حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ . 292 289 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) قَسَمٌ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ نُفُوسَ الْعِبَادِ بِيَدِ اللَّهِ أَيْ بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقَسَمِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْحَلِفَ بِاللَّهِ مُطْلَقًا . ( لَقَدْ هَمَمْتُ ) اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالْهَمُّ الْعَزْمُ وَقِيلَ دُونَهُ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ فَأَفَادَ سَبَبُ الْحَدِيثِ ( أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ) بِالْفَاءِ وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْصُوبِ وَكَذَا الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ يُكْسَرُ لِيُسَهِّلَ اشْتِعَالَ النَّارِ بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتَّصَفَ بِهِ تَجَوُّزًا بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيُتَّصَفُ بِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى يَحْطِبُ يَكْسِرُ بَلِ الْمَعْنَى يَجْمَعُ .

( ثُمَّ آمُرَ ) بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْمِيمِ ( بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ ) أَيْ آتِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : خَالَفَ إِلَى فُلَانٍ أَيْ أَتَاهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ ، وَالْمَعْنَى أُخَالِفُ الْفِعْلَ الَّذِي أَظْهَرْتُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَأَتْرُكُهُ وَأَسِيرُ إِلَيْهِمْ ، أَوْ أُخَالِفُ ظَنَّهُمْ فِي أَنِّي مَشْغُولٌ بِالصَّلَاةِ عَنْ قَصْدِي إِلَيْهِمْ ، أَوْ مَعْنَى أُخَالِفُ أَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى قَصْدِ الْمَذْكُورِينَ وَالتَّقْيِيدُ بِرِجَالٍ مُخْرِجٌ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ . ( فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ ) بِالنَّارِ عُقُوبَةً ، وَأُحَرِّقُ بِشَدِّ الرَّاءِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّحْرِيقِ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمَالِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْرِيقُ الْمَقْصُودِينَ وَالْبُيُوتُ تَبَعٌ لِلْقَاطِنِينَ بِهَا ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَأُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَعَادَ الْيَمِينَ مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ ( لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا ) وَلِلتِّنِيسِي عَرَقًا سَمِينًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، قَالَ الْخَلِيلُ : الْعَرَقُ الْعَظْمُ بِلَا لَحْمٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ فَهُوَ عِرَاقٌ ، وَفِي الْمُحْكَمِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ : الْعَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ قِطْعَةُ لَحْمٍ .

وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَاحِدُ الْعِرَاقِ وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا هُبَرُ اللَّحْمِ وَيَبْقَى عَلَيْهَا لَحْمٌ رَقِيقٌ فَيُكْسَرُ وَيُطْبَخُ وَيُؤْكَلُ مَا عَلَى الْعِظَامِ مِنْ لَحْمٍ رَقِيقٍ وَيَتَمَشْمَشُ الْعِظَامُ ، وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ هُوَ اللَّائِقُ هُنَا . ( أَوْ مِرْمَاتَيْنِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ تَثْنِيَةُ مِرْمَاةٌ قَالَ الْخَلِيلُ : هِيَ مَا بَيْنَ ظِلْفَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ وَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ . وَنَقَلَ الْمُسْتَمْلِيُّ عَنِ الْفِرَبْرِيِّ عَنِ الْبُخَارِيِّ : الْمِرْمَاةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلُ : مِنْسَاةُ وَمِيضَاةُ مَا بَيْنَ ظِلْفَتَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ .

قَالَ عِيَاضٌ : فَالْمِيمُ عَلَى هَذَا أَصْلِيَّةٌ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْمِرْمَاةُ لُعْبَةٌ كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِنِصَابٍ مُحَدَّدٍ يَرْمُونَهَا فِي كَوْمٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِي الْكَوْمِ غَلَبَ ، وَيَبْعُدُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ لِأَجْلِ التَّثْنِيَةِ . وَحَكَى الْحَرْبِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الْمِرْمَاةَ سَهْمُ الْهَدَفِ قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَدَّثَنِي ثُمَّ ساق حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي كَانَ لَهُ عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ سَمِينَةٍ أو سهمان لَفَعَلَ ، وَقِيلَ : الْمِرْمَاةُ سَهْمٌ يُتَعَلَّمُ بِهِ الرَّمْيُ وَهُوَ سَهْمٌ رَقِيقٌ مستو غير مُحَدَّدٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِتَكْرَارِ الرَّمْيِ بِخِلَافِ السِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ الْحَرْبِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا يَتَكَرَّرُ مِنْهَا .

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : تَفْسِيرُ الْمِرْمَاةِ بِالسَّهْمِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ وَيَدْفَعُهُ ذَكَرُ الْعِرَاقِ مَعَهُ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَظْمَ السَّمِينَ وَكَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَتْبَعَهُ بِالسَّهْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ ، انْتَهَى . وَوَصَفَ الْعَظْمَ بِالسِّمَنِ وَالْمِرْمَاتَيْنِ بِقَوْلِهِ : ( حَسَنَتَيْنِ ) أَيْ مَلِيحَتَيْنِ لِيَكُونَ ثَمَّ بَاعِثٌ نَفْسَانِيٌّ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِهِمْ بِالْحِرْصِ عَلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ مَطْعُومٍ أَوْ ملعوب بِهِ مَعَ التَّفْرِيطِ فِيمَا يَحْصُلُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ وَمُنَازِلِ الْكَرَامَةِ . ( لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ) أَيْ صَلَاتَهَا فَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْعَى إِلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنِ الصَّلَاةِ ؟ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِسَبَبِهَا هِيَ الْعِشَاءُ .

وَلِمُسْلِمٍ رِوَايَةٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ التَّصْرِيحُ بِتَعْيِينِ الْعِشَاءِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهَا الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ ، وَلِلسِّرَاجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخَّرَ الْعِشَاءَ لَيْلَةً فَخَرَجَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَلِيلًا فَغَضِبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَلِابْنِ حِبَّانَ يَعْنِي الْعِشَاءَ وَالْغَدَاةَ ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْإِبْهَامِ ، وَمَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ فَضَعِيفٌ لِشُذُوذِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى وَهْمِ رَاوِيهَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ : الْجُمُعَةُ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا ؟ قَالَ : صُمَّتْ أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثِرِهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا ، فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ ، نَعَمْ فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْجَزْمُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ ، لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ ، وَالْمُحِبُّ الطَّبَرَيُّ ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْعِشَاءِ ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ عَنْهُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَبْلَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ ، فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ ، زَادَ أَحْمَدُ : وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ شَجَرًا وَنَخْلًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلِّ سَاعَةٍ ، قَالَ : أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاحْضِرْهًا وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ . وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَتَسْمَعُ الْأَذَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَحْدَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْعُمْيَانِ ، وَاحْتُجَّ بِهَذَا وَبِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، إِذْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمْ يُهَدَّدْ تَارِكُهَا بِالتَّحْرِيقِ ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَكَانَتْ قَائِمَةً بِالرَّسُولِ وَمَنْ مَعَهُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَبَالَغَ دَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ فَجَعَلُوهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَرَدَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ : إِنَّهَا وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَاقِينَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلْ ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا عَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ وَضَعَّفَهُ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَهُمُّ بِمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ ، وَالتَّرْكُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمُ انْزَجَرُوا بِذَلِكَ وَتَرَكُوا التَّخَلُّفَ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِسَبَبِهِ ، عَلَى أَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبَ التَّرْكِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يَحْرِقُونَ الْحَدِيثَ . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا وُجُوبَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْمُتَخَلِّفِينَ ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا هَمَّ بِتَرْكِهَا إِذَا تَوَجَّهَ ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِمَا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَدْ يَتَدَارَكُهَا فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ ، وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَقَالَ لَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالْإِحْرَاقِ مِنْ تَخَلُّفٍ عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ تُجِزْهُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَكُونُ بِالنَّصِّ وَقَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ ، فَلَمَّا قَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ .. . إِلَخْ ، دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْبَيَانِ .

وَقَالَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ : الْحَدِيثُ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَحَقِيقَتُهُ لَيْسَتْ مُرَادَةٌ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ وَعِيدُهُمْ بِعُقُوبَةِ الْكُفَّارِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ عُقُوبَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْعَ وَقَعَ بَعْدَ نَسْخِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَائِزًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عند الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ التَّهْدِيدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ أَرْبَعَةٌ . خَامِسُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّهْدِيدِ قَوْمٌ تَرَكُوا الصَّلَاةَ رَأْسًا لَا مُجَرَّدَ الْجَمَاعَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ أَيْ لَا يَحْضُرُونَ ، وَلِأَحْمَدَ : لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ أَيِ الْجَمَاعَةِ ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا : لَيَنْتَهِيَّنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ ، سَادِسُهَا : أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِفِعْلِهِمْ لَا لِخُصُوصِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الْبَاجِيِّ الْمُتَقَدِّمِ . سَابِعُهَا : أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ فَلَيْسَ التَّهْدِيدُ لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ ، وَرُدَّ بِاسْتِبْعَادِ الِاعْتِنَاءِ بِتَأْدِيبِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُمْ ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْرِضًا عَنْهُمْ وَعَنْ عُقُوبَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِطَوِيَّتِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ : لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، وَمَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا الرَّدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ تَرْكُ عِقَابِ الْمُنَافِقِينَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَلَيْسَ فِي إِعْرَاضِهِ عَنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ .

ثَامِنُهَا : أَنَّ فَرِيضَةَ الْجَمَاعَةِ كَانَتْ أَوَّلًا لِسَدِّ بَابِ التَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ نُسِخَ ، حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَيُقَوِّيهِ نَسْخُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ التَّحْرِيقُ بِالنَّارِ ، وَكَذَا نَسْخُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّحْرِيقُ وَهُوَ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ ، وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَحَادِيثُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ وَمِنْ لَازَمِهِ الْجَوَازُ . تَاسِعُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْجُمُعَةُ لَا بَاقِي الصَّلَوَاتِ ، وَنَصَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْعِشَاءِ ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هَدَّدَ بِسَبَبِهَا هَلِ الْجُمُعَةُ أَوِ الْعِشَاءُ أَوِ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ مَعًا ؟ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ وَإِلَّا وَقَفَ الِاسْتِدْلَالُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ . عَاشِرُهَا : أَنَّ التَّهْدِيدَ الْمَذْكُورَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي حَقِّ تَارِكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَشْرُوعِيَّةِ مُقَاتَلَةِ تَارِكِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّحْرِيقَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ أَخَصُّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ ، وَبِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَمَالَأَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّرْكِ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ ، وَلِقَوْلِهِ : لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ .

إِلَخْ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَائِقٌ بِالْمُنَافِقِينَ لَا بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ : لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ . وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ : لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ .

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَهُمْ نِفَاقُ مَعْصِيَةٍ لَا كُفْرٍ ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَإِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ . وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ : لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا ، لِأَنَّ تَحْرِيقَ بَيْتِ الْكَافِرِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُودُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي بَيْتِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ نِفَاقُ الْكُفْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِتَضَمُّنِهِ أَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِ ، وَقَدْ نَهَيْنَا عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ : خُرُوجُ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّخَلُّفَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا مُنَافِقٌ .

رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمُومَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَشْهَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ، وَهَذَا يُقَوِّي مَا ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ ، فَعَلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لَا الْعَاصِي الَّذِي يَجُوزُ إِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَيْهِ مَجَازًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٌ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث