بَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 34 34 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ وَسَمِعَ كِبَارَ الصَّحَابَةِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كَانَ عَالِمَ الشَّامِ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ .
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ) بِأَنْ يُخْرِجَ مَا فِي أَنْفِهِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ الَّذِي بِهِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَبِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ ، وَفِيهِ طَرْدُ الشَّيْطَانِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ أَيْ أَعْلَى أَنْفِهِ ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ أَوِ اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ مَا يَنْعَقِدُ مِنَ الْغُبَارِ وَرُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَارَةٌ تُوَافِقُ الشَّيْطَانَ ، فَهُوَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي نِسْبَةِ الْمُسْتَخْبَثِ وَالْمُسْتَبْشَعِ إِلَى الشَّيْطَانِ ، أَوْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْسِيلِهِ عَنِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَهَلْ مَبِيتُهُ لِعُمُومِ النَّائِمِينَ أَوْ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَحْتَرِسُ بِهِ فِي مَنَامِهِ كَقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، الْأَقْرَبُ الثَّانِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِ الْوُجُوبُ ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ كَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاسْتِنْثَارِ . وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ وَلَيْسَ فِيهَا اسْتِنْشَاقٌ وَلَا اسْتِنْثَارٌ ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا . وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ ، وَهَذَا دَلِيلٌ فِقْهِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَطَاءٍ ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِعَادَةِ .
انْتَهَى . ( وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ) نَدْبًا لِزِيَادَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَنَّ الْإِيتَارَ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لَا شَرْطَ ، وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : لَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِحِمْلِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَكَذَا أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِأَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ لِتَصْرِيحِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ ، وَبِهِ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِنْ لَمْ تُنَقِّ تَحَكُّمٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ . ( قَالَ يَحْيَى ) بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ ( سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ : يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ) فِي السِّتِّ مَرَّاتٍ ( أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ .