بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَحَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ ، وَالسَّابِعَةِ ، وَالْخَامِسَةِ . 705 699 - ( مَالِكٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ) الْخُزَاعِيِّ الْبَصْرِيِّ ، قِيلَ : كَانَ قَصِيرًا طَوِيلَ الْيَدَيْنِ ، وَكَانَ يَقِفُ عَلَى الْمَيِّتِ فَيَصِلُ إِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى رَأْسِهِ ، وَالْأُخْرَى إِلَى رِجْلَيْهِ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : رَأَيْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ بِذَاكَ الطُّولِ ، وَكَانَ لَهُ جَارٌ يُقَالُ لَهُ حُمَيْدٌ الْقَصِيرُ ، فَقِيلَ لِهَذَا الطَّوِيلُ ، لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا .
( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مِنْ حُجْرَتِهِ ( فِي رَمَضَانَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ بِتَعْيِينِهَا ، ( فَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، ( هَذِهِ اللَّيْلَةَ ) ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ رَأَى الْعِلْمِيَّةِ أَوِ الْبَصَرِيَّةِ ( فِي رَمَضَانَ ) ، وَلِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ : خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ( حَتَّى تَلَاحَى ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَنَازَعَ وَتَخَاصَمَ وَتَشَاتَمَ ( رَجُلَانِ ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا قَالَهُ الْحَافِظُ ، ( فَرُفِعَتْ ) أَيْ رُفِعَ بَيَانُهَا أَوْ عِلْمُ تَعْيِينِهَا مِنْ قَلْبِي فَنَسِيتُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَنَسِيتُهَا ، وَقِيلَ : رُفِعَتْ بَرَكَتُهَا تِلْكَ السَّنَةَ ، وَقِيلَ : التَّاءُ فِي رُفِعَتْ لِلْمَلَائِكَةِ لَا لِلَّيْلَةِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : قَدْ يُذْنِبُ الْبَعْضُ فَتَتَعَدَّى عُقُوبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَيُجْزَى بِهِ مَنْ لَا سَبَبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، أَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ . وَعِنْدَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُمَا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَحَجَزَ بَيْنَهُمَا .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنَسِيتُهَا ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ سَبَبَ النِّسْيَانِ الْإِيقَاظُ لَا الْمُلَاحَاةُ ، وَجُمِعَ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّةِ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ النِّسْيَانِ عَلَى سَبَبَيْنِ ، وَالْمَعْنَى : أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَسَمِعْتُ تَلَاحِيَ الرَّجُلَيْنِ فَقُمْتُ لِأَحْجِزَ بَيْنَهُمَا فَنَسِيتُهَا لِلِاشْتِغَالِ بِهِمَا ، وَعَلَى تَعَدُّدِهَا بِاحْتِمَالِ أَنَّ الرُّؤْيَا فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنَامَيَّةٌ فَيَكُونُ سَبَبُ النِّسْيَانِ الْإِيقَاظَ ، وَالْأُخْرَى يَقَظَةٌ فَسَبَبُ النِّسْيَانِ الْمُلَاحَاةُ ، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا ، فَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ النِّسْيَانِ ، وَهَلْ أُعْلِمَ بِهَا بَعْدَ هَذَا النِّسْيَانِ ؟ قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ احْتِمَالٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْأَظْهَرُ أَنَّهُ رُفِعَ عِلْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْهُ فَأُنْسِيَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلِمَهَا بِسَبَبِ التَّلَاحِي ، وَقَدْ قِيلَ : الْمِرَاءُ وَالْمُلَاحَاةُ شُؤْمٌ ، وَمِنْ شُؤْمِهَا حُرِمُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَلَمْ يُحْرَمُوهَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ لِقَوْلِهِ : ( فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ الْمُرَادُ بِالتَّاسِعَةِ تَاسِعَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَالسَّابِعَةِ سَابِعَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْخَامِسَةِ خَامِسَةٌ تَبْقَى فَتَكُونُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي أَنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثُونَ لِقَوْلِهِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَعْنِي وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ تَاسِعَةٌ وَسَابِعَةٌ وَخَامِسَةٌ تَبْقَى بَعْدَ اللَّيْلَةِ تُلْتَمَسُ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، قَالَ : وَقِيلَ تَاسِعَةٌ تَمْضِي فَتَكُونُ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَجَزَمَ الْبَاجِيُّ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ : تَاسِعَةٌ تَبْقَى ، سَابِعَةٌ تَبْقَى ، خَامِسَةٌ تَبْقَى . وَرَجَّحَ الْحَافِظُ الثَّانِي لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ : الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ ، أَيْ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ .
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى كَذَا قَالَ . وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مُحْتَمَلَةٌ ، وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ نَصٌّ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : كِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَاسِعَةٍ تَبْقَى ، وَسَابِعَةٍ تَبْقَى ، وَخَامِسَةٍ تَبْقَى يَقْتَضِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا ، قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إِذَا مَضَتْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا التَّاسِعَةُ ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ، فَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ .
انْتَهَى . وَزَعَمَ الرَّوَافِضُ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى رُفِعَتْ أَصْلًا ، أَيْ وُجُودُهَا وَهُوَ غَلَطٌ ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْتِمَاسِهَا . وَلِلْبُخَارِيِّ : فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ أَيْ لِأَنَّ إِخْفَاءَهَا مِمَّا يَسْتَدْعِي قِيَامَ كُلَّ شَهْرٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَ مَعْرِفَتُهَا بِعَيْنِهَا ، وَأَخَذَ مِنْهُ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ اسْتِحْبَابَ كَتْمِهَا لِمَنْ رَآهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهَا ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِيمَا قَدَّرَهُ لَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ ، وَالْكَرَامَةُ يَنْبَغِي كَتْمُهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الطَّرِيقِ لِرُؤْيَةِ النَّفْسِ ، فَلَا يَأْمَنُ السَّلْبَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الرِّيَاءَ ، وَلِلْأَدَبِ فَلَا يَتَشَاغَلُ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَذِكْرِهَا لِلنَّاسِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْحَسَدَ فَيُوقِعَ غَيْرَهُ فِي الْمَحْذُورِ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ : يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 5 ) الْآيَةَ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : خَالَفَ مَالِكًا أَكْثَرُ أَصْحَابِ حُمَيْدٍ ، فَرَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِثْبَاتَ عُبَادَةَ ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِهِ .