شرح الزرقاني على الموطأ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ
1
بَاب مَاجَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ
1065
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَعَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الْاسْمَ ، وَقَالَ : مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
26
كِتَابُ الْعَقِيقَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَصْلُهَا كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ الشَّعَرَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ ، وَسُمِّيَتِ الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْهُ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُحْلَقُ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّعَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مَعَهُ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ ، وَقِيلَ : هِيَ الذَّبِيحَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَذْبَحَ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا يُعَقُّ أَيْ يُشَقُّ وَيُقْطَعُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُقَوْلَ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ إِنَّهَا الشَّعَرُ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ الذَّبْحُ نَفْسُهُ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ لُغَةً يُقَالُ عَقَّ إِذَا قَطَعَ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : بِلَادٌ بِهَا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمِي وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُ الرَّمَّاحِ بْنِ مَيَّادَةَ : بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي
1
بَابُ مَا جَاءَفِي الْعَقِيقَةِ 1082
1065
( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ) أَيِ الْعِصْيَانَ وَتَرْكَ الْإِحْسَانِ ( وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الِاسْمَ ) لَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِي ضَحِيَّةً ؛ لِنَصِّهِ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْفَصَاحَةِ الِاحْتِرَازُ عَنْ لَفْظٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا مَكْرُوهٌ فَيُجَاءُ بِهِ مُطْلَقًا ( وَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ ) بِضَمِّ السِّينِ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَتَطَوَّعُ بِقُرْبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى ( عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ ) وَفِي جَعْلِ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى مَحَبَّتِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ نُسُكًا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِيهِ كَرَاهَةُ مَا يَقْبُحُ مَعْنَاهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَكَانَ الْوَاجِبُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ لِذَبِيحَةِ الْمَوْلُودِ نَسِيكَةٌ وَلَا يُقَالَ عَقِيقَةٌ لَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مَالَ إِلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ بِهِ ، وَأَظُنُّهُمْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ لِمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِ الْعَقِيقَةِ ، انْتَهَى . وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ أَصْحَابِهِمُ الشَّافِعِيَّةِ : يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا نَسِيكَةً أَوْ ذَبِيحَةً ، وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا عَقِيقَةً كَمَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ تَشَبُّثًا بِحَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَا لِنَفْيِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَأَنَّهَا نُسِخَتْ بِالضَّحِيَّةِ كَمَا ادَّعَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، بَلْ آخِرُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُهَا ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّ الْأَوْلَى يُسَمَّى نَسِيكَةً لَا عَقِيقَةً ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا أَعْلَمُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .