بَاب الْمُسْتَحَاضَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي . 139 136 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ رَبِيبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَنَّهَا رَأَتْ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ زَيْنَبَ مِنْهُمْ يَقُولُ ابْنَةَ جَحْشٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَيُبَيِّنُ الْوَهْمَ فِيهِ قَوْلُهُ : ( الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) وَزَيْنَبُ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَطُّ ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ إِنَّ بَنَاتِ جَحْشٍ الثَّلَاثَةَ زَيْنَبَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ وَحَمْنَةَ زَوْجَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كُنَّ يَسْتَحِضْنَ كُلُّهُنَّ ، وَقِيلَ : لَمْ يَسْتَحِضْ مِنْهُنَّ إِلَّا أُمُّ حَبِيبَةَ . وَذَكَرَ الْقَاضِي يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ فِي كِتَابِهِ الْمُوعِبِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ مِثْلَ هَذَا ، وَذَكَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ اسْمُهَا زَيْنَبُ وَلَقَبُ إِحْدَاهُنَّ حَمْنَةُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ سَلِمَ مَالِكٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي تَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تُسْتَحَاضُ .
وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ . وَفِي أُخْرَى : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ عِيَاضٍ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : قِيلَ حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ هَذَا وَهْمٌ ، وَقِيلَ صَوَابٌ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبَةَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ خِلَافًا لِلْوَاقِدِيِّ وَتَبِعَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الصَّحِيحُ أُمُّ حَبِيبٍ بِلَا هَاءٍ وَاسْمُهَا حَبِيبَةُ وَإِنْ رَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : وَأَمَّا أُخْتُهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَكُنِ اسْمُهَا الْأَصْلِيُّ زَيْنَبَ ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ : إِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا زَيْنَبَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَلَّهُ سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتِهَا لِأَنَّ أُخْتَهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَةُ فَأَيْنَ اللَّبْسُ ؟ قَالَ أَعْنِي الْحَافِظَ : وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْمُوَطَّأُ بِتَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ بَلْ وَافَقَهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، انْتَهَى .
وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ : لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ بَنَاتِ جَحْشٍ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُنَّ زَيْنَبُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَنْسَابِ لَا يُثْبِتُونَهُ ، وَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَيْهِ مَنْ قَالَهُ أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى مَالِكٍ وَهْمٌ ، كَذَا قَالَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ . ( وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ) ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبَلْقِينِيُّ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ اسْتُحِيضَتْ وَقْتًا بِخِلَافِ أُخْتِهَا فَإِنَّ اسْتِحَاضَتَهَا دَامَتْ . وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ : هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، زَادَ مُسْلِمٌ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَتُصَلِّي وَالْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُطْلَقٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ، فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا لِقَرِينَةٍ فَلِذَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا ، وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ قَالُوا : لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغَسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الْمُتَحَيِّرَةِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ : أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ فَإِنْ رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ، وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ بِقَوْلِهِ لَهَا : هَذَا عِرْقٌ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا . وَأَمَّا مَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِأَنَّ الْأَثْبَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْثُ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ هَذِهِ وَرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَيْ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَا الْغُسْلِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَلَى النَّدْبِ أَوْلَى ، انْتَهَى .