بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ الْحَدِيثَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حِينَ الْإِيقَاعِ ثَبَتُوا قَلِيلًا ، فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ انْهَزَمُوا بِأَنْ يَكُونُوا لَمَّا دَهَمَهُمْ وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ ثَبَتُوا وَتَصَافُّوا وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ . ( فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ) أَيْ نِسَاءٍ أَخَذْنَاهَا مِنْهُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ ( فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ) أَيْ جِمَاعَهُنَّ ( وَاشْتَدَّتْ ) قَوِيَتْ ( عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ ، فَقْدُ الْأَزْوَاجِ وَالنِّكَاحِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ عَطْفَ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ تَعَذَّرَ عَلَيْنَا النِّكَاحُ لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِهِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ لِطُولِ الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ غَيْبَتَهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ لَمْ تَطُلْ ، اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ( وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ) وَلِمُسْلِمٍ : وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ ( فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ) خَوْفًا مِنَ الْحَمْلِ الْمَانِعِ مِنَ الْفِدَاءِ الَّذِي أَحْبَبْنَاهُ ( فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا ) أَيْ بَيْنَنَا ، وَأَظْهُرُ زَائِدَةٌ ( قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ) عَنِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مِنَ الْوَأْدِ الْخَفِيِّ كَالْفِرَارِ مِنَ الْقَدَرِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكُنَّا نَعْزِلُ ثُمَّ سَأَلْنَا ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ قَبْلَ الْعَزْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ بَعْدَهُ ، وَبِأَنَّ مَعْنَى نَعْزِلُ عَزْمُنَا عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْأُولَى .
( فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، قَالَهَا ثَلَاثًا . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا اطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمْ فَيُشْكَلُ مَعَ قَوْلِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ : كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَكُونُ مَرْفُوعًا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَيْهِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ دَوَاعِيَهُمْ كَانَتْ مُتَوَفِّرَةً عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ فَإِذَا عَمِلُوا شَيْئًا وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَادَرُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَكُونُ الظُّهُورُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ .
( فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ ) بَأْسٌ ( أَنْ لَا تَفْعَلُوا ) أَيْ لَيْسَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ ، أَوْ لَا زَائِدَةٌ ، أَيْ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي فِعْلِهِ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيَ ، أَيْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ ( مَا مِنْ نَسَمَةٍ ) بِفَتَحَاتٍ ، أَيْ نَفْسٍ ( كَائِنَةٍ ) أَيْ قُدِّرَ كَوْنُهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ) أَيْ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ ، سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْعَزْلِ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ خَلْقُهَا سَبَقَكُمُ الْمَاءُ فَلَا يَنْفَعُكُمُ الْحِرْصُ ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعٍ مِنْهُ ، وَعِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهْرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، أَوْ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، لِيَخْلُقَنَّ اللَّهُ نَفْسًا هُوَ خَالِقُهَا وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ ، فَقَالَ : اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ، فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ ، فَقَالَ : قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ مَا وَقَعَ فِي سِهَامِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ كِتَابِيَّةً ، فَإِنْ كَانَ سَبْيُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كِتَابِيَّاتٍ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ فَذَاكَ ، وَإِنْ كُنَّ وَثَنِيَّاتٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهُنَّ بِالْمِلْكِ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 221 ) وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُصِيبَ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ أَمْرَهَا فَغَلَسَتْ ثِيَابَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَلَّمَهَا الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ أَصَابَهَا ، اهـ بِمَعْنَاهُ .
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ . وَلَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ إِذْ لَا يُقَالُ هَذَا فِيمَنْ أَسْلَمَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ السَّابِي ، بَلْ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَيَجُوزُ فِدَاؤُهُ وَبَيْعُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُشْرِكَةِ ثُمَّ نُسِخَ ، وَلَا يَصِحُّ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى دَلِيلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ ، وَلَوْ بَقِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْوَطْءِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَبَقِيَ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَمْرَيْنِ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ بِرَفْعِ الْإِشْكَالِ عَنْهُمَا مَعًا ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْعِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْفِدَاءِ لِلْحَمْلِ ، وَالْفِدَاءُ بَيْعٌ وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلُ خَوْفَ رِقِّ الْوَلَدِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ ، وَفِيهِ اسْتِرْقَاقُ جَمِيعِ الْعَرَبِ كَقُرَيْشٍ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ : لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ لِشَرَفِهِمْ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِتْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَرَوَيَاهُ جَمِيعًا عَنْ شَيْخِهِمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ : أَصَبْنَا سَبَايَا وَكُنَّا نَعْزِلُ ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَنَا : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، ثَلَاثًا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ جُوَيْرِيَةَ ، اهـ .
لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ عَنْ مَالِكٍ فَهُوَ عِنْدَهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ . وَقَدْ تَابَعَهُ شُعَيْبٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْبَيْعِ ، وَيُونُسُ عِنْدَهُ فِي الْقَدَرِ ، وَعَقِيلٌ عِنْدَهُ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ بِهِ .