بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي . 495 498 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَنْوِينِ الدَّالِّ ، وَاسْمُهُ سَعْدٌ ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ ، ابْنُ عَبِيدٍ ، ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَقِيلَ : لَهُ إِدْرَاكٌ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ( مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ بَيْنَهُمَا زَايٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ رَاءٌ ، عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْجِيمِ ، بَيْنَهُمَا عَيْنٌ سَاكِنَةٌ ، مِنْ الِاسْتِجَابَةِ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاكَ مُجِيبُ أَيْ يُجَابُ دُعَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ; لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُضَافَ مُفِيدٌ لِلْعُمُومِ عَلَى الْأَصَحِّ . ( فَيَقُولُ ) بِالْفَاءِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَعْجَلْ ( قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : يُسْتَجَابُ الْإِخْبَارَ عَنْ وُجُوبِ وُقُوعِ الْإِجَابَةِ أَيْ تَحَقُّقِ وُقُوعِهَا أَوِ الْإِخْبَارَ عَنْ جَوَازِ وُقُوعِهَا ، فَإِنْ أُرِيدَ الْوُجُوبُ فَهُوَ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : تَعْجِيلُ مَا سَأَلَهُ ، أَوْ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِهِ ، أَوْ يُدَّخَرُ لَهُ ، فَإِذَا قَالَ دَعَوْتُ . إِلَخْ ، بَطَلَ وُجُوبُ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَعُرِّيَ الدُّعَاءُ عَنْ جَمِيعِهَا ، وَإِنْ أُرِيدَ الْجَوَازُ فَيَكُونُ الْإِجَابَةُ بِفِعْلِ مَا دَعَا بِهِ ، وَمَنْعِهِ قَوْلَهُ : دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ وَالتَّسَخُّطِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ومَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ، قِيلَ : وَمَا الِاسْتِعْجَالُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي ، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ .
وَيَسْتَحْسِرُ بِمُهْمَلَاتٍ اسْتِفْعَالٌ مِنْ حَسَرَ ، إِذَا أَعْيَا وَتَعِبَ ، وَتَكْرَارُ دَعَوْتُ لِلِاسْتِمْرَارِ أَيْ دَعَوْتُ مِرَارًا كَثِيرَةً . قَالَ الْمُظَهَّرِيُّ : مَنْ لَهُ مَلَالَةٌ مِنَ الدُّعَاءِ لَا يُقْبَلُ دُعَاؤُهُ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ حَصَلَتِ الْإِجَابَةُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَمَلَّ مِنَ الْعِبَادَةِ ، وَتَأْخِيرُ الْإِجَابَةِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ وَقْتُهَا ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدَّرْ فِي الْأَزَلِ قَبُولُ دُعَائِهِ فِي الدُّنْيَا لِيُعْطَى عِوَضَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخَّرَ الْقَبُولُ لِيُلِحَّ وَيُبَالِغَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ ، وَمَنْ يُكْثِرُ قَرْعَ الْبَابِ يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَمَنْ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ يُوشِكُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .