بَاب مَا جَاءَ فِي الطِّيبِ فِي الْحَجِّ
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ طَيَّبْتُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَكَذَا سَائِرُ الطُّرُقِ لَيْسَ فِيهَا كُنْتُ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّطَيُّبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ ، وَجَوَازُ اسْتِدَامَتِهِ بَعْدَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي الْإِحْرَامِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْجُمْهُورُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : يَحْرُمُ التَّطَيُّبُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِطِيبٍ يَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ بَعْدَهُ .
قَالَ عِيَاضٌ : وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ طِيبٌ لَا يَبْقَى لَهُ رِيحٌ ، أَوْ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ غُسْلُ الْإِحْرَامِ ، وَيُعَضِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ مُسْلِمٍ : طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا ، فَقَدْ ظَهَرَتْ عِلَّةُ تَطْيِيبِهِ أَنَّهَا كَانَتْ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ ، وَأَنَّ غُسْلَهُ بَعْدَهُ لِجِمَاعِهِنَّ وَغُسْلَهُ لِلْإِحْرَامِ أَذْهَبَهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَبْلَ مُعَاوَدَتِهِ لِلْأُخْرَى ، وَأَيُّ طِيبٍ يَبْقَى بَعْدَ اغْتِسَالَاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا : ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَخُ طِيبًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَبْلَ غُسْلِهِ وَإِحْرَامِهِ . وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا أَيْ يُصْبِحُ بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ ، فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، أَيْ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ يَنْضَخُ طِيبًا ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا . وَفِي مُسْلِمٍ أَيْ وَالْبُخَارِيِّ أَنَّ الطِّيبَ الَّذِي طَيَّبَتْهُ بِهِ زُرَيْرَةٌ ، وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبُهَا الْغُسْلُ وَلَا يَبْقَى رِيحُهَا بَعْدَهُ ، وَقَوْلُهَا : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ الْمُرَادُ أَثَرُهُ لَا جِرْمُهُ .
انْتَهَى بِمَعْنَاهُ . وَرَدَّ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ عَجِيبٍ ، فَإِنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ كَمَا تَرَى . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ عَيْنَهُ بَقِيَتْ ، وَتُعُقِّبَ بِمَا لِأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ : كُنَّا نَنْضَخُ وُجُوهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ فَنَعْرَقُ فَيَسِيلُ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَقَاءِ عَيْنِ الطِّيبِ ، وَلَا صَرَاحَةَ فِيهِ لِأَنَّهُنَّ اغْتَسَلْنَ وَالْغُسْلُ يُذْهِبُ عَيْنَهُ ، وَمَنْشَأُ هَذَا الْخِلَافِ اللَّامُ فِي لِإِحْرَامِهِ وَ لِحِلِّهِ هَلْ هِيَ لِلتَّأْقِيتِ ؟ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 78 ) ، أَوْ لِلتَّعْلِيلِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَأَبْطَلَهُ فِي الْمُفْهِمِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهُ لَكَانَ الْحِلُّ وَالْإِحْرَامُ عِلَّتَيْنِ لِلتَّطَيُّبِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ خِلَافُ مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنَ الْمُحْرِمِ قَطْعًا .
وَذَهَبَ الْبَاجِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الطِّيبَ لِلْإِحْرَامِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ إِنَّمَا مُنِعَ مِنَ الطِّيبِ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ ، فَنَهَى النَّاسَ عَنْهُ وَكَانَ هُوَ أَمْلَكُ النَّاسِ لِإِرْبِهِ فَفَعَلَهُ ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِكَثْرَةِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي النِّكَاحِ ، وَقَدْ قَالَ : حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّا لَمْ نُثْبِتْهَا بِالْقِيَاسِ بَلْ بِمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ لِنَهْيِهِ عَنِ الطِّيبِ ، فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْخُصُوصِيَّةِ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيَاسَ سَنَدًا لِلِاسْتِدْلَالِ . وَأَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّخْصِيصَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ عَامَّةً مَا جَهِلَهُ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَابْنُ عُمَرَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْمَنَاسِكِ وَغَيْرِهَا وَجَلَالَتِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ ، وَمَوْضِعُ عَطَاءٍ مَنْ عَلْمِ الْمَنَاسِكِ مَوْضِعُهُ ، وَمَوْضِعُ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَلْمِ الْأَثَرِ مَوْضِعُهُ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، وَقَالَهُ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، وَاللَّيْثُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ .