بَاب جَامِعْ الْوُقُوتِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا ، وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَخَرَجْتَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ . 23 23 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا ) لِكَوْنِهِ صَلَّاهَا فِيهِ ( وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ) أَوَّلِهِ أَوْ أَوْسَطِهِ ( أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ ) بِالشَّكِّ فِي اللَّفْظِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى ( مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَأْيًا ، وَقَدْ وَرَدَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا ، فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا ، وَعَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلًا مَرْفُوعًا : ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا ) قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ : السَّهْوُ شُغْلٌ عَنِ الشَّيْءِ ، وَالنِّسْيَانُ غَفْلَةٌ عَنْهُ وَآفَةٌ . ( حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ ) الْمُرَادُ حَتَّى تَمَّ سَفَرُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَهْلٌ أَمْ لَا . ( أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ) .
أَيْ يُتِمَّ . ( وَإِنْ كَانَ قَدْ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ) أَيْ مَقْصُورَةً ( لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ ) يَعْنِي التَّابِعِينَ ( وَأَهْلَ الْعِلْمِ ) أَتْبَاعَهُمْ ( بِبَلَدِنَا ) أَيِ الْمَدِينَةِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ : الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي ) تُرَى ( فِي ) أُفُقِ ( الْمَغْرِبِ ) ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُ الْبَيَاضُ الَّذِي يَلِيهَا ، وَرَدَ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْحُمْرَةِ لِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ وَقَدْ رَأَى ثَوْبًا أَحْمَرَ كَأَنَّهُ شَفَقٌ ، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾( سُورَةُ الِانْشِقَاقِ : الْآيَةُ 16 ) : إِنَّهُ الْحُمْرَةُ .
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : رَقَبْتُ الْبَيَاضَ فَوَجَدْتُهُ يَبْقَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِلَى نِصْفِهِ ، فَلَوْ رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لَزِمَ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ . ( فَإِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُ وُجُوبِهَا ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالْمُصْطَفَى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ . ( وَخَرَجْتَ ) أَيُّهَا الْمُصَلِّي ( مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ) أَيِ الْمُخْتَارِ وَإِلَّا فَوَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي امْتِدَادِ مُخْتَارِهَا لِلشَّفَقِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ ، وَقَالَ فِي أَحْكَامِهِ : إِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ .