بَاب مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا
( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ ) أَيْ سَلَّمَ ( مِنَ اثْنَتَيْنِ ) أَيْ رَكْعَتَيْنِ ( فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ ) اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ فَأَلِفٌ فَقَافٌ ابْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ بِضَمِّ السِّينِ ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ ، بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعِمْرَانَ وَرَجَّحَهُ الْحَافِظُ ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ غَيْرُ الْخِرْبَاقِ وَطُولُ يَدَيْهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِهِمَا بِالْعَمَلِ وَبِالْبَذْلِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : كَانَ ذُو الْيَدَيْنِ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ فَيَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( أَقُصِرَتْ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( الصَّلَاةُ ) أَيْ أَقَصَرَهَا اللَّهُ ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ، أَيْ صَارَتْ قَصِيرَةً ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ ( أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) فَاسْتَفْهَمَ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ نَسْخٍ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وَرَعِ الصَّحَابِيِّ : إِذْ لَمْ يَجْزِمْ بِشَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ) فِيمَا قَالَ .
( فَقَالَ النَّاسُ ) أَيِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ : ( نَعَمْ ) صَدَقَ ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالُوا : صَدَقَ لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ . ( فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ فَلِذَا قِيلَ مَعْنَى قَامَ اعْتَدَلَ ، وَقِيلَ الْقِيَامُ كِنَايَةٌ عَنِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَا بُعْدَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ قُوَّتِهِ إِذْ غَايَةُ مَا قَالَ فِيهِ إِيمَاءٌ . ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ) بِتَحْتِيَّتَيْنِ بَعْدَ الرَّاءِ .
( ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ لِإِتْيَانِهِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي ، فَلَوْ كَانَ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ لَكَانَ مَعَهُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ تكبيرة إِحْرَامٌ أَوْ يُكْتَفَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ التَّكْبِيرِ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ ، وَأَمَّا نِيَّةُ إِتْمَامِ مَا بَقِيَ فَلَا بُدَّ مِنْهَا . ( فَسَجَدَ ) لِلسَّهْوِ ( مِثْلَ سُجُودِهِ ) لِلصَّلَاةِ ( أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ) مِنْ سُجُودِهِ ( ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ) ثَانِيَةً ( مِثْلَ سُجُودِهِ ) لِلصَّلَاةِ ( أَوْ أَطْوَلَ ) مِنْهُ ( ثُمَّ رَفَعَ ) أَيْ ثَانِيًا مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ تَشَهَّدَ بَعْدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ ؟ قَالَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِهِمَا .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَهِمُوا رِوَايَةَ أَشْعَثَ لِمُخَالَفَتِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ ، وَكَذَا الْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ لَا ذِكْرَ لِلتَّشَهُّدِ فِيهِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَصَارَتْ زِيَادَةً أشعث شَاذَّةً ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ التَّشَهُّدُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَعَنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ إِلَّا أَنَّهُ بِاجْتِمَاعِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ تَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، قَالَ الْعَلَاءُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .