بَاب دُخُولِ الْحَائِضِ مَكَّةَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : يَحِلُّ بِتَمَامِ الْعُمْرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا ، وَلِأَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ نُسُكِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ . وَأَجَابُوا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ فِيهَا حَذْفًا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مَالِكٍ هَذِهِ وَتَقْدِيرُهُ : وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ، وَأَهْدَى فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَالْمَخْرَجَ وَاحِدٌ وَهُوَ عَائِشَةُ ( قَالَتْ : فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا ، وَكَانَ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِسَرِفَ كَمَا صَحَّ عَنْهَا ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ( فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ) لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا تَدْخُلُهُ الْحَائِضُ ( وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ) لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَعْقُبَ الطَّوَافَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : عَطْفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ قَبْلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ : وَلَمْ أَسْعَ ، نَحْوَ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ : وَلَمْ أَطُفْ ، عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ : وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى التَّقْدِيرِ دُونَ الِانْسِحَابِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، انْتَهَى . أَيْ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الطَّوَافِ الشَّرْعِيِّ لَمْ تُوجَدْ لِأَنَّهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ سُمِّيَ السَّعْيُ طَوَافًا عَلَى حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ ، فَالطَّوَافُ لُغَةً : الْمَشْيُ ( فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقُلْتُ : لَا أُصَلِّي ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا فِي الصَّحِيحِ : كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنِ الْحَيْضِ ، وَهِيَ مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَاتِ .
وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهَا وَشَكْوَاهَا كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ( فَقَالَ : انْقُضِي ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ( رَأْسَكِ ) أَيْ حُلِّي ضُفُرَ شَعْرِهِ ( وَامْتَشِطِي ) أَيْ سَرِّحِيهِ بِالْمُشْطِ ( وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي ) : اتْرُكِي ( الْعُمْرَةَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْعَلَ عُمْرَتَهَا حَجًّا . وَلِذَا قَالَتْ : يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ ، وَاسْتَشْكَلَ إِذِ الْعُمْرَةُ لَا تُرْتَفَضُ كَالْحَجِّ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ الْعِلْمُ عَلَيْهِ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ وَجَعْلِهَا حَجًّا ، بِخِلَافٍ جَعْلِ الْحَجِّ عُمْرَةً فَإِنَّهُ وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ ، وَاخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَى : دَعِي عُمْرَتَكِ : اتْرُكِي التَّحَلُّلَ مِنْهَا ؛ أَدْخِلِي عَلَيْهَا الْحَجَّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ ، أَيْ عَنْ أَعْمَالِهَا ، وَإِنَّمَا قَالَتْ : وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ إِفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِالْعَمَلِ أَفْضَلُ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا : فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا قَارِنَةٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : انْقُضِي رَأْسَكِ ، وَامْتَشِطِي ظَاهِرٌ فِي إِبْطَالِ الْعُمْرَةِ ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِتَأْدِيَتِهِ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ ، وَأُجِيبَ بِجَوَازِهِمَا لِلْمُحْرَمِ وَحَيْثُ لَا يُؤَدِّي إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَذًى بِرَأْسِهَا ، فَأَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحِلَاقَ لِأَذًى بِرَأْسِهِ ، أَوْ نَقْضُ رَأْسِهَا لِأَجْلِ الْغُسْلِ لِتُهِلَّ بِالْحَجِّ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ تَلَبَّدَتْ فَتَحْتَاجُ إِلَى نَقْضِ الضُّفُرِ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِامْتِشَاطِ تَسْرِيحُ شَعْرِهَا بِأَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ حَتَّى لَا يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ تُضَفِّرُهُ كَمَا كَانَ ، أَوْ أَعَادَتِ الشَّكْوَى بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَأَبَاحَ لَهَا الِامْتِشَاطَ حِينَئِذٍ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهُوَ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَكَانَ مَذْهَبُهَا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ اسْتَبَاحَ مَا يَسْتَبِيحُهُ الْحَاجُّ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا لَا يُعْلَمُ وَجْهُهُ . ( قَالَتْ ) عَائِشَةُ : ( فَعَلْتُ ) بِسُكُونِ اللَّامِ ، مَا ذَكَرَ مِنَ النَّقْضِ وَالِامْتِشَاطِ وَالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَتَرْكِ الْعُمْرَةِ ، وَبِظَاهِرِهِ اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ تَتْرُكُ الْعُمْرَةَ وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا كَمَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ بِأَنَّهَا تَرَكَتْهَا وَحَجَّتْ مُفْرِدَةً ، وَيُقَوِّيهِ مَا لِأَحْمَدَ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهَا : وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهَا ضَعْفًا . وَفِي مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : أَنَّ عَائِشَةَ أَهَّلَتْ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ حَاضَتْ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَهِلِّي بِالْحَجِّ ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَسَعَتْ ، فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ ، قَالَ : فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطَيُّبًا لِقَلْبِهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ لَمَّا دَخَلَتْ مُعْتَمِرَةً .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ ( فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ ) : أَتْمَمْنَاهُ ، أَيْ وَطَهُرْتُ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهَا : أَنَّهَا طَهُرَتْ بِعَرَفَةَ . وَعَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا : وَطَهُرْتُ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ عَرَفَةَ حِينَ قَدِمْنَا مِنًى .
وَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا : فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى ، فَتَطَهَّرْتُ ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ . فَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّهَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ . وَجُمِعَ بَيْنَ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بِأَنَّهَا مَا رَأَتِ الطُّهْرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ مِنًى .
وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ : حَاضَتْ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَطَهُرَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَاشِرَهُ ، إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ . ( أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ ) أَخِي ( عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى التَّنْعِيمِ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ ، وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، مَكَانٌ خَارِجَ مَكَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا إِلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ ، كَمَا نَقَلَهُ الْفَاكِهِيُّ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : أَبْعَدُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ بِقَلِيلٍ ، وَلَيْسَ بِطَرَفِ الْحِلِّ بَلْ بَيْنَهُمَا نَحْوَ مِيلٍ ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ طَرَفَ الْحِلِّ فَهُوَ تَجَوُّزٌ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَأَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : إِنَّمَا سُمِّيَ التَّنْعِيمَ لِأَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي عَنْ يَمِينِ الدَّاخِلِ يُقَالُ لَهُ : نَاعِمٌ ، وَالَّذِي عَلَى الْيَسَارِ يُقَالُ لَهُ : مُنْعِمٌ ، وَالْوَادِي نَعْمَانُ ، أَيْ بِفَتْحِ النُّونِ . وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : رَأَيْتُ عَطَاءً يَصِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَحْرَمَتْ مِنْهُ عَائِشَةُ ، فَأَشَارَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَرَاءَ الْأَكَمَةِ ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْخَرِبُ .
وَنَقَلَ الْفَاكِهِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّ ثَمَّ مَسْجِدَيْنِ يَزْعُمُ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّ الْخَرِبَ الْأَدْنَى مِنَ الْحَرَمِ ، وَهُوَ الَّذِي أَحْرَمَتْ مِنْهُ عَائِشَةُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْمَسْجِدُ الْأَبْعَدُ عَنِ الْأَكَمَةِ الْحَمْرَاءِ ، وَرَجَّحَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ، وَقَالَ الْفَاكِهِيُّ : لَا أَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عُمَيْرٍ يَذْكُرُ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ ( فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( هَذَا ) الِاعْتِمَارُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : هَذِهِ ، أَيِ الْعُمْرَةُ ( مَكَانُ ) بِالرَّفْعِ خَبَرٌ ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، وَعَامِلُهُ الْمَحْذُوفُ وَهُوَ الْخَبَرُ ، أَيْ كَائِنَةٌ أَوْ مَجْعُولَةٌ مَكَانَ ( عُمْرَتِكِ ) قَالَ عِيَاضٌ : وَالرَّفْعُ أَوْجَهُ عِنْدِي ، إِذْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الظَّرْفَ إِنَّمَا أَرَادَ عِوَضَ عُمْرَتِكِ ، فَمَنْ قَالَ : كَانَتْ قَارِنَةً ، قَالَ : مَكَانَ عُمْرَتِكِ الَّتِي أَرَدْتِ أَنْ تَأْتِيَ بِهَا مُفْرِدَةً ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ عُمْرَتُهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطَوُّعًا ، لَا عَنْ فَرْضٍ ، لَكِنَّهُ أَرَادَ تَطْيِيبَ نَفْسِهَا بِذَلِكَ . وَمَنْ قَالَ : كَانَتْ مُفْرِدَةً ، قَالَ : مَكَانَ عُمْرَتِكِ الَّتِي فَسَخْتِ الْحَجَّ إِلَيْهَا ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا لِلْحَيْضِ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْوَجْهُ النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِمَكَانٍ لِعُمْرَةٍ أُخْرَى ، لَكِنْ إِنْ جُعِلْتَ - مَكَانُ - بِمَعْنَى - عِوَضُ أَوْ بَدَلُ - مَجَازًا ، أَيْ هَذِهِ بَدَلُ عُمْرَتِكِ ، جَازَ الرَّفْعُ حِينَئِذٍ .
( فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ) وَحْدَهَا ( بِالْبَيْتِ ، وَ ) سَعَوْا ، أَوْ طَافُوا بَيْنَ ( الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ أَحَلُّوا ) مِنْهَا بِالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ ( ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ ) لِلْإِفَاضَةِ . وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ طَوَافًا وَاحِدًا ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَهُ عِيَاضٌ . ( بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ ) يَوْمَ النَّحْرِ ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَّلُوا بِالْحَجِّ ) مُفْرَدًا ( أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ) لِأَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ تَنْدَرِجُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ .
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : لَا بُدَّ لِلْقَارِنِ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ ، لِأَنَّ الْقِرَانَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ مَقْصُودَانِ فِيهِمَا فَلَا يَتَدَاخَلَانِ إِذْ لَا تَدَاخُلَ فِي الْعِبَادَاتِ . وَحُكِيَ عَنِ الْعُمَرَيْنِ وَعَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا جَمَعَا بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا ، وَطَافَا لَهُمَا طَوَافَيْنِ ، وَسَعَيَا لَهُمَا سَعْيَيْنِ ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَنَعَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ نَحْوَهُ ، رَوَاهَا كُلَّهَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِمَا فِي أَسَانِيدِ كُلٍّ مِنْهَا مِنَ الضَّعْفِ ، وَفِي أَسَانِيدِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ الِاكْتِفَاءُ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ حُمِلَ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ وَالْإِفَاضَةِ .
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا . وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، وَأَعَلَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ؛ لِأَنَّ أَيُّوبَ ، وَاللَّيْثَ ، وَمُوسَى بْنَ عُقْبَةَ وَغَيْرَ وَاحِدٍ رَوَوْهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ صَدُوقٌ ، وَلَيْسَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ نَافِعٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَحْدَةِ .