بَاب نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَمَا أَشْبَهَهُ
( أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ ) بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ الْقُرَظِيَّ الصَّحَابِيَّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا أَرْسَلَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَوَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَنَفِيُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْمِسْوَرِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ ( طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَقِيلَ اسْمُهَا أُمَيْمَةُ وَقِيلَ : سُهَيْمَةُ ، وَقِيلَ : عَائِشَةُ ( بِنْتَ وَهْبٍ ) الْقُرَظِيَّةَ الصَّحَابِيَّةَ ، لَا أَعْلَمُ لَهَا غَيْرَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ( فِي عَهْدِ ) أَيْ زَمَنِ ( رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : أَنَّهَا قَالَتْ : طَلَّقَنِي آخَرُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَالرِّوَايَاتُ تُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ بِلَا كَرَاهَةٍ ( فَنَكَحْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ ، الصَّحَابِيَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ ( فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ) لِاسْتِرْخَائِهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا شَبَّهَتْهُ بِذَلِكَ لِصِغَرِ ذَكَرِهِ أَوْ لِاسْتِرْخَائِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ إِذْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ إِلَى حَدٍّ لَا يَغِيبُ مَعَهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ ( فَفَارَقَهَا ) طَلَّقَهَا . قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا اتَّفَقَ بَعْدَ شِكَايَتِهَا لِلْمُصْطَفَى وَمُبَاكَرَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهَا .
فَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ : وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ ، قَالَ : كَذَبَتْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ ( فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ) بِالثَّلَاثِ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي ذَكَرَتْ وَلَا خُلْفَ لِجَوَازِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : وَكَانَ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ ، فَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِكِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ . وَقَوْلُهَا لَمْ يَصِلْ مِنِّي إِلَى شَيْءٍ - صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا لَا مَرَّةً وَلَا أَزَيْدَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهَا إِلَّا هَنَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يُرِدِ الْقُرْبَ مِنِّي بِقَصْدِ الْوَطْءِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَبِهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْمُوَطَّأِ : فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا ( وَقَالَ : لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ السِّينِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ ، شَبَّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ الْعَسَلِ وَحَلَاوَتِهِ فَاسْتَعَارَ لَهَا ذَوْقًا وَأَنَّثَ الْعَسَلَ فِي التَّصْغِيرِ لِأَنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَسَلِ ، أَوْ عَلَى إِرَادَةِ اللَّذَّةِ لِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ ، وَوَحَّدَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إِلَّا بِوَطْءٍ مُتَعَدِّدٍ ، وَضُعِّفَ زَعْمُ أَنَّ التَّأْنِيثَ عَلَى إِرَادَةِ النُّطْفَةِ بِأَنَّ الْإِنْزَالَ لَا يُشْتَرَطُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، وَشَذَّ الْحَسَنُ فَقَالَ : الْعُسَيْلَةُ الْإِنْزَالُ رَعْيًا لِمَعْنَى الْعُسَيْلَةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ لَا حَتَّى . إِلَخْ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : إِنْ كَانَ كَمَا وَصَفَتْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ فَلَا تَحِلُّ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا .
وَالثَّانِي : إِنْ كَانَ يُرْجَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ طَمَعًا أَنْ يَكُونَ ، وَرُبَّمَا كَانَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : مَغِيبُ الْحَشَفَةِ هُوَ الْعُسَيْلَةُ ، وَأَمَّا الْإِنْزَالُ فَهُوَ الدُّبَيْلَةُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ فِي لَذَّةِ الْمُلَاعَبَةِ ، فَإِذَا أَوْلَجَ فَقَدَ عَسَّلَ ، ثُمَّ يَتَعَاطَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا فِيهِ عُلُوُّ نَفَسِهِ وَإِتْعَابُ نَفْسِهِ وَنَزْفُ دَمِهِ وَإِضْعَافُ أَعْضَائِهِ ، فَهُوَ إِلَى الدُّبَيْلَةِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْعُسَيْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِلَذَّةٍ وَخَتَمَ بِأَلَمٍ . قَالَ الْأُبِّيُّ : وَهَذَا مِنْهُ ذَهَابٌ إِلَى أَنَّ مَا قَبْلَ الْإِنْزَالِ أَمْتَعُ مِنْ سَاعَةِ الْإِنْزَالِ .
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَرَفَةَ : مَنْ لَهُ ذَوْقٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : سَاعَةُ الْإِنْزَالِ أَلَذُّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا ، وَإِنْ دَامَتْ قَتَلَتْ ، وَهُوَ يَنْحُو إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ .