بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 237 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُهَا : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴾وَهُوَ يَخْشَى [ عبس : 8 ، 9 ] ، وَقَالَ : ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾[ النازعات : 22 ] ، وَقَالَ : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾[ الليل : 4 ] . قَالَ مَالِكٌ : فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا الْاشْتِدَادَ ، وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ .
5 - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْوَاجِبُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ( سُورَةُ الْجُمُعَةِ : الْآيَةَ 9 ) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِذْ لَا يَجِبُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : فُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَهُوَ غَرِيبٌ ، قَالَ الزَّيْنُ ابْنُ الْمُنَيِّرِ : وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى وُجُوبِهَا مَشْرُوعِيَّةُ النِّدَاءِ لَهَا إِذِ الْأَذَانُ مِنْ خَوَاصَّ الْفَرَائِضِ ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُبَاحِ يَعْنِي نَهْيَ تَحْرِيمٍ إِلَّا إِذَا أَفْضَى إِلَى تَرْكِ وَاجِبٍ ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ التَّوْبِيخُ عَلَى قَطْعِهَا . 240 237 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أُذِّنَ لَهَا عِنْدَ قُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ ( مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِإِذَا ، وَقِيلَ مِنْ بِمَعْنَى فِي فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ مَوْعِظَةِ الْإِمَامِ بِالْخُطْبَةِ أَوِ الصَّلَاةِ أَوْ هُمَا مَعًا أَيْ سَأَلْتُهُ عَنْ مَعْنَى فَاسْعَوْا ( فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : ) مَعْنَاهُ فَامْضُوا لِأَنَّهُ ( كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُهَا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) ، وَالزُّهْرِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ تُوُفِّيَ عُمَرُ وَمَا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةُ الْجُمُعَةِ إِلَّا فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَوْ قَرَأْتُهَا فَاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَائِي ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَيْسَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ كَالسُّنَنِ الْوَارِدَةِ بِنَقْلِ الْآحَادِ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : مَا جَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ يَجْرِي عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ مَجْرَى الْآحَادِ سَوَاءٌ أَسْنَدَهَا أَمْ لَمْ يُسْنِدْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا تُجْرَى مَجْرَى الْآحَادِ إِذَا أُسْنِدَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَارِئِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ : لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا وَلَا الْعَمَلُ بِمَضْمُونِهَا وَهُوَ أَبْيَنُ .
( قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ ) إِنْ أُطْلِقَ لُغَةً عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْإِسْرَاعِ وَالْجَرْيِ كَحَدِيثِ : إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ، ( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِذَا تَوَلَّى ) انْصَرَفَ عَنْكَ ( سَعَى فِي الْأَرْضِ ) لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ . رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا أُصِيبَتِ السَّرِيَّةُ الَّتِي فِيهَا عَاصِمٌ ، وَمَرْثَدٌ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 204 ) الْآيَةَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ ، فَأَحْرَقَ الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ، لَكِنْ تَابَ الْأَخْنَسُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَشَهِدَ حُنَيْنًا .
( وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴾ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَاءَ وَهُوَ يَخْشَى اللَّهَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَسْعَى وَهُوَ الْأَعْمَى ( وَقَالَ : ثُمَّ أَدْبَرَ فِرْعَوْنُ عَنِ الْإِيمَانِ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ( وَقَالَ : إِنَّ سَعْيَكُمْ عَمَلَكُمْ لَشَتَّى مُخْتَلِفٌ فَعَامِلٌ لِلْجَنَّةِ بِالطَّاعَةِ وَعَامِلٌ لِلنَّارِ بِالْمَعْصِيَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَلَا الِاشْتِدَادِ ) أَيِ الْجَرْيِ ( وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ ) ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةَ 19 ) ، وَقَوْلُهُ : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةَ 104 ) ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ فَتَكُونُ آيَةُ الْجُمُعَةِ مِثْلَهُ .