بَاب جَامِعِ الْحَجِّ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ، وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَهُ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : أَرَدْتُ الْحَجَّ ، فَقَالَ : هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَأْتَنِفْ الْعَمَلَ ، قَالَ الرَّجُلُ : فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ ، فَضَاغَطْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ ، فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُ بِالرَّبَذَةِ - يَعْنِي : أَبَا ذَرٍّ - قَالَ : فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَنِي ، فَقَالَ : هُوَ الَّذِي حَدَّثْتُكَ . 969 953 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ ( أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ يُسَمَّ ( مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ( وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَهُ أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : أَرَدْتُ الْحَجَّ ، فَقَالَ : هَلْ نَزَعَكَ ) بِزَايٍ وَمُهْمَلَةٍ أَيْ أَخْرَجَكَ ( غَيْرُهُ ) قَالَ تَعَالَى : ( وَنَزَعَ يَدَهُ ) ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 108 ) أَيْ أَخْرَجَهَا ( فَقَالَ : لَا ، قَالَ : فَائْتَنِفِ الْعَمَلَ ) : اسْتَقْبِلْهُ لِغُفْرِ ذَنْبِكَ ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا لِلْحَجِّ وَحْدَهُ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ . ( قَالَ الرَّجُلُ : فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ ، فَمَكَثْتُ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا ، أَقَمْتُ ( مَا شَاءَ اللَّهُ ) أَنْ أَمْكُثَ ( ثُمَّ إِذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ ) أَيْ مُزْدَحِمِينَ ( عَلَى رَجُلٍ ) حَتَّى كَأَنَّ بَعْضَهُمْ يَقْصِفُ بَعْضًا بِدَارًا إِلَيْهِ ( فَضَاغَطْتُ ) بِضَادٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، زَاحَمْتُ ، وَضَايَقْتُ ( عَلَيْهِ النَّاسَ ) لِأَنْ أَرَاهُ ( فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُ بِالرَّبَذَةِ ، يَعْنِي أَبَا ذَرٍّ ، قَالَ : فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَنِي ، فَقَالَ : هُوَ الَّذِي حَدَّثْتُكَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ رَأْيًا ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالتَّوْقِيفِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ مِنْ عِبَادِهِ بِقَصْدِ بَيْتِهِ مَرَّةً فِي عُمْرِ الْعَبْدِ ، لِيَحُطَّ أَوْزَارَهُ ، وَيَغْفِرَ ذُنُوبَهُ ، وَيَخْرُجَ مِنْهَا كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ حَجَّ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ ، وَنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .
وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ مِنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ . وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْهُ ، فَقَالَ : وِعَاءٌ مُلِئَ عِلْمًا عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ ، وَأُوكِئَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا . وَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى رَكْبٍ صَادِرِينَ مِنَ الْحَجِّ ، فَقَالَ : لَوْ يَعْلَمُ الرَّكْبُ مَا يَنْقَلِبُونَ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ لَاتَّكَلُوا ، وَلَكِنْ لِيَسْتَأْنِفُوا الْعَمَلَ .
وَسُئِلَ الثَّوْرِيُّ حِينَ دَفَعَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَنْ أَخْسَرِ النَّاسِ صَفْقَةً ، وَهُوَ يُعَرِّضُ بِالظَّلَمَةِ وَأَهْلِ الْفِسْقِ ، فَقَالَ : أَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً مَنْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِهَؤُلَاءِ .