بَاب الصَّلَاةِ الْوُسْطَى
( قَالَتْ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَتْ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، فَلَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْلَمْ بِنَسْخِهَا أَوِ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا مِمَّا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ لِتَأْكِيدِ فَضِيلَتِهَا فَظَنَّتْهَا قُرْآنًا فَأَرَادَتْ إِثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ لِذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ جَوَازَ إِثْبَاتِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا إِثْبَاتَ الْقُنُوتِ وَبَعْضِ التَّفْسِيرِ فِي الْمُصْحَفِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ قُرْآنًا ، اهـ . وَاحْتِمَالُهُ الثَّانِي لَيْسَ بِظَاهِرٍ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّسْخُ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : نَسْخُ رَسْمٍ فَلَا يُقْرَأُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَتْ مِنْهُ أَشْيَاءُ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّهَا قُرْآنٌ . وَالثَّانِي نَسْخُ خَطِّهِ وَبَقَاءُ حُكْمِهِ كَقَوْلِهِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ .
وَالثَّالِثُ أَنْ يُنْسَخَ حُكْمُهُ وَيَبْقَى خَطُّهُ كَقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 240 ) نَسَخَهَا : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 234 ) ، اهـ بِاخْتِصَارٍ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَتْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 238 ) ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ : هِيَ إِذًا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَقَالَ الْبَرَاءُ : قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللَّهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا أَقْوَى حُجَّةً لِمَنْ قَالَ : إنها غير الْعَصْرُ ، لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ بَعْدَمَا عُيِّنَتْ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي إِشْعَارِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ بَلِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهَا عُيِّنَتْ ثُمَّ وُصِفَتْ ، وَلِذَا قَالَ الرَّجُلُ : فَهِيَ إِذًا الْعَصْرُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ ، نَعَمْ جَوَابُ الْبَرَاءِ يُشْعِرُ بِالتَّوَقُّفِ لِمَا يَطْرُقُهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ ، اهـ . وَعِبَارَةُ الْمُفْهَمِ يَظْهَرُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ لَكِنْ فِي مَاذَا هَلْ نُسِخَ تَعْيِينُهَا فَقَطْ وَبَقِيَتْ هِيَ الْوُسْطَى ، أَوْ نُسِخَ كَوْنُهَا الْوُسْطَى ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَإِلَّا فَقَدَ أَخْبَرَ بِوُقُوعِ النَّسْخِ . وَقَالَ الْأُبَيُّ : لَا يُعْتَرَضُ عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ بِقَوْلِ الْبَرَاءِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ .
إِلَخْ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَنْسُوخَ النُّطْقُ بِلَفْظِ الْعَصْرِ ، وَقَدْ أَشَارَ الْبَرَاءُ إِلَى الِاحْتِمَالِ بِقَوْلِهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .