بَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . 657 655 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِي ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 184 ) فَجَعَلَ عَلَيْهِ عِدَّةً . وَبِهِ قَالَ أَبُوهُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَيَرُدُّهُ أَحَادِيثُ الْبَابِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ ؛ أَيْ : فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ ، رَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : صَائِمٌ ، فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ ، وَزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ : عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ ، وَرِوَايَتُهُ عَلَى لُغَةِ حِمْيَرَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ قَالُوا : مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ ، فَإِنْ قَصُرَ عَلَيْهِ لَمْ تَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى مَنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِ الرَّجُلِ ، وَبَلَغَ بِهِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ؛ أَيْ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا بِنَفْسِهِ ، وَلَوْ كَانَ إِثْمًا لَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَيْسَ الْبِرُّ ، أَوْ لَيْسَ هُوَ الْبِرُّ ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ أَبَرَّ مِنْهُ فِي حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ لِيَتَقَوَّى عَلَيْهِ ، وَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً كَمَا يُقَالُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ ، وَمَا جَاءَنِي أَحَدٌ ، وَنَظِيرُهُ الْحَدِيثُ : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينُ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ بِبَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَرُدُّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بِرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .