بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ
بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ السَّلَفِ 1365 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . 43 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السَّلَفِ - 1384 1365 ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ الْمَدَنِيِّ الْعَالِمِ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ) أَسْلَمَ أَوْ إِبْرَاهِيمَ أَوْ ثَابِتٍ أَوْ هُرْمُزٍ أَوْ سِنَانٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَسَارٍ أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ قُزْمَانَ ، أَقْوَالٌ عَشَرَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَشْهَرُ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ أَسْلَمُ الْقِبْطِيُّ ( مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَقِيلَ كَانَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْتَقَهُ ، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ عَلَى الصَّحِيحِ .
( أَنَّهُ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ الْأُبِّيُّ : السِّينُ فِي اسْتَسْلَفَ لِلطَّلَبِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ ، وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ ( بَكْرًا ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ ، وَهُوَ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ كَالْغُلَامِ مِنَ الذُّكُورِ ، وَالْقَلُوصُ الْفِتْيَةُ مِنَ النُّوقِ كَالْجَارِيَةِ مِنَ الْإِنَاثِ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الدَّيْنِ لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِلَّا فَقَدْ خُيِّرَ فَاخْتَارَ التَّقْلِيلَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ وَفِي الْمُفْهِمِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ عَمَرَ ذِمَّتَهُ بِالدَّيْنِ وَقَدْ كَانَ يَكْرَهُهُ ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ : إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ شَيْنٌ وَفِي آخَرَ : فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَعَوَّذُ مِنْهُ حَتَّى قِيلَ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَدَايَنَ لِضَرُورَةٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ أَنْ تَكُونَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لَهُ ذَهَبًا ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ الضَّرُورَةُ ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا خَيَّرَهُ اخْتَارَ الْإِقْلَالَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ ، وَمَا عَدَلَ عَنْهُ زُهْدًا فِيهِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَالضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ ، وَأَيْضًا فَالدَّيْنُ إِنَّمَا هُوَ مَذْمُومٌ لِتِلْكَ اللَّوَازِمِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهَا وَقَدْ يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كُرِهَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْمَذَلَّةِ . وَأَمَّا السَّلَفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُعْطِيهِ فَمُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْخَيْرِ . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَرْضٌ مَرَّتَيْنِ يَعْدِلُ صَدَقَةً مَرَّتَيْنِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : دِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ ، وَدِرْهَمُ الْقَرْضِ بِسَبْعِينَ .
( فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ) أَيِ الزَّكَاةِ ( قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ) أَيْ بَكْرًا مِثْلَ بَكْرِهِ الَّذِي تَسَلَّفَهُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ . وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ ، لَكِنْ فِي النَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ ، فَكَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيٍّ وَوَقَعَ نَحْوُهَا لِلْعِرْبَاضِ .
( فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَةٌ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : إِذَا أَلْقَى الْبَعِيرَ رَبَاعِيَتَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ فَهُوَ رَبَاعِيٌ ، وَرَبَاعِيَاتُ الْأَسْنَانِ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَلِي الثَّنَايَا مِنْ جَانِبِهَا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَعْطِهِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الطَّاءِ ( إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ) لِلدَّيْنِ ، قَالَ الْبَوْنِيُّ : أَظُنُّهُ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُ لِهَذَا خِيَارَ النَّاسِ اهـ .
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ : وَهُوَ الْكَرَمُ الْخَفِيُّ اللَّاحِقُ بِصَدَقَةِ السِّرِّ ، فَإِنَّ الْمُعْطَى لَهُ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ صَدَقَةُ سِرٍّ فِي عَلَانِيَةٍ ، وَيُورِثُ ذَلِكَ صُحْبَةً وَوِدَادًا فِي نَفْسِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَتَخْفَى نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلَا يُشْكِلُ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَقْضِي مِنْهَا ؟ إِمَّا لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ كَمَا قِيلَ ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، ثُمَّ صَارَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ اسْتِقْرَاضَهُ إِنَّمَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ مِنَ الْغَارِمِينَ ، فَيَكُونُ فَضْلُ الشَّيْءِ صَدَقَةً عَلَيْهِ ، فَلَا يُقَالُ : كَيْفَ قَضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ أَجْوَدَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْغَرِيمُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَاظِرِ الصَّدَقَاتِ تَبَرُّعُهُ مِنْهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ ، فَهَمَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ، ثُمَّ قَالَ : أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ ، قَالَ : اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَحَفِظَ أَبُو رَافِعٍ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، وَحَفِظَ أَبُو هُرَيْرَةَ الشِّرَاءَ ، اهـ مُلَخَّصًا .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ، وَفِيهِ جَوَازُ قَرْضِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْكَافَّةِ فِيهِ ، وَمَنَعَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا دَلِيلٍ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ زَيْدٍ بِمِثْلِهِ غير أَنَّهُ قَالَ : فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَيْضًا .