بَاب غُسْلِ الْمَرْأَةِ إِذَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ
فَلَقِيَتْهَا النِّسْوَةُ فَقُلْنَ : فَضَحْتِينَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : مَا كُنْتُ لِأَنْتَهِيَ حَتَّى أَعْلَمَ فِي حِلٍّ أَنَا أَمْ فِي حَرَامٍ ؟ فَفِيهِ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِنْزَالِ فِي الْمَنَامِ ، وَنَفَى ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ فِيهِ لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، فَيَدْفَعُ اسْتِبْعَادَ النَّوَوِيِّ صِحَّتُهُ عَنْهُ ، وَكَأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَسْمَعْ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ أَوْ سَمِعَتْهُ وَتَوَهَّمَتْ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ لِنُدُورِ نُزُولِ الْمَاءِ مِنْهَا . وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْهَا : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ مَاءٌ ؟ فَقَالَ : هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : أَيْ نَظَائِرُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْخَلْقِ . ( فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ : أُفٍّ لَكِ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَيِ اسْتِحْقَارًا أَوْ هِيَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَقْذَارِ وَالِاسْتِحْقَارِ ، وَقِيلَ : التَّضَجُّرُ وَالْكَرَاهَةُ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ . قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ : وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا أَيْ أَنَّهَا تَضَجَّرَتْ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَكَرِهَتْهُ أَوِ اسْتَقْذَرَتْ ذِكْرَهُ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ ، وَقِيلَ : وَسَخُ الْأُذُنِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ ، وَأُفِّهِ بِالْهَاءِ وَإِفَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَأُفْ بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ ، وَأُفَّى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ .
قَالَ السُّيُوطِيُّ : بَلْ فِيهِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ لُغَةً حَكَاهَا أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ . وَمِثْلُ هَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَاسْتَحَيْتُ هَلْ يَكُونُ هَذَا ، وَلَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ فَقَالَ : تَرِبَتْ يَدَاكِ فيمَا يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا . وَجَمَعَ عِيَاضٌ بِاحْتِمَالِ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ كِلْتَاهُمَا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ ، فَأَجَابَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِمَا أَجَابَهَا ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : الصَّحِيحُ هُنَا أُمُّ سَلَمَةَ لَا عَائِشَةُ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ فِي الْفَتْحِ .
( وَهَلْ تَرَى ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( الْمَرْأَةُ ) قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : أَنْكَرْتُ عَلَيْهَا بَعْدَ جَوَابِ الْمُصْطَفَى لَهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِ الشَّيْءِ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ ، فَالْفُقَهَاءُ يَذْكُرُونَ الصُّوَرَ الْمُمْكِنَةَ لِيَعْرِفُوا حُكْمَهَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَلْ قَدْ يُصَوِّرونَ الْمُسْتَحِيلَ ولِتَشْحِيذِ الْأَذْهَانِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ وَإِلَّا لَمَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَقَدْ يُوجَدُ عَدَمُ الِاحْتِلَامِ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَوْجَدُ وَأَكْثَرُ ، وَعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْجَوَازُ لَا الْوُقُوعُ أَيْ فِيهِنَّ قَابِلِيَّةُ ذَلِكَ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَأَيُّ مَانِعٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُنَّ لَا يَحْتَلِمْنَ كَمَا أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَحْتَلِمُونَ لِأَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَا لَا يُسَلِّطُ عَلَى أَزْوَاجِهِ تَكْرِيمًا لَهُ ؟ قُلْتُ : الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ لِلْأَنْبِيَاءِ إِلَّا بِالدَّلِيلِ ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : بَحَثَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الدَّرْسِ فَمَنَعَ وُقُوعَهُ مِنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُنَّ لَا يُطِعْنَ غَيْرَهُ لَا يَقَظَةً وَلَا مَنَامًا ، وَالشَّيْطَانُ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُنَّ قَدْ يَحْتَلِمْنَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، أَوْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ شِبَعًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَالَّذِي مَنَعَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُوَ وُقُوعُ الِاحْتِلَامِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
انْتَهَى . ( فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ) وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلْ أَنْتِ ( تَرِبَتْ يَمِينُكِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ خِلَافٌ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ جِدًّا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا ، وَالْأَصَحُّ الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهَا أَنَّ أَصْلَهَا افْتَقَرَتْ ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ اعْتَادَتِ اسْتِعْمَالَهَا غَيْرُ قَاصِدَةٍ حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا فَيَقُولُونَ : تَرِبَتْ يَدَاكَ ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ ، وَلَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَّ لَهُ ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا عِنْدَ إِنْكَارِ الشَّيْءِ أَوِ الزَّجْرِ عَنْهُ أَوِ الذَّمِّ عَلَيْهِ أَوِ اسْتِعْظَامِهِ أَوِ الْحَثِّ عَلَيْهِ أَوِ الْإِعْجَابِ بِهِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : هَذَا اللَّفْظُ وَمَا أَشْبَهَهُ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الدُّعَاءِ ، وَقَدْ قَالَ الْبَدِيعُ فِي رِسَالَتِهِ : قَدْ يُوحِشُ اللَّفْظُ وَكُلُّهُ وُدُّ وَيُكْرَهُ الشَّيْءُ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ بُدُّ هَذِهِ الْعَرَبُ تَقُولُ لَا أَبَّ لَكَ لِلشَّيْءِ إِذَا أَهَمَّ ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ وَلَا يُرِيدُونَ الذَّمَّ ، وَوَيْلُ أُمِّهِ لِلْأَمْرِ إِذَا تَمَّ ، وَلِلْأَلْبَابِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْقَوْلِ وَقَائِلِهِ ، فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا فَهُوَ الْوَلَاءُ وَإِنَّ خَشِنَ ، وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا فَهُوَ الْبَلَاءُ وَإِنْ حَسُنَ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَخَاطُبِهَا مِنِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ لِمَنْ لَا يُرِيدُونَ فَقْرَهُ ، وَلِمَنْ كَانَ مَعْنَاهَا افْتَقَرَتْ يُقَالُ : تَرِبَ فُلَانٌ إِذَا افْتَقَرَ فَلَصِقَ بِالتُّرَابِ ، وَأَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى وَصَارَ مَالُهُ كَالتُّرَابِ كَثْرَةً . وَكَذَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَا أَرَاهُ أَرَادَ إِلَّا خَيْرًا ، وَمَا الْأَتْرَابُ إِلَّا الْغِنَى ، فَرَأَى أَنَّهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ التُّرَابِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهَا تَأْدِيبًا لِإِنْكَارِهَا مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يُقِرُّ إِلَّا عَلَى الصَّوَابِ ، وَقَدْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ قُرْبَةً إِلَيْكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ لَهَا ذَلِكَ لِتُؤْجَرَ وَلِيُكَفَّرَ لَهَا مَا قَالَتْهُ . انْتَهَى .
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِأُمِّ سُلَيْمٍ : تَرِبَتْ يَمِينُكَ ، فَرَدَّ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ : بَلْ أَنْتِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ كَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ ضَعُفَ عَقْلُكِ ، أَتَجْهَلِينَ هَذَا ، أَوِ افْتَقَرْتِ بِذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ ؟ أَيْ إِذَا جَهِلْتِ مِثْلَ هَذَا فَقَدْ قَلَّ حَظُّكِ مِنَ الْعِلْمِ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى تَعَلُّمِ مِثْلَ هَذَا . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَاهُ أَصَابَهَا التُّرَابُ وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ .
( وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْبَاءِ وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْبَاءِ أَيْ شَبَهُ الِابْنِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ لِأَقَارِبِهِ ، فَلِلْمَرْأَةِ مَا تَدْفَعُهُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى كَمَا لِلرَّجُلِ مَا يَدْفَعُهُ عِنْدَهَا . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : نَعَمْ ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ : وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ ؟ إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ .
وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ثَوْبَانَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابَ الْيَهُودِيَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ ذَكَرٌ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ جَاءَ الْوَلَدُ ذَكَرًا وَأَشْبَهَ أَعْمَامَهُ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ جَاءَ أُنْثَى وَأَشْبَهَ خَالَهُ ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَدْفَعُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ ذَكَرًا وَيُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَقَدْ يَكُونُ أُنْثَى وَيُشْبِهُ أَعْمَامَهُ ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالَّذِي يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ حَدِيثِ ثَوْبَانَ فَيُقَالُ : إِنَّ ذَلِكَ الْعُلُوَّ مَعْنَاهُ سَبْقُ الْمَاءِ إِلَى الرَّحِمِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعُلُوَّ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ الْغَلَبَةُ وَالسَّابِقُ غَالِبًا فِي ابْتِدَائِهِ فِي الْخُرُوجِ قَبْلَ غَلَبِهِ عَلَاهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَا ، انْتَهَى . وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ السَّابِقَةِ : فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ شَبَهٌ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِيَّةِ فَيَكُونُ كَثْرَتُهُ مُقْتَضِيَةً لِلشَّبَهِ فِي الصُّورَةِ وَسَبْقُهُ مُقْتَضِيًا لِلشَّبَهِ فِي الْجِنْسِيَّةِ .
وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ ، وَأَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ عَاقِدٌ لَهُ كَالْأَنْفَحَةِ لِلَّبَنِ ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنَ الْمَاءَيْنِ جَمِيعًا ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ مِنْهُ إِنْزَالُ الْمَاءِ عِنْدَ الْجِمَاعِ أَمْكَنَ مِنْهُ إِنْزَالَ الْمَاءِ عِنْدَ الِاحْتِلَامِ ، فَأَثْبَتَ الْإِنْزَالَ عِنْدَ الْجِمَاعِ بِدَلِيلٍ وَهُوَ الشَّبَهُ ، وَقَاسَ عَلَيْهِ الْإِنْزَالَ بِالِاحْتِلَامِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ .