بَاب جَامِعِ الصَّلَاةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِإِنْسَانٍ : إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُونَ الْخُطْبَةَ ، يُبَدُّونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ ، يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ . 419 420 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِإِنْسَانٍ ) لَمْ يُسَمِّ ( إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ جُرَّتْ على غير مَنْ هِيَ لَهُ ، وَالرَّفْعُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ : ( فُقَهَاؤُهُ ) الْمُسْتَنْبِطُونَ لِلْأَحْكَامِ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ ( قَلِيلٌ ) بِالرَّفْعِ وَالْخَفْضِ كَسَابِقِهِ ( قُرَّاؤُهُ ) الْخَالُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ وَالْفِقْهِ فِيهِ ، فَلَمْ يَرِدْ أَنَّ قُرَّاءَ الْقُرْآنِ قَلِيلٌ فِي زَمَانِهِ ، بَلْ مَدَحَ زَمَانَهُ بِكَثْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَجُلُّ فِقْهِهِمْ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ ، وَأَنَّ مَنْ يَقْرَأْهُ بِلَا فِقْهٍ قَلِيلٌ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهُ مَنْ لَا يَحْفَظُهُ وَأَنْ يُوصَفَ بِالْفِقْهِ مَنْ لَا يَقْرَؤُهُ ، وَأَنْ يَقْصِدَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ فَضْلِهِ وَمَحَلِّهِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ أَنْ يَمْدَحَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ بِقِلَّةِ الْقُرَّاءِ فِيهِ وَهُمْ كَانُوا أَلْهَجَ النَّاسِ بِهِ لِمَا رَأَوْا مِنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَعْلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ وَتَقْدِيمِهِ فِي اللَّحْدِ مَنْ كَانَ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ، وَنِدَائِهِ أَصْحَابِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ : أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ؟ أَيِ : الَّتِي يُجَلُّ عَنِ الْفِرَارِ صَاحِبُهَا ، وَإِنَّمَا يَدْعُو بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ ، إِذْ لَا يَنْتَفِعُ فِي مَوَاطِنِ الشَّدَائِدِ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَلَا يَكَادُ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِلَى مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ أَكْثَرَهُ ، فَثَبَتَ أَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَحِفْظَهُ مَنْ أَفْضَلِ الْمَنَاقِبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَابَ بِهِ ، فَيَجِبُ تَأْوِيلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمَا قُلْنَا ( تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ ) بِإِقَامَتِهَا وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَإِظْهَارِ الْحَقِّ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ، وَذَلِكَ عَامٌّ بَيْنَ رَاغِبٍ فِيهِ وَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ ، مِنْ مُنَافِقٍ أَوْ مُسْرِفٍ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكِ الْمُصْطَفَى ، وَأَنَّ هَذَا الصِّنْفَ لَا يَقْرَءُونَهُ وَإِنِ الْتَزَمُوا أَحْكَامَهُ خَوْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْفُضَلَاءِ ، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ : ( وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ ) فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحُرُوفِ لَا يَخْلُو أَنْ يَزِيدَ مِنْ نَحْوِ أَلِفٍ وَلَامٍ أَوْ يَزِيدَ لُغَاتُهُ ، وَفِي تَضْيِيعِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَنْعٌ مِنْ حِفْظِهِ ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ فُضَلَاءَ الصَّحَابَةِ يُضَيِّعُونَ حُرُوفَهُ إِذْ لَوْ ضَيَّعُوهَا لَمْ يَصِلْ أَحَدٌ إِلَى مَعْرِفَةِ حُدُودِهِ ، إِذْ لَا يُعْرَفُ مَا تَضَمَّنَ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَّا مَنْ قَرَأَ الْحُرُوفَ وَعَرَفَ مَعَانِيهَا ، قَالَهُ كُلُّهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : أَيِ الْمُحَافِظُونَ عَلَى حُدُودِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ الْقِرَاءَاتِ .
وَقَالَ الْبَوْنِيُّ فِيهِ : إِنَّ تَعَلُّمَ حُدُودِهِ وَاجِبٌ ، وَحِفْظَ حُرُوفِهِ ؛ أَيِ : الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ ، مُسْتَحَبٌّ ( قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ ) الْمَالَ لِكَثْرَةِ الْمُتَعَفِّفِينَ ( كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي ) لِكَثْرَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ . وَقِيلَ : أَرَادَ مَنْ يَسْأَلُ الْعِلْمَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ حِينَئِذٍ كَانُوا كُلُّهُمْ فُقَهَاءَ ( يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ ) أَفْذَاذًا أَوْ جَمَاعَةً بِشَرْطِهِ ( وَيُقَصِّرُونَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الصَّادِ مِنْ أَقْصَرَ وَبِفَتْحِهِ وَضَمِّهَا مِنْ قَصَرَ ( الْخُطْبَةَ ) أَيْ : يَعْمَلُونَ بِالسُّنَّةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيَفْعَلُهُ ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ طَيِّبَةٍ وَكَرِهَ التَّشَدُّقَ ، وَالْمَوْعُوظُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا حُفِظَ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْقِلَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا ؛ أَيْ : يَتَعَهَّدُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أَنَّ الْخُطْبَةَ وَعْظٌ وَالصَّلَاةُ عَمَلٌ يُرِيدُ أَنَّ عَمَلَهُمْ كَثِيرٌ وَوَعْظَهُمْ قَلِيلٌ ( يُبَدُّونَ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ يُقَدِّمُونَ ( أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ إِذَا عَرَضَ لَهُمْ عَمَلُ بِرٍّ وَهَوًى بَدَءُوا بِعَمَلِ الْبِرِّ وَقَدَّمُوهُ عَلَى مَا يَهْوُونَ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 37 ) الْآيَةَ ، فَإِذَا كَانُوا فِي أَشْغَالِهِمْ وَسَمِعُوا نِدَاءَ الصَّلَاةِ قَامُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوا أَشْغَالَهُمْ .
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : مَدَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ زَمَانَهُ ، وَقَرْنُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ الْمَمْدُوحُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ أَنَّ تَضْيِيعَ حُرُوفِ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، ( وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ ) لِاشْتِغَالِهِمْ بِحُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ ( كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ يُحْفَظُ فِيهِ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ ) عَابَ آخِرَ الزَّمَانِ بِأَنَّ قُرَّاءَهُ لَا يَفْقَهُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ مِنْهُ تِلَاوَتُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ كَثْرَةَ الْقُرَّاءِ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِ الزَّمَانِ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا : أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : قَدْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَالْعِيَانُ فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كَالْبُرْهَانِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ ) لِقِلَّةِ الصَّبْرِ وَالتَّعَفُّفِ ( قَلِيلٌ مِنْ يُعْطِي ) لِكَثْرَةِ شُحِّ الْأَغْنِيَاءِ وَمَنْعِهِمْ ( يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ ) مُخَالَفَةً لِلسُنَّةِ أَوْ وَعْظُهُمْ كَثِيرٌ وَعَمَلُهُمْ قَلِيلٌ ( يُبْدُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ ) حُبًّا لِاتِّبَاعِ الْهَوَى .