بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
( وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ أَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ لَا مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) ظَرْفٌ لِقُلْتَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ( فَقَدْ لَغَوْتَ ) بِالْوَاوِ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا هِيَ فَقَدْ لَغَوْتَ ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُ الْكِرْمَانِيُّ : ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِيهَا إِذْ قَالَ : وَالْغَوْا ( سُورَةُ فُصِّلَتْ : الْآيَةَ 26 ) وَهِيَ مِنْ لَغَى يَلْغَى وَلَوْ كَانَ يَلْغُوا لَقَالَ الْغُوا بِضَمِّ الْغَيْنِ ، اهـ . قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : مَعْنَى لَغَوْتَ خِبْتَ مِنَ الْأَجْرِ ، وَقِيلَ بَطَلَتْ فضيلة جُمُعَتُكَ ، وَقِيلَ صَارَتْ جُمُعَتُكَ ظُهْرًا .
قَالَ الْحَافِظُ : وَيَشْهَدُ لِلثَّالِثِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : وَمَنْ لَغَى وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ : مَعْنَاهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَحُرِمَ فَضِيلَةَ الْجُمُعَةِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : وَمَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمْعَةٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ فِي جَامِعِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ عَنْهُ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ مَنْ جَوَّزَ الْكَلَامَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَقَدْ لَغَوْتَ ، أَيْ أَمَرْتَ بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ ، لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَطْلُوبِيَّتِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ أَمَرَ بِمَا طَلَبَهُ الشَّرْعُ لَاغِيًا ، بَلِ النَّهْيُ عَنِ الْكَلَامِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيثِ بِدَلَالَةِ الْمُوَافَقَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ أَنْصِتْ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ لَغْوًا فَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى لَغْوًا .
وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَقَدْ لَغَوْتَ : عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ، اهـ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : مَعْنَاهُ الْمَنْعُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّمْتِ حِينَئِذٍ فَهُوَ لَاغٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنَ الْكَلَامِ بِمَا يَنْهَى عَنْهُ ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَهَى فِي الصَّلَاةِ مُصَلِّيًا عَنِ الْكَلَامِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاتَهُ ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّمْتِ لَاغٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلِّمٍ غَيْرَهُ لَاغٍ وَاللَّغْوُ رَدِيءُ الْكَلَامِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ ، اهـ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : اللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَشِبْهُهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ : السَّقْطُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَقِيلَ الْمَيْلُ عَنِ الصَّوَابِ ، وَقِيلَ الْإِثْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةَ 72 ) ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَغْرَبَ أَبُو عُبْيِدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبِ فَقَالَ : مَعْنَى لَغَى تَكَلَّمَ كَذَا أَطْلَقَ وَالصَّوَابُ التَّقْيِيدُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَقْوَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ حَالَ الْخُطْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَقِّ مَنْ يَسْمَعُهَا ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَسْمَعُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ قَالُوا : وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَلْيَجْعَلْهُ بِالْإِشَارَةِ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا إِلَّا عَنْ قَلِيلٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَلَفْظُهُ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا فِي الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْجُهَّالِ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ وَنَحْوَهَا آخِذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ .
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَنَاسٍ قَلِيلٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ ، خَاصَّةً وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ ، اهـ . وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَبَنَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ لَا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْرُمُ لَا عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ ، فَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ إِبَاحَةَ الْكَلَامِ حَتَّى شَنَّعَ عَلَيْهِمْ مَنْ شَنَّعَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ . وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ، وَعَنْهُمَا أَيْضًا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَمَنْ لَا يَسْمَعُهَا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ نَفَى وُجُوبَهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، اهـ .
وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لَا يَجْعَلُونَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَحْمَدَ : وَمَنْ قَالَ صَهٍ فَقَدْ تَكَلَّمَ وَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا جُمْعَةَ لَهُ مَا نَصُّهُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِسْقَاطِ فَرْضِ الْوَقْتِ عَنْهُ ، اهـ . ثُمَّ قَالَ : أَعْنِي الْحَافِظَ : وَيَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ السَّامِعِ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ آنِفًا ، وَمَنْ دَنَا فَلَمْ يُنْصِتْ فَإِنَّ عَلَيْهِ كِفْلَيْنِ مِنَ الْوِزْرِ لِأَنَّ الْوِزْرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ مُبَاحًا وَلَوْ كُرِهَ تَنْزِيهًا . وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا مِنْ قِصَّةِ السَّائِلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ عُمُومَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَأَمْرٍ عَارِضٍ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ ، وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنَ الْإِنْصَاتِ فِي الْخُطْبَةِ مَا إِذَا انْتَهَى الْخَطِيبُ إِلَى كُلِّ مَا لَمْ يُشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ مِثْلَ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا ، بَلْ جَزَمَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَحَلُّهُ إِذَا جَازَفَ وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ مَطْلُوبٌ ، اهـ ، وَمَحَلُّ التَّرْكِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الضَّرَرَ وَإِلَّا فَيُبَاحُ لِلْخَطِيبِ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ ، اهـ .