بَاب الرُّخْصَةِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ أَيْ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَصْلًا ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَزَّارِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ لَيْسَ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ ، انْتَهَى . ( فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ) أَيْ قُدَّامَ ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْيَدِ مَجَازٌ إِذِ الصَّفُّ لَا يَدَ لَهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ صَفٌّ مِنَ الصُّفُوفِ أَوْ بَعْضٌ مِنْ أَحَدِ الصُّفُوفِ ، انْتَهَى . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ : حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ .
( فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ ) بِفَوْقِيَّتَيْنِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ تَأْكُلُ مَا تَشَاءُ ، وَقِيلَ : تُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ ، وَجَاءَ أَيْضًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ بِوَزْنِ تَفْتَعِلُ مِنَ الرَّعْيِ وَأَصْلُهُ تَرْتَعِي لَكِنَّ حَذْفَ الْيَاءِ تَخْفِيفًا ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ . ( وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَوَازِ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِتَرْكِ إِعَادَتِهِمْ لِلصَّلَاةِ ، لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ أَكْثَرُ فَائِدَةً ، قَالَ الْحَافِظُ : وَجْهُهُ إنَّ تَرْكَ الْإِعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا فَقَطْ لَا عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ ، وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعًا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ مِنَ الْإِنْكَارِ وَثُبُوتِ الْعِلْمِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْفِعْلِ ، وَلَا يُقَالُ : لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ حَائِلًا دُونَ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ . وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِلٌ دُونَ الرُّؤْيَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحْدُثُ لَهُمْ كَافِيًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، فَهُوَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ مُحَقَّقٌ فِي حَالِ مُرُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاكِبُهُ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ ، وَأَمَّا مُرُورُهُ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يَخُصُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدْعُ أَحَدًا يمر بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَكَذَا نَقَلَ عِيَاضٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يُصَلُّونَ إِلَى سُتْرَةٍ لَكِنِ اخْتُلِفَ هَلْ سُتْرَتُهُمْ سُتْرَةُ الْإِمَامِ أَوْ سُتْرَتُهُمُ الْإِمَامُ نَفْسُهُ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى الِاتِّفَاقِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَرَ الْغِفَارِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمَرَّ حَمِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ فَأَعَادَ بِهِمُ الصَّلَاةَ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : إِنَّهَا لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتِي وَلَكِنْ قَطَعَتْ صَلَاتَكُمْ . وَحَدِيثُ سُتْرَةِ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ سُوِيدٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، اهـ .
وَسُوِيدٌ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ . وَوَرَدَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ مَوْقُوفٍ عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَيَظْهَرُ أَنَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ عِيَاضٌ فِيمَا لَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ أَحَدٌ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : الْإِمَامُ نَفْسُهُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ . اهـ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَيْخِهِ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .