بَاب الْعَمَلِ فِي الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ أَوْ ضَلَّ
لَكِنَّ جَزْمَهَا بِذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عنه ، وَكَذَا بَعَثَهُ عَيْنًا فِي الْفَتْحِ . وَكَوْنُ ذُؤَيْبٍ مَعَ الْبُدْنِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ السَّائِلُ ، فَلَعَلَّ الصَّوَابَ : وَرِوَايَةُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ الْأَسْلَمِيُّ ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ اخْتَلَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَطَائِفَةٌ رَوَتْ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَاجِيَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، وَطَائِفَةٌ رَوَتْ : أَنَّ ذُؤَيْبًا الْخُزَاعِيَّ وَالِدَ قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ ، وَرُبَّمَا بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا مَعَهُ هَدْيًا ، فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَهُ نَاجِيَةُ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ : أَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ ) - بِكَسْرِ الطَّاءِ - أَيْ هَلَكَ ( مِنَ الْهَدْيِ ) ؟ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ : وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالْعَطَبِ عَنْ آفَةٍ تَعْتَرِيهِ تَمْنَعُهُ عَنِ السَّيْرِ ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنَ الْهَدْيِ فَانْحَرْهَا ) وُجُوبًا ( ثُمَّ أَلْقِ قِلَادَتَهَا فِي دَمِهَا ) قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً أَمْرَهُ بِذَلِكَ ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ ، فَلَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي ، وَتَأَوَّلَهُ مَرَّةً عَلَى أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى لَا تُحْبَسَ قِلَادَتُهَا لِتُقَلَّدَ بِهَا غَيْرُهَا ( ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا ، وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَهْلَ رُفْقَتِكَ قَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ : نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ حِمَايَةً أَنْ يَتَسَاهَلَ فَيَنْحَرَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ أَمْكَنَ أَنْ يُبَادِرَ بِنَحْرِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ ، وَهُوَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الشَّرْعِ ، وَحَمَلَهَا مَالِكٌ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ غَيْرُ مَالِكٍ لِدِقَّةِ نَظَرِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : فَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ ، وَلَا سَائِقُهُ ، وَلَا رُفْقَتُهُ لِنَصِّ الْحَدِيثِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالُوا : لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ بَيَانٍ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَالْأَغْنِيَاءُ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضْمَنُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ ، وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ بَيْعَهُ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، فَإِنْ بَلَّغَهُ مَحِلَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ جَزَاءٍ وَفِدْيَةٍ ، وَنُذُرِ مَسَاكِينَ وَأَكْلٍ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ .