بَاب ما جاء في افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
وَلَهُ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ : كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْأَصَحُّ يَرْفَعُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ; لِأَنَّ الرَّفْعَ صِفَةُ نَفْيِ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ وَالتَّكْبِيرُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَالنَّفْيُ سَابِقٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حِكْمَةَ الرَّفْعِ مَا ذُكِرَ ، وَقَدْ قَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْحِكْمَةُ فِي اقْتِرَانِهِمَا أَنَّهُ يَرَاهُ الْأَصَمُّ وَيَسْمَعُهُ الْأَعْمَى ، وَقِيلَ : الْإِشَارَةُ إِلَى طَرْحِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَقِيلَ : إِلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ فَيُنَاسِبُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَقِيلَ : إِلَى اسْتِعْظَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ ، وَقِيلَ : إِلَى تَمَامِ الْقِيَامِ ، وَقِيلَ : إِلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَعْبُودِ ، وَقِيلَ : لِيَسْتَقْبِلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا أَشْبَهُهَا . وَقَالَ الرَّبِيعُ : قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : مَا مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ ؟ قَالَ : تَعْظِيمُ اللَّهِ وَاتِّبَاعُ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَعِبَادَةٌ لَهُ وَابْتِهَالٌ إِلَيْهِ وَاسْتِسْلَامٌ لَهُ وَخُضُوعٌ فِي حَالَةِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي . وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : لَهُ بِكُلِّ إِشَارَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، بِكُلِّ أُصْبُعٍ حَسَنَةٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ : يُكْتَبُ فِي كُلِّ إِشَارَةٍ يُشِيرُهَا الرَّجُلُ بِيَدِهِ فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ أُصْبُعٍ حَسَنَةٌ أَوْ دَرَجَةٌ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا ، إِذْ لَا دَخْلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ، وَهَذَا الرَّفْعُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ لَا وَاجِبَ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَمِيدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَدَاوُدُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكُلُّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْوُجُوبُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَمِيدِيِّ ، وَهُوَ شُذُوذٌ وَخَطَأٌ ، وَقِيلَ : لَا يُسْتَحَبُّ ، حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ ، وَلِذَا كَانَ أَسْلَمُ الْعِبَارَاتِ قَوْلَ أَبِي عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ . وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ . ( وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا ) أَيْ يَدَيْهِ ( كَذَلِكَ ) أَيْ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ( أَيْضًا ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَعْنٍ ، وَيَحْيَى ، وَالنَّيْسَابُورِيِّ ، وَابْنِ نَافِعٍ وَجَمَاعَةٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلرُّكُوعِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَابْنُ نَافِعٍ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِثْبَاتِهِ فَقَالُوا : وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَكَذَلِكَ لِسَائِرِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إِنَّ تَرْكَ ذِكْرِ الرَّفْعِ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ إِنَّمَا أَتَى مِنْ مَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي رُبَّمَا أَوْهَمَ فِيهِ ; لِأَنَّ جَمَاعَةً حُفَّاظًا رَوَوْا عَنْهُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَاخْتُلِفَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَرْفَعُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ .
وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الرَّفْعِ فِيهِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِعْلُهُ إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ : لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ تَرْكَ الرَّفْعِ فِيهِمَا إِلَّا ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَالَّذِي نَأْخُذُ بِهِ الرَّفْعُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ ; لِأَنَّ نَافِعًا وَقَفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا سَالِمٌ ، وَنَافِعٌ .
ثَانِيهِمَا : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ . وَالثَّالِثُ : النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . وَالرَّابِعُ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ ، فَرَفَعَ الْأَرْبَعَةَ سَالِمٌ وَوَقَفَهَا نَافِعٌ ، انْتَهَى .
وَبِهِ يُعْلَمُ تَحَامُلُ الْحَافِظِ فِي قَوْلِهِ : لَمْ أَرَ لِلْمَالِكِيَّةِ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهِ وَلَا مُتَمَسِّكًا إِلَّا قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، انْتَهَى . لِأَنَّ سَالِمًا ، وَنَافِعًا لَمَّا اخْتَلَفَا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، تَرَكَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ الْقَوْلَ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ صِيَانَةُ الصَّلَاةِ عَنِ الْأَفْعَالِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعَوَّلُوا عَلَى رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَرَهُ يَرْفَعُ فِيهِمَا ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ مَقَالًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ أَثْبَتَ ذَلِكَ سَالِمٌ ، وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ لَا سِيَّمَا وَهُمْ مُثْبِتُونَ وَهُوَ نَافٍ ، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَاجِبًا فَفَعَلَهُ تَارَةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى ، يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَمَاهُ بِالْحَصَى ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ لَا يَعُودُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَدَّهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ، قَالَ : وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ الْمُثْبَتُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّافِي وَقَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، لَكِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَمُقَابِلُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، وَنَسَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَغَارِبَةِ فَاعِلَهُ إِلَى الْبِدْعَةِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ دَرْءًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ ، لَكِنْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَقَدْ طَعَنَ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَرْكُهُ ، وَلَا أَسَانِيدَ أَصَحُّ مِنْ أَسَانِيدِ الرَّفْعِ .
( وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى سَمِعَ هُنَا أَجَابَ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ حَمِدَهُ مُتَعَرِّضًا لِثَوَابِهِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، وَأَعْطَاهُ مَا تَعَرَّضَ لَهُ ، فَإِنَّا نَقُولُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ ( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الرِّوَايَةُ بِثُبُوتِ الْوَاوِ أَرْجَحُ وَهِيَ زَائِدَةٌ ، وَقِيلَ : عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ حَمِدْنَاكَ ، وَقِيلَ : هِيَ وَاوُ الْحَالِ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَضَعَّفَ مَا عَدَاهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ; لِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِمَامَةُ ، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ وَالْفَذَّ يَقُولُ اللَّفْظَيْنِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَقُولُ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَطْ ، وَالْمَأْمُومُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَقَطْ ، لِحَدِيثِ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَقَصَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ وَالْمَأْمُومُ عَلَى الْآخَرِ ، وَهَذِهِ قِسْمَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلشَّرِكَةِ ، كَحَدِيثِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْفَرِدًا أَوْ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ . ( وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ) أَيْ رَفْعَ يَدَيْهِ ( فِي السُّجُودِ ) لَا فِي الْهُوِيِّ إِلَيْهِ وَلَا فِي الرَّفْعِ مِنْهُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَهَذَا يَشْمَلُ مَا إِذَا نَهَضَ مِنَ السُّجُودِ إِلَى الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالتَّشَهُّدَيْنِ ، وَيَشْمَلُ مَا إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ أَيْضًا لَكِنْ بِدُونُ تَشَهُّدٍ لكونه غير وَاجِبٍ ، وَإِذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَدُلَّ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ عَنِ الْقِيَامِ مِنْهَا إِلَى الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ ، لَكِنْ رَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَلَا يَرْفَعُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَظَاهِرُهُ النَّفْيُ عَمَّا عَدَا الْمَوَاطِنَ الثَّلَاثَةَ .
لَكِنْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ : مَا زَادَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَلِيٌّ ، وَأَبُو حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الرَّفْعِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَلُّوا صَلَاةً وَاحِدَةً ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا ، وَإِنَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا لِمَنْ يَقُولُ بِالرَّفْعِ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : هُوَ سُنَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ فَالْإِسْنَادُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ قَالَ : قُولُوا بِالسُّنَّةِ وَدَعُوا قَوْلِي . وَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قِيَاسُ نَظِيرِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُسْتَحَبَّ الرَّفْعُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى مَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ ، وَالْحُجَّةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ ، وَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يُسَيِّرُهَا قَالَ : وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي ، فَفِيهِ نَظَرٌ ، انْتَهَى . لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِهِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْحَدِيثِ ، أَمَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهٍ فَلَا ، وَالْأَمْرُ هُنَا مُحْتَمَلٌ ، وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْأُمِّ خِلَافُهُ لِقَوْلِهِ : وَلَا يَأْمُرُهُ بِالرَّفْعِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ أَنَّهُ رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ مِنْدَهْ مِمَّنْ رَوَاهُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَافِظُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَبَلَغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا ، ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِيِّ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن القعنبي ، عَنْ مَالِكٍ بِنَحْوِهِ .