بَاب مَا يَجِبُ مِنْ النُّذُورِ فِي الْمَشْيِ
وَحَدِيثُ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ إِنَّمَا سَمَّاهُ نَذْرًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ كَمَا قَالَ فِي الْخَمْرِ وَبَائِعِهَا مَعَ بُطْلَانِ الْبَيْعِ ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ . وَالْأَيْمَانُ ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ وَهِيَ خِلَافُ الْيَسَارِ ، أُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلٌّ يَمِينَ صَاحِبِهِ ، أَوْ لِحِفْظِهَا الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَحِفْظِ الْيَمِينِ ، وَسُمِّيَ أَلِيَّةً وَحَلِفًا ، وَشَرْعًا : تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، هَذَا إِنْ قُصِدَ بِهَا الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ وَإِلَّا زِيدَ ، وَمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ لِيَدْخُلَ الْحَلِفُ بِنَحْوِ إِطْلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ وَابْتَدَأَهُ بِالْبَسْمَلَةِ تَبَرُّكًا فَقَالَ : 1 - بَابُ مَا يَجِبُ مِنَ النُّذُورِ فِي الْمَشْيِ 1025 1007 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابن عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ أَحَدَ النُّقَبَاءِ وَسَيِّدَ الْخَزْرَجِ وَأَحَدَ الْأَجْوَادِ ، وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ فَنُهِشَ فَأَقَامَ ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَتَبِعَهُ اللَّيْثُ ، وَبَكْرُ بْنُ وَائِلٍ وَغَيْرُهُمَا .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ سَعْدٍ : أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ ، فَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ مَنْ زَادَ عَنْ سَعْدٍ ، وَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخَذَهُ عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرِّوَايَةَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّةِ سَعْدٍ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ . ( اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي ) عَمْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ ، وَقِيلَ : سَعْدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّةُ الْخَزْرَجِيَّةُ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ ( مَاتَتْ ) وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ فِي غَزْوَةِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَكَانَ ابْنُهَا سَعْدٌ مَعَهُ ، فَقِدَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهَا بَعْدَ دَفْنِهَا بِشَهْرٍ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ مَعَ أَبَوَيْهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ سَعْدٍ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ ( /1 ) وَجَبَ كَانَتْ عَلَّقَتْهُ عَلَى شَيْءٍ حَصَلَ ( وَلَمْ تَقْضِهِ ) لِتَعَذُّرِهِ بِسُرْعَةِ مَوْتِهَا أَوْ أَخَّرَتْهُ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ إِذْ لَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُهُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ الْفَوَاتُ ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ يَجِبْ أَدَاؤُهُ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَلْزَمْ قَضَاؤُهُ وَإِنِ فُعِلَ فَحَسَنٌ كَمَا قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي نَذَرْتُ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَأَمَرَهُ بِوَفَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مَا نَذَرَهُ فِي كُفْرِهِ ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ عَلَى إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَجِبُ ، كَمَا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ نَذْرَهَا مُطْلَقٌ ، إِذْ لَوْ كَانَ مُقَيَّدًا لَاسْتَفْسَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ مِنْهُ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ كَانَ صِيَامًا نَذَرَتْهُ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ، وَأَطَالَ فِي تَضْعِيفِهِ ، وَقِيلَ : كَانَ عِتْقًا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ سَعْدًا قَالَ : إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَعَمْ وَقِيلَ : كَانَ صَدَقَةً لِآثَارٍ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ نَذْرًا مُطْلَقًا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ انْتَهَى .
وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : أَفَيُجْزِي عَنْهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ : فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ النَّذْرَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْعِتْقُ ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ نَذْرَهَا مُطْلَقٌ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ حُجَّةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَالْعِتْقُ أَعْلَى كَفَّارَاتِ الْيَمِينِ فَلِذَا أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقْ عَنْهَا .
( فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْضِهِ عَنْهَا ) اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ قَائِلِينَ : سَوَاءٌ كَانَ فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ : أَنَّ سَعْدًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَنْفَعُ أُمِّي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا وَقَدْ مَاتَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : اسْقِ الْمَاءَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثُ الْبَابِ . وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَقْيُ الْمَاءِ وَلِلْبُخَارِيِّ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ الْعِتْقِ وَسَقْيِ الْمَاءِ وَالْحَائِطِ الْمُسَمَّى بِالْمِخْرَافِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : الِاسْتِفْتَاءُ يَكُونُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْعَامِّيِّ مَعَ الْعَالِمِ ، وَأَمَّا الْعَالِمَانِ الْمُجْتَهِدَانِ فَسُؤَالُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ جَائِزٌ إِذَا الْتَزَمَا شُرُوطَ الْمُنَاظَرَةِ مِنَ الْإِنْصَافِ ، وَقَصْدِ إِظْهَارِ الْحَقِّ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا سُؤَالُهُ مُسْتَفْتِيًا مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ وَتَمَكُّنِ السَّائِلِ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شُغُوفٌ فِي الْعِلْمِ فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ دُونَهُ تَقْلِيدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالُ ؟ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنْ خَافَ الْعَالِمُ فَوَاتَ حَادِثَةٍ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى جَوَازِ اسْتِفْتَاءِ غَيْرِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِنَا وَقَالُوا يَتْرُكُهَا لِغَيْرِهِ ، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ .
وَأَمَّا مَا يَخُصُّهُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِمَّا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، انْتَهَى . وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْحَدِيثِ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ والليث فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَيُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ ، وَبَكْرُ بْنُ وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ اخْتِلَافٌ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَ بِهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ هِشَامٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ انْتَهَى ، وَرِوَايَةُ عَبْدَةَ فِي مُسْلِمٍ .