بَاب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ الضَّحَايَا
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَمْرٌو ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، فَسَقَطَ لِمَالِكٍ ذِكْرُ سُلَيْمَانَ ، وَلَا يُعْرَفُ الْحَدِيثُ إِلَّا لَهُ ، وَلَمْ يَرَوِهِ غَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدٍ ، وَلَا يُعْرَفُ عُبَيْدٌ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ هَذَا عَنْهُ ، وَرَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُعْبَةُ ، والليث عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدٍ عَنِ الْبَرَاءِ ثُمَّ أَسْنَدَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي التَّمْهِيدِ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا لِسُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدٍ مُنْتَقَدٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، وَالْقَاسِمُ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدٍ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ . وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ سُلَيْمَانَ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدٍ بِوَاسِطَةٍ هِيَ الْقَاسِمُ مَوْلَى خَالِدٍ وَبِدُونِهَا ، وَصَرَّحَ سُلَيْمَانُ فِي بَعْضِ طرقه عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِقَوْلِهِ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ فَيْرُوزٍ ( عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، نَزَلَ الْكُوفَةَ ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ لِدَةَ ابْنِ عُمَرَ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ مَاذَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا ) قَالَ الْبَاجِيُّ : دَلَّ هَذَا أَنَّ لِلضَّحَايَا صِفَاتٌ يُتَّقَى بَعْضُهَا ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا يُتَّقَى مِنْهَا شَيْءٌ لَسُئِلَ هَلْ يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا شَيْءٌ ( فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ أَرْبَعًا ) تُتَّقَى ، وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ : لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا أَرْبَعٌ ( وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ : يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، والليث ، وَابْنِ لَهِيعَةَ بِسَنَدِهِمْ عَنِ الْبَرَاءِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ قَالَ : وَأُصْبُعِي أَقْصَرُ مِنْ أُصْبُعِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا أَرْبَعٌ ( الْعَرْجَاءُ ) بِالْمَدِّ ( الْبَيِّنُ ) أَيِ : الظَّاهِرُ ( ظَلْعُهَا ) بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ : عَرَجُهَا ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ فِي مَشْيِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْزِي وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَرْجَاءَ تَجْرِي وَتَمْشِي ، وَالْعَرَجُ مِنْ صِفَاتِ الْمَشْيِ ، وَأَمَّا الَّتِي لَا تَمْشِي فَلَا يُقَالُ لَهَا عَرْجَاءُ ، فَإِنْ خَفَّ الْعَرَجُ فَلَمْ يَمْنَعْهَا أَنْ تَسِيرَ بِسَيْرِ الْغَنَمِ أَجْزَأَتْ كَمَا هُوَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ . ( وَالْعَوْرَاءُ ) بِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْوَرَ ( الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ) وَهُوَ ذَهَابُ بَصَرِ إِحْدَى عَيْنَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ بِهَا بَيَاضٌ قَلِيلٌ عَلَى النَّاظِرِ لَا يَمْنَعُهَا الْإِبْصَارَ ، أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ النَّاظِرِ أَجْزَأَتْ ، قَالَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ .
( /1 ) بِأَيِّ مَرَضٍ كَانَ بِشَرْطِ وُضُوحِهِ فَهُوَ عَامٌّ عَطَفَ عَلَيْهِ خَاصًّا بِقَوْلِهِ : ( وَالْعَجْفَاءُ ) بِالْمَدِّ مُؤَنَّثُ أَعْجَفَ الضَّعِيفَةُ ( الَّتِي لَا تُنْقِي ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَقَافٍ ؛ أَيْ : لَا نُقْيَ لَهَا ، وَالنُّقَيُ الشَّحْمُ ، وَكَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ . وَفِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ : وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي ، يُرِيدُ الَّتِي لَا تَقُومُ وَلَا تَنْهَضُ مِنَ الْهُزَالِ ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا دَاخِلٌ فِيهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهَا أَبْيَنَ ، فَإِذَا لَمْ تُجْزِ الْعَوْرَاءُ وَالْعَرْجَاءُ فَالْعَمْيَاءُ وَالْمَقْطُوعَةُ الرِّجْلِ أَحْرَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ وَالْعَرَجَ الْخَفِيفَيْنِ وَالنُّقْطَةَ الْيَسِيرَةَ فِي الْعَيْنِ وَالْمَهْزُولَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِغَايَةٍ فِي الْهُزَالِ تُجْزِي الضَّحَايَا ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا عَدَا الْعُيُوبَ الْأَرْبَعَةَ يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَلَهُ وَجْهٌ لَوْلَا مَا جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُضَمَّ إِلَى ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، خَرَّجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا بِمُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ ، وَالْمُقَابَلَةُ مَا قُطِعَ طَرْفُ أُذُنِهَا ، وَالْمُدَابَرَةُ مَا قُطِعَ طَرَفَا جَانِبِيِ الْأُذُنِ ، وَالشَّرْقَاءُ الْمَشْرُوقَةُ الْأُذُنِ ، وَالْخَرْقَاءُ الْمَثْقُوبَةُ الْأُذُنِ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ لَيْسَ بِدُونِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ . وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزٍ قَالَ : قُلْتُ لِلْبَرَاءِ إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ أَوْ فِي الْأُذُنِ نَقْصٌ أَوْ فِي السِّنِّ نَقْصٌ ، قَالَ : فَمَا كَرِهْتَهُ فَدَعْهُ وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .