بَاب مَا يَجِبُ فِيهِ قَصْرُ الصَّلَاةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَيَّ فِيهِ الصَّلَاةُ . قَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ ، وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ .
344 342 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ) ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ مَرَاحِلَ أَوِ اثْنَانِ ( وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ ) ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ مَرَاحِلَ ، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . ( وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ ) بِضَمِّ الْجِيمِ سَاحِلُ الْبَحْرِ بِمَكَّةَ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَكْثَرَ مَالِكٌ مِنْ ذِكْرِ أَفْعَالِ الصَّحَابَةِ لِمَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ ) الْمَذْكُورُ مِنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ( أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ) قَالَ الْحَافِظُ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي الْيَوْمِ ، وَلَا تُقْصَرُ فِيمَا دُونَ الْيَوْمِ ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ : تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مَسِيرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ مَسَافَةَ بُرُدٍ يُمْكِنُ سَيْرُهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ . ( وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَيَّ فِيهِ الصَّلَاةُ ) مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُنْتَشِرَةِ إِلَى نَحْوِ عِشْرِينَ قَوْلًا فَـ أَحَبُّ عَائِدٌ لِاخْتِيَارِهِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُقْصِرُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ ، وَعَنْ مَالِكٍ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : رَجَعَ عَنْهُ ، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَهُوَ وِفَاقٌ فَإِنَّمَا رَجَعَ عَنِ التَّحْدِيدِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَى لَفْظٍ أَبْيَنَ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْصَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُسَقْ لِبَيَانِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بَلْ لِنَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ الْخُرُوجِ وَحْدَهَا وَلِذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ ، فَرُوِيَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَمَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَبَرِيدًا ، وَأُيِّدَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ وَحْدَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالزَّمَانِ ، فَلَوْ قَطَعَتْ مَسِيرَةَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي يَوْمٍ لَتَعَلَّقَ بِهَا النَّهْيُ ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ لَوْ قَطَعَ مَسِيرَةَ نِصْفِ يَوْمٍ فِي يَوْمَيْنِ مَثَلًا لَمْ يَقْصُرْ فَافْتَرَقَا عَلَى أَنَّ تَمَسُّكَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْحَدِيثِ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَتِهِمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ لَا بِمَا رُوِيَ ، فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عَنْهُ لِبَيَانِ أَقَلِّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمَا خَالَفَهُ وَقَصَرَ فِي مَسِيرِ الْيَوْمِ التَّامِّ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : يُقْصِرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَلَوْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 101 ) ، وَلَمْ يُحَدِّدِ الْمَسَافَةَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ قَصَرَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَأَصْرَحُهُ ، وَقَدْ حَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُبْتَدَأُ مِنْهَا الْقَصْرُ لَا غَايَةُ السَّفَرِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْحَمْلِ ، مَعَ أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَى أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَزِيدَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَكُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْكُوفَةِ -يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ- فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَظَهَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ لَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنْهُ الْقَصْرُ ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَسَافَةٍ بَلْ بِمُجَاوَزَةِ الْبَلَدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَإِنْ أَرَادَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي التَّحْدِيدِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَمُسَلَّمٌ ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي التَّحْدِيدِ بِثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ مُنْدَرِجَةٌ فِيهَا فَيُؤْخَذُ بِالْأَكْثَرِ احْتِيَاطًا .
( قَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ ) كُلِّهَا ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبُيُوتِ ، فَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ : إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ قَصَرَ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ . وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْفَارِهِ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنِ الْمَدِينَةِ ، وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ لِأَنَّ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالْمَدِينَةِ سِتَّةَ أَمْيَالٍ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُنْتَهَى سَفَرِهِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ فَنَزَلَ بِهَا فَقَصَرَ الْعَصْرَ وَاسْتَمَرَّ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ . ( وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبَ ذَلِكَ ) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
وَرَوَى عَلِيٌّ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ : حَتَّى يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ . وَرَوَى مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَقْصُرُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصُرُ مِنْهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ .