزَلَتْ : قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 219 ) فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 43 ) فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( سورة الْمَائِدَةِ الْآيَةُ 91 ) قَالَ عُمَرُ : انْتَهَيْنَا . صَحَّحَهُ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . انْتَهَى . وَبِحَدِيثِ عُمَرَ قَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ كَانَتْ فِي سَنَةٍ مِنْهَا . وَزَعَمَ مُغَلْطَايُ أَنَّهَا حُرِّمَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ . وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ عَقِبَ قَوْلِ حَمْزَةَ : إِنَّمَا أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِأَبِي يَعْنِي : سَنَةَ اثْنَيْنِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ : اصْطَبَحَ الْخَمْرَ نَاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ . ثُمَّ احْذَرْ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْدَاءِ الرَّاوِيَةِ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَشْرَبَ بَلْ يُهْدِيهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَبْلِ النُّبُوَّةِ عَمَّا يُخَالِفُ شَرْعَهُ ، وَهُوَ لَمْ يَشْرَبِ الْخَمْرَ الْمُحْضَرَ مِنَ الْجَنَّةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي وَعْلَةَ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا .
1541 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَأَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ قَالَ : فَجَاءَهُمْ آتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا ، قَالَ : فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ . 1599 1541 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٍ حُجَّةٍ ، أَبِي يَحْيَى ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ ) عَامِرَ ( ابْنَ الْجَرَّاحِ ) أَحَدَ الْعَشَرَةِ ( وَأَبَا طَلْحَةَ ) زَيْدَ بْنَ سَهْلٍ ( الْأَنْصَارِيَّ ) زَوْجَ أُمِّ أَنَسٍ وَجَدَّ إِسْحَاقَ ( وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ) سَيِّدَ الْقُرَّاءِ وَكَبِيرَ الْأَنْصَارِ وَعَالِمَهُمْ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : وَأَبَا دُجَانَةَ ، وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، وَأَبَا أَيُّوبَ ( شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْبُسْرِ الْمَنْضُوخِ وَهُوَ الْمَشْدُوخُ . ( وَتَمْرٍ ) بِفَوْقِيَّةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قَزَعَةَ مِنْ فَضِيخٍ وَهُوَ تَمْرٌ ، وَلِإِسْمَاعِيلَ مِنْ خَمْرٍ فَضِيخٍ ، وَزَهْوٍ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فَوَاوٍ أَيْ مَشْدُوخِ بُسْرٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَسْقِيهِمْ مِنْ مَزَادَةٍ فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : حَتَّى كَادَ الشَّرَابُ يَأْخُذُ فِيهِمْ . وَلِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ : حَتَّى مَالَتْ رُؤُوسُهُمْ . ( قَالَ ) أَنَسٌ ( فَجَاءَهُمْ آتٍ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ( فَقَالَ : إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ ) لِرَبِيبِهِ السَّاقِي : ( يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَرَّةٍ الَّتِي فِيهَا الشَّرَابُ الْمَذْكُورُ ( فَاكْسِرْهَا قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فَرَاءٍ فَأَلِفٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، حَجَرٍ مُسْتَطِيلٍ يُنْقَرُ وَيُدَقُّ فِيهِ وَيُتَوَضَّأُ ، وَقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْخَشَبَةِ الَّتِي يُدَقُّ فِيهَا الْحَبُّ فَقِيلَ لَهَا : مِهْرَاسٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمِهْرَاسِ مِنَ الْحَجَرِ أَوِ الصُّفْرِ الَّذِي يُهْرَسُ فِيهِ الْحُبُوبُ وَغَيْرُهَا . ( فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا فَأَهْرَقْتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ . وَفِيهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِهِ نَسْخَ الشَّيْءِ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَتَّى قَدِمُوا مِنْ أَجْلِهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ مِنْ صَبِّ الْخَمْرِ وَكَسْرِ أَوَانِيهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَفِي خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ .
1543 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا نَبْتَاعُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فَنَعْصِرُهُ خَمْرًا فَنَبِيعُهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ : أَنِّي لَا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيعُوهَا وَلَا تَبْتَاعُوهَا وَلَا تَعْصِرُوهَا وَلَا تَشْرَبُوهَا وَلَا تَسْقُوهَا ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ . 1600 1543 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ) الْإِقْلِيمِ الْمَعْرُوفِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، قِيلَ : هُوَ مُعَرَّبٌ وَقِيلَ : سُمِّيَ عِرَاقًا لِأَنَّهُ سَفَلَ عَنْ نَجْدٍ وَدَنَا مِنَ الْبَحْرِ أَخْذًا مِنْ عِرَاقِ الْقِرْبَةِ وَالْمَزَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ مَا ثُنِّيَ ثُمَّ خُرِزَ مَثْنِيًّا ( قَالُوا لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) كُنْيَةُ ابْنِ عُمَرَ ( إِنَّا نَبْتَاعُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فَنَعْصِرُهُ خَمْرًا فَنَبِيعُهَا ) فَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ أَمْ لَا ؟ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) أَتَى بِذَلِكَ لِزِيَادَةِ الزَّجْرِ وَالتَّهْوِيلِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا ( إِنِّي لَا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيعُوهَا وَلَا تَبْتَاعُوهَا ) تَشْتَرُوهَا ( وَلَا تَعْصِرُوهَا وَلَا تَشْرَبُوهَا وَلَا تَسْقُوهَا ) غَيْرَكُمْ ( فَإِنَّهَا رِجْسٌ ) خَبَثٌ مُسْتَقْذَرٌ ( مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) الَّذِي يُوَسْوِسُ .
1531 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، قَدْ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ . 1589 1531 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ ) الرَّقِيقِ وَلَوْ أُنْثَى ( فِي الْخَمْرِ فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ . ( وَ ) بَلَغَنِي ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ جَلَدُوا عَبِيدًا لَهُمْ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ ) وَبِهِمُ الْقُدْوَةُ ؛ لِأَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ عَلَى نِصْفِ حَدِّ الْحُرِّ وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 25 ) .
1530 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى أَوْ كَمَا قَالَ ، فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ . 1588 1530 - ( مَالِكٌ ، عَنْ ثَوْرٍ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( ابْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ ( أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ ) الصَّحَابَةَ ( فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ فَالْمُرَادُ الْمُكَلَّفُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبَيِّنْهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ حَدًّا مَضْبُوطًا ( فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَرَى أَنْ تَجَلِدَهُ ثَمَانِينَ ) كَحَدِّ الْقَذْفِ ( فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ ) زَالَ عَقْلُهُ ( وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ) خَلَطَ وَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي ( وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ) كَذَبَ وَقَذَفَ ( أَوْ كَمَا قَالَ ) شَكَّ الرَّاوِي ( فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ) وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ فِي قِصَّةِ الشَّارِبِ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُنَيْنٍ وَفِيهِ : فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ كَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِي الشُّرْبِ وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ ، قَالَ : وَعِنْدَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَسَأَلَهُمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبَهُ ثَمَانِينَ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَالشُّذُوذِ الْمَحْجُوجِ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَتُعُقِّبَ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ قَالَ : جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ ، فَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَى الثَّمَانِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ لَمَا خَالَفُوا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَجَلَدُوا أَرْبَعِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ أَبِي عُمَرَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الثَّمَانِينَ بَعْدَ عُثْمَانَ فَيَصِحُّ كَلَامُهُ .
1532 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا : أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . 1590 1532 ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ) بْنِ حَزْنٍ يَقُولُ : ( مَا مِنْ شَيْءٍ ) نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَضُمَّ إِلَيْهَا مِنْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةُ لِإِفَادَةِ الشُّمُولِ ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الذُّنُوبِ ( إِلَّا اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا ) فَلَا يُحِبُّ الْعَفْوَ عَنْهُ إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا فِي الْحُدُودِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ : يَتَجَافَى الْمِرْجَلُ ذِي الْهَيْئَةِ عَنْ عَثْرَتِهِ مَا لَمْ تَكُنْ حَدًّا ، قَالَ : وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ فَيَزِلُّ أَحَدُهُمُ الزَّلَّةَ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فِي عَثَرَاتِهِمْ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الصَّغَائِرُ ، وَالثَّانِي أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ زَلَّ فِيهَا مُطِيعٌ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) لِأَنَّ شَأْنَهُ الْإِسْكَارُ فَلَا يَمْنَعُ تَخَلُّفَهُ لِعَارِضِ الْحَدِّ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 42 - كِتَاب الْأَشْرِبَةِ 1 - باب الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ 1529 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ تَامًّا . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 42 - كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ جَمْعُ شَرَابٍ كَطَعَامٍ وَأَطْعِمَةٍ اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ وَلَيْسَ مَصْدَرًا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هُوَ الشُّرْبُ مُثَلَّثَةُ الشِّينِ . 1 - بَابُ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ 1587 1529 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ) مِنَ الزِّيَادَةِ الْكِنْدِيِّ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ ) هُوَ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ الْعَيْنِ ( رِيحَ شَرَابٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : هُوَ مَا طُبِخَ مِنَ الْعَصِيرِ حَتَّى يَغْلُظَ وَشُبِّهَ بِطِلَاءِ الْإِبِلِ وَهُوَ الْقَطِرَانُ الَّذِي تُطْلَى بِهِ الْجُرْبُ ( وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ ) فَسَأَلَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مُسْكِرًا ( فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَدَّ تَامًّا ) ثَمَانِينَ جَلْدَةً . وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ فَسَمَّاهُ عُبَيْدَ اللَّهِ ، وَزَادَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : فَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ قَالَ : فَرَأَيْتُ عُمَرَ يَجْلِدُهُ .
1536 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ، وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ، أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ . 1593 1536 - ( مَالِكٌ عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ) قِيلَ : هو مخرمة بْنُ بُكَيْرٍ أَوْ ابْنُ لَهِيعَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ ( عَنْ بُكَيْرٍ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ) الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ نَزِيلُ مِصْرَ ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ( الْأَنْصَارِيِّ ) السَّلَمِيِّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ الْمَدَنِيِّ ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) الْحَارِثِ وَيُقَالُ : عَمْرٌو أَوِ النُّعْمَانُ ( الْأَنْصَارِيِّ ) السَّلَمِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ( التَّمْرُ ) بِفَوْقِيَّةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ ( وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشْتَدُّ بِهِ الْآخَرُ فَيُسْرِعُ الْإِسْكَارَ . ( وَالزَّهْوُ ) وَهُوَ الْبُسْرُ الْمُلَوَّنُ ( وَالرُّطَبُ جَمِيعًا ) نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَقِيلَ : تَحْرِيمٍ لِإِسْرَاعِ الْإِسْكَارِ بِخَلْطِهِمَا فَقَدْ يَظُنُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ الْإِسْكَارَ وَيَكُونُ قَدْ بَلَغَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : مَنْ شَرِبَ مِنْكُمُ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا وَجَاءَ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحَادِيثُ الْبَابِ صَحِيحَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَقَدْ ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ يَكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ) فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ سَوَاءٌ نُبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ أَوْ نُبِذَا جَمِيعًا ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيُّ وَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى أَنَّهُ لِلسَّرَفِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ .
3 - باب مَا يُكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ جَمِيعًا 1535 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا ، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا . 3 - بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ جَمِيعًا 1593 1535 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مُرْسَلًا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ وَاحِدَتُهُ بُسْرَةٌ بِالْهَاءِ ( وَالرُّطَبُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ مَا نَضِجَ مِنَ الْبُسْرِ ، الْوَاحِدَةُ رُطَبَةٌ بِالْهَاءِ ( جَمِيعًا ) فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ وَهُوَ قَدْ بَلَغَهُ . ( وَالتَّمْرُ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَمِيمٍ ( وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ) لِاشْتِدَادِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ .
1534 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ . 1592 1534 - ( مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ) الْحُرَقِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَقَافٍ الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ ، مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى الْحُرَقَةِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَقَافٍ ، التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى ) عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَقِيلَ : التَّحْرِيمِ عَنْ ( أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ ) مِنَ الْجِرَارِ لِإِسْرَاعِ إِسْكَارِ مَا نُبِذَ فِيهِمَا .
2 - باب مَا يُنْهَى أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ 1533 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ ، فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ ؟ فَقِيلَ لِي : نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ . 2 - باب مَا يُنْهَى أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ 1591 1533 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ ) لِأَسْمَعَ مَا يَقُولُ وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ . ( فَانْصَرَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مِنَ الْخُطْبَةِ ( قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ ) أَيْ أَصِلَ إِلَيْهِ ( فَسَأَلْتُ : مَاذَا قَالَ ؟ فَقِيلَ لِي ) إِبْهَامٌ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ أَبْهَمَ صَحَابِيًّا ( نَهَى أَنْ يُنْبَذَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ يُطْرَحَ ( فِي الدُّبَّاءِ ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ الْقَرْعُ ( وَالْمُزَفَّتِ ) بِالزَّايِ وَالْفَاءِ الْمَطْلِيِّ بِالزِّفْتِ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إِلَيْهِمَا الْإِسْكَارُ ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْإِسْكَارَ وَقَدْ بَلَغَهُ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَأَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَأُسَامَةُ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ إِلَّا مَالِكٌ ، وَأُسَامَةُ قَالَهُ مُسْلِمٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 43 - كِتَاب الْعُقُولِ 1 - باب ذِكْرِ الْعُقُولِ 1544 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ : أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا ، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 43 - كِتَابُ الْعُقُولِ جَمْعُ عَقْلٍ ، يُقَالُ : عَقَلْتُ الْقَتِيلَ عَقْلًا أَدَّيْتُ دِيَتَهُ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : سُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُعْقَلُ بِفِنَاءِ وَلِيِ الْقَتِيلِ ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى أُطْلِقَ الْعَقْلُ عَلَى الدِّيَةِ إِبِلًا كَانَتْ أَوْ نَقْدًا . 1 - بَابُ ذِكْرِ الْعُقُولِ أَخَّرَ الْبَسْمَلَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّرْجَمَةَ بِكِتَابٍ كَالْعُنْوَانِ ، فَالْمَقْصُودُ بِالْبَدَاءَةِ بِهِ مَا بَعْدَهَا فَجَعَلَ الْبَسْمَلَةَ أَوَّلَهُ ، وَكَثِيرًا مَا يُقَدِّمُ الْبَسْمَلَةَ عَلَى كِتَابٍ نَظَرًا إِلَى الْبَدْءِ الْحَقِيقِيِّ وَذَلِكَ تَفَنُّنٌ لَطِيفٌ وَقَدَّمْتُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ . 1601 1544 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ ، وَقِيلَ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ صَالِحٍ ، وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ ( أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمِ ) بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ النَّجَّارِيِّ شَهِدَ الْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا ، وَكَانَ عَامِلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَجْرَانَ مَاتَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ( فِي الْعُقُولِ ) أَيِ الدِّيَاتِ وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ فِيهِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفِقْهِ فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَالْأَحْكَامِ ، وَذِكْرِ الْكَبَائِرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَالِاحْتِبَاءِ فِيهِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَدِمَ بِهِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ ، قِيلَ : ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِيرَ وَهَمْدَانَ ، أَمَّا بَعْدُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ : ( أَنَّ فِي ) قَتْلِ ( النَّفْسِ ) خَطَأً ( مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ ) عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ وَفِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ قَبْلَ قَوْلِهِ : ( وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ أَيْ أُخِذَ كُلُّهُ ( جَدْعًا ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ قَطْعًا ، وَوَعَى وَاسْتَوْعَى لُغَةً الِاسْتِيعَابُ وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ كُلِّهِ ، وَرُوِيَ وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَتْ جَدْعَةً ، وَيُرْوَى اسْتُوعِبَ أَيِ اسْتُؤْصِلَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ ( مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ) عَلَى أَهْلِهَا ، وَفِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ . ( وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ) قِيلَ لَهَا : مَأْمُومَةٌ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ فِي الْأَصْلِ ، وَجَمْعُهَا عَلَى لَفْظِهَا مَأْمُومَاتٌ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَهِيَ أَشَدُّ الشِّجَاجِ ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : وَصَاحِبُهَا يُصْعَقُ لِصَوْتِ الرَّعْدِ وَلِرُغَاءِ الْإِبِلِ ، وَلَا يُطِيقُ الْبُرُوزَ فِي الشَّمْسِ ، وَتُسَمَّى أَيْضًا آمَةٌ وَجَمْعُهَا أُوَامٌ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابٍّ . ( وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا ) ثُلُثُ الدِّيَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ جَافَتْهُ تَجُوفُهُ إِذَا وَصَلَتْ لِجَوْفِهِ . ( وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ ) مِنَ الْإِبِلِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِأَعْوَرَ . ( وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ ) مِنَ الْإِبِلِ . ( وَفِي الرِّجْلِ ) الْوَاحِدَةِ ( خَمْسُونَ ) مِنَ الْإِبِلِ . ( وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ ) فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ ( عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ ) يَتَعَلَّقُ بِهِ وَبِالثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمُجِيزِهِ . ( وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ ) مِنَ الْإِبِلِ أَضْرَاسٍ أَوْ ثَنَايَا أَوْ رُبَاعِيَّاتٍ . ( وَفِي الْمُوضِحَةِ ) الشَّجَّةِ الَّتِي تَكْشِفُ الْعَظْمَ ( خَمْسٌ ) مِنَ الْإِبِلِ .
1577 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا أَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ؟ فَقَالَا : لَا ، وَلَكِنْ يُزَادُ فِيهَا لِلْحُرْمَةِ ، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ : هَلْ يُزَادُ فِي الْجِرَاحِ كَمَا يُزَادُ فِي النَّفْسِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . قَالَ مَالِكٌ : أُرَاهُمَا أَرَادَا مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عَقْلِ الْمُدْلِجِيِّ حِينَ أَصَابَ ابْنَهُ . 1620 1577 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا أَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ ) فِي الْمَقْتُولِ ( فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ) أَيْ جِنْسِهِ فَشَمِلَ الْأَرْبَعَةَ ( فَقَالَ : لَا ) تُغَلَّظُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ ( وَلَكِنْ يُزَادُ فِيهَا لِلْحُرْمَةِ ) أَيْ حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ( فَقِيلَ لِسَعِيدٍ : هَلْ يُزَادُ فِي الْجِرَاحِ كَمَا يُزَادُ فِي النَّفْسِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ) أَيْ يُزَادُ ( قَالَ مَالِكٌ : أَرَاهُمَا ) أَظُنُّ سَعِيدًا ، وَسُلَيْمَانَ ( أَرَادَا مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عَقْلِ الْمُدْلِجِيِّ حِينَ أَصَابَ ابْنَهُ ) مِنْ تَثْلِيثِ الدِّيَةِ .
1576 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ : قَتَادَةُ ، حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنُزِيَ فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ ، فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اعْدُدْ عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : هَا أَنَا ذَا ، قَالَ : خُذْهَا ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ . 1620 1576 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي الصَّدُوقِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ ( يُقَالُ لَهُ : قَتَادَةُ ) الْمُدْلِجِيُّ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَرَهُ ( حَذَفَ ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ رَمَى ( ابْنَهُ ) لَمْ يُسَمَّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَصَحَّفَ مَنْ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ ؛ لِأَنَّ الْخَذْفَ بِالْخَاءِ إِنَّمَا هُوَ الرَّمْيُ بِالْحَصَى أَوِ النَّوَى وَهُوَ قَدْ قَالَ ( بِالسَّيْفِ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنُزِيَ ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ كَعُنِيَ فِي جُرْحِهِ بِضَمِّ الْجِيمِ ( فَمَاتَ ، فَقَدِمَ سُرَاقَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنُ جُعْشُمٍ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ نُسِبَ لِجَدِّهِ وَأَبُو مَالِكٍ الْكِنَانِيُّ ثُمَّ الْمُدْلِجِيُّ أَبُو سُفْيَانَ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ : اعْدُدْ ) بِضَمِّ الدَّالِّ الْأُولَى ( عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَمُهْمَلَتَيْنِ ، مُصَغَّرٌ ، مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ( عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدِمَ عَلَيْكَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً ) بِالْكَسْرِ ( وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً ) بِفَتْحَتَيْنِ ( وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ الْحَوَامِلُ مِنَ الْإِبِلِ ( ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : هَا أَنَا ذَا ، قَالَ : خُذْهَا ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ ) مِنْ دِيَةٍ وَلَا إِرْثٍ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوَهُ وَقَالَ : فَوَرَّثَهُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَلَمْ يُوَرِّثْ أَبَاهُ مِنْ دِيَتِهِ شَيْئًا .
17 - باب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْعَقْلِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ 1575 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَشَدَ النَّاسَ بِمِنًى ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِي ، فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ فَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ادْخُلْ الْخِبَاءَ حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ فَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً . 17 - بَابُ مِيرَاثِ الْعَقْلِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ 1619 1575 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ . وَرَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَهُشَيْمٌ عَنْهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ تَجْرِي مَجْرَى الْمُتَّصِلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، وَوُلِدَ سَعِيدٌ لِسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَتِهِ ، وَقَالَ سَعِيدٌ : مَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضِيَّةٍ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ إِلَّا وَأَنَا أَحْفَظُهَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ . وَفِي طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُوَرِّثَهَا مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ لَكِ شَيْئًا ثُمَّ ( نَشَدَ ) طَلَبَ ( النَّاسَ بِمِنًى ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُمْ جَوَابَ قَوْلِهِ ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الدِّيَةِ أَنْ يُخْبِرَنِيَ ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : مَا أَرَى الدِّيَةَ إِلَّا لِلْعَصَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ فَهَلْ سَمِعَ مِنْكُمْ أَحَدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ ( فَقَامَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ) بْنِ عَوْفٍ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ ( الْكِلَابِيُّ ) أَبُو سَعِيدٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ يُعَدُّ بِمِائَةِ فَارِسٍ وَبَعَثَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَرِيَّةٍ وَفِيهِ يَقُولُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : إِنَّ الَّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمُ جَيْشٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمُ الضَّحَّاكَا طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَمِينِ وَتَارَةً يَفْرِي الْجَمَاجِمَ صَارِمًا بَتَّاكَا ( فَقَالَ ) زَادَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ يَنْزِلُ نَجْدًا وَكَانَ وَالِيًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ هُنَاكَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَ عَلَى صَدَقَاتِ قَوْمِهِ ( كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ( امْرَأَةَ أَشْيَمَ ) بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ قَالَ فِي الْإِصَابَةِ بِوَزْنِ أَحْمَدَ ( الضِّبَابِيِّ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ فَأَلَّفٍ فَمُوَحَّدَةٍ ثَانِيَةٍ قُتِلَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ مُسْلِمًا ( مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ) أَشْيَمَ ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : ادْخُلِ الْخِبَاءَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ وَمَدٍّ ، الْخَيْمَةَ ( حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخْبَرَهُ ) الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ بِالْخَبَرِ . وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِقِصَّةِ أَشْيَمَ فَقَالَ : إِيتِنِي عَلَى هَذَا بِمَا أَعْرِفُ فَنَشَدْتُ النَّاسَ فِي الْمَوْسِمِ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : زُرَارَةُ بْنُ جُرَيٍّ فَحَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ زُرَارَةَ بْنَ جُرَيٍّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ( فَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) بَعْدَ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ وَزُرَارَةَ وَالْمُغِيرَةِ ذَلِكَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا عَلِمَ لَا لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ بَلْ لِإِشَاعَةِ الْخَبَرِ وَإِشْهَارِهِ بِالْمَوْسِمِ ، وَرَدَّ مَا كَانَ رَآهُ أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْعَصَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عند مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الضَّحَّاكَ أَخْبَرَ عُمَرَ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ الضَّحَّاكَ كَتَبَ إِلَيْهِ وَهْمٌ ، إِنَّمَا الضَّحَّاكُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْجَلِيلَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ السُّنَنِ وَالْعِلْمِ مَا يَكُونُ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ عِلْمُ خَاصَّةٍ لَا يُنْكَرُ أَنْ يَخْفَى مِنْهُ الشَّيْءُ عَلَى الْعَالَمِ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَّأً ) هَكَذَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَالْمَحْفُوظُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ غَرِيبٌ جِدًّا وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ كَلَامَهُ فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرًا .
1578 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ : أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ ، كَانَ لَهُ عَمٌّ صَغِيرٌ هُوَ أَصْغَرُ مِنْ أُحَيْحَةَ ، وَكَانَ عِنْدَ أَخْوَالِهِ فَأَخَذَهُ أُحَيْحَةُ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ أَخْوَالُهُ : كُنَّا أَهْلَ ثُمِّهِ وَرُمِّهِ ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى عُمَمِهِ ، غَلَبَنَا حَقُّ امْرِئٍ فِي عَمِّهِ ، قَالَ عُرْوَةُ : فَلِذَلِكَ لَا يَرِثُ قَاتِلٌ مَنْ قَتَلَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا وَلَا مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا وَقَعَ لَهُ مِيرَاثٌ ، وَأَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا ، وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَلِيَأْخُذَ مَالَهُ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ . 1621 1578 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ) بْنِ الْعَوَّامِ ( أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ : أُحَيْحَةُ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ( ابْنُ الْجُلَاحِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ( كَانَ لَهُ عَمٌّ صَغِيرٌ هُوَ أَصْغَرُ مِنْ أُحَيْحَةَ وَكَانَ عِنْدَ أَخْوَالِهِ فَأَخَذَهُ أُحَيْحَةُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ أَخْوَالُهُ : كُنَّا أَهْلَ ثُمِّهِ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّقِيلَةِ وَهَاءِ الضَّمِيرِ قَالَ أَبُو عُبْيَدٍ : الْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي الْفَتْحُ ، وَالَثَّمُّ إِصْلَاحُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامُهُ ، يُقَالُ : ثَمَمْتُ أَثِمُّ ثَمًّا ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو : وَالَثَّمُّ الرَّمُّ ( وَرُمِّهِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ شَدِيدَةً قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هَكَذَا رَوَتْهُ الرُّوَاةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : يُقَالُ ما له ثُمٌّ وَلَا رُمٌّ بِضَمِّهِمَا ، فَالثُّمُّ قُمَاشُ الْبَيْتِ وَالرُّمُّ مَرَمَّةُ الْبَيْتِ ، كَأَنَّهُ أُرِيدَ كُنَّا الْقَائِمِينَ بِهِ مُنْذُ وُلِدَ إِلَى أَنْ شَبَّ وَقَوِيَ . ( حَتَّى إِذَا اسْتَوَى عَلَى عُمَمِهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا وَمِيمَيْنِ أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ مُخَفَّفَةٌ أَيْ عَلَى طُولِهِ وَاعْتِدَالِ شَبَابِهِ ، وَيُقَالُ لِلنَّبْتِ إِذَا طَالَ : اعْتَمَّ . وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِالتَّشْدِيدِ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ أَيْ شَدِّ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَدْ تُشَدَّدُ لِلِازْدِوَاجِ ( غَلَبَنَا حَقُّ امْرِئٍ فِي عَمِّهِ ) فَأَخَذَهُ مِنَّا قَهْرًا عَلَيْنَا . ( قَالَ عُرْوَةُ : فَلِذَلِكَ لَا يَرِثُ قَاتِلٌ مَنْ قَتَلَ ) أَيِ الَّذِي قَتَلَهُ ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَثَرُ الْمُوَطَّأِ : هَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَى نَسَبِ أُحَيْحَةَ هَذَا فِي أَنْسَابِ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي الصَّحَابَةِ . وَزَعَمَ أَنَّهُ أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ بْنِ حُرَيْشٍ ، وَيُقَالُ حِرَاسُ بْنُ حُجْبَا بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيَّةُ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ ، وَتَزَوَّجَ سَلْمَى بَعْدَ أُحَيْحَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَدَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَعَمَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ هَذَا هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الدُّبُرِ . وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ السَّائِبِ ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ لِأَبِيهِ أُحَيْحَةَ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا إِنْكَارًا شَدِيدًا . وَقَالَ فِي الِاسْتِيعَابِ : ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِيمَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَسَمِعَ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ لِأَنَّ أُحَيْحَةَ قَدِيمٌ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأُمِّهِ ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ خُزَيْمَةَ مَنْ كَانَ بِهَذَا الْقِدَمِ ، وَيَرْوِي عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَفِيدًا لِعَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ يَعْنِي تَسَمَّى بَاسِمِ جَدِّهِ ، قُلْتُ : لَمْ يَتَعَيَّنْ مَا قَالَ بَلْ لَعَلَّ أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاحِ وَالِدَ عَمْرٍو آخَرُ غَيْرُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْمَشْهُورِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَرْزُبَانِيُّ ، عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ فِي مُعْجَمِ الشُّعَرَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مُخَضْرَمٌ يَعْنِي أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَأَنْشَدَ لَهُ شِعْرًا ، قَالَ : لَمَّا خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ . وَأُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ الْمَشْهُورُ كَانَ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَهْرٍ ، وَمِنْ وَلَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ أَحَدُ مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيَّ الْمَبْعُوثَ ، وَمَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمَ وَلَدُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا ، وَاسْتُشْهِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِئْرِ مَعُونَةَ ، وَمِمَّنْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ أُحَيْحَةَ : عِيَاضُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شَهْلِ بْنِ أُحَيْحَةَ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَعِمْرَانُ وَبُلَيْلٌ وَلَدَا بِلَالِ بْنِ أُحَيْحَةَ شَهِدا أُحُدًا أَيْضًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَبَاهُمْ فِي الصَّحَابَةِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ أُحَيْحَةَ أَيْضًا : فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاقِدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَصْرَمِ بْنِ حُجْبَا ، أُمُّهُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الْمَذْكُورِ ، وَذَاكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى وَهْمِ مَنْ ذَكَرَ أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاح الْأَكْبَرَ فِي الصَّحَابَةِ . وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : وَهِمَ بَعْضُهُمْ مَا فِي الْمُوَطَّأِ بِأَنَّ أُحَيْحَةَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يُدْرِكِ الْإِسْلَامَ ، وَالْأَنْصَارُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَكَيْفَ يُقَالُ : مِنَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ فِي اللَّفْظِ تَسَاهُلًا لِمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَصَارَ لَهُمْ هَذَا الِاسْمُ كَالنَّسَبِ ذُكِرَ فِي جُمْلَتِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ إِخْوَتِهِمُ ، انْتَهَى . وَهَذَا تَسْلِيمٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَدْ أَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ الْحَذَّاءِ فِي رِجَالِ الْمُوَطَّأِ فَزَعَمَ أَنَّ أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاحِ قَدِيمُ الْوَفَاةِ وَأَنَّهُ عُمِّرَ حَتَّى أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ ، وَأَنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ عَنْهُ مَالِكٌ مَا ذَكَرَ ، وَأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لَهُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ . انْتَهَى . فَجَعَلَهُ تَارَةً أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَتَارَةً لَمْ يُدْرِكْهُ ، الْحَقُّ أَنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا كَمَا قَدَّمْتُهُ . وَأَمَّا صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُهُ وَكَأَنَّهُ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَيَكُونُ أُحَيْحَةُ الصَّحَابِيُّ وَالِدُ عَمْرٍو غَيْرَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ جَدِّ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الْقَدِيمِ الْجَاهِلِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْغَرُ حَفِيدَ الْأَكْبَرِ وَافَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ جَدِّهِ وَاسْمَ أَبِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْإِصَابَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا وَلَا مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا وَقَعَ لَهُ مِيرَاثٌ ) لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ وَارِثًا . ( وَأَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا ) وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ، وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ ، وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا فَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا ، وَإِنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ . ( وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَلِيَأْخُذَ مَالَهُ ) الَّذِي هُوَ عِلَّةُ مَنْعِ إِرْثِهِ فِي قَتْلِهِ عَمْدًا ، فَإِذَا انْتَفَتِ الْعِلَّةُ بِكَوْنِ الْقَتْلِ خَطَأً وَرِثَ مِنَ الْمَالِ أَوْ لَا يَرْثُ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ ( فَأَحَبُّ ) الْقَوْلَيْنِ ( إِلَيَّ أَنْ يَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ ) لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا .
1557 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنْ الْإِنْسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً ، وَأَنَّ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً ، وَأَنَّ فِي الْأُذُنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا الدِّيَةَ كَامِلَةً ، اصْطُلِمَتَا أَوْ لَمْ تُصْطَلَمَا ، وَفِي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةَ كَامِلَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَأَخَفُّ ذَلِكَ عِنْدِي الْحَاجِبَانِ وَثَدْيَا الرَّجُلِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ ، فَذَلِكَ لَهُ إِذَا أُصِيبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعَيْنَاهُ فَلَهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الصَّحِيحَةِ إِذَا فُقِئَتْ خَطَأً : إِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَامِلَةً . 1610 1557 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَسْتَقِيدَ ) يَقْتَصَّ ( مِنْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ أَلْفُ دِينَارٍ ) إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ ( أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ) إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِضَّةِ . ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنَ الْإِنْسَانِ ) كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْبَيْضَتَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ ( الدِّيَةَ كَامِلَةً ، وَأَنَّ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً ) وَذَلِكَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ( أَنَّ فِي الْأُذُنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا الدِّيَةَ كَامِلَةً ) سَوَاءٌ ( اصْطُلِمَتَا ) أَيْ قُطِعَتَا مِنْ أَصْلِهِمَا ( أَوْ لَمْ تُصْطَلَمَا ) لَمْ يُقْطَعَا . ( وَفِي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ) لِنَصِّ حَدِيثِ عُمَرَ ( وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ) بِنَصِّهِ أَيْضًا . ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي ثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ الدِّيَةَ كَامِلَةً ) إِذَا اسْتَأْصَلَهُمَا بِالْقَطْعِ ، وَأَمَّا حَلَمَتَاهُمَا وَهِيَ رَأْسُهُمَا فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِمَا إِلَّا بِشَرْطِ إِبْطَالِ اللَّبَنِ . ( مَالِكٌ : وَأَخَفُّ ذَلِكَ عِنْدِي الْحَاجِبَانِ وَثَدْيَا الرَّجُلِ ) فَلَيْسَ فِيهِمَا الدِّيَةُ بَلِ الْحُكُومَةُ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ إِذَا أُصِيبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعَيْنَاهُ فَلَهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ ) وَإِنْ أُصِيبَ مَعَ ذَلِكَ شَفَتَاهُ فَأَرْبَعٌ وَهَكَذَا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الصَّحِيحَةِ إِذَا فُقِئَتْ خَطَأً إِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَامِلَةً ) لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ .
8 - باب مَا فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً 1556 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، فَإِذَا قُطِعَتْ السُّفْلَى فَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ . 8 - بَابُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً 1610 1556 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ) وَجَاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ كَمَا مَرَّ . ( فَإِذَا قُطِعَتِ السُّفْلَى فَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ ) لِأَنَّ النَّفْعَ بِهَا أَقْوَى ، لَكِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فَقَالُوا : فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ .
1554 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ : عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلْ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ . 1609 1554 ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) مُرْسَلًا عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَوَصَلَهُ مُطَرِّفٌ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ هَكَذَا ، وَطَائِفَةٌ يُحَدِّثُونَ بِهِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَالِكٌ أَرْسَلَ عَنْهُ حَدِيثَ سَعِيدٍ هَذَا وَوَصَلَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ وَاقْتَصَرَ فِيهِمَا عَلَى قِصَّةِ الْجَنِينِ دُونَ قَتْلِ الْمَرْأَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ ، وَلِمَا شَاءَ اللَّهُ مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ . انْتَهَى . وَمُرَادُهُ أَرْسَلَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ وَإِلَّا فَقَدَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى ) حَكَمَ ( فِي الْجَنِينِ ) حَالَ كَوْنِهِ ( يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى وَلَوْ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ عِنْدَ مَالِكٍ ( بِغُرَّةٍ ) بِالتَّنْوِينِ ( عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ) تَقْسِيمٌ لَا شَكَّ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ كَمَا يَأْتِي ( فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ بِالْغُرَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَقَالَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غُرَّتْ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ أَيِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ وَوَلِيُّهَا هُوَ ابْنُهَا مَسْرُوحٌ رَوَاهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْقَائِلَ زَوْجُهَا حَمَلُ ابْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ عِمْرَانُ بْنُ عُوَيْمِرٍ أَخُو مُلَيْكَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقَائِلِينَ ، فَإِسْنَادُ هَذِهِ صَحِيحٌ أَيْضًا انْتَهَى . وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الْغُرَّةَ عَلَى الْجَانِي لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ اللَّفْظِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْجَانِي ، إِذْ لَوْ قُضِيَ بِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ لَقِيلَ : فَقَالَ الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ جَانِبٍ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ كَالْإِجْمَاعِ أَوِ السُّنَّةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سورة الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 164 ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي تَعْيِينِ الْقَائِلِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِهِ ؛ لِأَنَّ كُلًّا تَكَلَّمَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْجَانِيَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : فَقَالَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْجَانِيَةَ هِيَ الَّتِي غَرِمَتِ الْغُرَّةَ ، وَلَا يُخَالِفُهُ رِوَايَةُ غُرَّتْ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُشَدَّدَةٍ وَتَاءٍ سَاكِنَةٍ بِلَا مِيمٍ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِغُرْمِ الْغُرَّةِ ( كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ) أَيْ صَاحَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَهُوَ مِنْ إِقَامَةِ الْمَاضِي مَقَامَ الْمُضَارِعِ أَيْ لَمْ يَشْرَبْ إِلَخْ . ( وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ ) بِمُوَحَّدَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَلَامٍ خَفِيفَةٍ مِنَ الْبُطْلَانِ ، وَفِي رِوَايَةٍ يُطَلُّ بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ يُهْدَرُ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَإِنْ رَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ التَّحْتِيَّةَ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ) لِمُشَابَهَةِ كَلَامِهِ كَلَامَهُمْ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ فِيهِ فَشُبِّهَ بِالْإِخْوَانِ ؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ تَقْتَضِي الْمُشَابَهَةَ ، وَذَمَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِسَجْعِهِ دَفْعَ مَا أَوْجَبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُعَاقِبْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّفْحِ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَهُوَ كَانَ أَعْرَابِيًّا لَا عِلْمَ لَهُ بِأَحْكَامِ الدِّينِ ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وَتِلْكَ سِيمَتُهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَلَا يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَنْ زَعَمَ كَرَاهَةَ التَّسْجِيعِ مُطْلَقًا ، نَعَمْ يُنْكَرُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْخَطِيبِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ كُلُّهُ سَجْعًا ، أَمَّا إِذَا كَانَ أَقَلَّ كَلَامِهِ فَلَيْسَ بِمَعِيبٍ بَلْ مُسْتَحْسَنٌ مَحْمُودٌ فَإِنَّهُ كَلَامٌ ، وَكَذَلِكَ الشِّعْرُ فَحَسَنُهُمَا حَسَنٌ وَقَبِيحُهُمَا قَبِيحٌ ، كَالْكَلَامِ الْمَنْثُورِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا : تُورَثُ الْغُرَّةَ عَنِ الْجَنِينِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ : كَيْفَ أَغْرَمُ إِلَخْ ، قَالَ : فَالْمَضْمُونُ الجنين لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُعْتَرَضُ فِيهِ بِهَذَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : تَخْتَصُّ بِهَا الْأُمُّ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا وَلَيْسَتْ بِدِيَةٍ إِذْ لَمْ تُعْتَبَرُ فِيهَا هَلْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَالدِّيَاتِ ، وَكَذَا قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ وَاحْتَجَّ إِمَامُهُمْ دَاوُدُ بِأَنَّ الْغُرَّةَ لَمْ يَمَلِكْهَا الْجَنِينُ فَتُورَثْ عَنْهُ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ دِيَةُ الْمَقْتُولِ خَطَّأً فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَهِيَ تُورَثُ عَنْهُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ مُلَخَّصًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ مُرْسَلًا فَفِيهِ أَنْ مَرَاسِيلَ مَالِكٍ صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .
1555 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : فَدِيَةُ جَنِينِ الْحُرَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا ، وَالْعُشْرُ خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي أَنَّ الْجَنِينَ لَا تَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ حَتَّى يُزَايِلَ بَطْنَ أُمِّهِ ، وَيَسْقُطُ مِنْ بَطْنِهَا مَيِّتًا . قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعْت أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ، أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا حَيَاةَ لِلْجَنِينِ إِلَّا بِالْاسْتِهْلَالِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَنَرَى أَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرَ ثَمَنِ أُمِّهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَمْدًا ، وَالَّتِي قَتَلَتْ حَامِلٌ لَمْ يُقَدْ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ، وَإِنْ قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ ، فَإِنْ قُتِلَتْ عَمْدًا قُتِلَ الَّذِي قَتَلَهَا ، وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ ، وَإِنْ قُتِلَتْ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ قَاتِلِهَا دِيَتُهَا ، وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جَنِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ يُطْرَحُ ، فَقَالَ : أَرَى أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ أُمِّهِ . 1609 1555 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ ) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ أَوِ الْأَمَةَ لَا يَكْفِي إِلَّا أَنْ يُسَاوِيَ ذَلِكَ . ( وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ ) عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ( أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ) عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنَ الذَّكَرِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فِدْيَةُ جَنِينِ الْحُرَّةِ ) الْمُسْلِمَةِ ( عُشْرُ دِيَتِهَا وَالْعُشْرُ خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ) وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ : قِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِنُّ الْغُرَّةِ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانُ سِنِينَ بِلَا عَيْبٍ . وَقَالَ دَاوُدُ : كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْغُرَّةِ ( وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يُخَالِفْ فِي أَنَّ الْجَنِينَ لَا تَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ حَتَّى يُزَايِلَ ) يُفَارِقَ ( بَطْنَ أُمِّهِ وَيَسْقُطَ مِنْ بَطْنِهَا مَيِّتًا ) وَهِيَ حَيَّةٌ ( وَسَمِعْتُ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيَّا ثُمَّ مَاتَ ) بِقُرْبِ خُرُوجِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ مِنَ الضَّرْبَةِ وَمَا فُعِلَ بِأُمِّهِ وَبِهِ فِي بَطْنِهَا ( أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً ) وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَهَذَا اجْتِمَاعٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا حَيَاةَ لِلْجَنِينِ إِلَّا بِالِاسْتِهْلَالِ ) أَيِ الصِّيَاحِ عند الْوِلَادَةِ . ( فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَاقِي الْفُقَهَاءِ : إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِحَرَكَةٍ أَوْ بِعُطَاسٍ أَوِ اسْتِهْلَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِهِ حَيَاتُهُ ثُمَّ مَاتَ فَالدِّيَةُ كَامِلَةً . ( وَنَرَى أَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ( عُشْرَ ثَمَنِ أُمِّهِ ) وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ كَذَلِكَ : إِنْ كَانَ أُنْثَى لَا إِنْ كَانَ ذَكَرًا فَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ نَفْسِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ : لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مُطْلَقًا . ( وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً ) أَيْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ( عَمْدًا وَ ) الْحَالُ أَنَّ ( الَّتِي قَتَلَتْ ) بِفَتَحَاتٍ ( حَامِلٌ لَمْ يُقَدْ ) يُقْتَصُّ ( مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ) لِئَلَّا يُؤْخَذَ نَفَسَانِ فِي نَفْسٍ . ( وَإِنْ قُتِلَتْ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ( الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ ) ثُمَّ ( إِنْ قُتِلَتْ عَمْدًا قُتِلَ الَّذِي قَتَلَهَا ) قِصَاصًا ( وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ ، وَإِنْ قُتِلَتْ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ قَاتِلِهَا دِيَتُهَا وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ ) وَعَلَى هَذَا الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ إِلَّا اللَّيْثَ وَأَهْلَ الظَّاهِرِ فَقَالُوا : إِذَا أَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا فَالْغُرَّةُ ؛ سَوَاءٌ رَمَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ قَبْلَهُ ، وَأَبْطَلَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَاللَّيْثُ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَمَاتَتْ وَهُوَ في بطنها لَمْ يَسْقُطْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ ، كَذَلِكَ إِذَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، قَالَ : وَلَا خِلَافَ أَيْضًا لَوْ ضَرَبَ بَطَنَ مَيِّتَةٍ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الضَّرْبُ فِي حَيَاتِهَا فَمَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جَنِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ يُطْرَحُ ) بِنَحْوِ ضَرْبِ بَطْنِهَا ( فَقَالَ : أَرَى أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ أُمِّهِ ) وَهِيَ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمَةِ .
7 - باب عَقْلِ الْجَنِينِ 1553 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا ، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ : عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ . 7 - بَابُ عَقْلِ الْجَنِينِ 1608 1553 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَلَا يُخَالِفُهُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ امْرَأَتَيْنِ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ لِأَنَّهُ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ ( رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ) بِحَجَرٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِحَجَرٍ فَأَصَابَ بَطْنَهَا ، وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِمُسَطَّحٍ أَيْ خَشَبَةٍ أَوْ عُودٍ يُرَقَّقُ بِهِ الْخُبْزُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلِهَذَا الِاضْطِرَابِ لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَضَى الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْحَجَرِ وَغَيْرِهِ فِي الْعَمْدِ ، وَالرَّامِيَةُ أُمُّ عَفِيفٍ وَالْمَرْمِيَّةُ مُلَيْكَةُ . انْتَهَى . وَكَانَتَا ضَرَّتَيْنِ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْهُذَلِيِّ ، وَعُوَيْمِرٌ بَرَاءٍ آخِرِهِ وَبِدُونِهَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَانَتْ أُخْتِي مُلَيْكَةُ وَامْرَأَةٌ مِنَّا يُقَالُ لَهَا : أُمُّ عَفِيفٍ بِنْتُ مَسْرُوحٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ تَحْتَ حَمَلِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَضَرَبَتْ أُمُّ عَفِيفٍ مُلَيْكَةَ . وَلِلْبَيْهَقِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَسْمِيَةُ الضَّارِبَةِ أُمُّ غَطِيفٍ وَهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَمَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ ( فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا ) مَيِّتًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خَالِدٍ : فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ مُنَوَّنًا بَيَاضٌ فِي الْوَجْهِ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الْجَسَدِ كُلِّهِ إِطْلَاقًا لِلْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ ( عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ) بِجَرِّهِمَا بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٍ وَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصْوَبُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ كَمَا وَرَدَ قَلِيلًا ، وَالْمُرَادُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَإِنْ كَانَا أَسْوَدَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ الْبَيَاضَ فِي الْوَجْهِ ، لَكِنْ تَوَسَّعُوا فِي إِطْلَاقِهَا عَلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ كَمَا قَالُوا : أَعْتَقَ رَقَبَةً . وَقَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ الْمُقْرِيِّ : الْمُرَادُ الْأَبْيَضُ لَا الْأَسْوَدُ إِذْ لَوْلَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى شَخْصِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لَمَا ذَكَرَهَا ، تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ إِجْزَاءِ الْغُرَّةِ السَّوْدَاءِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْغُرَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنْفَسُ الشَّيْءِ ، وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَهُوَ أَنْفَسُ الْمَخْلُوقَاتِ . وَزَادَ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ ، فَقَضَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا ، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا . وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَكِلَاهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تَرَكَ ذَلِكَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْفَتْوَى وَعَمَلَ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ ، فَكَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ مَا لَا يَقُولُ بِهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى قِصَّةِ الْجَنِينِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْغُرَّةِ ، هَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّانِي . وَقَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَتْلَ الْمَرْأَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَنِينِ الَّتِي لَمْ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْإِخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، وَقَبْلَهُ فِي الطب عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ الْخَمْسَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ بِهِ بِدُونِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّيْثُ ، وَيُونُسُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالزِّيَادَةِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقَطْ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ .
21 - باب الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ 1583 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَكْرَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ : أَنْ اقْتُلْهُ بِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ فَهَؤُلَاءِ الذُّكُورُ ، وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ بَيْنَ الْإِنَاثِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الذُّكُورِ ، وَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ ، كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْقِصَاصُ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ ، وَالْقِصَاصُ أَيْضًا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فَنَفْسُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ بِنَفْسِ الرَّجُلِ الْحُرِّ ، وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِلرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ فَيَمُوتُ مَكَانَهُ : أَنَّهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا بِهِ جَمِيعًا ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الضَّرْبَ مِمَّا يَضْرِبُ بِهِ النَّاسُ لَا يَرَى أَنَّهُ عَمَدَ لِقَتْلِهِ ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ وَيُسْجَنُ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا ، أَوْ يَفْقَأُ عَيْنَهُ عَمْدًا ، فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ أَوْ تُفْقَأُ عَيْنُ الْفَاقِئِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ : أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَلَا قِصَاصٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ حَقُّ الَّذِي قُتِلَ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي الشَّيْءِ بِالَّذِي ذَهَبَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاتِلُ ، فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّمِ إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ شَيْءٌ دِيَةٌ وَلَا غَيْرُهَا ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قَالَ مَالِكٌ : فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَاتِلُهُ الَّذِي قَتَلَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَوَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ ، وَالْعَبْدُ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا ، وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 21 - بَابُ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ 1583 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ أُتِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بِسَكْرَانَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( قَدْ قَتَلَ رَجُلًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ : أَنِ اقْتُلْهُ بِهِ ) لِأَنَّ السَّكْرَانَ يُؤْخَذُ بِجِنَايَاتِهِ لِئَلَّا يَتَسَاكَرَ النَّاسُ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ وَيَدَّعُوا عَدَمَ الْعَقْلِ بِالسُّكْرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقَصْدُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ . ( قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلِ ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ ، أَوْ بِالرَّفْعِ أَيْ وَهِيَ قَوْلُ ( اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ يُقْتَلُ لَا بِالْعَبْدِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ فَهَؤُلَاءِ الذُّكُورُ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 178 ) أَنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ بَيْنَ الْإِنَاثِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الذُّكُورِ ، وَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ : ( كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ ) الذَّكَرِ ( وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْقِصَاصُ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ ) كَمَا دَلَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ الْآيَةُ ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الدِّينِ ، فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَوْ رَقِيقًا بِكَافِرٍ وَلَوْ حُرًّا . ( وَالْقِصَاصُ أَيْضًا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ فِي كِتَابِهِ : وَكَتَبْنَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيِ التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ إِذَا قَتَلَتْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْعَيْنَ تُفْقَأُ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ يُجْدَعُ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ تُقْطَعُ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ تُقْلَعُ بِالسِّنِّ وَفِي قِرَاءَةٍ بِرَفْعِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُرُوحَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ قِصَاصٌ أَيْ يُقْتَصُّ مِنْهَا إِذَا أَمْكَنَ كَيَدٍ وَرِجْلٍ وَذَكَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ حُكُومَةٌ كَمَا مَرَّ ، وَهَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ : إن شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا حُكِيَ مُتَقَرِّرًا وَلَمْ يُنْسَخْ ، وَقَدِ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَ . ( فَذَكَرَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) وَأَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيِّدْ بِذَكَرٍ ( فَنَفْسُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ بِنَفْسِ الرَّجُلِ الْحُرِّ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ ) لِعُمُومِ الْآيَةِ . وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِعُمُومِهَا عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ وَعَلَى قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَحَكَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُخَصِّصٍ لِلْآيَةِ انْتَهَى . وَالدَّلِيلُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ . ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِلرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ فَيَمُوتُ مَكَانَهُ إِنَّهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى ) يَعْتَقِدُ ( أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا جَمِيعًا وَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الضَّرْبَ مِمَّا يَضْرِبُ بِهِ النَّاسُ لَا يَرَى أَنَّهُ عَمَدَ ) بِفَتْحَتَيْنِ قَصَدَ ( لِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ وَيُسْجَنُ ) بَعْدَهَا ( سَنَةً لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ الْقَتْلَ . ( وَفِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا أَوْ يَفْقَأُ عَيْنَهُ عَمْدًا فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ أَوْ يفقأ عَيْنُ الْفَاقِئِ ) بِالْهَمْزِ ( قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَلَا قِصَاصٌ وَإِنَّمَا كَانَ حَقُّ الَّذِي قُتِلَ أَوْ فُقِئَتْ ) قُلِعَتْ ( عَيْنُهُ فِي الشَّيْءِ ) أَيِ الدِّيَةِ أَوِ الْقِصَاصِ ( بِالَّذِي ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ الَّذِي ( ذَهَبَ ) مَنْ قَتَلَ أَوْ فَقَأَ عَيْنَ الْقَاتِلِ أَوِ الْفَاقِئِ ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاتِلُ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّمِ إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ شَيْءٌ دِيَةٌ وَلَا غَيْرُهَا ) بَيَانٌ لِشَيْءٍ ( وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُتِبَ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى جَمْعِ قَتِيلٍ ، وَالْمَعْنَى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ مَأْخُوذٌ أَوْ مَقْتُولٌ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ عَطْفٌ عَلَيْهِ ( فَإِنَّمَا يَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَاتِلُهُ الَّذِي قَتَلَهُ فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ ) لِتَعَذُّرِهِ ( وَلَا دِيَةٌ ) فِي مَالِهِ ( وَلَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَوَدٌ ) قِصَاصٌ ( فِي شَيْءٍ مِنَ الْجِرَاحِ ) لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ ( وَ ) لَكِنَّ ( الْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا ) وَتِلْكَ قَاعِدَةٌ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى . ( وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لِأَنَّهُ مَالٌ .
9 - باب مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا 1558 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إِذَا طَفِئَتْ : مِائَةُ دِينَارٍ . قَالَ يَحْيَى : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَتَرِ الْعَيْنِ وَحِجَاجِ الْعَيْنِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْاجْتِهَادُ ، إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بَصَرُ الْعَيْنِ ، فَيَكُونُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوْرَاءِ إِذَا طَفِئَتْ ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إِذَا قُطِعَتْ ، إِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْاجْتِهَادُ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَقْلٌ مُسَمًّى . 9 - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا 1611 1558 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ) الصَّحَابِيَّ الشَّهِيرَ ( كَانَ يَقُولُ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إِذَا أُطْفِئَتْ ) أُطْمِسَ نُورُهَا ( مِائَةُ دِينَارٍ ) وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا مَالِكٌ بَلْ قَالَ : إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِالْجَانِي وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَالْخَطَأِ . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَتَرِ الْعَيْنِ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ قَطْعِ جَفْنِهَا الْأَسْفَلِ مَصْدَرُ شَتِرَ مِنْ بَابِ تَعِبَ ( وَحِجَاجِ الْعَيْنِ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَفَتْحُهَا لُغَةٌ - وَجِيمَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ، الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَهُمَا ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَجَمْعُهُ حِجَجَةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْحِجَاجُ الْعَظْمُ الْمُشْرِفُ عَلَى غَارِ الْعَيْنِ ( فَقَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا الِاجْتِهَادُ إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بَصَرُ الْعَيْنِ فَيَكُونُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ ) مِنَ الدِّيَةِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الْعَوْرَاءِ ) الَّتِي لَا تُبْصِرُ ( إِذَا أُطْفِئَتْ ) أَيْ أُزِيلَتْ وَقُلِعَتْ ( وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ ) الَّتِي فَسَدَتْ وَبَطَلَ عَمَلُهَا ( إِذَا قُطِعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا الِاجْتِهَادُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَقْلٌ مُسَمًّى ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ .
22 - باب الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ إِذَا قَتَلَ عَمْدًا : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَجِبَ لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا إِذَا عُفِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا وَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ، فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ ، وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ . 22 - بَابُ الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ أَيْ من يرضى هُوَ وَغَيْرُهُ ( مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ) جَمْعٌ عَلَى مَعْنَى مِنْ ( فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاتِلِهِ إِذَا قَتَلَ عَمْدًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى ) أَحَقُّ ( بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ ) وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَجِبَ ) يَثْبُتَ ( لَهُ ) بِإِنْفَاذِ مَقْتَلِهِ ( أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ ) دِيَةٌ ( يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ ) فَيَلْزَمُهُ ( وَالْقَاتِلُ عَمْدًا إِذَا عُفِيَ عَنْهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً ) كَامِلَةً . ( وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا أَوْ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ ) . مَاضٍ ( عَلَى الْبَنَاتِ وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ ) إِنَّمَا الْأَمْرُ لِلْبَنِينَ .
10 - باب مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الشِّجَاجِ 1559 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَذْكُرُ أَنَّ : الْمُوضِحَةَ فِي الْوَجْهِ مِثْلُ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ ، إِلَّا أَنْ تَعِيبَ الْوَجْهَ ، فَيُزَادُ فِي عَقْلِهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَقْلِ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ ، فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ فَرِيضَةً قَالَ : وَالْمُنَقِّلَةُ الَّتِي يَطِيرُ فِرَاشُهَا مِنْ الْعَظْمِ وَلَا تَخْرِقُ إِلَى الدِّمَاغِ ، وَهِيَ تَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَفِي الْوَجْهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ لَيْسَ فِيهِمَا قَوَدٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمَأْمُومَةُ مَا خَرَقَ الْعَظْمَ إِلَى الدِّمَاغِ ، وَلَا تَكُونُ الْمَأْمُومَةُ إِلَّا فِي الرَّأْسِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ قَوَدٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَا يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ إِذَا خَرَقَ الْعَظْمَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ عَقْلٌ ، حَتَّى تَبْلُغَ الْمُوضِحَةَ ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ فِي الْمُوضِحَةِ فَمَا فَوْقَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى إِلَى الْمُوضِحَةِ فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، فَجَعَلَ فِيهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، وَلَمْ تَقْضِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِعَقْلٍ . 10 - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الشِّجَاجِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ شَجَّةِ الْجِرَاحَةِ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شَجَّاتٍ عَلَى لَفْظِهَا ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ . 1612 1559 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الْوَجْهِ مِثْلُ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ إِلَّا أَنْ تَعِيبَ ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ( الْوَجْهَ فَيُزَادُ فِي عَقْلِهَا ) دِيَتِهَا ( مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَقْلِ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ ، فَيَكُونُ فِيهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا ) عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً ) مِنَ الْإِبِلِ ( وَالْمُنَقِّلَةُ ) هِيَ ( الَّتِي يَطِيرُ فَرَاشُهَا ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا الرَّقِيقُ ( مِنَ الْعَظْمِ ) بَيَانٌ لِفَرَاشٍ عِنْدَ الدَّوَاءِ ( وَلَا تَخْرِقُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ تَصِلُ ( إِلَى الدِّمَاغِ ) الْمَقْتَلِ مِنَ الرَّأْسِ ( وَهِيَ تَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَفِي الْوَجْهِ ، وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ لَيْسَ فِيهِمَا قَوَدٌ ) لِأَنَّهُمَا مِنَ الْمَتَالِفِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْمَأْمُومَةُ مَا خَرَقَ الْعَظْمَ إِلَى الدِّمَاغِ ، وَلَا تَكُونُ الْمَأْمُومَةُ إِلَّا فِي الرَّأْسِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ قَوَدٌ ) قِصَاصٌ . ( قَالَ مَالِكٌ وَمَا يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ إِذَا خَرَقَ الْعَظْمَ ، وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنَ الشِّجَاجِ ) الْجِرَاحِ ( عَقْلٌ ) دِيَةٌ ( حَتَّى تَبْلُغَ الْمُوضِحَةَ وَإِنَّمَا الْعَقْلُ فِي الْمُوضِحَةِ فَمَا فَوْقَهَا وَ ) دَلِيلُ ( ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى ) أَيْ وَصَلَ إِلَى الْمُوضِحَةِ فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِمُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ( فَجَعَلَ فِيهَا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ ) وَلَمْ يَجْعَلْ فِيمَا قَبْلَهَا شَيْئًا مُقَدَّرًا . ( وَلَمْ تَقْضِ الْأَئِمَّةُ ) الْخُلَفَاءُ ( فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِعَقْلٍ ) فَلَا دِيَةَ فِيهَا .
1560 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَفِيهَا ثُلُثُ عَقْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ . حَدَّثَنِي مَالِك : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ لَا يَرَى ذَلِكَ . وَأَنَا لَا أَرَى فِي نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْجَسَدِ أَمْرًا مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ ، وَلَكِنِّي أَرَى فِيهَا الْاجْتِهَادَ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْمُوضِحَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ ، فَمَا كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْاجْتِهَادُ . قَالَ مَالِكٌ : فَلَا أَرَى اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ وَالْأَنْفَ مِنْ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ وَالرَّأْسُ بَعْدَهُمَا عَظْمٌ وَاحِدٌ . 1612 1560 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : كَلُّ ) جِرَاحَةٍ ( نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ فَفِيهَا ثُلُثُ عَقْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ . مَالِكٌ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ لَا يَرَى ذَلِكَ . وَأَنَا لَا أَرَى فِي نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ فِي الْجَسَدِ أَمْرًا مُجْتَمَعًا عَلَيْهِ ) مُحَدَّدًا بِحَدٍّ كَمَا حَدَّهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ . ( وَلَكِنِّي أَرَى فِيهِ الِاجْتِهَادَ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ ) فَيَكُونُ فِيهَا مَا اجْتَهَدَ فِيهِ . ( وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ) لَا يَتَعَدَّى . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَأْمُومَةَ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْمُوضِحَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَمَا كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الِاجْتِهَادُ ) مِنَ الْحَاكِمِ وَهَذَا مِمَّا يَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ بِالتَّعْيِينِ . ( وَلَا أَرَى اللَّحْيَ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ ( الْأَسْفَلَ ) وَهُوَ عَظْمُ الْحَنَكِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ وَهُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَنْبُتُ الشَّعَرُ وَهُوَ أَعْلَى وَأَسْفَلُ . ( وَالْأَنْفَ مِنَ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ وَالرَّأْسُ بَعْدَهُمَا عَظْمٌ وَاحِدٌ ) .
1561 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقِّلَةِ . 1612 1561 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَادَ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ ) وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ فَقَالَ : لَا قِصَاصَ فِي الْمُنَقِّلَةِ .
16 - باب مَا يُوجِبُ الْعَقْلَ عَلَى الرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ مَالِهِ 1572 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَقْلٌ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، إِنَّمَا عَلَيْهِمْ عَقْلُ قَتْلِ الْخَطَإِ . 16 - بَابُ مَا يُوجِبُ الْعَقْلَ عَلَى الرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ مَالِهِ 1618 1572 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَقْلٌ ) دِيَةٌ ( فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، إِنَّمَا عَلَيْهِمْ عَقْلُ قَتْلِ الْخَطَأِ ) لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ لِلْمَصْلَحَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْعَمْدُ ، إِذِ الْأَصْلُ أَنَّهُ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سورة فَاطِرٍ : الْآيَةَ 18 ) خُصَّ مِنْهُ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ الْخَطَأَ فَبَقِيَ الْعَمْدُ عَلَى الْأَصْلِ .
1574 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ حِينَ يَعْفُو أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ، أَنَّ الدِّيَةَ تَكُونُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً ، إِلَّا أَنْ تُعِينَهُ الْعَاقِلَةُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، فَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ فِي مَالِ الْجَارِحِ خَاصَّةً . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ قُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ : أَنَّ عَقْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا ، وَإِنَّمَا عَقْلُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ أَوْ الْجَارِحِ خَاصَّةً إِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَحَدًا أَصَابَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِشَيْءٍ ، وَعَلَى ذَلِكَ رَأْيُ أَهْلِ الْفِقْهِ عِنْدَنَا ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا ضَمَّنَ الْعَاقِلَةَ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ شَيْئًا ، وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ فَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْعَقْلِ ، فَلْيَتْبَعْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُؤَدِّ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَالَ لَهَا ، إِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً دُونَ الثُّلُثِ : إِنَّهُ ضَامِنٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ فِي مَالِهِمَا خَاصَّةً ، إِنْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَجِنَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَيْهِ ، لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ أَبُو الصَّبِيِّ بِعَقْلِ جِنَايَةِ الصَّبِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ : أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قُتِلَ كَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ يُقْتَلُ وَلَا تَحْمِلُ عَاقِلَةُ قَاتِلِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الدِّيَةَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ . 1618 1574 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : مِثْلَ ذَلِكَ ) أَيْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا صُلْحًا وَلَا مَا دُونَ الثُّلُثِ . ( مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ حِينَ يَعْفُوَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ) عَنِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ ( أَنَّ الدِّيَةَ تَكُونُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً إِلَّا أَنْ تُعِينَهُ ) تُسَاعِدَهُ ( الْعَاقِلَةُ ) إِعَانَةً صَادِرَةً ( عَنْ طِيبِ أنَفْسٍ مِنْهَا ) بِلَا جَبْرٍ ، وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهَا إِذَا أَعَانَهُ فَلَهُ ذَلِكَ . ( مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ ) أَيْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي ( فَصَاعِدًا فَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ فِي مَالِ الْجَارِحِ خَاصَّةً ) لِلْحَدِيثِ ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَحْمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ . ( وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ قُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ : أَنَّ عَقْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا ، وَإِنَّمَا عَقْلُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ أَوِ الْجَارِحِ خَاصَّةً إِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ . ( وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ أَحَدًا أَصَابَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِشَيْءٍ ، وَعَلَى ذَلِكَ رَأَىُ أَهْلِ الْفِقْهِ عِنْدَنَا ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا ضَمَّنَ الْعَاقِلَةَ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ شَيْئًا ) لِأَنَّهَا إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ فِي الْخَطَأِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سورة فَاطِرٍ : الْآيَةَ 18 ) لَكِنَّهُ خُصَّ مِنْ عُمُومِهَا بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ أُخِذَ بِالدِّيَةِ لَأَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ لَأَنَّ تَتَابُعَ الْخَطَأِ مِنْهُ لَا يُؤْمَنُ ، وَلَوْ تُرِكَ بِلَا تَغْرِيمٍ لِأُهْدِرَ دَمُ الْمَقْتُولِ فَلَا يُقَاسُ الْعَمْدُ عَلَى ذَلِكَ . ( وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ فِي كِتَابِهِ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ) مِنَ الْقَاتِلِينَ ( مِنْ ) دَمِ ( أَخِيهِ ) الْمَقْتُولِ ( شَيْءٌ ) بِأَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ مِنْهُ ، وَتَنْكِيرُ شَيْءٌ يُفِيدُ سُقُوطَ الْقِصَاصِ الْعَفْوَ عَنْ بَعْضِهِ وَمِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، وَفِي ذِكْرِ أَخِيهِ تَعْطِيفٌ دَاعٍ إِلَى الْعَفْوِ وَإِيذَانٌ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَقْطَعُ إخوة الْإِيمَانِ ، وَمِنْ مُبْتَدَأٌ ، شَرْطِيَّةً أَوْ مَوْصُولَةً ، والخبر ( فَاتِّبَاعٌ ) أَيْ فَعَلَى الْعَافِي اتِّبَاعُ الْقَاتِلِ ( بِالْمَعْرُوفِ ) بِأَنْ يُطَالِبَهُ بِالدِّيَةِ بِلَا عُنْفٍ ( وَ ) عَلَى الْقَاتِلِ ( أَدَاءٌ ) الدِّيَةِ ( إِلَيْهِ ) إِلَى الْعَافِي وَهُوَ الْوَارِثُ ( بِإِحْسَانٍ ) بِلَا مَطْلٍ وَلَا بَخْسٍ ( فَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نُرَى ) بِضَمِّ النُّونِ نَظُنُّ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) بِمُرَادِهِ ( أَنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِ ) الدِّيَةِ ( فَلْيَتَّبِعْهُ بِالْمَعْرُوفِ ليُؤَدِّ إِلَيْهِ الْقَاتِلُ بِإِحْسَانٍ ) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْقَاتِلِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا هُوَ بِاتِّبَاعِهِ لَا عَاقِلَتِهِ ، وَتَرْتِيبُ الِاتِّبَاعِ عَلَى الْعَفْوِ يُفِيدُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا أَيِ الْقِصَاصُ أَوِ الْعَفْوُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ . وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا : مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَالَ لَهَا ، إِذَا جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً دُونَ الثُّلُثِ ، أَنَّهُ ضَامِنٌ ) أَيْ مَضْمُونٌ كَمَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ مَرْضِيَّةٍ ( عَلَى الصَّبِيِّ أَوِ الْمَرْأَةِ فِي مَالِهِمَا خَاصَّةً ، إِنْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَجِنَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ أَبُو الصَّبِيِّ بِعَقْلِ جِنَايَةِ الصَّبِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ) لِحَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ فِي ابْنِهِ : وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ . وَفِي النَّسَائِيِّ مَرْفُوعًا : لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَنْ أُخْرَى أَيْ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِجِنَايَةِ أَحَدٍ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قُتِلَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( كَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ يُقْتَلُ ) عَلَى قَاتِلِهِ . ( وَلَا تَحْمِلُ عَاقِلَةُ قَاتِلِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ) لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً بَالِغًا مَا بَلَغَ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ الدِّيَةَ ) أَيْ قَدْرَهَا ( أَوْ أَكْثَرَ فَذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنَ السِّلَعِ ) جَمْعُ سِلْعَةٍ كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ ، أَيْ بِضَاعَةٌ - بِالْكَسْرِ - قِطْعَةٌ مِنَ الْمَالِ تُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ .
1573 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ . 1618 1573 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ ) .
18 - باب جَامِعِ الْعَقْلِ 1579 - وحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ الْجُبَارِ : أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ ، إِلَّا أَنْ تَرْمَحَ الدَّابَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا شَيْءٌ تَرْمَحُ لَهُ ، وَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ بِالْعَقْلِ . قَالَ مَالِكٌ : فَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ وَالسَّائِقُ أَحْرَى أَنْ يَغْرَمُوا مِنْ الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَحْفِرُ الْبِئْرَ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يَرْبِطُ الدَّابَّةَ أَوْ يَصْنَعُ أَشْبَاهَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ فِي ذَلِكَ مِنْ جَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَقْلُهُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَهُوَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً ، وَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَمَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا غُرْمَ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْبِئْرُ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ لِلْمَطَرِ ، وَالدَّابَّةُ يَنْزِلُ عَنْهَا الرَّجُلُ لِلْحَاجَةِ فَيَقِفُهَا عَلَى الطَّرِيقِ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذَا غُرْمٌ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْزِلُ فِي الْبِئْرِ فَيُدْرِكُهُ رَجُلٌ آخَرُ فِي أَثَرِهِ ، فَيَجْبِذُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى فَيَخِرَّانِ فِي الْبِئْرِ فَيَهْلِكَانِ جَمِيعًا : أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي جَبَذَهُ الدِّيَةَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ يَأْمُرُهُ الرَّجُلُ يَنْزِلُ فِي الْبِئْرِ ، أَوْ يَرْقَى فِي النَّخْلَةِ فَيَهْلِكُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ هَلَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَقْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْقِلُوهُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِيمَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَاتِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ مِنْ الرِّجَالِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي عَقْلِ الْمَوَالِي : تُلْزَمُهُ الْعَاقِلَةُ إِنْ شَاءُوا ، وَإِنْ أَبَوْا كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ أَوْ مُقْطَعِينَ ، وَقَدْ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ دِيوَانٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْوَلَاءُ نَسَبٌ ثَابِتٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا أُصِيبَ مِنْ الْبَهَائِمِ : أَنَّ عَلَى مَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَيُصِيبُ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ : أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا الْفِرْيَةَ ، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ عَلَى مَنْ قِيلَتْ لَهُ ، يُقَالُ لَهُ : مَا لَكَ لَمْ تَجْلِدْ مَنْ افْتَرَى عَلَيْكَ ؟ فَأَرَى أَنْ يُجْلَدَ الْمَقْتُولُ الْحَدَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْتَلَ ، ثُمَّ يُقْتَلَ وَلَا أَرَى أَنْ يُقَادَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ إِلَّا الْقَتْلَ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّ الْقَتِيلَ إِذَا وُجِدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ فِي قَرْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ دَارًا وَلَا مَكَانًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ الْقَتِيلُ ، ثُمَّ يُلْقَى عَلَى بَابِ قَوْمٍ لِيُلَطَّخُوا بِهِ ، فَلَيْسَ يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ اقْتَتَلُوا فَانْكَشَفُوا وَبَيْنَهُمْ قَتِيلٌ أَوْ جَرِيحٌ لَا يُدْرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ ، وَأَنَّ عَقْلَهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ نَازَعُوهُ ، وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ أَوْ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ فَعَقْلُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا . 18 - بَابُ جَامِعِ الْعَقْلِ 1622 1579 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) الْقُرَشِيِّ ( وَ ) عَنْ ( أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : جَرْحُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، فَأَمَّا بِالضَّمِّ فَالِاسْمُ ( الْعَجْمَاءِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْجَمَ وَهُوَ الْبَهِيمَةُ ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرَ الْإِنْسَانِ وَلِمَنْ لَا يُفْصِحُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ سُمِّيَتِ الْبَهِيمَةُ عَجْمَاءَ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ ( جُبَارٌ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَدَرٌ لَا شَيْءَ فِيهِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : جَرْحُهَا جِنَايَتُهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ جِنَايَتَهَا نَهَارًا وَجَرْحَهَا بِلَا سَبَبٍ فِيهِ لِأَحَدٍ أَنَّهُ هَدَرٌ لَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا أَرْشَ ، أَيْ فَلَا يَخْتَصُّ الْهَدَرُ بِالْجِرَاحِ بَلْ كُلُّ الْإِتْلَافَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ أَوْ هُوَ مِثَالٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ . وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَقْدِيرٍ ؛ إِذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعَجْمَاءِ نَفْسِهَا جُبَارًا ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : الْعَجْمَاءُ جَرَحُهَا جُبَارٌ ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ هُوَ جُرْحُهَا ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِالْجُرْحِ كَمَا عُلِمَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رِوَايَةً تَعَيَّنَ الْمُقَدَّرُ لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَةٍ التِّنِّيسِيِّ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا عُمُومَ لَهُ . ( وَالْبِئْرُ ) بِكَسْرٍ الْمُوَحَّدَةِ وَبَاءٍ سَاكِنَةٍ مَهْمُوزَةٍ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهَا عَلَى مَعْنَى الْقَلِيبِ وَالطَّوَى ( جُبَارٌ ) هَدَرٌ لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا فِي كُلِّ مَا سَقَطَ فِيهَا بِغَيْرِ صُنْعِ أَحَدٍ إِذَا حَفَرَهَا فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ حَفْرُهَا فِيهِ كَمِلْكِهِ أَوْ دَارِهِ أَوْ فِنَائِهِ أَوْ فِي صَحْرَاءَ لِمَاشِيَةٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ مُحْتَمِلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، والليث ، وَدَاوُدَ وَأَصْحَابِهِمْ قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا الْعَادِيَّةُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ انْتَهَى ، وَهَذَا تَضْيِيقٌ . ( وَالْمَعْدِنُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمَكَانُ مِنَ الْأَرْضِ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَادِ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَكِبْرِيتٍ وَغَيْرِهَا مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ يَعْدِنُ بِالْكَسْرِ عُدُونًا سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْ إِقَامَتُهُ إِذَا انْهَارَ عَلَى مَنْ حَفَرَ فِيهِ فَهَلَكَ فَدَمُهُ ( جُبَارٌ ) لَا ضَمَانَ فِيهِ كَالْبِئْرِ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَعْمَلَ فِي مَعْدِنٍ فَهَلَكَ فَهَدَرٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنِ اسْتَأْجَرَهُ وَلَا دِيَةَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَالْأَصْلُ فِي زَكَاتِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 267 ) وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْ مَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ . ( وَفِي الرِّكَازِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَخِفَّةِ الْكَافِ فَأَلِفٍ فَزَايٍ وَهُوَ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي الزَّكَاةِ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ( الْخُمُسُ ) فِي الْحَالِ لَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِاتِّفَاقٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْحَرْبِ ، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ كَنُحَاسٍ وَجَوْهَرٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ خِلَافٌ قَدَّمْتُهُ فِي الزَّكَاةِ ، وَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِي اسْتِخْرَاجِهِ إِلَى عَمَلٍ وَمُؤْنَةٍ وَمُعَالَجَةٍ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ أَوْ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ ، فَنُزِّلَ وَاجِدُهُ مَنْزِلَةَ الْغَانِمِ فَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَتَفْسِيرُهُ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ هُوَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ بِهِ هُوَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعِرَاقِيِّينَ : الرِّكَازُ هُوَ الْمَعْدِنُ فَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ فِيهِمَا الْخُمُسُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَذَكَرَ لِهَذَا حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْأَوَّلِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ ذَكَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَجَمَعَهَا الرَّاوِي وَسَاقَهَا مَسَاقًا وَاحِدًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَالْأَصْلِ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ : يُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ قَالَ : وَقِيلَ الرِّكَازُ قِطَعُ الْفِضَّةِ تُخْرَجُ مِنَ الْمَعْدِنِ ، وَقِيلَ : مِنَ الذَّهَبِ أَيْضًا . ( لَطِيفَةٌ ) مِمَّا نُعِتَ بِهِ الْمُحِبُّ أَنَّهُ كَالدَّابَّةِ جَرْحَهُ جُبَارٌ ؛ حُكِيَ أَنَّ خُطَّافًا رَاوَدَ خُطَّافَةً فِي قُبَّةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَسَمِعَهُ يَقُولُ : بَلَغَ مِنِّي حُبُّكِ لَوْ قُلْتِ لِيَ اهْدِمِ الْقُبَّةَ عَلَى سُلَيْمَانَ فَعَلْتُ ، فَاسْتَدْعَاهُ سُلَيْمَانُ فَقَالَ لَهُ : لَا تَعْجَلْ إِنْ لِلْمَحَبَّةِ لِسَانًا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِلَّا الْمُحِبُّونَ ، وَالْعَاشِقُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ فَإِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الْمَحَبَّةِ لَا بِلِسَانِ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ ، فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَقَالَ : هَذَا جَرْحٌ جُبَارٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ الْجُبَارِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا أَنَّهُ الْهَدْرُ الَّذِي لَا أَرْشَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . ( وَقَالَ مَالِكٌ ) مُقَيِّدًا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ بِهِ ( الْقَائِدُ ) لِلدَّابَّةِ ( وَالسَّائِقُ ) لَهَا ( وَالرَّاكِبُ ) عَلَيْهَا ( كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ ) لِنِسْبَةِ سَيْرِهَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ تَسْتَقِلَّ بِالْفِعْلِ حَتَّى يَكُونَ جُبَارًا فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ ( إِلَّا أَنْ تَرْمَحَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ( الدَّابَّةُ ) أَيْ تَضْرِبَ بِرِجْلِهَا ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا شَيْءٌ ) كَنَخْسٍ تَرْمَحُ لَهُ فَلَا ضَمَانَ . ( وَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ بِالْعَقْلِ ) أَيِ الدِّيَةِ . ( فَالْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ أَحْرَى ) أَوْلَى ( أَنْ يَغْرَمَ مِنَ الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ ) لِأَنَّهُ إِذَا أَجْرَاهَا لَا يَسْتَطِيعُ غَالِبًا مَنْعَهَا بِخِلَافِهِمْ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَحْفِرُ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ( الْبِئْرَ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يَرْبِطُ الدَّابَّةَ أَوْ يَصْنَعُ أَشْبَاهَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ) يُفَصَّلُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ ( مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ ) يَصْنَعَهُ ( عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ) كَالضَّيِّقَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ ( فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ فِي ذَلِكَ مِنْ جَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَقْلُهُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَهُوَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً ) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونُ الثُّلُثِ . ( وَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فصاعدا فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَ ) إِنْ كَانَ ( مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ) كَالْوَاسِعَةِ الْمُحْتَمِلَةَ ( فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا غُرْمَ ) بَلْ هُوَ هَدْرٌ وَعَلَيْهِ يُحَمَلُ الْحَدِيثُ . ( وَمِنْ ذَلِكَ الْبِئْرُ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ لِلْمَطَرِ ، وَالدَّابَّةُ يَنْزِلُ عَنْهَا الرَّجُلُ لِلْحَاجَةِ فَيَقِفُهَا عَلَى الطَّرِيقِ فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذَا غُرْمٌ ) لَا عَلَى الرَّجُلِ وَلَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِمَا . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْزِلُ فِي الْبِئْرِ فَيُدْرِكُهُ رَجُلٌ آخَرُ فِي أَثَرِهِ ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ عَقِبِهِ ( فَيَجْبِذُ ) بِجِيمٍ فَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَلَيْسَ مَقْلُوبَ جَذَبَ ( الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى فَيَخِرَّانِ ) يَسْقُطَانِ ( فِي الْبِئْرِ فَيَهْلِكَانِ جَمِيعًا أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي جَبَذَهُ ) وَهُوَ الْأَسْفَلُ ( الدِّيَةَ ) لِجَذْبِهِ ، وَالْأَسْفَلُ هَدْرٌ ( وَالصَّبِيُّ يَأْمُرُهُ الرَّجُلُ يَنْزِلُ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَرْقَى ) يَصْعَدُ ( النَّخْلَةَ فَيَهْلِكَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ هَلَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ ) مِثْلِ كَسْرِ عُضْوٍ . ( وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَقْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْقِلُوهُ مَعَ الْعَاقِلَةِ فِيمَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ عَاقِلٍ ( مِنَ الدِّيَاتِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ مِنَ الرِّجَالِ ) الْعَصَبَةِ سُمُّوا عَاقِلَةً لِعَقْلِهِمُ الْإِبِلَ بِفِنَاءِ دَارِ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ لِتَحَمُّلِهِمْ عَنِ الْجَانِي الْعَقْلَ أَيِ الدِّيَةَ أَوْ لِمَنْعِهِمْ عَنْهُ ، وَالْعَقْلُ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّي الْعَقْلُ عَقْلًا لِمَنْعِهِ مِنَ الْفَوَاحِشِ ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الثَّلَاثَةِ يُنَاسِبُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي عَقْلِ الْمَوَالِي يُلْزَمُهُ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ ( الْعَاقِلَةُ إِنْ شَاءُوا وَإِنْ أَبَوْا ) وَسَوَاءٌ ( كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفَتَحُ مُعَرَّبٌ ( أَوْ مُقْطَعِينَ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتَحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَفِي نُسْخَةٍ مُنْقَطِعِينَ بِنُونٍ قَبْلَ الْقَافِ . ( وَقَدْ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ) يُوجَدَ ( دِيوَانٌ وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ فِي الْعَرَبِ أَيْ رَتَّبِ الْجَوَائِزَ لِلْعُمَّالِ وَغَيْرِهِمْ ( فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُنْقَلُ ) عَنْ مَنْ هُوَ لَهُ ( وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْوَلَاءُ نَسَبٌ ثَابِتٌ ) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ ( لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ) . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا أُصِيبَ مِنَ الْبَهَائِمِ أَنَّ عَلَى مَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا ) إِذَا هِيَ مِنَ الْأَمْوَالِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَيُصِيبُ حَدًّا مِنَ الْحُدُودِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ) فَيَنْدَرِجُ الْأَصْغَرُ فِي الْأَكْبَرِ ( إِلَّا الْفِرْيَةَ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ الْقَذْفَ ( فَإِنَّهَا تَثْبُتُ عَلَى مَنْ قِيلَتْ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَا لَكَ ) أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ ( لَمْ تَجْلِدْ مَنِ افْتَرَى عَلَيْكَ ) فَتَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ بِذَلِكَ ( فَأَرَى أَنْ يُجْلَدَ الْمَقْتُولُ الْحَدَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْتَلَ ثُمَّ يُقْتَلُ ، وَلَا أَرَى أَنْ يُقَادَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْجِرَاحِ إِلَّا الْقَتْلَ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ) بِخِلَافِ حَدِّ الْفِرْيَةِ فَلَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْقَتْلُ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ القتل إِذَا وُجِدَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَفِي نُسْخَةٍ ظَهْرِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا زَائِدٌ أَيْ بَيْنَ ( قَوْمٍ فِي قَرْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ) كَحَارَةٍ وَبَسَاتِينَ ( لَمْ يُؤْخَذْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ دَارًا وَلَا مَكَانًا ) فَالْبَعِيدُ أَوْلَى ( وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( الْقَتِيلُ ثُمَّ يُلْقَى عَلَى بَابِ قَوْمٍ لِيُلَطِّخُوا ) أَيْ يَرْمُوا ( بِهِ ) يُقَالُ لَطَّخَهُ بِسُوءٍ رَمَاهُ بِهِ ( فَلَيْسَ يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ ) وَأَيْضًا فَالْقَاتِلُ لَا يُبْقِي الْقَتِيلَ فِي مَكَانِهِ غَالِبًا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ اقْتَتَلُوا فَانْكَشَفُوا وَبَيْنَهُمْ قَتِيلٌ أَوْ جَرِيحٌ لَا يُدْرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ ) أَيْ فِيهِ ( الْعَقْلَ ) الدِّيَةَ ( أَنَّ عقله عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ نَازَعُوهُ ) خَاصَمُوهُ حَتَّى اقْتَتَلُوا ( وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ أَوِ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ ) الْمُتَنَازِعَيْنِ ( فَعَقْلُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ) لِأَنَّ جَعْلَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ .
6 - باب عَقْلِ الْمَرْأَةِ 1550 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ ، إِصْبَعُهَا كَإِصْبَعِهِ ، وَسِنُّهَا كَسِنِّهِ ، وَمُوضِحَتُهَا كَمُوضِحَتِهِ ، وَمُنَقِّلَتُهَا كَمُنَقِّلَتِهِ . 6 - بَابُ عَقْلِ الْمَرْأَةِ 1607 1550 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ ) أَيْ تَسَاوِي دِيَتُهُ دِيَتَهَا ( إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ أصْبَعُهَا كَإِصْبَعِهِ ) فِيهِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ . ( وَسِنُّهَا كَسِنِّهِ ) فِيهَا خَمْسُ إِبِلٍ . ( وَمُوضِحَتُهَا كَمُوضِحَتِهِ ) خَمْسُ إِبِلٍ . ( وَمُنَقِّلَتُهَا كَمُنَقِّلَتِهِ ) الَّتِي فِي الرَّأْسِ .
1551 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَبَلَغَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمَرْأَةِ ، أَنَّهَا تُعَاقِلُ الرَّجُلَ ، إِلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ ، كَانَتْ إِلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ : أَنَّهَا تُعَاقِلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَمَا دُونَ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا ، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ كَانَ عَقْلُهَا فِي ذَلِكَ النِّصْفَ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ . 1607 1551 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) سَمَاعًا ( وَبَلَغَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَانَتْ ) أَيْ صَارَتْ وَرُدَّتْ ( إِلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ ) وَيَأْتِي أَنَّ رَبِيعَةَ اسْتَشْكَلَهُ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ السُّنَّةُ . ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ جُمْهُورُ : أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، والليث ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي مَرْفُوعًا : عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ إِلَّا أَنَّهُ اعْتَضَدَ بِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ : هِيَ السُّنَّةُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاقِلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَمَا دُونَ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا ، فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ كَانَ عَقْلُهَا فِي ذَلِكَ النِّصْفَ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ ) عَلَى الْأَصْلِ فِي أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ خَرَجَ مُسَاوَاتُهَا لِلرَّجُلِ إِلَى الثُّلُثِ بِالسُّنَّةِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ .
1552 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : مَضَتْ السُّنَّةُ : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَصَابَ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ ، أَنَّ عَلَيْهِ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ ، وَلَا يُقَادُ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَطَإِ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَيُصِيبَهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ، كَمَا يَضْرِبُهَا بِسَوْطٍ فَيَفْقَأُ عَيْنَهَا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ لَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا : فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى مِنْ عَقْلِ جِنَايَتِهَا شَيْءٌ ، وَلَا عَلَى وَلَدِهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَوْمِهَا ، وَلَا عَلَى إِخْوَتِهَا مِنْ أُمِّهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا ، فَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهَا ، وَالْعَصَبَةُ عَلَيْهِمْ الْعَقْلُ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَوْمِ ، وَكَذَلِكَ مَوَالِي الْمَرْأَةِ مِيرَاثُهُمْ لِوَلَدِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِهَا ، وَعَقْلُ جِنَايَةِ الْمَوَالِي عَلَى قَبِيلَتِهَا . 1607 1552 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَصَابَ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ( أَصَابَ ) ( أَنَّ عَلَيْهِ عَقْلَ ذَلِكَ ) الْجُرْحِ ( وَلَا يُقَادُ مِنْهُ ) أَيْ يُقْتَصُّ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ ) مِثْلَ ( أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَيُصِيبَهَا ) بالنصب ( مِنْ ضَرْبِهِ مَا ) أَيْ شَيْءٌ ( لَمْ يَتَعَمَّدْ كَمَا ) لَوْ كَانَ ( يَضْرِبُهَا بِسَوْطٍ ) لِلتَّأْدِيبِ ( فَيَفْقَأُ عَيْنَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ) أَمَّا إِنْ تَعَمَّدَ فَالْقَوَدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 45 ) . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ لَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى مِنْ عَقْلِ جِنَايَتِهَا الْخَطَأِ شَيْءٌ ، وَلَا عَلَى وَلَدِهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَوْمِهَا ، وَلَا عَلَى إِخْوَتِهَا مِنْ أُمِّهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا فَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهَا ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ عَلَى تَفْصِيلِهِ . ( وَالْعَصَبَةُ عَلَيْهِمُ الْعَقْلُ ) أَيْ دِيَةُ جِنَايَتِهَا ( مُنْذُ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَإِلَى الْآنَ اتِّبَاعًا لَهُ . ( وَكَذَلِكَ مَوَالِي الْمَرْأَةِ ) الَّذِينَ أَعْتَقَتْهُمْ ( مِيرَاثُهُمْ لِوَلَدِ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِهَا وَعَقْلُ جِنَايَةِ الْمُوَالِي ) خَطَأٌ ( عَلَى قَبِيلَتِهَا ) فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ .
11 - باب مَا جَاءَ فِي عَقْلِ الْأَصَابِعِ 1562 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ : كَمْ فِي إِصْبَعِ الْمَرْأَةِ ؟ فَقَالَ : عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ : كَمْ فِي إِصْبَعَيْنِ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ : كَمْ فِي ثَلَاثٍ ؟ فَقَالَ : ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ : كَمْ فِي أَرْبَعٍ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ : بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ . فَقَالَ سَعِيدٌ : هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَصَابِعِ الْكَفِّ إِذَا قُطِعَتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا وَذَلِكَ أَنَّ خَمْسَ الْأَصَابِعِ إِذَا قُطِعَتْ كَانَ عَقْلُهَا عَقْلَ الْكَفِّ ، خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ : فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشَرَةٌ مِنْ الْإِبِلِ . قَالَ مَالِكٌ : وَحِسَابُ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَثُلُثُ دِينَارٍ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ ، وَهِيَ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُ فَرَائِضَ وَثُلُثُ فَرِيضَةٍ . 11 - بَابُ عَقْلِ الْأَصَابِعِ 1613 1562 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ ؟ فَقَالَ : عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ : كَمْ فِي أُصْبُعَيْنِ ؟ ) مِنْهَا ( قَالَ : عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ : كَمْ فِي ثَلَاثٍ ؟ ) مِنْهَا ( فَقَالَ : ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ كَمْ فِي أَرْبَعٍ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، فَقُلْتُ حِينَ عَظُمَ ) كَثُرَ ( جُرْحُهَا ) بِضَمِّ الْجِيمِ ( وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا ) بِذَلِكَ ( نَقَصَ عَقْلُهَا ) دِيَتُهَا ( فَقَالَ سَعِيدٌ : أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ ؟ ) تَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ ( فَقُلْتُ ) لَسْتُ بِعِرَاقِيٍّ ( بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي ) قَالَهُ مُلَاطَفَةً عَلَى عَادَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ ابْنَ أَخِيهِ ، فَقَوْلُهُ : هِيَ السُّنَّةُ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُرْسَلَاتِهِ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُتُبِّعَتْ كُلُّهَا فَوُجِدَتْ مُسْنَدَةً . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَصَابِعِ الْكَفِّ إِذَا قُطِعَتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا وَ ) وَجْهُ ( ذَلِكَ أَنَّ خَمْسَ أَصَابِعَ إِذَا قُطِعَتْ كَانَ عَقْلُهَا عَقْلَ الْكَفِّ ) أَيْ إِذَا قُطِعَ مَعَهَا ( خَمْسِينَ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ) فَإِذَا قُطِعَتِ الْكَفُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةٌ . ( وَحِسَابُ الْأَصَابِعِ مِنَ الذَّهَبِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ وَهِيَ مِنَ الْإِبِلِ ثَلَاثُ فَرَائِضَ وَثُلُثُ فَرِيضَةٍ ) وَعَلَى ذَلِكَ الْحِسَابُ يُقَالُ فِي الدَّرَاهِمِ .
5 - باب عَقْلِ الْجِرَاحِ فِي الْخَطَإِ حَدَّثَنِي مَالِك : أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فِي الْخَطَأ ، أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ وَيَصِحَّ ، وَأَنَّهُ إِنْ كُسِرَ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْجَسَدِ خَطَأً ، فَبَرَأَ وَصَحَّ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ ، فَإِنْ نَقَصَ أَوْ كَانَ فِيهِ عَثَلٌ ، فَفِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَظْمُ مِمَّا جَاءَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلٌ مُسَمًّى ، فَبِحِسَابِ مَا فَرَضَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلٌ مُسَمًّى ، وَلَمْ تَمْضِ فِيهِ سُنَّةٌ وَلَا عَقْلٌ مُسَمًّى ، فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ فِي الْجِرَاحِ فِي الْجَسَدِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً عَقْلٌ ، إِذَا بَرَأَ الْجُرْحُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَثَلٌ أَوْ شَيْنٌ ، فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ إِلَّا الْجَائِفَةَ ؛ فَإِنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ فِي مُنَقِّلَةِ الْجَسَدِ عَقْلٌ ، وَهِيَ مِثْلُ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا خَتَنَ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ ، إِنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْطَأَ بِهِ الطَّبِيبُ أَوْ تَعَدَّى إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ الْعَقْلُ . 5 - بَابُ عَقْلِ الْجِرَاحِ فِي الْخَطَأِ جَمْعُ جُرْحٍ وَهُوَ هُنَا مَا دُونَ النَّفْسِ ( مَالِكٌ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فِي الْخَطَأِ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ ) أَيْ لَا يُؤْخَذُ عَقْلُهُ أَيْ دِيَتُهُ ( حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ وَيَصِحَّ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ الْجُرْحُ إِلَى الْمَوْتِ . ( وَأَنَّهُ إِنْ كُسِرَ عَظْمٌ مِنَ الْإِنْسَانِ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْجَسَدِ خَطَأً فَبَرَأَ وَصَحَّ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ ) لِصِفَتِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلُ ( فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ ، فَإِنْ نَقَصَ ) أَيْ بَرِئَ عَلَى نَقْصٍ ( أَوْ كَانَ فِيهِ عَثَلٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَلَامٍ أَيْ بَرِئَ على غير اسْتِوَاء ( فَفِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْهُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَظْمُ مِمَّا جَاءَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلٌ مُسَمًّى فَبِحِسَابِ مَا فَرَضَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلٌ مُسَمًّى وَلَمْ تَمْضِ فِيهِ سُنَّةٌ ) طَرِيقَةٌ لِلسَّلَفِ ( وَلَا عَقْلٌ مُسَمًّى فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ . وَلَيْسَ فِي الْجِرَاحِ فِي الْجَسَدِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً عَقْلٌ إِذَا بَرِئَ الْجُرْحُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ ) الْأُولَى ( فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَثَلٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُثَلَّثَةِ عَدَمُ اسْتِوَاءٍ ( أَوْ شَيْنٌ فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ إِلَّا الْجَائِفَةَ فَإِنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ ) لِنَصِّ الْحَدِيثِ . ( وَلَيْسَ فِي مُنَقِّلَةِ الْجَسَدِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ الشَّدِيدَةِ وَفَتْحِهَا قِيلَ : وَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَجْرَاحِ وَهَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ ، وَهِيَ الَّتِي يُنْقَلُ مِنْهَا فِرَاشُ الْعِظَامِ وَهِيَ مَا رَقَّ مِنْهَا ، وَضَبَطَهُ الْفَارَابِيُّ ، وَالْجَوْهَرِيُّ بِالْكَسْرِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْسِ الضَّرْبَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَنْقُلُهُ ( عَقْلٌ وَهِيَ مِثْلُ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ ) أَيْ لَا عَقْلَ فِيهَا . ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا خَتَنَ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ ) الدِّيَةَ كَامِلَةً ( وَأَنَّ ذَلِكَ ) الْفِعْلَ ( مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْطَأَ بِهِ الطَّبِيبُ أَوْ تَعَدَّى إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ فِيهِ الْعَقْلُ ) فَإِنْ تَعَمَّدَ فَالْقِصَاصُ .
12 - باب جَامِعِ عَقْلِ الْأَسْنَانِ 1563 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ ، وَفِي الضِّلَعِ بِجَمَلٍ . 12 - بَابُ جَامِعِ عَقْلِ الْأَسْنَانِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ؛ جَمْعُ سِنٍّ ، مُؤَنَّثَةٌ ، وَزْنَ حَمْلٍ وَأَحْمَالٍ ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ أسنان بِالْكَسْرِ وَبِالضَّمِّ وَهُوَ خَطَأٌ . 1614 1563 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ( عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ ) الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ الْقَاضِي ، ثِقَةٍ فَصِيحٍ قَارِئٍ تَابِعِيٍّ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضِّرْسِ ) مُذَكَّرٌ وَرُبَّمَا أَنَّثُوهُ عَلَى مَعْنَى السِّنِّ ، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ التَّأْنِيثَ ، وَجَمْعُهُ أَضْرَاسٌ وَرُبَّمَا قِيلَ : ضُرُوسٌ ( بِجَمَلٍ ) ذَكَرُ الْإِبِلِ . ( وَفِي التَّرْقُوَةِ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وضم القاف ، وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، وَالْجَمْعُ التَّرَاقِي ، قِيلَ : وَلَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِلْإِنْسَانِ خَاصَّةً ( بِجَمَلٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ . ( وَفِي الضِّلَعِ بِجَمَلٍ ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ لُغَة الحجاز ، وَسُكُونُهَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ .
1564 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْأَضْرَاسِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ ، وَقَضَى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الْأَضْرَاسِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَالدِّيَةُ تَنْقُصُ فِي قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَتَزِيدُ فِي قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ ، فَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَجَعَلْتُ فِي الْأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاءٌ ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مَأْجُورٌ . 1614 1564 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْأَضْرَاسِ ) جَمْعُ ضِرْسٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى ضُرُوسٍ مِثْلُ حَمْلٍ وَحَمُولٍ وَأَحْمَالٍ ( بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ ) أَيْ ذَكَرٍ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ فَوْقَهُ بِجَمَلٍ . ( وَقَضَى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الْأَضْرَاسِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ ) أَيْ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلِذَا كَرَّرَ . ( قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَالدِّيَةُ تَنْقُصُ فِي قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَتَزِيدُ فِي قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ( فَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَجَعَلْتُ فِي الْأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ ) فِي كُلِّ ضِرْسٍ ( فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاءٌ ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مَأْجُورٌ ) وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ : وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ وَلَا حَدِيثُ : الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ .
1565 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أُصِيبَتْ السِّنُّ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا عَقْلُهَا تَامًّا ، فَإِنْ طُرِحَتْ بَعْدَ أَنْ اسْوَدَّتْ فَفِيهَا عَقْلُهَا أَيْضًا تَامًّا . 1614 1565 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أُصِيبَتِ السِّنُّ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا عَقْلُهَا تَامًّا ، فَإِنْ طُرِحَتْ بَعْدَ أَنِ اسْوَدَّتْ فَفِيهَا عَقْلُهَا أَيْضًا تَامًّا ) حَيْثُ كَانَتْ عَلَى قُوَّتِهَا .
1581 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا ، وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ . قَالَ مَالِكٌ : السَّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُهُ ، هُوَ مَثَلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إِذَا عَمِلَ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ . 1624 1581 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ وَنُسِبَ أَبُوهُ إِلَى جَدِّهِ وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدٌ ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِين وَمِائَةٍ ( أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا ) أَيْ عَلَّقَتْ حَفْصَةُ عِتْقَهَا عَلَى مَوْتِهَا ( فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ ) لَا أَنَّهَا تَوَلَّتْهُ بِنَفْسِهَا . ( قَالَ مَالِكٌ : السَّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُهُ هُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فِي كِتَابِهِ : وَلَقَدْ ) لَامُ قَسَمٍ ( عَلِمُوا ) أَيِ الْيَهُودُ ( لَمَنِ ) لَامُ ابْتِدَاءٍ مُعَلِّقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَمَنْ مَوْصُولَةٌ ( اشْتَرَاهُ ) اخْتَارَهُ أَوِ اسْتَبْدَلَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ( مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) نَصِيبٍ فِي الْجَنَّةِ ( فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إِذَا عَمِلَ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ ) لَا أَنْ عَمِلَهُ غَيْرُهُ لَهُ .
19 - باب مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ وَالسِّحْرِ 1580 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ ، وَقَالَ عُمَرُ : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا . 19 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ وَالسِّحْرِ 1623 1580 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) مَرَّ أَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدٍ عَنْهُ مُتَّصِلَةٌ لِأَنَّهُ رَآهُ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ سَوَاءً ، أَنَّ عُمَرَ ( قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً ) شَكَّ الرَّاوِي ( بِرَجُلٍ وَاحِدٍ ) غُلَامٍ اسْمُهُ أُصَيْلٌ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ ( قَتَلُوهُ ) قَتْلَ ( غِيلَةٍ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ أَيْ خَدِيعَةً أَيْ سِرًّا . ( وَقَالَ عُمَرُ : لَوْ تَمَالَأَ ) تَعَاوَنَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ ( أَهْلُ صَنْعَاءَ ) بِالْمَدِّ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ بِالْيَمَنِ ( لقتلهم جَمِيعًا ) بِهِ . وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ أَثَرٍ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيَّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً بِصَنْعَاءَ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَتَرَكَ فِي حِجْرِهَا ابْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا غُلَامًا يُقَالُ لَهُ أُصَيْلٌ ، فَاتَّخَذَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ زَوْجِهَا خَلِيلًا فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ يَفْضَحُنَا فَاقْتُلْهُ فَأَبَى ، فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ فَطَاوَعَهَا فَاجْتَمَعَ عَلَى قَتْلِ الْغُلَامِ الرَّجُلُ وَرَجُلٌ آخَرُ وَالْمَرْأَةُ وَخَادِمُهَا فَقَتَلُوهُ ثُمَّ قَطَّعُوهُ أَعْضَاءَ وَجَعَلُوهُ فِي عَيْبَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَمُوَحَّدَةٍ وِعَاءٍ مِنْ أَدَمٍ فَوَضَعُوهُ فِي رَكِيَّةٍ بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ ؛ بِئْرٍ لَمْ تُطْوَ فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ ، فَأُخِذَ خَلِيلُهَا فَاعْتَرَفَ ثُمَّ اعْتَرَفَ الْبَاقُونَ ، فَكَتَبَ يَعْلَى وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ بِشَأْنِهِمْ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ جَمِيعًا ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُمْ أَجْمَعِينَ .
2 - باب الْعَمَلِ فِي الدِّيَةِ 1545 - حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ، فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ ، وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ : أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ . قَالَ مَالِكٌ : وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ . 2 - بَابُ الْعَمَلِ فِي الدِّيَةِ 1545 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ ) أَيْ مَنْ يَغْلِبُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي قُرَاهُمْ ( اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ) فِضَّةً . ( قَالَ مَالِكٌ : فَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ ، وَأَهْلُ مِصْرَ ) وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ ( وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ ) وَمَنْ وَالَاهُمْ . ( مَالِكٌ : أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ ) أَيْ تُنَجَّمُ ( فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ ) رِفْقًا بِالْعَاقِلَةِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) مِنَ الْأَرْبَعِ ( وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ . ( وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ ) لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِمُ الْإِبِلُ . ( وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ الذَّهَبُ ) فَإِنَّمَا يُقْبَلُ مِنْ كُلٍّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .
1549 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانُوا يَقُولُونَ : دِيَةُ الْخَطَإِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّهُ لَا قَوَدَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ ، وَإِنَّ عَمْدَهُمْ خَطَأٌ مَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَيَبْلُغُوا الْحُلُمَ ، وَإِنَّ قَتْلَ الصَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَكَبِيرًا قَتَلَا رَجُلًا حُرًّا خَطَأً ، كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ قُتِلَ خَطَأً فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ لَا قَوَدَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ ، وَتَجُوزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، تَكُونُ الدِّيَةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ ، ثُمَّ عَفَا عَنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ دِيَتِهِ ، جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ ، إِذَا عَفَا عَنْهُ وَأَوْصَى بِهِ . 1605 1549 - ( مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، وَرَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانُوا يَقُولُونَ : دِيَةُ الْخَطَأِ ) عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ مُخَمَّسَةٌ ( عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ) وَبِنْتَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَابْنَ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ لِلْعَدَدِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ( ذَكَرًا ) بِالنَّصْبِ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ ابْنٍ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَكَرًا ؛ لِأَنَّ مِنَ الْحَيَوَانِ مَا يُطْلَقُ عَلَى ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ لَفْظُ ابْنٍ ، كَابْنِ عُرْسٍ وَابْنِ آوَى ، أَوْ مُجَرَّدُ التَّأَكُّدِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَـ ( غَرَابِيبُ سُودٌ ) ، أَوِ احْتِرَازٌ عَنِ الْخُنْثَى ، وَفِيهِ بُعْدٌ ( وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ) بِخِلَافِ دِيَةِ الْعَمْدِ فَمُرَبَّعَةٌ بِحَذْفِ ابْنِ لَبُونٍ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا . ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا قَوَدَ ) أَيْ قِصَاصَ ( بين الصبيان وَأَنَّ عَمْدَهُمْ خَطَأٌ ) أَيْ كَالْخَطَأِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ ( مَا ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ صِبْيَانًا ( لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَ ) لَمْ ( يَبْلُغُوا الْحُلُمَ وأن قَتْلَ الصَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً ) أَيْ لَا يُعْطَى إِلَّا حُكْمَهُ ( وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَكَبِيرًا قَتَلَا رَجُلًا حُرًّا خَطَأً كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ) وَقَدَّمَ أَنَّ عَلَى الصَّبِيِّ فِي الْعَمْدِ إِذَا اشْتَرَكَ مَعَ كَبِيرٍ ( وَمَنْ قُتِلَ خَطَأً فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ لَا قَوَدَ فِيهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 92 ) فَلَمْ يَذْكُرْ قَوَدًا ( وَإِنَّمَا هُوَ ) أَيِ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الْخَطَأِ ( كَغَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ ) أَيِ الْقَتِيلِ ( يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ وَتَجُوزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَكُونُ الدِّيَةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ ثُمَّ عُفِيَ عَنْ دِيَتِهِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مال غير دِيَتُهُ جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ إِذَا عَفَا عَنْهُ وَأَوْصَى بِهِ ) وَالثُّلُثَانِ لِوَرَثَتِهِ .
4 - باب دِيَةِ الْخَطَإِ فِي الْقَتْلِ 1548 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ أَجْرَى فَرَسًا فَوَطِئَ عَلَى إِصْبَعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَنُزِيَ مِنْهَا فَمَاتَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ : أَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا ؟ فَأَبَوْا وَتَحَرَّجُوا ، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ : أَتَحْلِفُونَ أَنْتُمْ ؟ فَأَبَوْا ، فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِشَطْرِ الدِّيَةِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا . 4 - بَابُ دِيَةِ الْخَطَأِ فِي الْقَتْلِ 1605 1548 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عِرَاكٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ فَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ وَكَافٍ ( ابْنِ مَالِكٍ ) الْغِفَارِيِّ الْكِنْدِيِّ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ الْفَاضِلِ مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ . ( وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ ( أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ يُسَمَّ ( مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ ) بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ السَّعْدِيُّ ( أَجْرَى ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ( فَرَسًا فَوَطِئَ ) مَشَى ( عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ ( فَنُزِيَ ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ كَعُنِيَ نَزَفَ أَيْ خَرَجَ الدَّمُ بِكَثْرَةٍ مِنْهَا ( فَمَاتَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلَّذِي ادُّعِىَ عَلَيْهِمْ ) أَيْ أَوْلِيَاءُ الَّذِي أَجْرَى : ( أَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا ؟ ) أَيْ مِنَ الْفِعْلَةِ الْمَذْكُورَةِ ( فَأَبَوْا ) أَنْ يَحْلِفُوا ( وَتَحَرَّجُوا ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا جَانَبُوا بِهِ الْحَرَجَ وَهُوَ الْإِثْمُ ، فَهَذَا مِمَّا وَرَدَ لَفْظُهُ مُخَالِفًا لِمَعْنَاهُ كَمُتَأَثِّمٍ تَحَنَّثَ تَحَرَّجَ . ( فَقَالَ لِلْآخَرِينَ ) الْجُهَنِيِّينَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ( أَتَحْلِفُونَ أَنْتُمْ ) أَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا ؟ ( فَأَبَوْا ) امْتَنَعُوا مِنَ الْحَلِفِ ( فَقَضَى عُمَرُ بِشَطْرِ ) أَيْ نِصْفِ ( الدِّيَةِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ ) عَاقِلَةِ الَّذِي أَجْرَى . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا ) الْمَذْكُورِ مِنَ الْقَضَاءِ شَطْر الدِّيَةِ وَتَبْدِيَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْحَلِفِ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَبْدِيَةِ الْمُدَّعِينَ فِي الْقَسَامَةِ أَوْلَى فِي الْحُجَّةِ مِنْ قَوْلِ الصَّاحِبِ ، وَيُعَضِّدُهُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِيِّينَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ .
1567 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ الْأَسْنَانِ فِي الْعَقْلِ ، وَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّ مُقَدَّمَ الْفَمِ وَالْأَضْرَاسِ وَالْأَنْيَابِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَالضِّرْسُ سِنٌّ مِنْ الْأَسْنَانِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ . 1615 1567 - ( مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ الْأَسْنَانِ فِي الْعَقْلِ ، وَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ) اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ ، وَالْعَمَلُ كَمَا ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مُقَدَّمَ الْفَمِ وَالْأَضْرَاسِ وَالْأَنْيَابِ ) جَمْعُ نَابٍ ، مُذَكَّرٌ ، وَهُوَ الَّذِي يَلِي الرُّبَاعِيَّاتِ ( عَقْلُهَا سَوَاءٌ وَ ) دَلِيلُ ( ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَالضِّرْسُ سِنٌّ مِنَ الْأَسْنَانِ لَا يَفْضُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ) وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ لَا تُضْبَطُ كَمِّيَّتُهَا ، فَإِذَا فَاتَ ضَبْطُهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى اعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ الِاسْمُ فَتُسَاوِي دِيَتَهَا . وَإِنِ اخْتَلَفَ كَمَالُهَا وَمَنْفَعَتُهَا وَمَبْلَغُ فِعْلِهَا فَإِنَّ لِلْإِبْهَامِ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِلْخِنْصَرِ وَمَعَ ذَلِكَ فَدَيْتُهُمَا سَوَاءٌ ، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْمِسَاحَةُ ، وَكَذَلِكَ الْأَسْنَانُ نَفْعُ بَعْضِهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَدِيَتُهَا سَوَاءٌ نَظَرًا لِلِاسْمِ فَقَطْ . اهـ .
13 - باب الْعَمَلِ فِي عَقْلِ الْأَسْنَانِ 1566 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ بَعَثَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا فِي الضِّرْسِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : فِيهِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، قَالَ : فَرَدَّنِي مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَتَجْعَلُ مُقَدَّمَ الْفَمِ مِثْلَ الْأَضْرَاسِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ لَمْ تَعْتَبِرْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَصَابِعِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ . 13 - بَابُ الْعَمَلِ فِي عَقْلِ الْأَسْنَانِ 1615 1566 - ( مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ( عَنْ أَبِي غَطَفَانَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ قِيلَ : اسْمُهُ سَعْدٌ ( ابْنِ طَرِيفٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ( الْمُرِّيِّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ بِلَا نُقْطَةٍ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ بَعَثَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا فِي الضِّرْسِ ؟ ) الَّذِي يُقْلَعُ خَطَأً مِنَ الدِّيَةِ ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : فِيهِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ . ( قَالَ ) أَبُو غَطَفَانَ : ( فَرَدَّنِي مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَتَجْعَلُ مُقَدَّمَ الْفَمِ ) أَيْ أَسْنَانَهُ ( مِثْلَ الْأَضْرَاسِ ؟ ) مَعَ تَفَاوُتِ الْمَنْفَعَةِ بِهِمَا ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لَوْ لَمْ تَعْتَبِرْ ذَلِكَ ) فِي الْقِيَاسِ ( إِلَّا بِالْأَصَابِعِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ ) لَكَفَاكَ ، فَحُذِفَ جَوَابُ لَوْ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مُجَارَاةً لِمَا أَوْمَى إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ جَعْلَ الْأَسْنَانِ مِثْلَ الْأَضْرَاسِ خِلَافُ الْقِيَاسِ ، وَإِلَّا فَابْنُ عَبَّاسٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَصَابِعُ وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ ، يَعْنِي : الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ وَلِابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ كُلُّهُنَّ فِيهِ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ .
24 - باب مَا جَاءَ فِي دِيَةِ السَّائِبَةِ وَجِنَايَتِهِ 1585 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ ، فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ ، فَجَاءَ الْعَائِذِيُّ أَبُو الْمَقْتُولِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَطْلُبُ دِيَةَ ابْنِهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا دِيَةَ لَهُ ، فَقَالَ الْعَائِذِيُّ : أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي ؟ فَقَالَ عُمَرُ : إِذًا تُخْرِجُونَ دِيَتَهُ ، فَقَالَ : هُوَ إِذًا كَالْأَرْقَمِ ، إِنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ ، وَإِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ . 24 - بَابُ مَا جَاءَ فِي دِيَةِ السَّائِبَةِ وَجِنَايَتِهِ 1629 1585 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ مُخَفَّفًا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) بِالتَّخْفِيفِ ( أَنْ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ ) جَمْعُ حَاجٍّ ( فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ( فَجَاءَ الْعَايِذِيُّ أَبُو الْمَقْتُولِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَطْلُبُ دِيَةَ ابْنِهِ ) أَفَادَ أَنَّهُ قُتِلَ خَطَأً ( فَقَالَ عُمَرُ لَا دِيَةَ لَهُ ، فَقَالَ الْعَائِذِيُّ : أَرَأَيْتَ ) أَيْ أَخْبِرْنِي ( لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِذَا تُخْرِجُونَ دِيَتَهُ ، فَقَالَ الْعَائِذِيُّ : هُوَ إِذَا كَالْأَرْقَمِ ) بِالْقَافِ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ أَوْ حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ ( إِنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ ، وَأَصْلُهُ الْأَكْلُ بِسُرْعَةٍ ( وَإِنْ يُقْتَلْ ) بِضَمٍّ أَوَّلَهُ وَفَتَحِ ثَالِثِهِ ( يَنْقَمْ ) بِكَسْرِ الْقَافِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ لُغَةُ الْقُرْآنِ ، وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَهِيَ أَوْلَى هُنَا بِالسَّجْعِ ، وَمَعْنَاهُ إِنْ تَرَكْتَ قَتْلَهُ قَتَلَكَ وَإِنْ قَتَلْتَهُ كَانَ لَهُ مَنْ يَنْتَقِمُ مِنْكَ ، وَهُوَ مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ مَشْهُورٌ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْجِنَّ تَطْلُبُ ثَأْرَ الْجَانِّ وَهِيَ الْحَيَّةُ الرَّقِيقَةُ فَرُبَّمَا مَاتَ قَاتِلُهَا وَرُبَّمَا أَصَابَهُ خَلَلٌ ، وَهَذَا مَثَلٌ فِيمَنْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ شَرَّانِ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمَا .
20 - باب مَا يَجِبُ في الْعَمْدِ 1582 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، أَقَادَ وَلِيَّ رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ بِعَصًا ، فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ بِعَصًا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ضَرَبَ الرَّجُلَ بِعَصًا ، أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ ، أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَمْدُ وَفِيهِ الْقِصَاصُ . قَالَ مَالِكٌ : فَقَتْلُ الْعَمْدِ عِنْدَنَا : أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَضْرِبَهُ حَتَّى تَفِيظَ نَفْسُهُ ، وَمِنْ الْعَمْدِ أَيْضًا أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي النَّائِرَةِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُنْزَى فِي ضَرْبِهِ فَيَمُوتُ فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ الْقَسَامَةُ . قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْعَمْدِ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ بِالرَّجُلِ الْحُرِّ الْوَاحِدِ ، وَالنِّسَاءُ بِالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ ، وَالْعَبِيدُ بِالْعَبْدِ كَذَلِكَ . 20 - بَابُ مَا يَجِبُ فيه الْعَمْدِ 1625 1582 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ ) بْنِ مَظْعُونٍ الصَّحَابِيَّةِ بِنْتِ الصَّحَابِيِّ بَايَعَتْ مَعَ أُمِّهَا ( أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَقَادَ وَلِيَّ رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ بِعَصًا فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ بِعَصًا ) لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ضَرَبَ الرَّجُلَ بِعَصًا أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا ) بِيَدِهِ ( فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَمْدُ وَفِيهِ الْقِصَاصُ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا الْيَهُودِيَّ الَّذِي قَتَلَ امْرَأَةً بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ كَمَا قَالَ . ( فَقَتْلُ الْعَمْدِ عِنْدَنَا أَنْ يَعْمِدَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ يَقْصِدَ ( الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَضْرِبَهُ حَتَّى تَفِيضَ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ تَخْرُجَ نَفْسُهُ ، وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِتَحْتِيَّةِ أَوَّلِهِ وَنَصْبِ نَفْسِهِ ، وَالْحُجَّةُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ( سورة النَّحْلِ : الْآيَةُ 126 ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 194 ) وَخَالَفَ الْكُوفِيُّونَ مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ : لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدَيٍّ : طَرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْكُوفِيِّينَ السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ وَلَا تُخَصِّصُهُ . ( وَمِنَ الْعَمْدِ أَيْضًا أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الثَّائِرَةِ ) الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ ، مُشْتَقَّةٍ مِنَ الثَّأْرِ ( تَكُونُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُنْزَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالزَّايِ آخِرَهُ ( فِي ضَرْبِهِ فَيَمُوتُ فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ الْقَسَامَةُ ) خَمْسُونَ يَمِينًا ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْعَمْدِ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ ) الْمُتَعَدِّدُونَ ( بِالرَّجُلِ الْحُرِّ الْوَاحِدِ ، وَالنِّسَاءُ ) الْمُتَعَدِّدَاتُ ( بِالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ ، وَالْعَبِيدُ ) الْمُتَعَدِّدُونَ ( بِالْعَبْدِ كَذَلِكَ أَيْضًا ) فَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ مَعَ الْمُسَاوَاةِ .
14 - باب مَا جَاءَ فِي دِيَةِ جِرَاحِ الْعَبْدِ 1568 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَا يَقُولَانِ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ : نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ . 14 - بَابُ مَا جَاءَ فِي دِيَةِ جِرَاحِ الْعَبِيدِ 1568 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ يَقُولَانِ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ : نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ ) أَيْ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْحُرَّ فِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ .
1569 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الْعَبْدِ يُصَابُ بِالْجِرَاحِ : أَنَّ عَلَى مَنْ جَرَحَهُ قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفَ عُشْرِ ثَمَنِهِ ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَفِي مَأْمُومَتِهِ وَجَائِفَتِهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ ثَمَنِهِ ، وَفِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ مِمَّا يُصَابُ بِهِ الْعَبْدُ ، مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ ، يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ بَعْدَمَا يَصِحُّ الْعَبْدُ وَيَبْرَأُ ، كَمْ بَيْنَ قِيمَةِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهُ الْجُرْحُ ، وَقِيمَتِهِ صَحِيحًا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ هَذَا ؟ ثُمَّ يَغْرَمُ الَّذِي أَصَابَهُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إِذَا كُسِرَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ ثُمَّ صَحَّ كَسْرُهُ : فَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَإِنْ أَصَابَ كَسْرَهُ ذَلِكَ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ ، كَانَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ كَهَيْئَةِ قِصَاصِ الْأَحْرَارِ ، نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ ، فَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَمْدًا خُيِّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ ؛ فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ ، فَإِنْ أَخَذَ الْعَقْلَ أَخَذَ قِيمَةَ عَبْدِهِ ، وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ أَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ عَبْدَهُ ، فَإِذَا أَسْلَمَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ إِذَا أَخَذَ الْعَبْدَ الْقَاتِلَ وَرَضِيَ بِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ، وَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ كُلِّهِ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْقَتْلِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَجْرَحُ الْيَهُودِيَّ أَوْ النَّصْرَانِيَّ : إِنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ مَا قَدْ أَصَابَ فَعَلَ أَوْ أَسْلَمَهُ ، فَيُبَاعُ فَيُعْطِي الْيَهُودِيَّ أَوْ النَّصْرَانِيَّ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ دِيَةَ جُرْحِهِ أَوْ ثَمَنَهُ كُلَّهُ إِنْ أَحَاطَ بِثَمَنِهِ ، وَلَا يُعْطِي الْيَهُودِيَّ وَلَا النَّصْرَانِيَّ عَبْدًا مُسْلِمًا . 1569 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يَقْضِي فِي الْعَبْدِ يُصَابُ بِالْجِرَاحِ أَنَّ عَلَى مَنْ جَرَحَهُ قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ) أَيْ قِيمَتِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفَ عُشْرِ ثَمَنِهِ ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا ( الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ ) قِيمَتِهِ وَلَوْ زَادَتْ . ( وَفِي مَأْمُومَتِهِ وَجَائِفَتِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ ثَمَنِهِ ، وَفِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ مِمَّا يُصَابُ بِهِ الْعَبْدُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ بَعْدَمَا يَصِحُّ الْعَبْدُ وَيَبْرَأُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ مُسَاوٍ ، حَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ ( كَمْ بَيْنَ قِيمَةِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهُ الْجُرْحُ ، وَقِيمَتِهِ صَحِيحًا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ هَذَا ) الْجُرْحُ ( ثُمَّ يَغْرَمُ ) يَدْفَعُ ( الَّذِي أَصَابَهُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ) قَبْلَ الْجُرْحِ وَبَعْدَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إِذَا كُسِرَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ ) مِنْ شَخْصٍ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ( ثُمَّ صَحَّ كَسْرُهُ ) بِلَا نَقْصٍ ( فَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ ) كَسَرَهُ ( شَيْءٌ فَإِنْ أَصَابَ كَسْرَهُ ذَلِكَ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بَرَأَ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ ( كَانَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ ) قَدْرُ ( مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ) قِيمَتِهِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ كَهَيْئَةِ ) صِفَةِ ( قِصَاصِ الْأَحْرَارِ ، نَفْسُ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ ) لِآيَةِ : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةَ 45 ) ثُمَّ قَالَ : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةَ 45 ) ( فَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَمْدًا خُيِّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ ) بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَقْلِ ( فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ ) الْعَبْدَ الْقَاتِلَ وَلَا كَلَامَ لِسَيِّدِهِ ( وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ ، فَإِنْ أَخَذَ الْعَقْلَ ، أَخَذَ قِيمَةَ عَبْدِهِ ) لِأَنَّ الرَّقِيقَ إِنَّمَا فِيهِ قِيمَتُهُ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ ، وَحِينَئِذٍ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ كَمَا قَالَ . ( وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ أَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ ) أَيْ قِيمَتَهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَوَّلًا ( فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَ عَبْدَهُ ) لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الْقِيمَةَ ضَرَرًا عَلَيْهِ فَتَخْيِيرُهُ يَنْفِيهِ ( فَإِذَا أَسْلَمَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ الْجَانِي وَلَيْسَ هُوَ الْجَانِي . ( وَلَيْسَ لِرَبِّ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ إِذَا أَخَذَ الْعَبْدَ الْقَاتِلَ وَرَضِيَ بِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ) لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ قَتْلِهِ أَوَّلًا بِمَنْزِلَةِ الْعَفْوِ عَلَى الدِّيَةِ ، فَلَمَّا خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي إِسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ وَأَسْلَمَهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ قَتْلُهُ بَعْدَ الْعَفْوِ ، وَلَا يُشَكِلُ تَخْيِيرُ سَيِّدِ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَمْدِ الْقَتْلُ أَوِ الْعَفْوُ مَجَّانًا ، وَلَيْسَ لَهُ إِلْزَامُ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا غَيْرُ الْقَاتِلِ وَهُوَ السَّيِّدُ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِمَّا يَخْتَارُهُ وَلِيُّ الدَّمِ بِخِلَافِ الْحُرِّ فَلَهُ غَرَضٌ فِي إِغْنَاءِ وَرَثَتِهِ . ( وَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ كُلِّهِ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْقَتْلِ ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَجْرَحُ الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ : أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ مَا قَدْ أَصَابَ فَعَلَ ) بِدَفْعِ دِيَةِ ذَلِكَ الْجُرْحِ لِلْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ ( أَوْ أَسْلَمَهُ السَّيِّدُ ، فَيُبَاعُ فَيُعْطِي الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ دِيَةَ جُرْحِهِ أَوْ ثَمَنَهَ كُلَّهُ إِنْ أَحَاطَ بِثَمَنِهِ ، وَلَا يُعْطِي الْيَهُودِيَّ ولا النَّصْرَانِيَّ عَبْدًا مُسْلِمًا ) لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِيلَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةَ 141 ) .
3 - باب مَا جَاءَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ وَجِنَايَةِ الْمَجْنُونِ 1546 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ : خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً . 3 - بَابُ دِيَةِ الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ وَجِنَايَةِ الْمَجْنُونِ 1603 1546 - ( مَالِكٌ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ فِي دِيَةِ ) الْقَتْلِ ( الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ ) أَيْ رَضِيَ بِهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِأَنْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ ( خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ فَمُعْجَمَةٍ أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي وَحَمَلَتْ أُمُّهَا ، وَالْمَخَاضُ الْحَامِلُ أَيْ دَخَلَ وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ . ( وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ) وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ فَصَارَتْ أُمُّهَا لَبَوْنًا بِوَضْعِ حَمْلِهَا . ( وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْقَافِ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ . ( وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا جَذَعَتْ أَيْ أَسْقَطَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا .
1547 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : أَنَّهُ أُتِيَ بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلًا ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ : أَنْ اعْقِلْهُ وَلَا تُقِدْ مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ إِذَا قَتَلَا رَجُلًا جَمِيعًا عَمْدًا : أَنَّ عَلَى الْكَبِيرِ أَنْ يُقْتَلَ وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ يَقْتُلَانِ الْعَبْدَ فَيُقْتَلُ الْعَبْدُ ، وَيَكُونُ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَتِهِ . 1604 1547 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ ) أَمِيرَ الْمَدِينَةِ ( كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ كِتَابًا وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ بِالشَّامِ ( أَنَّهُ أُتِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنِ اعْقِلْهُ ) بِهَمْزَةِ وَصْلِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ احْبِسْهُ بِالْعِقَالِ الْقَيْدِ ( وَلَا تُقِدْ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ( مِنْهُ ) أَيْ لَا تَقْتَصَّ مِنْ أَقَادَ الْأَمِيرُ الْقَاتِلَ بِالْقَتِيلِ قَتَلَهُ بِهِ ( فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ قِصَاصٌ لِحَدِيثِ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ مِنْهَا الْمَجْنُونُ حَتَّى يَبْرَأَ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ إِذَا قَتَلَا رَجُلًا جَمِيعًا عَمْدًا أَنَّ عَلَى الْكَبِيرِ أَنْ يُقْتَلَ ) قِصَاصًا ( وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ ) وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ . ( وَكَذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ يَقْتُلَانِ الْعَبْدَ ) أَيِ الرَّقِيقَ عَمْدًا ( فَيُقْتَلُ الْعَبْدُ ) لِمُسَاوَاتِهِ لِلْمَقْتُولِ ( وَيَكُونُ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَتِهِ ) وَلَوْ زَادَتْ عَلَى الدِّيَةِ وَلَا يُقْتَلُ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ .
23 - باب الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا : أَنَّ مَنْ كَسَرَ يَدًا أَوْ رِجْلًا عَمْدًا أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَا يَعْقِلُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُقَادُ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُ صَاحِبِهِ فَيُقَادُ مِنْهُ ، فَإِنْ جَاءَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِثْلَ جُرْحِ الْأَوَّلِ حِينَ يَصِحُّ فَهُوَ الْقَوَدُ ، وَإِنْ زَادَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ مَاتَ فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْرُوحِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَقِيدِ شَيْءٌ ، وَإِنْ بَرَأَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ وَشَلَّ الْمَجْرُوحُ الْأَوَّلُ أَوْ بَرَأَتْ جِرَاحُهُ وَبِهَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ فَإِنَّ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ لَا يَكْسِرُ الثَّانِيَةَ وَلَا يُقَادُ بِجُرْحِهِ ، قَالَ : وَلَكِنَّهُ يُعْقَلُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ أَوْ فَسَدَ مِنْهَا ، وَالْجِرَاحُ فِي الْجَسَدِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا عَمَدَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا أَوْ كَسَرَ يَدَهَا أَوْ قَطَعَ إِصْبَعَهَا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ ، فَإِنَّهَا تُقَادُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ بِالْحَبْلِ أَوْ بِالسَّوْطِ فَيُصِيبُهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يُرِدْ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ، فَإِنَّهُ يَعْقِلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يُقَادُ مِنْهُ . 23 - بَابُ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَنْ كَسَرَ يَدًا أَوْ رِجْلًا عَمْدًا أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَا يَعْقِلُ ) جَبْرًا عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ( وَلَا يُقَادُ ) يُقْتَصُّ ( مِنْ أَحَدٍ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُ صَاحِبِهِ فَيُقَادُ مِنْهُ فَإِنْ جَاءَ جِرَاحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ ) أَيِ الْجَانِي ( مِثْلَ جِرَاحِ الْأَوَّلِ حِينَ يَصِحُّ فَهُوَ الْقَوَدُ ) الْكَامِلُ . ( وَإِنْ زَادَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ مَاتَ فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْرُوحِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَقِيدِ شَيْءٌ ) لَا عَقْلٌ وَلَا دِيَةٌ ( وَإِنْ بَرَأَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ ) وَهُوَ الْجَانِي ( وَشَلَّ الْمَجْرُوحُ الْأَوَّلُ ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ( أَوْ بَرَأَتْ جِرَاحَهُ وَلَهَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ عَثَلٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ بُرْءٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ ( فَإِنَّ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ لَا يَكْسِرُ الثَّانِيَةَ ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ ( وَلَا يُقَادُ بِجُرْحِهِ وَلَكِنَّهُ يُعْقَلُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ يَدِ الْأَوَّلِ أَوْ فَسَدَ مِنْهَا ) بِالشَّلَلِ إِذْ هُوَ فَسَادٌ فِي الْيَدِ وَبُطْلَانٌ لِعَمَلِهَا ( وَالْجِرَاحُ فِي الْجَسَدِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ) مِنْ تَمَامٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ ( وَإِذَا عَمَدَ ) قَصَدَ ( الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا أَوْ كَسَرَ يَدَهَا أَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهَا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ ) الْمَذْكُورِ مِنَ الْفَقْءِ وَمَا بَعْدَهُ ( فَإِنَّهَا تُقَادُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ بِالْحَبَلِ أَوْ بِالسَّوْطِ فَيُصِيبُهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يُرِدْ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يُقَادُ مِنْهُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدْ ذَلِكَ .
1584 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ . 1584 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) قَاضِيَ الْمَدِينَةِ ( أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ ) .
15 - باب مَا جَاءَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ 1570 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ إِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا : مِثْلُ نِصْفِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ، إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مُسْلِمٌ قَتْلَ غِيلَةٍ فَيُقْتَلُ بِهِ . 15 - بَابُ مَا جَاءَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ 1617 1570 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ أو النصراني إِذَا قُتِلَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، نَائِبُهُ ( أَحَدُهُمَا مِثْلُ نِصْفِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ : عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِ ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ ) وَلَوْ رَقِيقًا ( بِكَافِرٍ ) وَلَوْ حُرًّا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : يُقْتَلُ بِهِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ آيَةِ : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةَ 45 ) وَرُدَّ بِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْمَسَاوِئِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ . وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ قُلْتُ لِزُفَرَ : تَقُولُونَ تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبَهَاتِ وَأَقْدَمْتُمْ عَلَى أَعْظَمِ الشُّبَهَاتِ ، قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قُلْتُ : قَتْلُ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ، قَالَ : أشْهَدْ عَلَى رُجُوعِي عَنْهُ . ( إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مُسْلِمٌ قَتْلَ غِيلَةٍ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ خَدِيعَةٍ بِأَنْ خَدَعَهُ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ فَقَتَلَهُ ( فَيُقْتَلُ بِهِ ) لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهَا لِأَجْلِ الْفَسَادِ لَا لِلْقِصَاصِ ، فَلَوْ عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ عَنِ الْقَاتِلِ لَمْ يُعْتَبَرْ وَيُقْتَلْ .
1571 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ يَقُولُ : دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَة دِرْهَمٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَجِرَاحُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ فِي دِيَاتِهِمْ عَلَى حِسَابِ جِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَاتِهِمْ ، الْمُوضِحَةُ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ ، وَالْمَأْمُومَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، وَالْجَائِفَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ جِرَاحَاتُهُمْ كُلُّهَا . 1617 1571 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانَ يَقُولُ : دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ ) فَهِيَ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ . ( وَجِرَاحُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ فِي دِيَاتِهِمْ عَلَى حِسَابِ جِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيِاتِهِمُ ، الْمُوضِحَةُ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ ، وَالْمَأْمُومَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، وَالْجَائِفَةُ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ جِرَاحَاتُهُمْ كُلُّهَا ) يُعْمَلُ .
4 - باب الْمِيرَاثِ فِي الْقَسَامَةِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا قَبِلَ وُلَاةُ الدَّمِ الدِّيَةَ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، يَرِثُهَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ وَأَخَوَاتُهُ وَمَنْ يَرِثُهُ مِنْ النِّسَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُحْرِزْ النِّسَاءُ مِيرَاثَهُ ، كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ دِيَتِهِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ مَعَ النِّسَاءِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا قَامَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً ، يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْهَا وَأَصْحَابُهُ غَيَبٌ ، لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا قَلَّ وَلَا كَثُرَ ، دُونَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْقَسَامَةَ ، يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقَّ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الدَّمُ ، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَحَدٌ حَلَفَ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا ، وَأَخَذَ حَقَّهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ ، إِنْ جَاءَ أَخٌ لِأُمٍّ فَلَهُ السُّدُسُ ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا السُّدُسُ ، فَمَنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مِنْ الدِّيَةِ ، وَمَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ ، حَلَفَ الَّذِينَ حَضَرُوا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ الْحُلُمَ ، حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْلِفُونَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ ، وَعَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 4 - بَابُ الْمِيرَاثِ فِي الْقَسَامَةِ - ( مَالِكٌ : إِذَا قَبِلَ وُلَاةُ الدَّمِ الدِّيَةَ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ) أَيْ مَا فَرَضَهُ فِيهِ مِنَ الْإِرْثِ ( يَرِثُهَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ وَأَخَوَاتُهُ وَمَنْ يَرِثُهُ مِنَ النِّسَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُحْرِزِ النِّسَاءُ مِيرَاثَهُ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ دِيَتِهِ لِأَوْلَى ) أَقْرَبَ ( النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ ) مِنْ عَصَبَةٍ ( مَعَ النِّسَاءِ ) كَبِنْتَيْنِ وَأَخٍ وَابْنِ عَمٍّ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَالثُّلُثُ لِلْأَخِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ ( وَإِذَا قَامَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْهَا وَأَصْحَابُهُ غَيَبٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ غَائِبٍ كَخَادِمٍ وَخَدَمٍ ( لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا قَلَّ وَلَا كَثُرَ دُونَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْقَسَامَةِ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقَّ حِصَّتَهُ مِنَ الدِّيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الدَّمُ ) فَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَطَأَ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِالْقَسَامَةِ ، أَمَّا إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوِ اعْتِرَافٍ فَلَا . ( فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَرَثَةِ أَحَدٌ حَلَفَ مِنَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ) فَقَطْ ( وَأَخَذَ حَقَّهُ ) وَهَكَذَا يُفْعَلُ ( حَتَّى تسْتَكْمِلَ الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ ، إِنْ جَاءَ أَخٌ لِأُمٍّ فَلَهُ السُّدُسُ ) مِنَ الْمِيرَاثِ ( وَعَلَيْهِ مِنَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا السُّدُسُ ) بِقَدْرِ إِرْثِهِ ( فَمَنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ مِنَ الدِّيَةِ ، وَمَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ ( حَلَفَ الَّذِينَ حَضَرُوا خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ الْحُلُمَ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْلِفُونَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ وَ ) هِيَ ( عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) فِي ذَلِكَ .
5 - باب الْقَسَامَةِ فِي الْعَبِيدِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبِيدِ ، أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً ، ثُمَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْعَبِيدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَإٍ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، أَوْ بِشَاهِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 5 - بَابُ الْقَسَامَةِ فِي الْعَبِيدِ - ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبِيدِ أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ) حَلِفًا مُتَلَبِّسًا ( بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ) لِأَنَّهُ مَالٌ ، أَوِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ ( ثُمَّ كَانَ قِيمَةُ عَبْدِهِ ) وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ . ( وَلَيْسَ فِي الْعَبِيدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ذَلِكَ . فَإِنْ قُتِلَ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ، نَائِبُهُ ( الْعَبْدُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ ) وَاحِدَةٌ ( وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ ) أَيْ قِيمَتَهُ ( إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ) أَيْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ( أَوْ بِشَاهِدٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) لِأَنَّهُ مَالٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
3 - باب الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ : يُقْسِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدَّمَ وَيَسْتَحِقُّونَهُ بِقَسَامَتِهِمْ ، يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا تَكُونُ عَلَى قَسْمِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَيْمَانِ كُسُورٌ ، إِذَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ نُظِرَ إِلَى الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ تِلْكَ الْأَيْمَانِ إِذَا قُسِمَتْ ، فَتُجْبَرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْيَمِينُ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ إِلَّا النِّسَاءُ ، فَإِنَّهُنَّ يَحْلِفْنَ وَيَأْخُذْنَ الدِّيَةَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ ، حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ الدِّيَةَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ . 3 - بَابُ الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ( قَالَ مَالِكٌ : الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ) صِفَتُهَا أَنَّهُ ( يُقْسِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدَّمَ وَيَسْتَحِقُّونَ بِقَسَامَتِهِمْ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا تَكُونُ عَلَى ) قَدْرِ ( قَسْمِ مَوَارِيثِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ ) فَإِذَا كَانَا اثْنَيْنِ حَلَفَ كُلٌّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ . ( فَإِنْ كَانَ فِي الْأَيْمَانِ كُسُورٌ ) كَابْنٍ وَبِنْتٍ ( إِذَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ نُظِرَ إِلَى الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ تِلْكَ الْأَيْمَانِ ) أَيْ أَكْثَرُ كَسُورِهَا ( إِذَا قُسِمَتْ فَتُجْبَرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْيَمِينُ ) فَتَحْلِفُ الْبِنْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ كَسْرَهَا أَكْثَرُ مِنْ كَسْرِ الِابْنِ . ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ إِلَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يَحْلِفْنَ وَيَأْخُذْنَ الدِّيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ) لِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً كَمَا تَقَدَّمَ .
1587 - قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ : أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ ، وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِيَ وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَنْ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ ، وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ : أَنَّ الْمُبَدَّئِينَ بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ ، وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثِيِّينَ فِي قَتْلِ صَاحِبِهِمْ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ، لَا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ ، يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْهُ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ الْأَيْمَانِ ، وَلَكِنْ الْأَيْمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ وَالْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، قَالَ : فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ هَلَكَتْ الدِّمَاءُ وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا ، وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتْ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يُبَدَّءُونَ بِهَا فِيهَا لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنْ الدَّمِ ، وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ . قَالَ يَحْيَى : وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمْ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ ، فَيَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ : أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ وَلَا يَبْرَءُونَ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ ، وَهُمْ وُلَاةُ الدَّمِ الَّذِينَ يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ ، وَالَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ . 1631 1587 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ بُشَيْرِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( ابْنِ يَسَارٍ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَدَنِيِّ الْحَارِثِيِّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ التَّابِعِيِّ ثِقَةٌ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ انْتَهَى ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، زَادَ حَمَّادٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ بُشَيْرٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : مَعَ سَهْلٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ) فِي أَصْحَابٍ لَهُمَا يَمْتَارُونَ تَمْرًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ : وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ وَالْمُرَادُ بَعْدَ فَتْحِهَا . ( فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ ( فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ : فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَنْشَطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ( فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ ) الْمَدِينَةَ ( فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ) ابْنَا مَسْعُودٍ ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ) أَخُو الْمَقْتُولِ ( إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِيُخْبِرُوهُ بِذَلِكَ ( فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبَّرْ ) بِالْجَزْمِ أَمْرٌ وَكَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ قَدِّمِ الْأَسَنَّ يَتَكَلَّمُ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَقَالَ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الْكَافِ وَتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ الْأَكْبَرِ ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، يَعْنِي كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ ، وَزَادَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ : فَسَكَتَ ( فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ، وَمُحَيِّصَةُ ) بِشَدِّ الْيَاءِ فِيهِمَا عَلَى أَشْهَرِ اللُّغَتَيْنِ ( فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ) أَيْ أَخْبَرَاهُ بِقِصَّةِ قَتْلِهِ . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : فَصَمَتَ أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُمَا فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَحْلِفُونَ ) بِهَمْزِ الِاسْتِفْهَامِ ( خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ ) قَالَ : دَمَ ( قَاتِلِكُمْ ) أَيْ قَاتِلِ قَرِيبِكُمْ ، فَشَكَّ الرَّاوِي ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْنَى يَثْبُتُ حَقُّكُمْ عَلَى مَنْ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْحَقُّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا أَوْ دِيَةً انْتَهَى . وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مُتَعَسِّفٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ نُصْرَةُ مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِالْقَسَامَةِ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ إِنَّمَا فِيهَا الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي فِي الْعَمْدِ ، وَعَاقِلَتُهُ فِي الْخَطَأِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ الدَّمِ الْقِصَاصُ وَالتَّبَادُرُ آيَةُ الْحَقِيقَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ ) قَتْلَهُ ( وَلَمْ نَحْضُرْ ) هُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ : وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ ؟ وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ : تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ، قَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقِمْ شَاهِدِينَ عَلَى قَاتِلِهِ أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرُمَّتِهِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُصِبْ شَاهِدِينَ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ أَثْبَتُ وَهُمْ بِهِ أَقْعَدُ وَنَقْلُهُمْ أَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذِكْرُ الْبَيِّنَةِ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَيْبَرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْ مَعَ الْيَهُودِ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ لَكِنْ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا يَمْتَارُونَ تَمْرًا فَيَجُوزُ أَنَّ طَائِفَةً أُخْرَى خَرَجَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ فَامْتَنَعُوا فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُبْرِئُكُمْ ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَبْرَأُ إِلَيْكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ ( يَهُودُ ) بِالرَّفْعِ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ عَلَى إِرَادَةِ اسْمِ الْقَبِيلَةِ وَالطَّائِفَةِ ، وَضُبِطَ أَيْضًا فَتُبْرِيكُمْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ مَكْسُورَةً أَيْ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ ( بِخَمْسِينَ ) يَمِينًا يَحْلِفُونَهَا ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ عَلَى مَا لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يبرون مِنْ دَمِهِ ، قَالُوا : مَا كُنَّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ الْيَهُودِ مَا فِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إِثْمٍ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَكَرِهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ ( قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَ ) أَيْ قَالَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّابِتِ كَخَبَرِ زَعْمِ جِبْرِيلَ ( بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاهُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ أَنْ أَعْطَاهُمْ دِيَتَهُ ( مِنْ عِنْدِهِ ) مِنْ خَالِصِ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَوَلِيُّ أَمْرِهِمْ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : قَالَ سَهْلٌ فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ قَدْ دَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْقَسَامَةِ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الدَّعَاوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا وَهُوَ يَخُصُّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سُنَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ جَاءَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ فَقَدْ عَضَّدَهُ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، لَكِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْإِمَامُ حَيْثُ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ( فِي الْقَسَامَةِ وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ) وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ قَوْلُهُ : ( أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ ) فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَبَطَلَ الدَّمُ ، فَإِنْ أَبَوْا فَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ ( وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ ) أَيْ تَثْبُتُ لِوَلِيِّ الدَّمِ ( إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ ) قَبْلَ مَوْتِهِ ( دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ آخِرَهُ مُثَلَّثَةٌ ( مِنْ بَيِّنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ) بَيَانٌ لِلَّوْثِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : اللَّوْثُ الْبَيِّنَةُ الضَّعِيفَةُ غَيْرُ الْكَامِلَةِ ( فَهَذَا يُوجِبُ ) يُثْبِتُ ( الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَنِ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ) أَعَادَهُ تَأْكِيدًا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَ مَالِكٌ قَوْلَهُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ شُبْهَةً وَلَطْخًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ طَبْعِ النَّاسِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ الْإِنَابَةُ وَالتَّوْبَةُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( سورة الْمُنَافِقُونَ : الْآيَةُ 10 ) وَقَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 18 ) فَهَذَا مَعْهُودٌ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ وَلَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدَعَ قَاتِلَهُ وَيَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا نَادِرٌ فِي النَّاسِ لَا حُكْمَ لَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ أَنَّ المبديين بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَهْلِ الدَّمِ ، وَأَعَادَ ذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمَهُ قَرِيبًا لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَلِلِاحْتِجَاجِ لَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثِيِّينَ ) نِسْبَةً إِلَى حَارِثَةَ ، بِمُثَلَّثَةٍ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ ؛ يَعْنِي الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ طَرِيقَيْهِ ( فِي قَتْلِ صَاحِبِهِمُ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 179 ) وَقَوْلِهِ : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 82 ) فَلِلْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ بَدَّأَهُمْ بِالْأَيْمَانِ ، وَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ سَبَبًا تُقَوَّى بِهَا دَعْوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَطْخٌ يَلِيقُ بِهِمْ غَالِبًا لِعَدَاوَتِهِمْ ، وَمِنْ سُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ فِي دَعْوَاهُ وَجَبَتْ تَبْدِيَتُهُ بِالْيَمِينِ ، وَلِهَذَا جَاءَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ قَطْعِ التَّطَرُّقِ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَقَبْضِ أَيْدِي الْأَعْدَاءِ عَلَى إِرَاقَةِ دِمَاءِ مَنْ عَادَوْهُ عَلَى الدُّنْيَا . وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ : يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْحَلِفِ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَعَارَضُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ : أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ؟ فَأَبَوْا فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ ؟ فَقَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْيَهُودِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْجَوَابُ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ أَصَحُّ ، وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ نَفْسُهُ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَضَى بِمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْأَثْبَتُ وَالْأَوْلَى ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَانَ الشَّأْنُ هَكَذَا ، وَلَكِنَّ سَهْلًا وَهِمَ مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ فَدُوهُ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحْلِفُونَ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَرُدُّ قَوْلَ سَهْلٍ الْمُخْبِرِ عَمَّا شَاهَدَ حَتَّى رَكَضَتْهُ مِنْهَا نَاقَةٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ لَمْ يَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَهِدَ الْقِصَّةَ ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . ( قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ) فِي الْعَمْدِ ( وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا يُقْتَلُ فِيهِ اثْنَانِ ) لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ فَيُدْفَعُ لَكُمْ بِرُمَّتِهِ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَعْيِينِ رَجُلٍ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِرُمَّتِهِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْوَاحِدَ أَوْلَى مَنْ يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ بِالْقَسَامَةِ عَلَيْهِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ) كُلُّ رَجُلٍ يَمِينًا ( فَإِنْ قل عَدَدُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعِينَ الْأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ أَيِ الَّذِينَ حَلَفُوا وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ ( إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ وُلَاةِ الدَّمِ ) بِالْخَفْضِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ ( الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوَ عَنْهُ ) كَابْنٍ مَعَ أَخٍ ( فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ) لِسُقُوطِهِ بِنُكُولِهِ كَمَا لَوْ عَفَا ( وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ) لِوُجُودِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَيُنَزَّلُ نُكُولُهُ كَالْعَدَمِ وَتُرَدُّ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ حَلَفَ . ( فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَيْمَانِ ، وَلَكِنَّ الْأَيْمَانَ إِذَا كَانَ ) وُجِدَ ( ذَلِكَ ) أَيْ نُكُولُ بَعْضِ وُلَاةِ الدَّمِ ( تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ) كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فتبريكم يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ . ( فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ) حَتَّى تُكْمِلَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا ( فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ ) الدَّمُ ( حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ ) فِي أَنَّ أَيْمَانَهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُدَّعِينَ ( وَ ) بَيْنَ ( الْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ ) فَاكْتَفَى فِيهَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ( أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ) بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالرَّهْنِ أَوِ الضَّامِنِ . ( وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ ) يَطْلُبُ ( الْخَلْوَةَ ) حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ . ( فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ ) الْمَالِيَّةِ مِنَ الْبَيِّنَةِ أَوْ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ ( هَلَكَتِ الدِّمَاءُ ) ضَاعَتْ ( وَاجْتَرَأَ ) بِالْهَمْزِ أَسْرَعَ وَهَجَمَ ( النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يُبَدَّءُونَ فِيهَا ) بِالْحَلِفِ فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدَّمِ وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ ) دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَأَقْسَامِ أَوْلِيَائِهِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمُ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ فَتَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ وَلَا يبرون ) يُخَلَّصُونَ ( دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ . ( وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ وَهُمْ وُلَاةُ الدَّمِ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ ) قَالَ أَبُو عَمْرٍو : مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فِي وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ مَعَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِذَلِكَ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-46
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة