بَاب الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ
( فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ تُسَمَّ ( مِنْ خَثْعَمَ ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ لَا الْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنُ الْفِعْلِ ، قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهَا ، وَاسْمُهُ أَفْتَلُ بْنُ أَنْمَارٍ ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ إِنَّمَا سُمِّيَ خَثْعَمَ بِجَمَلٍ يُقَالُ لَهُ : خَثْعَمُ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَمَّا تَحَالَفَ وَلَدُ أَفْتَلَ عَلَى إِخْوَتِهِ نَحَرُوا بَعِيرًا ، ثُمَّ تَخَثْعَمُوا بِدَمِهِ ، أَيْ تَلَطَّخُوا بِهِ بِلُغَتِهِمْ ( تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ ) الْمَرْأَةُ ( إِلَيْهِ ) وَكَانَ جَمِيلًا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا النَّظَرُ هُوَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ ، فَإِنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ ، وَلِذَا قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : وَكَانَ الْفَضْلُ أَبْيَضُ وَسِيمًا . ( فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْمَرْأَةُ ، مَنْعًا لَهُ عَنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَرَدًّا إِلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وتبعه عِيَاضٌ : فِيهِ مَا يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يُخْشَى فِتْنَتُهُ ، وَمَنْعُهُ مَا يُنْكَرُ فِي الدِّينِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ حُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . قَالَ الْأَبِّيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّ صَرْفَهُ وَجْهَ الْفَضْلِ لَيْسَ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ عِيَاضٍ ، وَالنَّوَوِيِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ الْوُقُوعِ ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : إِنْ أَرَادَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ ، فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ أَرَادَ الْأَعَمَّ مِنْ خَوْفِهَا وَأَمْنِهِ ، فَفِي حَالَةِ أَمْنِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصْطَفَى خَشِيَ عَلَيْهِمَا الْفِتْنَةَ ، وَبِهِ صَرَّحَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً ، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْفَضْلِ كَانَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهَا .
وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ وَجْهَهُ ، بَلْ عُنُقَهُ ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي مَنْعِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ : فَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ ، فَلَوَى عُنُقَهُ تَارَةً ، وَوَضْعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ تَارَةً ، وَبَيَّنَ اسْتِفْتَاءَ مَا يَقُولُهُ ( فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي ) - لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا - ( شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ ، أَوْ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَدَاخِلَةِ ، أَوْ شَيْخًا بَدَلٌ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَحَصَلَ لَهُ الْمَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( أَفَأَحُجُّ ) أَيْ : أَيَصِحُّ أَنْ أَنُوبَ عَنْهُ ، فَأَحُجَّ ( عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) أَيْ حُجِّي عَنْهُ ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ كَالشَّافِعِيِّ : تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ الْفَرْضِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ قَوْلَهَا : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ ، لَا يُوجِبُ دُخُولَ أَبِيهَا فِي هَذَا الْفَرْضِ ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ بِالِاسْتِطَاعَةِ نَزَلَ وَأَبُوهَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، فَسَأَلَتْ هَلْ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ : فَحُجِّي عَنْهُ ، لِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ ، وَرُخْصَةٌ لَهَا أَنْ تُعَلَّ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ لِأَبِيهَا . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ خَاصٌّ بِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 97 ) وَكَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فَكَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ الْجَوَابِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ الْمَارِي لِلْآيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ أَنَّهَا الْبَدَنِيَّةُ ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمَالِيَّةَ ، لَقَالَ : أَحُجَّاجُ الْبَيْتِ ، وَالْحَجُّ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَمَلٌ بِدُونِ صَرْفٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَلَا اسْتِنَابَةَ فِيهِ . وَالثَّانِي : مَالُ صَرْفٍ كَالصَّدَقَةِ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْقُدْرَةُ وَلَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ دُونَ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ : هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا كُلُّهَا ، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ صَحَّ ، فَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ السَّبَبُ فَقَدْ تَضَمَّنَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ أَمْنَ الطَّرِيقِ ، وَصِحَّةَ الْجِسْمِ . ( وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، يَوْمَ النَّحْرِ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الرَّمْيِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَشُعَيْبٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سَبْعَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ .