باب الْقَضَاءِ فِي الْمَرْفِقِ
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ ، أَيْ لَا يَضُرُّهُ ابْتِدَاءً وَلَا يُضَارُّهُ إِنْ ضَرَّهُ وَلْيَصْبِرْ ، فَهِيَ مُفَاعَلَةٌ وَإِنِ انْتَصَرَ فَلَا يَعْتَدِي كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ . يُرِيدُ بِأَكْثَرِ مِنَ انْتِصَافِكَ مِنْهُ ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ( سورة الشُّورَى : الْآيَةُ 43 ) وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الضَّرَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْمُ ، وَالضِّرَارُ الْفِعْلُ ، أَيْ لَا تُدْخِلْ عَلَى أَحَدٍ ضِرَارًا بِحَالٍ . وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : الضَّرَرُ الَّذِي لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَالضِّرَارُ مَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَعَلَى جَارِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ يَنْصَرِفُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ ، وَالْفُقَهَاءُ يَنْزِعُونَ بِهِ فِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُمَا لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلتَّأْكِيدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ ، أَيْ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِضْرَارُهُ بِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ فِي الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِيفَاءٌ لِحَقٍّ أَوْ رَدْعٍ عَنِ اسْتِدَامَةِ ظُلْمٍ ، فَمَا أَحْدَثَهُ الرَّجُلُ بِعَرْصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ لِخُبْزٍ أَوْ سَبْكِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَمَلِ حَدِيدٍ أَوْ رَحًى فَلَهُمْ مَنْعُهُ ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ اهـ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا ، أَيْ لَا لُحُوقَ أَوْ إِلْحَاقَ ، أَوْ لَا فَعَلَ ضَرَرًا وَضِرَارًا بِأَحَدٍ ، أَيْ لَا يَجُوزُ شَرْعًا إِلَّا لِمُوجِبٍ خَاصٍّ ، فَقَيَّدَ النَّفْيَ بِالشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْقَدَرِ لَا يُنْتَفَى ، وَخَصَّ مِنْهُ مَا وَرَدَ لُحُوقُهُ بِأَهْلِهِ كَحَدٍّ وَعُقُوبَةِ جَانٍ وَذَبْحِ مَأْكُولٍ ، فَإِنَّهَا ضَرَرٌ وَلَاحق بِأَهْلِهِ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إِجْمَاعًا ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ، ثُمَّ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي التَّمْهِيدِ . وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْصُولًا بِزِيَادَةِ : وَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ .
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ الْعَلَائِيُّ : لَهُ شَوَاهِدُ وَطُرُقٌ يَرْتَقِي بِمَجْمُوعِهَا إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ .
وَذَكَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الطَّائِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ لَهُ أَنَّ الْفِقْهَ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ هَذَا أَحَدُهَا ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ حَدِيثُ : مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ مَاكَرَهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ ، وَقَالَ : لَكِنَّهُ مِمَّا يَخَافُ عُقُوبَةَ مَا جَاءَ فِيهِ . قَالَ : وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِ أَخِيهِ .
وَجَابِرٌ ضَعِيفٌ اهـ ، أَيْ فَلَا يُعْتَبَرُ بِزِيَادَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلِلرَّجُلِ . إِلَخْ ، فَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تُقْبَلُ مِنَ الثِّقَةِ إِنْ لَمْ يُخَالِفْ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ كَمَا تَقَرَّرَ ، ثُمَّ الْإِنْكَارُ إِنَّمَا هُوَ وُرُودُهَا فِي حَدِيثِ : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ؛ إِذْ هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ التَّالِي .