بَاب الْعَمَلِ فِي جَامِعِ الصَّلَاةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا . 402 402 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) كَذَا لِيَحْيَى ، وَالْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَإِسْحَاقَ الطِّبَّاعِ ، وَقَالَ : جُلُّ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لمالك عَنْهُمَا ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي قُبَاءً ) بِضَمِّ الْقَافِ ، وَمُوَحَّدَةٍ مَمْدُودٌ عِنْدَ أَكْثَرِ اللُّغَوِيِّينَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَغَيَّرَ بَعْدَنَا قُبَاءٌ وَهَلْ زَالَ الْعَقِيقُ وَحَاضِرُهُ .
وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ قَصْرَهُ لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ ، قَالَ الْبَكْرِيُّ : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُهُ فَيَصْرِفُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُهُ فَلَا يَصْرِفُهُ ، وَفِي الْمَطَالِعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ يَاقُوتٌ : عَلَى مِيلَيْنِ عَلَى يَسَارِ قَاصِدِ مَكَّةَ ، وَهُوَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ سُمِّيَ بِاسْمِ بِئْرٍ هُنَاكَ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ إِتْيَانِهِ فَقِيلَ : لِزِيَارَةِ الْأَنْصَارِ ، وَقِيلَ : لِلتَّفَرُّجِ فِي حِيطَانِهَا ، وَقِيلَ : لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ ، ( رَاكِبًا ) تَارَةً ( وَمَاشِيًا ) أُخْرَى بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ : ( فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، وَزَادَ الشَّيْخَانِ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ وَخَصَّ السَّبْتَ لِأَجْلِ مُوَاصَلَتِهِ لِأَهْلِ قُبَاءٍ وَتَفَقُّدِهِ لِحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ : لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي النَّذْرِ إِذَا نَذَرَ أَحَدٌ الثَّلَاثَةَ لَزِمَهُ إِتْيَانُهُ ، أَمَّا إِتْيَانُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَغَيْرُهُ تَطَوُّعًا بِلَا نَذْرٍ فَيَجُوزُ ، وَإِعْمَالُ الْمَطِيِّ مَعْنَاهُ الْكُلْفَةُ وَالْمَعُونَةُ وَالْمَشَقَّةُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَيْسَ إِتْيَانُ قُبَاءٍ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ إِعْمَالِ الْمَطِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ رَاكِبًا أَنَّهُ أَعْمَلَ الْمَطِيَّ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رُكُوبِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَرِيبٍ مِنْهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَوْ أَتَى أَحَدٌ إِلَى قُبَاءٍ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ لَارْتَكَبَ النَّهْيَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ قُبَاءٍ وَمَسْجِدِهَا وَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ تَضْعِيفٌ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ .
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قُبَا لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْإِبِلِ ، انْتَهَى . رَوَى النَّسَائِيُّ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وضوءه ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَيُصَلِّي فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلُ عُمْرَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ قَاسِمٍ : ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ كَانَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ عُمْرَةٍ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ رَفَعَهُ : الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 108 ) وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَحُجَّتُهُ قَوِيَّةٌ فَقَدْ صَحَّ مَرْفُوعًا نَصًّا ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ : هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا : هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : هُوَ هَذَا وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا . وَلِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَصِحَّتُهَا جَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ بِأَنَّهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ .
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا : إِنَّهُ الصَّحِيحُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 108 ) يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ . وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَزَلَتْ : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا فِي أَهْلِ قُبَاءٍ .
وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ مَسْجِدُهُ ، رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءٍ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَزَادَ ، لَكِنْ قَوْلُهُ : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 108 ) يَقْتَضِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ ؛ لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي مُسْلِمٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ ، وَتَابَعَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ ، أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَجْلَانَ كِلَاهُمَا فِي مُسْلِمٍ .