بَاب جَامِعِ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا ، إِلَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ ذَلِكَ ، ثُمَّ قُلْتُ : وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ؟ فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَزَوَّجَهَا . 558 560 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخٍ الْمَدَنِيِّ الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ مَشْهُورٌ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ) هِنْدِ بِنْتِ أُمَيَّةَ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تَزَوَّجَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثٍ ، وَمَاتَتْ سَنَةَ اثْنَتيْنِ وَسِتِّينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَلَمْ يُدْرِكْهَا رَبِيعَةُ ، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا حَدِيثٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى إِلَّا أَنْ بَعْضَهُمْ يَجْعَلُهُ لِأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْضَهُمْ يَجْعَلُهُ لِأُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَصَابَتْهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ ( مُصِيبَةٌ ) أَيُّ مُصِيبَةٌ كَانَتْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ شَيْءٍ سَاءَ الْمُؤْمِنَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ فِي أَصْلِ كَلَامِ الْعَرَبِ لِكُلِّ مَنْ نَالَهُ شَرٌّ أَوْ خَيْرٌ ، وَلَكِنْ يَخْتَصُّ في عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِالرَّزَايَا وَالْمَكَارِهِ ( فَقَالَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ) بِالثَّنَاءِ وَالتَّبْشِيرِ لِقَائِلِهِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَدْبَهُ ، وَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ ( إِنَّا لِلَّهِ ) مِلْكًا وَعَبِيدًا يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ ، ( وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) فِي الْآخِرَةِ فَيُجَازِينَا . وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ : إِنَّ مِصْبَاحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُفِيَ فَاسْتَرْجَعَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا هَذَا مِصْبَاحٌ فَقَالَ : كُلُّ مَا سَاءَ الْمُؤْمِنَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الْأَمْرِ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ بَلْ تَبْشِيرُ مَنْ قَالَهُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ ، فَهُوَ خَبَرٌ عَنِ الْبَارِي بِذَلِكَ وَلِذَا وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ : ( اللَّهُمَّ أْجُرْنِي ) بِقَصْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، قَالَ عِيَاضٌ : يُقَالُ أَجَرَ بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ مَقْصُورٌ لَا يُمَدُّ أَيْ أَعْطِنِي أَجْرِي وَجَزَاءَ صَبْرِي وَهَمِّي ( فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ ، بِمَعْنَى - رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ - وَأَخْلِفْ لِي بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، ( خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ ) وَلِمُسْلِمٍ : إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا .
وَلَهُ أَيْضًا إِلَّا أجرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : مَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَسْتَوْجِبَ عَلَى اللَّهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ ، كُلُّ خَصْلَةٍ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَالْهُدَى ، انْتَهَى .
وَلِلطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ : أَنْ يَقُولُوا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ : ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) . وَلِابْنِ جَرِيرٍ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ مَا لَمْ يُعْطَ الْأَنْبِيَاءُ مِثْلَهُ : ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ، وَلَوْ أُعْطِيَهُ الْأَنْبِيَاءُ لَأُعْطِيَهُ يَعْقُوبُ ; إِذْ قَالَ : يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ . وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ قَوْلُ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَوْرًا ، وَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ، وَخَبَرُ : إِذَا ذَكَرَهَا وَلَوْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا فَاسْتَرْجَعَ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا يَوْمَ وُقُوعِهَا زِيَادَةُ فَضْلٍ لَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ بِفَوْرِ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ .
( قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ ، أَخُو النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَضَاعِ ثُوَيْبَةَ ، وَابْنُ عَمَّتِهِ بُرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ ، شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ أُحُدٍ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : دَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ، وَقَالَ : إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ ، فَقَالَ : لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ، ( قُلْتُ ذَلِكَ ) الْمَذْكُورَ مِنْ الِاسْتِرْجَاعِ وَمَا بَعْدَهُ ( ثُمَّ قُلْتُ : وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ) أَيْ قَالَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَلَمْ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهَا وَلَا أَنْكَرَتْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ حَقًّا ، وَلَكِنْ هُوَ شَيْءٌ يَخْطُرُ بِالْقَلْبِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مَعْصُومًا مِنْهُ ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ قَائِلٌ لَمُنِعَ الْعِوَضَ كَمَا يُمْنَعُ الَّذِي يَعْجَلُ بِدُعَائِهِ الْإِجَابَةَ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَلَمَّا مَاتَ قُلْتُ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَهُ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِّيُّ : الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا فَلَا يَكُونُ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ; لِأَنَّ الْأَخِيرَ فِي ذَاتِهِ قَدْ لَا يَكُونُ خَيْرًا لَهَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعْنِيَ أَنَّهُ خَيْرٌ مُطْلَقًا ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَمَّا مَنْ مَاتَ فِي زَمَنِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ ، انْتَهَى . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، فَالْخِلَافُ شَاذٌّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، ( فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَزَوَّجَهَا ) ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَقِيقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : فَلَمَّا مَاتَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ ، قَالَ : قُولِي : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً ، فَقُلْتُ : فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .