بَاب مَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْتَفَلَ مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ﴾وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ٨ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾[ النور : 6 - 9 ] . قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَعَلَى هَذَا السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ .
قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ ، قَالَ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْهَا وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لَاعَنَهَا ، قَالَ : وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ .
قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَهُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ : إِنَّهُ إِذَا نَزَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا .
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ : أَنَا حَامِلٌ ، قَالَ : إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ مَلَكَهَا وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ .
1202 1186 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ ( لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ) زَوْجَتَهُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الْعَجْلَانِيَّةَ ( فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَقَلَ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْرٍ : فَانْتَفَى بِالْفَاءِ ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ ، أَيِ : الْمُلَاعَنَةُ كَانَتْ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ الرَّجُلِ مِنْ وَلَدِ الْمَرْأَةِ وَإِلْحَاقِهِ بِهَا ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا سَبَبُ ثُبُوتِ الِانْتِفَاءِ فَجَيِّدٌ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا سَبَبُ وُجُودِ الِانْتِفَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ فِي الْمُلَاعَنَةِ لَمْ يَنْتَفِ ( فَفَرَّقَ ) بِشَدِّ الرَّاءِ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا ) أَيِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ؛ تَنْفِيذًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَهُمَا بِنَفْسِ اللِّعَانِ ، وَبِظَاهِرِهِ تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُجَرَّدَ اللِّعَانَ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِفْتَاءُ وَالْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا ، قَالَ : مَالِي ؟ قَالَ : لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ : فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ ، وَقَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟ فَأَبَيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ اللِّعَانِ ، فَفِيهِ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَلَوْ بِطْرِيقِ الْإِجْمَالِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَالَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ ؛ تَحْذِيرًا لَهُمَا .
( وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ) فَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَنَفَاهُ عَنِ الرَّجُلِ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنِهِمَا . وَزَعَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا عَلَى أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزْعَةَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا نَحْوَهُ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ نَافِعٍ : سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوِهِ . ( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ يَقْذِفُونَ أَزْوَاجَهُمْ بِالزِّنَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ يَشْهَدُونَ عَلَى تَصْدِيقِ قَوْلِهِمْ إِلا أَنْفُسُهُمْ بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهَدَاءُ أَوْ نَعْتٌ عَلَى أَنَّ إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ ( فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ) مُبْتَدَأٌ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَى بِهِ زَوْجَتَهُ مِنَ الزِّنَا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ فِي ذَلِكَ ، وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ تَدْرَأُ عَنْهُ الْعَذَابَ أَيْ حَدَّ الْقَذْفِ ، وَقَرَأَ الْإخَوَانُ وَحَفْصٌ بِرَفْعِ أَرْبَعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ فَشَهَادَةُ كَمَا فِي السَّمِينِ ( وَيَدْرَأُ ) أَيْ يَدْفَعُ ( عَنْهَا الْعَذَابَ ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا إِنْ لَمْ تَحْلِفْ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : لَفْظُ أَشْهَدُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَحْلِفُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، أَعْنِي أَنَّ شَهَادَاتِ اللِّعَانِ أَيْمَانٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : شَهَادَاتٌ حَقِيقَةً مِنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ : هَلْ يَتَلَاعَنُ الْفَاسِقَانِ وَالْعَبْدَانِ ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَصِحُّ وَعِنْدَهُ لَا يَصِحُّ ، وَأَمَّا الْمُقْسَمُ بِهِ فَهُوَ لَفْظُ اللَّهِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِنَصِّ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ الْخِلَافَ هَلْ يَزِيدُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، اهـ . الْقَوْلُ بِالِاقْتِصَارِ نَصُّ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِالزِّيَادَةِ قَوْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ ، وَلِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ أَمْرَهُمَا أَنْ يَتَلَاعَنَا بِمَا فِي الْقُرْآنِ . ( قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا ) بَلْ يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَبْدَى لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَائِدَةً ، وَهِيَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَلْعُونٌ مَعَ غَيْرِ مَلْعُونٍ ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَلْعُونٌ فِي الْجُمْلَةِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ الْمُلَاعِنِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ، وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِمَا مَعًا التَّزْوِيجُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَلْعُونٌ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ افْتِرَاقًا فِي الْجُمْلَةِ .
( وَإِنْ كَذَّبَ نَفْسَهُ ) بَعْدَ الِالْتِعَانِ ( جُلِدَ الْحَدَّ ) لِلْقَذْفِ ( وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ ) لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَدًا ؛ إِذِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِاللِّعَانِ لَا تَرْتَفِعُ بِالتَّكْذِيبِ ( وَعَلَى هَذَا السُّنَّةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ ) وَفِي بَعْضِ طَرُقِ حَدِيثِ سَهْلٍ إِشَارَةٌ إِلَيْهَا ( وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقًا بَاتًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ ) عَطْفُ بَيَانٍ لِـ بَاتًّا ( ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا لَاعَنَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِذَا ادَّعَتْهُ ) أَيِ ادَّعَتْ أَنَّهُ مِنْهُ ( مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ ، قَالَ : فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ ) زَادَ فِي نُسْخَةٍ : مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ( وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ ) حَالَ كَوْنِهِ ( يُقِرُّ بِحَمْلِهَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا جُلِدَ الْحَدَّ ) لِأَنَّهُ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ( وَلَمْ يُلَاعِنْهَا ) لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ لِزَوْجَةٍ ( وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا ، لَاعَنَهَا ) بِالشَّرْطِ الَّذِي قَالَهُ فَوْقَهُ ( وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ( وَالْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 6 ) إِذْ هُوَ شَامِلٌ لِلْعَبْدِ ( يَجْرِي مَجْرَى الْحُرِّ فِي مُلَاعَنَتِهِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : لَعَنَهُ لَعْنًا وَلَاعَنَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا ، وَتَلَاعَنُوا : لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ( غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَةً حَدٌّ ) وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ كَقَذْفِ الْكِتَابِيَّةِ إِنْ لَمْ يُلَاعِنْهُمَا ( وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ تُلَاعِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ فَلَمْ يَخُصَّ حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ وَلَا مُسْلِمَةً مِنْ كِتَابِيَّةٍ ( فَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ) لِشُمُولِ الْآيَةِ لَهُنَّ ( وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَالْعَبْدُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ أَوِ الْحُرَّةَ النَّصْرَانِيَّةَ أَوِ الْيَهُودِيَّةَ لَاعَنَهَا ) لِأَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ شَامِلٌ لَهُ وَلَهُنَّ ( قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَيَنْزِعُ ) بِكَسْرِ الزَّايِ ، يَرْجِعُ ( وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ بَعْدَ يَمِينٍ أَوْ يَمِينَيْنِ مَا لَمْ ) أَيْ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ ( يَلْتَعِنْ فِي الْخَامِسَةِ : إِنَّهُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ( إِذَا نَزَعَ ) رَجَعَ ( قَبْلَ أَنْ يَلْتَعِنَ ، جُلِدَ الْحَدَّ ) لِأَنَّهُ قَذَفَهَا ( وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مُخْتَصَّةٌ بِلِعَانِهَا ( وَفِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ قَالَتِ الْمَرْأَةُ : أَنَا حَامِلٌ ) مِنْكَ ( قَالَ : إِنْ أَنْكَرَ زَوْجُهَا حَمْلَهَا لَاعَنَهَا ) لِنَفْيِهِ ( وَفِي الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ يُلَاعِنُهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا : إِنَّهُ لَا يَطَؤُهَا وَإِنْ مَلَكَهَا ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَرَاجَعَانِ أَبَدًا ) وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ( وَإِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ ) وَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ فَسْخًا لَكِنْ لَمَّا يُعْلَمْ صِدْقُ الزَّوْجِ ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا وَإِسْقَاطَ حَقِّهَا فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ ، اتُّهِمَ فِي ذَلِكَ وَأُلْزِمَ نِصْفَهُ أَوْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ طَلَاقٌ .