بَاب مَا جَاءَ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ
( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ) عُقْبَةَ بِالْقَافِ ابْنِ عَمْرٍو ( الْأَنْصَارِيِّ ) يُعْرَفُ بِالْبَدْرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ بَدْرًا ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَعَ فِي نُسْخَةِ يَحْيَى ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِالْوَاوِ وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْيَدِ وَسُوءِ النَّقْلِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ كُلُّهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، أَمَّا لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَلَا . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) الْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهِ اتِّفَاقًا لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَعَنْ بَيْعِهِ وَالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ ، وَمَنْ لَا ثَمَنَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا قُتِلَ ، كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَنْفَعَةِ لَا تُبِيحُ الْمَبِيعَ كَأُمِّ الْوَلَدِ يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَا تُبَاعُ ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ كَالشَّافِعِيِّ نَجَاسَتُهُ فَلَا يُبَاعُ مُطْلَقًا كَمَا لَا تُبَاعُ الْعَذِرَةُ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ : يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا ، حَتَّى قَالَ سَحْنُونٌ : أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ ، وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ لِحَدِيثِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ : نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ . ( وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ .
( وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرُ حَلَوْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتَهُ ، إِلَى هُنَا الْحَدِيثُ ، وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ : ( يَعْنِي بِمَهْرِ الْبَغِيِّ مَا تُعْطَاهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَى ) وَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا وَسُمِّيَ مَهْرًا لِشَبَهِهِ بِالْمَهْرِ فِي الصُّورَةِ . ( وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ رِشَوْتُهُ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا . ( وَ ) هِيَ ( مَا يُعْطَى عَلَى أَنْ يَتَكَهَّنَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شَبَّهَ مَا يُعْطَى الْكَاهِنُ بِشَيْءٍ حُلْوٍ لِأَخْذِهِ إِيَّاهُ سَهْلًا دُونَ كُلْفَةٍ ، يُقَالُ : حَلَوْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْحُلْوَ ، وَعَسَلْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتَهُ الْعَسَلَ ، وَالْحُلْوُ أَيْضًا الرِّشْوَةُ وَالْحُلْوَانُ فِي غَيْرِ هَذَا مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ وَهُوَ عَيْبٌ عِنْدَ النِّسَاءِ ، قَالَتِ امْرَأَةٌ تَمْدَحُ زَوْجَهَا : لَا يَأْخُذُ الْحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِنَا .
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَاهِنُ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ كَذِبٌ كُلُّهُ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿تَنَـزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾( سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : الْآيَةُ 222 ) وَهُوَ مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَاهِنُ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَةَ عِلْمِ الْغَيْبِ وَيُخْبِرُ النَّاسَ عَنِ الْكَوَائِنِ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَهَنَةٌ يَدَّعُونَ مَعْرِفَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يُدْرِكُ الْأُمُورَ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا وَهُوَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا كَالشَّيْءِ يُسْرَقُ فَيَعْرِفُ الْمَظْنُونَ بِهِ السَّرِقَةُ ، وَالْمَرْأَةِ تُتَّهَمُ فَيَعْرِفُ مَنْ صَاحِبُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا ، وَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ . وَفِي الْإِجَارَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَاللَّيْثُ فِي مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .
( قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي ) الْمُجْتَرِئِ الْمُولَعِ بِالصَّيْدِ ( وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) وَأَطْلَقَ فَشَمِلَهُمَا ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ عَنْهُ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ فِي الْمِيرَاثِ وَالْمَغَانِمِ وَالدَّيْنِ أَوْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِهِ ، خِلَافًا لِتَشْهِيرِ بَعْضِهِمْ كَالْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ الْكَرَاهَةَ ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَتَلَ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةً أَوْ زَرْعًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَمَنْ قَتَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَأَسْقَطَهَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ فِيهِمَا ، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِمَا .